تأثر ام محاكمة؟

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

كان للمقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة‎ «Algérie-Actualité» ‎مع‎‎الجنيرال بيجار‎(général ‎Bigeard)‎‏ أبلغ الأثر في كلّ من فرنسا والجزائر. فلماذا؟ ‏

‎(1‎‏ إنّ بعض الأوساط في فرنسا تأثّرتْ لتصريحات بيجار لأنها جاءت في خضمّ مشاركة فرنسا ‏في احتفالات الذكرى الثلاثين لثورة 1 نوفمبر1954، وهي المشاركة التي كانت مناسبة للتهجّم ‏على الحُكم في فرنسا. ‏

ولم يكن النقاش الذي جرى في مستوى عالٍ من الجدّيّة، ذلك أنّ فرنسا سبق لها أنْ شاركت في ‏مثل هذه المناسبات. لكنّ القائمين على تنشيط ذلك النقاش كانوا يتوقعون أنّ تزامن هذا الحدث مع ‏عودة النزعة العنصرية منذ بضع سنوات سيُعطيه صدى ومكانة لم يكُنْ ليحظى بهما في سياقٍ ‏آخر، خاصة عند أولئك 

الفرنسيين الذين فرّوا من الجزائر، وعند المتطرّفين اليمينيين.‏

فالسبب في هذا التأثّر ليس قبول بيجار بإجراء حوار صحفيّ مع جريدةٍ جزائريّة، خاصة وأنّ ‏الجميع ليس مُتعوّداً على تبادل الأدوار بهذا الشكل. فنحن نعرف ونعترف بأن الصحافة وحق ‏الإعلام في هذا البلد مؤسّستان مُقدّستان. وبالمِثْل، فليس مضمون تصريحات بيجار هو سبب ‏الصدمة لأنّه في الحقيقة لم يَقُلْ شيئاً لم يتضمّنْه كتابه حول سيرته الذاتية، والذي عنوانه: (“مِنْ ‏أجلِ قِطعةٍ من المَجْد”. ‏Pour une parcelle de gloire. Plon, 1975‎‏). ‏

والواقع إذن هو أن ما جرى ليس مدعاة للتأثر والصدمة بقدر ما اتُّخِذ ذريعة لإجراءِ مُحاكمة. ومِن ‏السناة المعمول بها في السياسة الفرنسية أنّ المُعارضة عليها ألاّ تُفوِّتَ أيّة فرصة لتلطيخ صورة ‏السلطة القائمة. وفي الجُملة، فإنّ قضية بيجار لم تكن إلاّ وسيلة لمواصلة المناقشة/المحاكمة التي ‏كانت على أشدّها مِنْ قبلُ.‏

‎(2‎‏ أمّا من الجانب الجزائريّ فيجب الإقرار بأنّ محاورة أحد أطراف الصراع أثناء حرب ‏التحرير يُعدّ بحدّ ذاته حدثاً مثيراً للدهشة. والسبب الأول في ذلك أنّ الممارسة الصحفية في بلادنا ‏توجد في مستوى يجعل مثل هذا السبق الإعلاميّ مُفاجأةً كبرى: بيجار في جريدة جزائرية! منْ ذا ‏الذي يستطيع أن يُصدّق ذلك؟ ‏

فرؤية صحافتنا الوطنية وهي تخرج من قوقعتها، وتتخلّص من النمطية التي تمرّغت فيها طويلاً ‏والتي لم نكن نعتقد أنّ بإمكانها أن تتخلّص منها، هذا هو سبب الإثارة التي أحدثتها تلك المحاورة.‏

وليست شخصية بيجار هي التي تُهمّ هنا، بل ظهوره الذي سمح بوضع العقول تحت المحك ‏وإثبات أنّ تلك العقول لم تتجمّد بصفة نهائية، وأنّ التجديد ما زال ممكناً، بحيث تكتسب صحافتنا ‏مصداقية وحلاوة وتميُّزاً. ‏

إنه انتصار على كلّ ما هو قديم ورديم، وضدّ التابوهات المُعرقلة للحركة، وضدّ عقدة الخمود.‏

