ترجمة عبد الحميد بن حسان
إنّ الأفكار العظيمة التي احتلّتْ ضمائر الشعوب مُحْدثةً ضجّةً كبرى خلال القرن العشرين (مثل الليبرالية والماركسية ونزعة العالم الثالث…) هي اليوم آخذة في الانسحاب في صمتٍ تامّ، وهي مُتخفّية ومُتموّهة كي لا يتمّ التعرّف عليها، ومثلها في ذلك كمثل الرّجل المُفلس الذي ينسحب من الساحة مُتخفّياً كي لا يتعرّف عليه كلّ أولئك الذين استثمروا أموالهم كلّها معه.
وإذا كان الإطار الاجتماعي والآليات الاقتصادية والسياسية والهيكل العقَائدي مِن الأشياء التي لم يمسها التغيير، فإنّنا نشعر بأنّ الكوخ بدأ ينهار تحت وقع الهزّات العنيفة، وأنّ هناك إحساساً بأنّ تلك الأفكار لم تَعُدْ تُناسب المرحلة الراهنة، كما أنّ ما كان في السابق يُعتبر يقيناً أصبح يتفتّتُ شيئا فشيئاً…
ذلك أنّ الصّدأ والانهيار يبدأ مفعولهما من الأعماق، أي في عالم الأفكار المُظلم الذي يُعدّ اللاّوعي الجماعي هو مجاله الأول. فالأفكار تسري في هذا المجال مثل حِمم البركان تحت الأرض، وإذا ما طَفَتْ فوق السّطح كان الانفجار، مثلما حدث في أوروبا شهر ماي 1968 وفي فرسوفيا منذ مدّة قصيرة، ومثلما يحدث حاليا في سنتياغو والسلفادور.
ذلك أنّ الإحساس بالمرارة وبأن الشعب كان ضحية الأكاذيب، هذا الإحساس يُعبّر عنه برفض كل خطاب كاذب ورفض كل المؤسسات التي تجاوزها الزمن. إنه انهيار قواعد الدّولة، وإنها الثورة العمياء، والقفز في المجهول.
وإذا نظرنا إلى بلدان الغرب وجدنا انّ المثل الأعلى النقي والموثوق به، والذي ساد غداة الحرب العالمية الثانية، لم يبق منه شيءٌ يُذكر. ومن الأمثلة التي تُثبت هشاشة النظام الرأسمالي في الآونة الأخيرة: انهيار نظام إمكانية تحويل الدولار وحجم الصرف والذي تمّ تأسيسه في بروتنوودس، وخرق اتفاقيات الـ GATT ...
ومِنْ تلك الأمثلة أيضاً نجد عجز أتباع المذهب الكينيزي وكذا أتباع السياسة النّقدية عن تنشيط النمو وإحداث استقرار في الأسعار والنقد، كلّ هذا في الحقيقة هو تفنيد لا ريب فيه للنظام الرأسمالي رغم تحيينه عدة مرّات.
ومِن المُفارقات البشعة أنّ البلدان التي تُعتبر مواقع أمامية للديمقراطية يكون فيها اختيار الحُكّام على يد شريحة صغيرة هي أبعد ما تكون عن تمثيل الأغلبية. وتُعدّ فرنسا نموذجا حياًّ لهذا الوضع، إذ لا تحظى الحكومة الحالية إلاّ بـ 30% من القبول في الرأي العام.
ويمكن اعتبار إعادة انتخاب رونالد ريغن نموذجاً آخر، إذ لم يُصوِّتْ لصالحه إلاّ 53 مليون أمريكي من مجموع 175 مليون، فهناك 86 مليون أمريكي ممّن فضّل الامتناع عن الحسم بينه وبين منافسه، و36 مليون صوّتوا ضدّه. فما أعجب هذه الديمقراطية التي لا يُمثل فيها الرّئيس إلاّ حوالي رُبع عدد النّاخبين.
