ترجمة عبد الحميد بن حسان
هناك ظروف لا تبقى فيها كرة القدم مُجرّد لعبة، بل تتحوّل إلى عملية استمرار للحرب بوسائل أخرى. وقد يحدث أحياناً ـ بل وقد حدث فعلاً ـ أنْ تكون الحرب نفسها هي الاستمرار لكرة القدم بوسائل أخرى. وهكذا فإنّ أتفه رياضة وأغبى لعبة وأبسط سباق بالقفز على رِجْلٍ واحدة أو برمي الحجارة، يمكن أن يتحوّل ـ إذا ما أُحيط بِهالة الاحتفالات الكبرى وبالتغطية الإعلامية التي تحظى بها مقابلات كأس العالم في كرة القدم ـ إلى معركة ملحميّة أو حرب عالمية يرمي فيها المتنافسون بكلّ ثقلهم، ويلجأ كلّ واحدٍ منهم إلى كلّ الحِيَلِ
ويستعمل كلّ ما تتيحه قوانين اللعبة كي ينتصر على مُنافسيه.
ولقد أُتيح لنا أن نرى حُروباً دامت مدة طويلة بغير طائل، إذ تستمرّ المعارك العمياء في حصد الأرواح بوحشية بلا سببٍ كافٍ. فالنظر في أسباب الحروب لا يكفي لفهم تلك الحروب، بل لا بُدّ مِنْ البحث في تلك النوابض الخفيّة التي تتحكّم في نفسية الجماعة مِنْ أجل الوقوف على الإسقاطات العجيبة التي يمكن أن تصدُرَ عن اللاوعي الجماعي. إنّ التباري بين الأمم إذا كان ذا بُعْدٍ دولي وذا مستوى عالميّ، لا بُدّ أن يتّخذ بُعد المواجهة القتالية والمعركة المصيرية، مهما كانت أهداف ذلك التباري وطبيعته، وبِغضّ النظر عن المُسوّغ الذي لا يعدو أنْ يكون رمزياًّ.
وهكذا تتحوّل ملاعب كرة القدم في مُنافسات كأسِ العالم إلى حلبات وساحات معارك الشرف في أعين الأمم المُتبارية، لأنّ في تلك الملاعب ستتواصل معارك وصراعات قديمة قِدم الزمن كُنّا نظنّها قد انتهت، وستحيا أحقاد لا تعرف الانطفاء. وفي هذه الملاعب كذلك أحقاد وضغائن جديدة بين الأمم.
في هذا الإطار كان لنا أن نشهد تأجُّج نيران حروب المالوين مِنْ جديد، والمُواجهة بين الغوليين والجرمان، والمعركة بين الشرق والغرب. ولا شكّ أنّ نتيجة المُقابلة بين الاتحاد السوفياتي والمجر بـ 6 ـ 0 أعادت إلى ذاكرة المجريين بعض مشاهد أحداث بودابست. وتشاء الأقدار أنْ تأتي زيارة جورباتشوف للمجر غداة هذه الفضيحة الرياضية الكبيرة.
وبالعودة إلى الماضي يمكن لنا أن نجد تلك الدّعاوى الحماسية التي جاءت على لسان ريغن أثناء الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس، وتفسير المُستشار الألماني لانهزام فرنسا سنة 1982 بالمشيئة الإلهية، كما لا ننسى ذلك الحماس الشعبي الذي واجه به الشعب الجزائري مُقابلة الجزائر ضدّ فرنسا في ألعاب البحر المتوسط سنة 1975.
وقليلاً ما يُتاحُ للشعوب أنْ تُتابع مجريات المعارك المصيريّة الكبرى على المباشر، وهذا هو السّرّ في أنّها تُطلِقُ العنان لكلّ غرائزها البِدائية عند مُتابعة مُقابلات كأس العالم التي تعنيها.
والمؤكّد أنّ الحاضرين في كأس العالم، وبدون استثناء، لا يأتون من أجل اللعب والإمتاع أو الإبداع في هذه الرياضة الشعبية، خاصةً إذا كانوا من الأمم الضعيفة. فالأطراف الثلاثة المُشاركة ما هي إلاّ آلة مُصمّمة على خوض حربٍ وطنية: والفريق التقني يُمثل قيادة الأركان، واللاعبون يُمثّلون الجنود المُحاربين، والمُناصرون يُمثّلون الدعم المعنويّ.
