عهد سعيد

by admin

ترجمة ساعي عايـــدة

انقضت سنة وابتدأت أخرى بالنسبة للبشرية‎. ‎انتهى عصر واستهل آخر بالنسبة للجزائريين يوحي بفتح عهد ‏جديد‎…‎‏ ‏

في هذه الليلة الفاصلة، ليلة رأس السنة الميلادية، توقف رجال وشعوب للحظات ليثبتوا الحركة المنتظمة ‏لرقاص الساعة الجدارية. لقد أرادوا منه أن يسجل بعلامة أخرى هذا الانتقال من رقم لآخر، وهو نقلة مهمة ‏جدا بالنسبة لهم. لكن الزمن واصل استمراريته غير المبالية، هروبه الخالد، مسيرته بعزيمة قوية نحو هدف ‏نجهله، ووجهة لا نعرفها.‏

مثلها مثل النمل، وهو يمشي مزدحم على ضفتي الكوكب، تنشغل الشعوب بالتغلب على خوفها من الفراغ ‏الكوني، أثر المقاومة المقصودة في وجه الزمن المدمر مستمر منذ العصر الحجري، حمله رجال على عاتقهم ‏فنجحوا تارة وفشلوا أخرى.‏

تعاقب حوالي مائتي جيل خلال السبعة آلاف سنة من صراع التاريخ مع العصور المجهولة‎. ‎الشعوب تزرع ‏وتضع بذرها، تصنع وتبني، تخترع وتعزز دعائمها كي تستمر، كي تعطي معنا لوجودها في الحياة، كي ‏تعيش على أفضل وجه ممكن نصيبها من التاريخ وحظها من الأوقات السرمدية.‏

يبعث هاجس الاستمرارية، الخوف من الفراغ، شساعة اللانهاية بعيدة المنال، فيهم الحمية البروميثية، ‏الشعور التراجيدي، الشجاعة المتجددة كل مرة لمقاومة آثار الدهر الهدام.‏

الشعوب التي تملك الضمير والحس التاريخي، تقف باستمرار كفاعل نشط في الصراع المستمر في التاريخ ‏للكائن ضد العدم، ضد الوجود غير النافع، العشوائي العبثي والطفيلي، كما أنّ لديها أيضا مفهوم واضح عن ‏الشروط الحتمية للحياة الايجابية وعن المصير في التاريخ.‏

تحدق هذه الشعوب عادة بعيدا، ودون أن يغيب ماضيها عن نظرها، إلاّ أنها ترفض أن تعيش على مبدأ ‏الماضي الخالد. فهي تستحضر الأهداف البعيدة وتقدمها على مراميها العاجلة وتجهز باستمرار مشاريع ‏جديدة.‏

إنّها تنجز أبعد من حاجاتها، وأكبر من إمكاناتها، وتسخر نفسها لبذل جهد إضافي، فترمي، بكامل إرادتها، ‏غطاء القارورة بعيدا إلى الأمام كما تقول العبارة الفرنسية. رؤية هذه الشعوب ليست محدودة في مجرد ‏‏”مكتسبات” فسيعجل الزمن في جعلها سخيفة، بل هي في حركية مستمرة، في بحث دائم عن أهداف جديدة، ‏عن تحدٍّ جديد، عن وجهة ومعنى العالم.‏

هي تخشى أنّه في أيّة لحظة، قد يوضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، تخشى أن تُبتلى ‏الأمة بـ”المتكلمين” أكثر من “العاملين”، و أن يُعرقل المعطى الشخصي مسار المصلحة العامة.‏

لاستباق هذه المصائب، وللوقاية من هذه الآفات، تعود هذه الشعوب إلى حكمة قوانينها، إلى دقة دساتيرها، ‏وإلى مصداقية ممثليها.‏

حصل الجزائريون، في نهاية هذه السنة، على هدية كبيرة: الوعد أن ثورتهم ستعرف منطلقا جديدا. فهل ‏يمكن لهذه السنة أن تكون نقطة انطلاق للعهد الجديد الموعود: عهد العمل، الجد، الصرامة، العدل، ‏الديمقراطية المسؤولة، النقد البناء وأشياء أخرى كثيرة غالية على قلوب الجزائريين؟

« Algérie-Actualité» 02 جانفي 1986.

موقع الجزائر اليوم 03 جانفي 2019

You may also like

Leave a Comment