أمّا في المُعسكر الشيوعيّ فإنّ الأمل الذي كان يحدو النّاس في الانتقال إلى مجتمع بدون طبقات، حيث لا سلطة تفرض ضغطها على الإنسان، وحيث الجنة التي وعد بها ماركس تحت أقدام الناس، كلّ ذلك أفضى إلى الاستسلام التام للعيش في مجتمعات مسدودة والقبول بترك الوضع على حاله، وهذا رغم العديد من المُكتسبات التي تحققت في مصلحة شعوب هذا المُعسكر. وممّا يدعو إلى التأمّل هو أن السلطة في كلٍّ من روسيا والصين تبحث عن طريقة للعودة إلى الحقيقة الموضوعية وإلى الواقعية، وهي بذلك تبتعد عن مبادىء الشيوعية البالية.
وممّا أثار البلبلة وأخمد الحماس في الأوساط الشعبية الشيوعية ما اكتُشِف من مُحتشدات للأعمال الشاقة (Goulags) وكذا وجود طُغمة مُتحكمة في زمام الأمور تُعرفُ باسم نمونكلاتورا(Nomenklatura)، إضافة إلى ما حدث في المجر وبراغ وبولونيا وأفغانستان، إذ أدى كلّ ذلك إلى فقدان الأمل في مستقبل زاهر في ظلّ مبادىء الماركسية اللينينية.
وجاءت الضربة القاضية ضد الشيوعية من عوامل أخرى مثل الصراع الدائم بين الصين والاتحاد السوفياتي، والحرب المُفاجئة بين الصين والفيتنام، والحرب التي نشبت لأسباب مجهولة بين الفيتناموالكومبودج، إضافة إلى بروز التوجهات الوطنية المُتزمّتة وترسّخ ديكتاتورية الأوليجارشيا البيروقراطية ـ بدلا من الديكتاتورية البروليتارية.
أمّا في بلدان العالم الثالث، فبعد مرور لحظات الحماس الأولى بعد الاستقلال انفتحت العيون على حقيقة أنّ نماذج الحُكم التي سادت والأفكار التي تمّ نبنّيها (الإستلهام من الليبرالية والماركسية) لن تؤدّي إلاّ إلى مأزق خطير وإفلاسٍ مؤكّد.
فكلّ الحقوق التي طالما علت الأصوات المُطالِبة بها، وعقلية التبعية الأبدية للدولة وخزينتها، والآمال المعقودة بمجيء وضع اقتصاديّ دوليّ جديد يُغدِق على الجميع أرزاقاً بلا حساب، كلّ ذلك ذهب في مهبّ الرّيح عندما دقّ ناقوس الأزمة الاقتصادية وسُمِعتْ خُطى الشركاء القادمين للمطالبة بالحساب، والذين لا يفهمون إلاّ لغة الأرقام.
وهكذا انهارت معنويات بلدان العالم الثالث التي لا تملك بترولاً واكتشفت فجأةً أن قضيتها لم تعُدْ مصدر سعادة وأنّ الشعارات الثورية والمدائح والقروض السهلة لم تكن في الحقيقة إلاّ أوهاماً. وإفريقيا اليوم تظهر بوجه مفجوعٍ وحالة فقرٍ مُدْقِع أمام أعين العالم الذي لا يأبه بها ولا يُحاول أن ينظر في حالها.
وعالَمُنا العربي الذي بقي في مأمن من الفقر والمجاعة بفضل نعمة البترودولار نجده اليوم منهمكاً في مُراجعة حساباته والوقوف على فداحة الكارثة التي أدّى إليها الفكر البعثيّ والفكر النّاصريّ والانفتاح الذي جاء بعده…
وتبقى القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية كأنهما شوكة مؤلمة لا تزداد إلاّ دخولاً في جسد العالم العربي، وهو عاجز عن التخلص منها.
وبعيداً عنّا، في بلدان أمريكا اللاتينية، يجري التفاوض على إعادة جدولة ديون خارجية ضخمة تمّت الاستفادة منها في عهدٍ كانت الأنظمة فيها تابعة لعربة الليبرالية، وهي في الوقت ذاته تحلُمُ بأنّ إنقاذها من براثن البنوك الدولية وصندوق النقد الدولي سيأتي على يد البلدان المُقْرضة.
و”عسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم”، فالأزمة الاقتصادية كانت سببا مُباشرا في التخلّص من وهمِ تحقيق التطوّر بدون أي جهدٍ، وأرغمتْ كثيراً من البلدان على إعادة النظر في سياساتها وخطاباتها السياسية. وفي هذا الإطار بدأت تلوح في أفق التفكير مفاهيم اقتصاد الاكتفاء الذاتي، والاستثمار البشريّ، والاعتماد على الذات في التنمية.