ومع ذلك فإنّنا مِنْ جهتنا لم نجتنب روح المُحاكمة. فلقد علمْنا، كما علِم كلُّ القُرّاء، أنّ مجموعة من ‏المُثقفين (“المُلتزمين”) ـ ولسنا ندري بأي رسالة هُم مُلتزمون ـ ظنّوا أنّ مِنْ واجبهم توجيه لائحة ‏تنديد إلى الصحيفة من أجل إدانتها على (الجريمة) التي ارتكبتها! شيء عجيب!!! ‏

فهذه المُبادرة الغريبة تُذكّرنا باللاّئحة الشهيرة التي قدّمها تُجّار القناديل ضدّ صناعة الإنارة ‏بالكهرباء عند ظهورها منذ حوالي قرنين من الزمان. هل بإمكاننا اعتبار هذه اللاّئحة بمثابة ردّ ‏فعلٍ من جماعةٍ مُهدّدة بكساد تجارتها؟ أَمْ أنّها عودة إلى المواقف الرجعية التي وقفتها الكنيسة ضدّ ‏العلماء في وقتٍ ما، باعتبار أنهم يريدون (أن يتجاوزا بعلمهم حدود اللّياقة). ولنكُنْ جادّين. ‏

فمن غير الممكن إلغاء الدور الذي لعبه بيجار في تاريخ ثورتنا التحريرية. وهو، كالعديد مِنْ ‏أمثاله، كان عدواًّ لنا، وعندما قاتَلَنا قتالاً مريراً كان يعتقد أنه على حق، ونحن نُصنّف دوره في ‏خانة الأعمال الوحشية. لكن كلّ هذا لا يكفي للامتناع عن ذكر اسمه أو نشر تصريحاته حول ‏مرحلة من مراحل تاريخنا. فهو يعتزّ بما فعله لأنه يعتبر ذلك خدمة لوطنه وإيمانا بقضيةٍ عادلة. ‏أمّا نحن فنعتبره مُجرِم حرب. هذا كلّه صحيح. لكن عجلة التاريخ يجب أن يستمرّ دورانها!‏

ومعروفٌ أنّ الجزائريين شغوفون بقراءة ما يُنْشر من كتب حولهم في فرنسا أو في غيرها. ‏وغرضهم من ذلك هو التمكّن من مُقارنة ما يكتبه الجزائريون عن أنفسهم بما يكتبه غيرهم، ‏وكذلك معرفة الجديد والحُكم بعد ذلك… فمَنْ مِنّا لم يقرأ إيف كوريير‎(Yves Courrière)‎، أو ‏ماسو‎(général Massu)‎، أو ديغول‎(De Gaulle) ‎، هذا دون ذكر الجزائريين الذين قاموا بنشر ‏كتبهم في الخارج؟ ‏

وللتّأكد من هذه الحقيقة يكفي أن نُلاحظ أنّ تلك الكُتب لو عُرِضَتْ للبيع عندنا لحُطمت الأرقام ‏القياسية في عدد المبيعات. هذه حقيقة مَنْ حاول إخفاءها فهو كالذي (يُغطّي الشمس بغربال). ‏

ولا بُدّ من التذكير بأنّ بيجار لم يكشف عن جديد في تصريحاته لجريدة ‏Algérie-Actualité، 

ولم ‏يُضِفْ شيئاً لما كتبه في مُذكراته. وإذا كانت مُذكّراته لا تعرض كلّ التفاصيل حول العربي بن ‏مهيدي ـ نحيُّزاً أو جوراً ـ فهذه مسألةٌ أخرى لن يُكشف عنها الغطاء بصفة تامة إلاّ إذا خرجنا من ‏الصمت والتحفظ الذي لا مُسوِّغ له، وانبرَيْنا للبحث ومُحاورة شهود العيان والمُقارنة بين مختلف ‏الروايات. ‏

إنّ عصر محاكم التفتيش قد ولّى، ويجب الخروج من الظلّ ومواجهة نور الشمس. ويجب الانتهاء ‏عن تنصيب الذات في مكان ضمير الشعب وعن أداء دور المحاكم. فلنترك الأزهار تتفتح وروح ‏المبادرة تتحرر، لأنّ تحرير لائحة ليس أمراً صعباً، وهو عمل في أدنى مستويات النجاعة. ‏

وما دام المجال مفسوحاً فلْيُسْهِمْ كلٌّ مِنّا بقلمه لأنّ “كتابة التاريخ ليست أقلّ أهميةً مِنْ صناعته”‏‎.‎

ألجيري- أكتواليتي، 22 نوفمبر 1984.‏

You may also like

Leave a Comment