Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1999-1990الخطاب التأسيسي لحزب التجديد الجزائري

الخطاب التأسيسي لحزب التجديد الجزائري

by admin

منذ تسعة أشهر، نشرت الصحافة الوطنية “نداءا إلى مواطني ومواطنات” هذا البلد لإنشاء حزب ‏التجديد الجزائري. بلغ هذا النداء أصقاع البلاد ووصل حتى إلى جاليتنا في الخارج. لقد كان نداءا من ‏القلب والعقل، نابعا من ضمير مواطنين أدركوا الوضع الحرج للوطن، وخلصوا إلى ضرورة توحيد ‏جهودهم مع جهود باقي المواطنين

من أجل بناء الجزائر الجديدة

يُعد اليوم تعداد هؤلاء المواطنين المنخرطين تحت راية حزب التجديد الجزائري بالآلاف، يجمعهم ‏النموذج المعروض على شعبنا في مشروع المجتمع عن طريق الصحافة (في نوفمبر 1989) ومن خلال ‏التجمعات الشعبية، وبنفس الطموح لرؤية بلادنا تنطلق أخيرًا على دروب التاريخ التي تؤدي إلى ‏الكرامة والعظمة الأخلاقية والمادية وتحقيق سبب وجودنا على الأرض.‏

نمثل جميعنا، الإخوة والأخوات “أنصار” حزب التجديد الجزائري، ونحن مجتمعين في هذا المكان ‏أمام أعين الأمة، عينة لهذا الشعب الذي كان يعيش قبل ثلاثين عامًا، في فقر مدقع وذل دائم، محتلٌ ‏ومستعمرٌ من قبل قوة أجنبية. تحرر بلدنا في آخرانتفاضة له وبعد تقديم تضحيات بشرية هائلة، ‏مسجلاّ إعجاب العالم كله. ولم يكن انتصاره انتصار الأرقام أو الإستراتيجية العسكرية أو الأسلحة ‏المتطورة، بل انتصار الإيمان والتضامن والقدوة.‏

بعد الحصول على الاستقلال، اجتمعت مجموعة عوامل من غياب المشروع الاجتماعي، الصراع على ‏السلطة، انعدام الكفاءة، والافتتان بأيديولوجية آخر صيحة، لتقود بعد 28 عامًا شعبنا الساذج إلى ‏طريق، نتاجه مجموعات بشرية “غاشي” فوضوية غير منتجة محبطة بشدة وتعتمد على المساعدات ‏الخارجية.

كان أكتوبر 1988 بمثابة يقظة مأساوية لها.‏

لأول مرة شعرت بلادنا بزعزعة أسسها. ولأوّل مرة، كان الجزائريون يقتلون جزائريين آخرين بأعداد ‏كبيرة لأن الهوة التي حفرها “النظام” خلسة والذي تأسست فيه نقابة جرائم اقتصادية وسياسية ‏حقيقية، انتهت إلى كسر أواصر الثقة والأخوة والتضامن التي كانت توحدهم فيما بينهم.‏

الديمقراطية التي كان من الممكن أن تكون بمثابة تتويج للتطور، جاءت اعترافا بالفشل والإفلاس. كنّا ‏نتمناها في عام 1979، وتوقعناها في عام 1985، واعتقدنا أنها وشيكة في سبتمبر 1988. لكن لسوء ‏الحظ، لم تأت إلا بعد خمسة أشهر من بعد، التأخير الذي كلّف أمتنا مئات القتلى وتسبب في خرق ‏الوفاق الوطني. مع ذلك، قبل شعبنا المشروع الديمقراطي وكرّس آخر مخزونه من الصبر للأمل ‏الجديد.‏‎

في هذا الجو نشأت المعارضة الشرعية. أما بالنسبة لحزب التجديد الجزائري فقد نشأ من معاينة ‏مفادها أن معطيات الوضع السياسي الجديد لم توفر له على ما يبدو الشروط الضرورية والكافية ‏لتشكيل بديل قادر حقًا على وضع حد “للنظام” الذي يجرمه الجميع لكن دون القضاء على الجزائر ‏نفسها بإشراكها في دوامة من التشنجات والمواجهات …‏

