ترجمة فضيل بومالة
لقد كانت الشعبية دائما وحيثما ظهرت إيديولوجية الرعاع من الشعب حينما تصلإلى السلطة تساعدها في ذلك حوادث التاريخ (صراعات، حروب أو ثورات) إن الشعبوية لا تأخذ مأخذها إلا في البلاد الخالية على عروشها حيث لا وجود الطبقات الاجتماعية المنسجمة الوثيقة الرباط فيما بينها ولحياة فكرية معتبرة وللقليل من العدالة أو في تلك البلاد التي تمر بمراحل خطيرة في مراجعة الذاتوالقطائع وإحداث الشروخ في التوازن الاجتماعي أو من جراء التدني المفاجئ في القيم تحت سياط صدمة بوطوبيا جديدة.
وإذا كان بإمكان الشعبوية أن تحقق النصر في حرب تحريرية على محتل أجنبي أو أن تنسق وتحضر انتفاضة لمواجهة السلطة، فإنه ليس بمقدورها أن تبني هيكلا اجتماعيا دائما مستديما أو أن تدفع باتجاه تنمية اقتصادية حقيقية.
إنه من طبيعتها الخلط والملط والحشد والكسر وارتجال، على سبيل المثال، شعب عجاج صياح ولكن ليس من طبيعتها المفاضلة وتفريغ العينات والترتيب السلمي وتنسيق مجتمع هادئ مستقر. ولو افترضنا أن الكفاح من أجل الاستقلال وبدل أن يكون حربا وتحطيما للعدو، كان عملية بناء کبناء الأهرام في مصر أو سور الصين أو تخصيب مناطق جرداء قفراء كصحراء كاليفورنيا، أي عملية جماعية كبيرة تتطلب توحيد الجهود والأفكار والإرادات، لو كان الأمر كذلك ا كنا قد أنجزناه بذلك النجاح.
إن الشعبوية في ظاهرها خير للناس ولكنها من ألفها إلى يائها نفي للإنسان وإعدام له كما أنهاأعتى خصم للقيمة الإنسانية، وبما أنها تفضل التسلل إلى داخل الجماهير والتعامل معها أي مع لا أحد بتعبير آخر، فإنها تدنيء الفرد الذي يحمل إسما ولقبا ومواصفات إلى مرتبة البشاعة و اللاشكل منحية عنه كل صبغة تميزه عن الكائنات الأخرى. فبالنسبة لها، للعالم بعدي إسما ولقبا ومواصفات إلى مرتبة البشاعة والشكل منحية عنه كل صبغة تميزه عن الكائنات الأخرى، فبالنسبة لها، للعالم بعدي اثنين فوق وأسفل، راع وقطيع، قمة وقاعدة، أعور وعميان كما الأمر حاليا بالجزائر حيث يقرر عدد لا متنامي في الصغر من الأفراد مصير شعب بأكمله.
وليس للمواطن من معنى في منظور الشعبوية إلاإذا كان وسط الركام والثفل من الدهماء، وما إن يعتزم الخروج من ذلك الوسط ويكتسي خصائص جديرة بالتقدير حتى يرمى بسهامالشك ويعتبر من المعارضين الذين يجب إطفاء شعلتهم كما هيالحال في الجزائر مع الأحزاب السياسية: لقد رفضوا كتجمعات للمواطنين الواعين الملتزمين بمبدأ العمل على إنقاذ بلادهم التي أصبحت رهينة الشعبوية، ولكن إذا ما التحق أعضاء هذه الأحزاب بصفوف الحشد الفوضوي الخاضع والمجهول فإنهم سيصبحون أجدر بالثقة والمباهاة والفخر. وعلى العكس من ذلك، فإنه مع الجمعيات غير السياسية التي يحلو للشعبوية العمل السياسي.