وإذا كان اللاعبون يبدون وكأنهم “يلعبون”، فإنّ الأمم التي يُمثّلونها ترتعد أوصالُها على بُعدِ آلافِ الكيلومترات. فهي تعيش كل المراحل التصفوية والحيثيات وهي تكاد تحترق من التخوّف وكأنّها بإزاء كوارث وطنية ولعبة أقدار مشؤومة، أو انتصارات بطعم الانتقام، تبعاً للنتيجة المُحقّقة.
وها هو الشعب الجزائري يجد نفسه طرفاً في الحرب العالمية للأفخاذ للمرة الثانية. ونظرا لكونه مُرهف الإحساس إذا تعلّق الأمر بكرامته الوطنية، فقد منح لهذه المعركة أحسن ما في نفسه. وكان أمله كبيراً رغم أنه غير مُصرّح به. إنه لا يطمح في الفوز بكأس العالم طبعاً، لكنه كان يرى أنّ بإمكانه أنْ يذهب إلى أبعد ممّا حققه في خيخون.
هذا على الأقل ما أقنعه به (المختصّون) الذين بثّوا في روحه مذاق النصر مُبكّراً، وألْهبوا حماسه حتى أوهموه أنه عظيم… وهو في الحقيقة في أبعد ما يكون عن ذلك. والحكمة تقول: كُلّما كان الصعود عاليا كان السقوط قاسيا.
وجاء على لسان أحد الرؤساء أنّ: الحرب أخطر مِنْ أنْ تُتْرك بين أيدي العسكريين. ويبقى التشبيه الذي أجريناه أعلاه صالحاً: فهناك ظروف تُصبح فيها كرة القدم أخطر مِنْ أنْ تُترك بين أرجل لاعبين نالوا شهرة غير مُستحقة، أو بين أيدي مُسيّرين عاجزين. وقد رأينا أنّ نجمَنا أَفَلَ وشهرتَنا التي لم ننلْها إلاّ منذ مدة قصيرة قد طُمِستْ بسبب جهلنا بهذه الحقيقة.
ولا تفسير لهذه النكسة إلاّ باحتماليْن: فإمّا أنْ تكون الشهرة التي اكتسبناها غير مُستحقة، وهنا يجب الاستفسار عن السبب في هذا الغرور الجامح، وإمّا أن تكون تلك الشُّهرة مُستحقّة، وهُنا يجب الوقوف على أسباب انتكاسنا في المكسيك نكسةً شديدة الشبه بالعقوبة والجزاء.
وهناك إجماع على أنّ الفريق الجزائريّ الذي واجه إيرلندا والبرازيل وإسبانيا كان بإمكانه أنْ ينتصر لو أنه كان يملك الإصرار على الفوز والروح الجماعية التي كان يُفترض أنْ يُلقنها له الفريق التقني. ولكن المعروف أنَّ خليطاً من اللاّعبين لا يُنتِج دوما فريقاً بأتمّ معنى الكلمة. وبعبارة أدقّ فإنّ المُواءمة بين اللاعبين المحلّيين واللاعبين (المُستورَدين) أمرٌ يكاد يكون مُستحيلاً، والنتائج لا تكون مضمونةً لأنّ الأمر متروك لحسن إرادة اللاعبين. وكثيرا ما يتدخل الحظ في هذه الحالة: فتارة تكون النتيجة إيجابية وتارة تكون سلبية، وقد كانت في هذه المناسبة سلبية بالتمام، واستفدنا من الدرس، لكن بأيّ ثمن؟!
وفينا نوعٌ مِنْ عقلية التّحايُل أدّتْ بنا إلى الاعتقاد بأنه بإمكاننا المرور إلى الدّور الثاني (وبدون فائدة !) زحفاً على بطوننا، وليس اعتماداً على مهاراتنا بل طمعاً في التسلّل إلى الدور الثاني في زمرة النّاجين من الإقصاء. وبعد الهزيمة النكراء جاء دور الإطاحة بالفريق التقني الذي أثبت في الحقيقة نقصاً كبيراً في كفاءته.
وهذا ما حدث بالفعل. وقد أظهرت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم فاعلية كبيرة في ذلك كي تُثبتَ أنها لا تتحمّل أيّة مسؤولية عمّا حدث، فنشرت قائمة اللاعبين الفاسقين المنفيين من الفريق وأطْلعت الأمّة بهذا الإجراء. وهذا يُذكرنا بالأحكام التي كانت تُصدرها الكنيسة في حقّ المنبوذين الذين (يعرفون أنفسهم بأنفسهم). أمّا عامة الشعب فلم يكن يعنيه أنْ يعرف أيّ شيء لأنه ليس معنياًّ بالأمر. فَكُرة القدم قضية أعظم مِنْ أنْ يعلم بها الرّعاع.