أوّل ما تأثر به رجال حزب التجديد الجزائري وقد خرجوا من صفوف الشعب ليقدموا لهم مشروعًا ‏اجتماعيًا يهدف إلى إخراجهم تدريجيًا من الأزمات المتعددة التي تهدد وجودهم ككيان اجتماعي ‏واقتصادي وسياسي، هو الخوف من رؤيتهم للجزائر تتحرك ببطء ولكن بثبات نحو الفوضى تحت ‏ضغط القوى المحمومة التي بدأت تتصارع على نصيبها في هذه الفترة من إعادة النظر الفضة ‏والتطرف الانتقامي وأحياناً الطموحات الشخصية.‏‎

يبدو الأمر كما لو أن جميع الأطراف، كلّ الأحزاب والأفراد، بشكل فردي أو جماعي ولكن على أي حال ‏بشكل موضوعي، قد أعطوا أنفسهم الكلمة لإسقاط الجزائر معتقدين أنهم يسقطون “النظام” ‏المكروه أو خصم الجزائر المؤقت أو الأبدي.‏

في الواقع، نحن جميعًا نعمل حاليًا، كلٌّ على حدي لرفع التوتر العام، لمضاعفة أسباب الانقسام ‏وإضعاف البلد في نهاية المطاف، معتقدين بحسن نية أننا نعمل على إخراجها من الورطة … حتى ‏قضايا الهوية واللباس واللغة لم يحلوا لها سوى هذه الظروف حتى تفرض نفسها بتصميم حازم لا ‏رجعة عنه.‏

هبة الوعي الوطني أمر حتمي وعاجل لأن وطننا في خطر. فهو مهدد في المقام الأول بفقدان هذا النظام ‏الى كلّ شرعية و هو يعاند بإثارة أسباب السخط الشعبي من خلال مجرد التمسك بسلطة يرفضها ‏الشعب و يعبر عن ذلك كل يوم بطرق مختلفة، بما في ذلك العصيان المدني ورفض كلي للسلطة.‏

حتى لو قدم هذا النظام للشعب الشمس في يمينه والقمر في يساره، فلن يستعيد ثقته ولا يمكنه أن ‏يعيده إلى العمل، لأن النهر لا يعود أبدًا إلى منبعه. لكنه مهدد أيضًا، وأنا هنا أخاطبكم ضيوفنا الكرام ‏ونحن نعتبركم إخوة قبل أن نراكم منافسين، من خلال تضادنا، وجهودنا المتباينة، ومخاوفنا المتبادلة، ‏ولاعقلانية كل منا…‏

وهنا بدورنا نؤكد على الحس الجمعي الذي نفتقر له منذ القدم ويلام شعبنا على ذلك. نحن هنا نقدم ‏للعالم الذي يراقبنا الدليل على عدم كفاءتنا للارتقاء إلى مستوى التقدير المشترك لمصالحنا العليا في ‏مرحلة تعتبر حاسمة لمستقبل أمتنا. نعلم جميعًا أن هذا ما افتقدته الأجيال التي سبقتنا على هذه ‏الأرض مما قادها إلى الاستعمار والتخلف. لدينا جميعًا شعور خفيّ بأن هذا هو ما سيقودنا حتمًا إلى ‏الحرب الأهلية والانهيار …‏

‎دعونا نلقي نظرة على المجتمعات الراسخة والمتطورة التي تحيط بنا وننظر في أسباب استقرارها ‏ورفاهيتها. إنها نتيجة التغلب على المخاطر الكبرى للانقسام، وفرض احترام النظام ومبدأ القانون فوق ‏الجميع. تنعكس حضارتهم في سلوكهم أكثر من ناتجهم المحلي الإجمالي، هم يتشاجرون فقط حول ‏أساليب إدارة وتوزيع الثروة الوطنية.‏

نحن في بلدنا نتشاجر للأسباب نفسها، لكننا بدأنا أيضًا نقتتل قيما بيننا على لغة التحدث، واللباس ‏الذي نرتديه، وحقوق المرأة، ودور المساجد، وأصولنا العرقية، وما إلى ذلك. لم نعد نتفق على أي ‏شيء، وإذا لم نسعى إلى العلاج في أسرع وقت ممكن، إذا لم نتعهد بجعل شعبنا مجتمعًا، وبتحويل ‏فوضانا الحالية لمنظمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، ستضيع امتنا.‏

أتمنى أن يتجنب إخواننا وأخواتنا الجزائريون والجزائريات الذين يشغلهم الدفاع عن مصالح العمال ‏بشكل خاص، في هذه الأوقات من الإفلاس الاقتصادي، أن لا يزيدوا من حدة المطالب التي يجب ‏تلبيتها، لأنها لن تظهر إلا الكراهية الاجتماعية وشلل الجهاز الإنتاجي الذي سيؤثر على ما تبقى من ‏اقتصادنا!‏