وتحت لواء الشعبوية، تنحل المثل الكونية من مساواة وعدالة وتذوب حتى تصير مساواتية مفقرة مفسدة ومصالح مستترة في جيب القلة وقنوات لخرق القانون والنظام ” لجانا خاصة” توزع المداخيل والعائدات تباعا لهوى السيد الشعبوي الأول. وما ديدنها سوی تسوية كل القيم والناس صالحهم بطالحهم ومداهنة وإطراء أقبح الميولات و إشعال نار الفتنة بين هؤلاء وأولئك حتى لا يتسنى لأحد أن يصب عليه غضبه وحنقه.
إن الحسد طعامها والغيرة والغل شرابها والحقد نفسها: الحقد الطبقي، الحقد على المثقفين والثروة والنظافة والنجاح والجمال.. هذه بعض خصائص الشعبوية بصفة عامة. ولكن الشعبوية الجزائرية ابت الا أن تكون خاصة وعليه تحتاج منا بعض التوضيح والتدقيق.
لقد انبعثت الشعبوية في العصر الحديث في الاشتراكية العلمية. وعلى هذا كانت للروس الاشتراكية اللينينية وللجزائريين الاشتراكية الخشونية. وقد أعطي كل واحد طابع المحلي للشعبوية المعاصرة واستلهم منها ما استطاع ولكن النتيجة كانت واحدة بالنسبة للبلدين الإنهيار الإقتصادي وخطر الحرب الأهلية وتصدع المؤسسات والاستنجاد بالخارج و اللاإستقرار المدني المزمن… و الأمر انه لا يمكن الخروج من دائرة الشعبوية الا إربا إربا كما هي الحال في الاتحاد السوفياتي سابقا ويوغسلافيا والصومال والجزائر.
إن الشعبوية الروسية كما أوضحه برداییف”BERDIAEV”في كتابه ” مصادر ومعنى الشيوعية الروسيةLES SOURCES et LE SENS DU COMMUNISME RUSSE” قد وجدت سندا لها في العدمية التقليدية للشعب الروسي، بينما تزامنت شعبيتنا مع تصاميم ذهنية رافضة منذ التاريخ للاختلافاتالاجتماعية حيث تفضل الافتقار العام على اغتناء البعض، ثائرة على كل روح الانضباط والانتظام أو كل قاعدة أو سلطة معارضة لحريتهم المطلق في أن يصنعوا من الخير والشر ما شاءوا منتفضة بشدة وتمنت على كل استدلال عقلاني إذا لم يكن مغلفا بالنزوات العاطفية.
إن الخشونية في هذا التيار الباطني من الأمثال والعادات و السلوكات السلبية التي تغذي لا وعيناالجماعي منذ ألاف السنين وتروي ظمأنا بانکار خاطئة أكل عليها الدهر وشرب مناهضة لمصلحتنا المشتركة، ملطخة سلوكنا بالطابع الاجتماعي وقد كانت نتيجة ذلك على المدى البعيد تكوينکائنات هجينة تدخل في تركيبها تأثيرات مختلفة ومثل متناقضة: إنها نحن.
إن الشعبوية الجزائرية الخاصة لم تنم إلا على الفراش الذي أعدته لها الخشونية منذ أمد بعيد وأعادت تحريك الشوائب والطبائع التي عرف بهاأسلافنا التي لم تسمح لنا طوال تاريخنا أن نتعايش ونتعاون فيما بيننا لبناء بولتنا وثقافتنا ومجتمعنا واقتصادنا.
لقد جسدها رجال أميون أو متعالمون أو عور فأخذت القيادة وزادت الطين بلة بأوهامها وعماها، وما هو البروفسور لابوي Laborit يفسر لنا أن المخ يتهیكل تباعا لما عودته أعضاء الحس على إدراكه و لا يرى إلا ما تعلم رؤيته” والفصاحة والحكمة الإيجاز كما قالت العرب.
ولم تكن لدينا نحن الذين كسرتنا شتی أنواع الاحتلال المتتالية حيث يطرد هذا المستمر ذاك ويستوطن أرضنا بدله، المتفرقين على أنفسنا منذ القدم السنتين على طول وعرض مساحاتنا الواسعة أو الهاربين إلى جوف الجبال من الأجنبي، لم تكن لدينا القدرة الكافية لتعزيز قيمنا الذاتية وتنظيم قدراتنا وتقييم عائدات وسائلنا واستلهام قنا للعيش كأمة”.
