Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980انزلاقات الديموقراطية

انزلاقات الديموقراطية

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

ماذا يمكن أن يخطُر بِبالِ المُلاحظ الجزائري وهو يُتابع التطوّرات الحادثة فيما يرِد على صفحات ‏الصحافة الدولية تحت عنوان “الووتربيس”(‏Waterpeace‏) الفرنسي؟ ‏

فبعيداً عن أحداث هذه الرواية البوليسية التي جَرَتْ على المباشر والتي شدّت انتباه الرأي العام ‏العالمي الشّغوف بقصص أجهزة المُخابرات، تأتي اللحظة التي يتخلّى فيها العقل النيّر عن حيثياتها ‏وتفاصيلها ليتساءل عن معناها وأبعادها، وهي اللحظة التي تتراجع الفُرْجة وتفسح المجال للتّأمّل فيما ‏ينجرّ عن الديمقراطية من فضائل ومن اختلالات. ‏

ولا مجال لتشبيه قضية “جرينبيس”(‏Greenpeace‏) بفضيحة واترجيت الأمريكية (‏Watergate‏) لأنّ ‏وجه الشبه الوحيد بينهما هو ذلك الدور الذي لعبه الإعلام المحليّ في كلّ منهما. وبالفعل فإنّ فضيحة ‏واترجيت كشفت عن مشكلة غياب النزاهة في السياسة الداخليّة. أمّا قضية ‏‏”رينباوواريور”(‏RainbowWarrior) ‎فهي تطرح مسألة معرفة إلى أي حدّ يمكن أن يصل الصراع ‏بين مبدأين كحرية الصحافة ومصلحة الدولة مثلاً. ففي الحالة الأولى نجد أنّ الصّحافة الأمريكية كانت ‏تريد الإطاحة برجلٍ ضُبِط مُتلبّساً بعمل غير نزيه، وهذا الرجل هو ريشاردنيكسنRichard Nixon‏. ‏وكانت هذه الفضيحة فرصة تلذّذ فيها العالم بفضائل الديمقراطية.‏

أمّا في الحالة الثانية فإنّ الصحافة الفرنسية كانت تسعى إلى الإطاحة بالدولة الفرنسية وهي تظنّ أنها ‏تصارع نظاماً سياسياًّ. وقد أدّتْ هذه القضية إلى موجة سخط عام في العالم لأن الصحافة ارتكبت خطأً ‏فادحاً. ‏

ولم تكن المعركة من الوضوح بحيث يسهل فهم مُجرياتها: فالدولة من جهتها، ووفاءً لتقاليدها في ‏سياسة الدفاع، زجّت بنفسها في عمل عسكريّ غير مضمون العواقب ضدّ منظّمة سلمية ـ ليُصبح ‏الفرنسيون هم أول مَنْ تكلّم عن إرهاب الدّولة ـ وذلك كان دفاعاً عن المصالح النووية الفرنسية التي ‏أقرّتها أغلبية الفرنسيين. والصحافة من جهتها، ووفاء لمبدإ البحث عن الحقيقة أينما كانت، أُتيح لها ‏ان تكتشف بعض الحقائق الخطيرة وأن تَزُجّ بالدولة الفرنسية في وضعية مُحرجة على الساحة ‏الدوليّة. ‏

ولا شكّ في أنّ وراء شغف الصحافة بالكشف عن الحقيقة وتعريف الناس بها رغبة جامحة في القضاء ‏على نظامٍ سياسيّ مُتعثّرٍ أصلاً، وهذا قبل الانتخابات التشريعية بأشهر معدودة، وبذلك يتمّ القضاء ‏على كلّ أملٍ في تأسيس حكومة وفاق بعد مارس 1986. وهذا كُلّه يُفسّر لنا لماذا لم تكتفِ الصحافة ‏بالتهجم على الشخصيات الصغيرة وتطاولت حتى على الوجوه الأمامية على الساحة السياسية.‏

والمشكلة هي أنّ المُتضرر الأكبر في كلّ هذا ليست حكومة الاشتراكيين بل فرنسا بكاملها، وهو ‏الضرر الذي ستبقى آثاره لزمن طويل. فالتعويضات التي ستُطالبُ بها زيلاندا الجديدة وحركة ‏جرينبيس وبريطانيا على الضرر الذي لحقها، تلك التعويضات ستُدفع على عاتق المساهمين في ‏النظام الضريبي الفرنسي. وإنّ السؤال الذي طرحه أحد الصحفيين البريطانيين والذي طلب من ‏الناطق الرسمي لكتابة الدولة الأمريكية ما إذا كانت الولايات المتحدة تنوي تسجيل فرنسا في قائمة ‏الدول المُدعّمة للإرهاب، هذا السؤال لا يُعدّ صفعة في وجه فرانسوا ميتران وحده، بل في وجه فرنسا ‏كلّها، وهو يُذكّرنا بتلك التسمية الملحقة ببريطانيا ” الغادرة” ‏‎(Ah! la perfide Albion).‎