أتمنى من إخواننا وأخواتنا الجزائريون والجزائريات الذين يدافعون عن بعدنا الأمازيغي، أن يجتهدوا في ‏طمأنة نفوس أولئك المروعين والذين لا يطمحون سوى لنزع الإسلام والتعريب من شخصيتنا، ‏وستتقدم قضيتهم بثقة وصفاء!‏

أتمنى ألا تنجذب تلك الفئة من إخواننا وأخواتنا الجزائريين الذين يشغلهم بشكل خاص الدفاع عن ‏إسلام شعبنا، المعترف به والمقبول من قبل الجميع، للهيمنة والشمولية التي كانوا بالأمس من بين ‏ضحاياها.‏

لا ينوي حزب التجديد الجزائري من خلال الإدلاء بهذه الملاحظات، إعطاء الدروس، أو تنصيب” ‏نفسه كملاذ، أو شن حملة إعلانية، أو المرافعة لصالح العودة إلى “الإجماع”، أو “التجانس”، أو ‏‏”الفكرة الوحيدة” التي كانت سائدة في الماضي. إنه يريد فقط الاستفادة من وجود ضيوفه الكرام في ‏هذا المكان وفي هذا اليوم ليشير إلى أن حصص الحقيقة والشرعية التي يمتلكها كلّ منا من المرجح أيضًا ‏أن تبطل بعضها البعض، على حساب مصالحنا العليا.، بدلاً من توفير مادة لخطة مشتركة لإنهاء ‏المأزق الحالي لصالح أمتنا…‏

إذا تمكنا من تقديم مشروع مجتمع مشترك لشعبنا، فربما ننجح يومًا ما، ويمكننا أن نقدم لهم في ‏المستقبل القريب الأمل في الحلول التوافقية المنبثقة عن فكرة مثل مجلس للوفاق الوطني الذي ‏يمكننا تأسيسه للتشاور حول شؤون الأمة لحين حل البرلمان الوطني.‏

إن إبعاد “النظام” الحالي هو نقطة اتفاقنا الأولى. ويمكن أن يكون السلم الاجتماعي واستقرار ‏المؤسسات نقطة اتفاقنا الثانية.‏

لكن لو نجحنا في الاتفاق على خطاب خلاص عام مرتبط ببرنامج اقتصادي بديل يتم تكييفه مع ‏القضايا المستعجلة، سيكون دليلاً قاطعًا على أن المعارضة الجزائرية في مستوى ضمان انتقال سلمي ‏نحو بديل ترسمه الاستحقاقات التشريعية التي يجب تنظيمها قبل نهاية السنة …‏

لا ينبغي أن تنبع الحلول التي يمكن أن نطرحها بأي حال من الأحوال من إبراز الاختلافات بيننا، بل من ‏قدرتنا على إبراز أوجه التشابه بيننا كجزائريين لهم خلفيات سياسية متنوعة، ومنبثقين من مدارس ‏فكرية مختلفة، لكن تغذينا نفس أواصر الارتباط لرؤية أمتنا تخرج سالمة من الأزمة الحالية.‏

إذا كان علينا أن نتساءل عن أصل هذه الاختلافات التي ضيعت مواطنينا فصاروا لا يعرفون أي نموذج ‏من المجتمع يجب ترسيخه، أن يتحدث البعض لغة والبعض الآخر عكسها تمامًا فسوف ندرك أن هذا ‏الأصل يعود مباشرة إلى عدم كفاءة الأجيال البعيدة والمتعاقبة التي سبقتنا.‏

لأنهم لم يتمكنوا من النهوض بمجتمع جزائري يرى نفسه بأفكاره، ويدرك ذاته بوسائله ويبرز نفسه في ‏التاريخ من إحداثياته الخاصة، فقد فقدوا السيطرة على مصيرهم وبالتالي سيادتهم الفكرية ‏والاقتصادية والسياسية. كانت عواقب عدم الكفاءة هي الاستعمار الأخير الذي تعرفه، والتخلف ‏الاقتصادي الذي تراه، والانهيار العقلي الذي تعيشه. نحن بالفعل منتجات وضحايا هذا القصور. فهل ‏يجب أن نكون الورثة العنيدين؟

(قبة 5جويلية، 3 ماي 1990)‏

You may also like

Leave a Comment