لقد بقيت كل استعداداتنا في مرحلة الدوافع والقيم الأخلاقية والطاقة غير المستغلة في خدمة غاية جماعية، وفي حالة اللانشاط التي كانت عليه، لم يكن بإمكانها أن تدفع بنا إلى المرتبة العليا منقدرنا التاريخي والوصول إلى الفعالية التايلورية أو أن ترتقي بنا إلى مصاف مجتمع صناعي. بقينا رهينة للروح الخاصة لأننا لم نستطع أن نبني لأنفسنا ريحا جماعية، كما أننا بقينا بعيدين غير مبالين بالوعي الوطني لأننا لم نحقق ذلك الوعي المشترك ولذلك بقي الفرد الجزائري يعمل عن غير دراية ضد المجتمع الجزائري.
فمنذ يوغرطة إلى بوعمامة مرورا ببوغلة، كان أبطالنا أبطال تحرير وليس أبطال تحضير، وما أكثر ما نغمسنا في الصراعات والنزاعات الداخلية ولم نكرس من وقتنا شيئا للانجازات السلمية والإبداع والفكر الخالد، ويمكن لنا أن نجد أسماء مثل القديس سبریان، اوبتات الميلي، ترتولیان سیرتا، ترانتیوس لوور، بوريفيران، ارنوب وآخرين كثيرين من عقر دارنا، ولكنهم لم يخدموا سوی مجد الكنيسة وتخليد الثقافة الرومانية… ولم يكن باستطاعتهم حينها أن يخدموا غيرها وعلى ذلك فهم جديرين باحترامنا الأبدي.
لقد بقينا طوال ما عشناه قبائل وعروشا وزوايا أنجبت شخصيات ذات قيمة معتبرة بتضحياتها وشجاعتها ولكنها عاجزة عن بناء هيكل جماعي متآلف ومنسجم… وذلك راجع لابتعادنا عن التيارات الفكرية والنقاشات الجادة التي أحدثت النقلة النوعية في المجالات الفكرية والعملية والتكنولوجية وبقائنا في عزلة أبدية عن مخاضات التفكير السياسي التي أنجبت للشعوب الأخرى القوانين والمؤسسات الدائمة.
إننا وصلنا إلى حد أننا الشعب الوحيد في العالم الذي ترى أفراده يهمسون والحيلة تعتري وجوههم أنهم “حشیشه طالبه معيشة” وكأنهم يحسدون النباتات ويتمنون بذلك أن يصبحوا كائنات يخضورية ناسين في عجلتهم من أجل الخدعة والاحتيال أنه حتى النباتات تؤدي دورها في إنتاج الأوكسجين من خلال تحويلها الصناعي الآلي للطاقة الشمسية التي تتلقاها، و إنها تحتل مكانة رئيسية في السلسلة الغذائية التي تنعدم بدونها الحياة على وجه الأرض.
إنها ربما طريقتنا في التعبير عن رغبتنا في الآلة واعتمادنا على الطبيعة الله، أو الدولة من أجل إعالتنا وحمايتنا، لقد كنا ننتظر بالأمس المعجزات الأرضية من الاشتراكية والعناية الإلهية، لقد خاب أمل الجزائريين بعد طول انتظار ولذلك رفعوا أنظارهم إلى السماء حيث أظهرت لهم سذاجتهم اسم الله مرسوما في سماء ملعب للكرة حيث كانوا يتجمعون في يوم من الأيام وراحوا بگرینأن المعجزات السماوية ستحدث أمام مرآهم وعليه رفعوا راية السخرية و الهزء بالزعماء والتصفيق والتهليل للشيوع.