أمّا وسائل الإعلام الوطنية، فبعد حملة احتجاج قصيرة قررت أن تُهدّىء الوضع وتبتعد عن تضخيم المسألة، وراحت تتفادى مناقشة المسألة. فالجميع مُتّفق على أنّ الأيام مِنْ شأنها أن تُسهم في اندمال الجُرج، وأنّ النسيان نعمة يجب الاستفادة منها، وأن الأمر لا يعدو في النهاية أنْ يكون مجرّد لعبة.
كلاّ! إنها ليست لعبة. فمِن خلال ذلك الفريق الوطني كانت الجزائر بأسرها هي التي تتأهب للدفاع عن هويتها، وذلك الفريق هو صورة الجزائر المُميّزة، رغم بساطتها، فكان من الواجب ألاّ يخرج من المونديال بوصمة عار. ولهذا فإني أرى من الواجب أنْ نُضخم الهزيمة التي لحقت ببلادنا إلى أبعد حدٍّ، وذلك كي نتفادى النسيان، ونُحلّل هذا الإفلاس دون مُحاولة لتبريره.
إنّنا في هذه المرّة لم نجد ما نتذرّع به كما تذرّعنا بفضيحة ألمولينون التي اتُّهمت فيها ألمانيا بالتزوير من أجل إقصائنا. لقد كانت الإهانة أعظم من أنّ يقتنع أحدٌ بمحاولتنا تهوين الموقف أو تحميل المسؤولية للأمبريالية أو الوكالة الدولية للطاقة. ولن يكفي أنّ يُقصى سعدان من قيادة الفريق الوطني لتهدئة الوضع وإيجاد حلّ للمعضلة الأساسية.
وعلى أيّة حالٍ فالمُدرّب الوطني الذي قادنا جميعا إلى طريق الهزيمة النكراء ليس هو سعدان الذي سُرعان ما وُجّهتْ إليه أصابع الاتّهام. إنها تلك الروح الجماعية التي أدّتْ بنا إلى اعتناق أفكار خاطئة في كلّ المجالات، إنه الميل إلى الوهم والأسطورة والشهرة الزائفة والأحكام الخاطئة.
وهذه الروح موجودة في أعماق كلّ واحدٍ منّا، بدءاً بالمُعلِّقين الرياضيين وغيرهم من الخبراء الذين أوجدوا عندنا شهية انتصارٍ أكبر من قدراتنا. وتظهر هذه الروح في كل ما يصدر عن أرباب الإعلام من مديحٍ وتزلّف بخصوص لاعبينا.
إنّ هؤلاء الخبراء هم الذين أبدعوا مُصطلح (اللّعب الجزائري) قبل وجوده في الواقع، وهم الذين أتحفونا بهذه التميمة المشرقية المتمثلة في تحويل الهزيمة إلى نصر، وهم الذين لا تُهمّهم النتيجة بقدر ما يُهمّهم المظهر الخارجي. وهُمُ الذين نفخوا فينا كما يُنفخ في البالون عندما أقنعونا بأنّ مرورنا إلى مكسيكو انتصار في حدّ ذاته. وهُمْ في هذا ليسوا إلاّ صورة ثانية لغيرهم من المُشعوذين…
إنّ الحياة البيولوجية والحياة الاقتصادية والرّياضية، وكلّ شيء في هذا العالم ما هو إلاّ منافسة شرسة ومعركة وصراع من أجل البقاء، ومن أجل العيش الرّغيد ومن أجل النجاح… أمّا الضعف والتّأخر والفشل فهي أوضاع لم تَعُدْ تُثير أيّ تعاطُفٍ، بل إنها أصبحتْ لا تُواجه إلا ّ بعلامات الضّجر، بل وحتى علامات التضايق. فهل مِنْ الضروريّ أنْ تحُلّ بنا الكوارث الطبيعية والأزمات المُتتالية كي نفهم هذه الحقيقة، نحن الذين لا نُتْقنُ إلاّ المُراوغة السافلة واللّعب الصبيانية؟
ألجيري أكتواليتي، في 03 جويلية 1986