وهكذا فإن الفرنسيين يشعرون بكثير من الأسف والندم في الوضع الراهن و الفوضى العارمة، عندما ‏يذكرون دعوة إرنست رينان‎ Ernest Renan ‎‏ إلى “فلنحصن أنفسنا من انزلاقات الديمقراطية ‏‎!‎‏”، ‏وهي الدعوة التي نادى بها عندما رأى النكسة الأخلاقية والعسكرية التي أصابت بلاده ودفعته إلى ‏تأليف كتابه “الإصلاح الأخلاقي والفكري لفرنسا” ‏‎(1871) ‎على عجلة من أمره، مع أنه، هو نفسه ‏كان يعتبر الديمقراطية “أحسن وسيلة لاستيعاب كل الفضائل التي عرفها العالم”.‏

وكان بإمكان الصحافة أن تتفادى هذا التسرّع الذي أدى إلى اختلاط الحابل بالنّابل لو أن صحفييها ‏فكّروا في قول مونتيسكيو:” لو أنّ أمراً كانت لي فيه مصلحة شخصية وفيه مضرّة لعائلتي لتخلّيتُ ‏عنه وتفاديتُ التفكير فيه. ولو أن أمْرا كانت لعائلتي فيه مصلحة لكنه ليس في صالح وطني فإني ‏سأعمل على نسيانه”. ‏

لكنّ مونتيسكيو لم يكن بالعقل المُتعصّب والروح الشوفينية التي قد يبدو بها في هذه الأسطر القليلة، ‏ولم يكن مثل ذلك اللورد البريطاني الذي قال: ” وطني هو وطني، مُخطئاً كان أَمْ على صواب)). 

إنّ ‏مونتيسكيو هو ذلك الرجل العظيم الذي قال بالإضافة إلى هذا: ” لو أنّ أمْراً كان لوطني فيه مصلحة، ‏لكنه سيُضرّ بأوروبا، أو كانت لأوروبا فيه مصلحة لكنه سيُضرّ بالبشرية، فإنني سأعتبره جريمة”.‏

فهل يمكن تفسير العنف الشديد الذي نددت به الصحافة الفرنسية بالعمل الفاشل الذي قامت به المديرية ‏العامة للأمن الخارجي ‏DGSE‏ بكون تلك الصحافة ترى أنه جريمة مُفيدة لفرنسا لكنها ضارة بـ ‏جرينبيس، وهي بالتالي ضارة بالسكان القاطنين في القطاع الذي جرت فيه التجارب النووية الفرنسية ‏؟ كلّ شيء يدعونا إلى التشكيك في ذلك لأن الصحافة الفرنسية لم تقف ضد مُتابعة التجارب النووية ‏الفرنسية في المحيط الهادي بنفس الدرجة من العنف الذي هاجمت به دولة فرنسا من خلال الهجوم ‏على السلطة الاشتراكية.‏

لكنْ، ومِنْ دون محاولة تقمّص دور المُعلِّم، و لا الظهور كحاقد أو منتقم أيضا، ما رأي الجزائريّ ‏البسيط في كلّ هذا، خاصّةً وأنّه لا ينسى أنّه هو كذلك كثيراً ما كان بمثابة حقل عمليات من هذا ‏النوع؟ لا شكّ أنه يُدين تلك التجارب التي تجري ـ ليس على التراب الفرنسي أو في أعماق مياهها ‏فحسب ـ بل وفي أيّ مكانٍ آخر. إنه يُدين كلّ تعَدٍّ يؤدّي إلى إراقة دماء الأبرياء، وكلّ مساس بسيادة ‏دولة مُستقلّة… لكنه لا يفهم ما زاد عن ذلك، لا يفهم تلك التناقضات الموجودة في الديمقراطية وفي ‏التعامل مع مفهوم”المصالح العُليا”. ‏

إنّ شعبنا مُقتنع بأن حُرّية الصحافة مكسب عظيم يتمّ الحصول عليه بالتدريج، شريطة ألاّ يكون ذلك ‏على حساب شرف البلاد وكرامتها، وعلى حساب قِيَمِها، وعلى حساب سلامة الدولة وأمنها. فالتّعدّي ‏على هذه الحدود المُطلقة يعني أنّ الديمقراطية تفقد كلّ معنى وكُلّ مُسوِّغٍ للعمل بها. وتبقى ‏الديمقراطية جميلةً رغم عيوبها كما قال وينستن تشرشل بعباراته الخاصة، لكنها إذا بلغتْ الحدّ الذي ‏رأيناه سابقاً تعدّت حدود كل العيوب وأصبحت نزعةً عدميّة. ‏

 « Algérie-Actualité » ‏3 أكتوبر 1985

موقع الجزائر اليوم 27 ديسمبر 2018

You may also like

Leave a Comment