ما أسهل أن تؤثر في الجزائري الحماس لكل ما هو عجيب العاطفي والذي مازال في طفولة العقل، ولذلك ترى الجزائري اليخضوري يتفکر في هيئة الرجل الديني على أمل أن يضرب، عصفورين بحجر الخداع والاحتيال في الحياة الدنيا و الآخرة لكم هي النتائج الأولي السبعين سنة من الشعبوية الجهلاء (1926 3 (1996 الشباب قادرين على حرق نساء وهن حیات و أطفال وشيوخ ومواطنين من مختلف الأعمار يبيعون الماعز والوقود و الأجهزة الكهربائية على الحدود الدولة تحولت إلى هيئة مكافحة الإرهاب البلد أصبح رهينة رجل واحد، الاقتصاد مشلول نهائيا ولشباب يبحث عن وسائل للهروب.
هذه هي النتيجة التي أوصلنا إليها “تفكيرالنضال الذي بشر به في الثلاثينيات والأربعينيات وأصبح سياسة منذ الاستقلال.إن غذاء هذه القضية العكسية المناهضة لكل تفكير عقلاني مطبوخ في زيت المثل المغشوشة والذكريات غير الواضحة والمرجعيات التي يصعب النظر فيها وكذا الحقد والتخمينات المريضة. إن هذا التفكير يؤمن بالإدارة الجماعية” لأنه بمقت الفرد والتفوق المعنوي والثقافي والاستحقاق الشخصي والكفاءة ويفضل الضبابية ووضع كل الأشياء الموضع نفسه، والكم على الكيف والتفكير الرمزي على التفكير المنطقي ومجلس دولة الزمالات علىرئيس دولة الانتخابات.
وقد قررت الشعبوية أن تلغي إلى الأبد كل مفهوم للنخبة مهما كان نوعها ثقافية أو أخلاقية ورفع السيف القاطع في وجه كل من سولت له نفسه أن يفكر أو يكتب أو يتكلم.
لا لشيء إلا لأن النخبة قبل خمسين سنة كانت ممثلة بالباشاغا والقائد الذين لم يكونوا ليرتاح الشعب لهم.. ومادامت العادة تقتضي أنه يجب تقديم شيء كمثال ورمز، فها هي الشعبوية تفرض عن نفسها أحسن ما لديها أي الدهماء والجهل والفظاظة والسراق، والمغامرين الذين لا یخافون في الله لومة لائم.. فحطمت بذلك الثروات القليلة المشروعة التي تكونت عبر القرون وعوضتها بالاغتناء الحرام..
في مجتمع المساواة، ينتفض المرء ضد المساواة. وفي مجتمع اللامساواة، تنتفض الغالبية العظمى ضد اللامساواة ولكن هذا النوع من التصور والتفكير غريب عن الروح الشعبوية إن جزائريي اليوم يطالبون بالتمايز والتقييم باعتبار الاستحقاق والجهد و الكفاءة لأنهم على وعي بالكوارث التي تراكمت عليهم من جراء الشعبوية كما يطالبون بضرورة سياستهم بمعايير موضوعية وعقلانية علمية ويتوقون إلى بناء سلم للقيم يضع النخبة والذكاء في أعلى الهرميطالبون بذلك لأنهم يدخلون كل مساء عبر قنوات التلفزيون بيوت الأمم الأخرى ومن ثم يدركون حقيقة المجتمعات المستقرة المبنية على أسس سليمة والمنسجمة إنسجاما تاما.
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وهاهم الجزائريين يطالبون باحترام واعتبار شخصياتهم ويرفضون إعتبارهم شعبا يجب إطعامه وقطيعا وقاعدة، ومهما كانت محاولات استدراجهم نحو الوراء إلا أنهم يتصارعون ويرمون بأنفسهم إلىالقدام هروبا من القدر الملعون والبذلة المهينة ومخالب النضال الفاسد والسلطة الجماعية والشعبوية التي جعلت منهم رهائن منذ ثلاثين سنة وحجة هذه العقلية في ذلك مشاركتها في تحرير البلاد.
الاثنين 03 ماي 1993جريدة الخبر