وهكذا تمّ التخلي في البلدان الشيوعية عن وهم الانتصار الاقتصادي على الغرب الرأسمالي. وبما أنّ الضرورات تبيح المحظورات فقد بدأ التوجه إلى ذلك الغرب لشراء الحبوب وجلب التكنولوجيا، كما بدأ الاحتكاك بأسواقه المالية بفتح مجال الاستثمار المباشر أمامها بطرقٍ سرّيّة.
وعلينا أنْ نُلاحظ أنّ تسيير شؤون الناس في البلدان الرّأسمالية أصبح مُركّزاً على الأشياء الأساسية، والدّليل على ذلك أنّ كُلاًّ مِنْ ريغن وتاتشر وكوهل وميتران لم يعمدوا إلى إقناع ناخبيهم باستظهار المفاهيم التي يؤمنون بها، بل باقتراح برامج موجّهة في اتّجاه البحث عن نتائج فوريّة.
وهُم تحت الحراسة على الدوام، إذ تتمّ مُتابعتهم خطوةً بخطوة وتُقيّمُ نتائج أعمالهم بصفة يومية من خلال تتبع حركة بعض المؤشّرات مثل مؤشّر الأسعار ونسبة التضخّم ومُنْحنى البطالة والأرصدة الخارجية…
ونحن في الجزائر آخذون بالعمل على تحيين أفكارنا مع الواقع العالميّ. فقد كان آخر مؤتمرَيْن لحزب جبهة التحرير طلاقاً نهائيا مع عقلية التعنّت والخشونة التي كانت دوماً تدفع بنا إلى ألوان من الإفراط والأخطاء، وإلى تبرير العجز المُزمن في حسابات مؤسساتنا بالمردودية الاجتماعية، وإلى السكوت عن إفلاس الزراعة في بلادنا.
كُنّا نخاف أنْ نُتَّهم بالخروج عن “الخط” حتى ولو كان من الواضح أنّ ذلك الخط سيؤدّي بنا إلى الهاوية. ولِحُسْنِ الحظ فقد شرعنا في التّغلّب على الخوف مِنْ أنْ نُتّهمَ بجريمة “الانفتاح” أو “الاتجاه إلى اليمين” لمجرد الرغبة في تحسين الأوضاع.
إنّ الشعب الجزائري لمّا اختار الاشتراكية كان اختياره من مُنطلق أنه شعب يؤمن إيمانا قاطعاً بالعدالة الاجتماعية. وهو يحمل تصوّراً خاصاًّ حول الاشتراكية مُفادُهُ أنّ تحقيق العدالة الاجتماعية يكون بالتخطيط والتنظيم الديمقراطيّ والفعّال للشُّغل، وبالتوزيع العادل للدخل الوطني وبتكافؤ الفرص.
لكن ما لم يتقبله هذا الشعب هو أن تُقدّم له الاشتراكية في صورة وثن فلسفي قادر على الانتقال في رمشه عينٍ من التأخّر إلى الرّخاء الشامل. وإذا كان لنا أنْ نُقيّم الخيارات التي سرنا عليها مثلما نُقيّمُ الشجرة بالنظر إلى ثمارها، فلا مناص من الاعتراف بأنّنا فعلنا كُلّ ما مِنْ شأنه أن يجعل الشجرة عقيمة عُقماً كُلِّياً.
لا أظنّ أن أحداً مِنّا تُسوِّلُ له نفسه أنْ يستنكف من ثورة زراعية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وأن تزيد في مساحة الأراضي الزراعية، وأن تُطوّر تقنيات العمل، وأن تضمن بقاء أهل الأرياف في مواطنهم. والحال أنّ الحصيلة التي بين أيدينا تقول إنّنا كُنّا سنة 1969 نُغطّي 93% من احتياجاتنا الغذائية، وسنة 1973 نزلنا إلى 55%، ثُمّ إلى 41 %سنة 1977، وإلى ما دون 30% سنة 1983.
ومَنْ ذا الذي لا يقبل بالطب المجاني الذي يضمن العلاج والاستقبال لكل مُواطن، والذي يُجهّز المؤسسات بتجهيزات حديثة وفعالة، ويُكوّن إطارات طبّية كفؤة ومُتفانية في مهمّتها؟ ومن ذا الذي يطعن في “التسيير الاشتراكي للمؤسسات” إذا كان قائماً على تحفيز الطاقات وتوحيد الجهود من أجل تحقيق نتائج حقيقية ومُرْبِحة؟ وماذا يمكن أن يُقال في احتكار الدولة لبعض الأنشطة إذا كان يؤدي إلى إرضاء المُتعاملين الاقتصاديين والعموميين؟
إنّ الشعب الجزائري إذ أجْمع على هذه الخيارات كان يرجو منها كلّ الخير والسموّ في مراتب الشرف، وكان يصبو بذلك إلى تحرير طاقته الخلاّقة، لا إلى ما يُكبّله بالقيود ويُجمّده ويغرس في قلبه الحقد والضغينة. ولا أظنّ أنّ هناك مَنْ يرفض فكرة الاشتراكية إذا كانت تضمن له امتيازات الثورة الزراعية والطّبّ المجانيّ والتسيير الاشتراكيّ للمؤسسات…
لكن لا أحد يقبل بمساوئها. فإذا كانت الاشتراكية اليوم آخذة في الأفول من عقول بعض الشعوب فذلك بسبب ما انجرّ عنها، خاصة في ظلّ أنظمة جعلتْ من الاشتراكية ذريعة للتعسف والمحسوبية والبيروقراطية وسيطرة الطغمة المعروفة باسم نمونكلاتوراNomenklaturas.
إنه من غير الممكن التسامح مع هذا الانزلاق الذي وقعت فيه السلطة التي أضرت بالفكرة الاشتراكية وهي فكرة قادرة في حدّ ذاتها على تحقيق ما هو أحسن. فالمشكلة عندنا لا تكمن في الخيارات بحدّ ذاتها بل في طريقة تعاملنا بها. وبعبارة أخرى فالعامل الإنساني هو الذي يتحمل مسؤولية ما وقع من تحريف. ويبقى أنّ التحدي الذي يجب أن نرفعه هو تطورنا من الناحية الذهنية والفكرية في مواجهة وقائع وأفكار ووضعيات لا تعرف الثبات والاستقرار.
إنّ العالم يتغيّر، وهو لا يأبه بالعبث والمناوشات الجارية في اليمين أو في اليسار. وعلى كلّ حال فإننا لم نعُدْ نعرف مَنْ هو في اليمين ومَنْ هو في اليسار في هذه الدنيا المتأزمة.
ومِنْ الأمثال السائرة في بلادنا قولُنا: “ما يبقى في الواد غير حجارو”.
وبهذا الخصوص يمكن لنا التأمل في هذه الفكرة التي عُثِر عليها في وادٍ من الأودية بالصين القديمة أيام حكم أسرة تانغ Tang ، والفكرة تقول: “إنّ القُدامى عندنا كانوا يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنه مُقابل كلّ رجلٍ مُتقاعس عن الفلاحة وكُلّ امرأةٍ مُتقاعسة عن النسج سيوجد بالضرورة في أمبراطوريتنا مَنْ يُعاني البرد أو الجوع”.
فهذا درس في البراغماتية لكلّ أولئك الذين يعتقدون أنه بإمكان تحقيق الإقلاع دون أن يُبادر أحد بدفع العربة أو بالاشتغال في المنسج. والفرق بين مَنْ كان هذا تفكيره وبين الصيني الذي خاطَبَنَا من عهد عائلة تانغ هو أنّ هذا الأخير لم يكن عنده بترول تحت قدميْه ولا حتى كان يُفكّر فيه، وذلك هو السبب في أنّ موقف الكُسالى يكاد يوهِمُنا بأنه هو الصواب لأنهم لم يروا مَن قتله البرد والجوع رغم أن العاملين منهم أقلّية قليلة.
ومهما يكن فذلك هو المنطق الوحيد الذي يُحدد مصير الشعوب بغضّ النظر عن الخيارات المُتبنّاة صحيحة كانت أم خاطئة.
« Algérie-Actualité » 20 ديسمبر 1984
موقع الجزائر اليوم 20 ديسمبر 2018
