فِي 14 دِيسَمْبَرَ الْمُقْبِلِ، سَيُعْلِنُ الماك مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ اِسْتِقْلَالَ مِنْطَقَةِ الْقَبَائِلِ، وَسَيَدْعُو الْمُؤَسَّسَاتِ مُتَعَدِّدَةَ الأَطْرَافِ وَدُوَلَ الْعَالَمِ لِلِاعْتِرَافِ بِهَذَا الْبَلَدِ الْجَدِيدِ الَّذِي لَنْ يَقُومَ إِلَّا فَوْقَ أطلال الْجَزَائِرِ.
لَا أَتَعَامَلُ باستهزاء مَعَ هَذِهِ الْمُبَادَرَةِ الَّتِي سَتَسْتَغِلُّهَا بَعْضُ الدُّوَلِ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، لِاسْتِخْدَامِهَا ضِدَّ الْجَزَائِرِ. عَلَى الْعَكْسِ، سَأَمْنَحُهَا كَامِلَ أَهَمِّيَّتِهَا لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ تَقُولُ لِي إِنَّهَا قَدْ تَكُونُ قَاتِلَةً لِبِلَادِنَا. لَيْسَ فَوْرًا، وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَلْتَقِي بِأَحْدَاثٍ أُخْرَى كَامِنَةٍ.
سَأَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا فِي الكتابات الْقَادِمَةِ، مُبْتَدِئًا بِهَذَا التَّكْرِيمِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ لِحُسَيْنِ آيْتْ أَحْمَدْ فِي جَرِيدَةِ لوسوار دالجيري بتَارِيخَ 29 دِيسَمْبَرْ 2015. و كَانَ هو قَدْ تُوُفِّيَ يَوْمَ 23.
مِنْ بَيْنِ كُلِّ التَّعْرِيفَاتِ الَّتِي صَادَفْتُهَا لِمَفْهُومِ الْحُرِّيَّةِ طيلة حَيَاتِي و خِلَالَ قِرَاءَاتِي ، أُفَضِّلُ تَعْرِيفًا اكْتَشَفْتُهُ فِي مُرَاهَقَتِي:”الْحُرِّيَّةُ هِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الرَّحِيلِ.”
لَمْ أَعْرِفْ آيْتْ أَحْمَدْ كَثِيرًا. تَبَادَلْنَا حَدِيثًا قَصِيرًا مَرَّةً فِي رِئَاسَةِ الْجُمْهُورِيَّةِ يَوْمَ كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَسْتَقْبِلَنَا بُوضْيَافْ (مَارِسْ 1992)، وَمَرَّةً ثَانِيَةً فِي رُومَا فِي أُكْتُوبَرْ 1994، لِنَخْتَلِفَ فَوْرًا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكْ، أَعْتَقِدُ أَنَّنِي أَعْرِفُ جَيِّدًا أَفْكَارَهُ وَمَسَارَهُ وَشَخْصِيَّتَهُ وَمَا يُمَيِّزُهُ عَنْ رِجَالِ جِيلِهِ وَمَنْ هُمْ فِي مَكَانَتِهِ.لِذَلِكَ يَبْدُو لِي أَنَّ تَعْرِيفَ الْحُرِّيَّةِ الْمُفَضَّلَ لَدَيَّ يُنَاسِبُهُ تَمَامًا، لِأَنَّهُ كَانَ دَائِمًا يُغَادِرُ شَيْئًا مَا: مَكَانًا، فِكْرَةً، بَلَدًا، حِزْبًا، حُكُومَةً، بَرْلَمَانًا، سِجْنًا، قَضِيَّةً أَصْبَحَتْ مَشْبُوهَةً، أَوْ تَحَالُفًا سِيَاسِيًّا غَيْرَ مُتَكَافِئٍ.
أَبْرَزُ مَا يُمَيِّزُ شَخْصِيَّتَهُ هُوَ هَذَا: رَغْبَتُهُ الْجَامِحَةُ فِي تَقْرِيرِ مَصِيرِهِ بِنَفْسِهِ، وَهَوَسُهُ بِأَنْ يَبْقَى حُرًّا، كَالرِّيحِ الَّتِي كَانَتْ تَعْصِفُ فِي طُفُولَتِهِ بِقَرْيَتِهِ “آثْ أَحْمَدْ” الْوَاقِعَةِ فِي أَعْلَى مِنْطَقَةٍ مَأْهُولَةٍ مِنْ جِبَالِ جَرْجَرَة…بَيْنَمَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يُرَشِّحُهُ لِيَلْتَحِقَ بِمَكَانِهِ فِي “بَانْثِيُونِ” الْجَزَائِرِ الْغَرِيبِ، وَكُنَّا جَمِيعًا نَتَوَقَّعُ أَنْ يُدْفَنَ طَبِيعِيًّا فِي الْمَرْبَعِ الرَّسْمِيِّ حَيْثُ يَرْقُدُ “العظماء”، فَقَدْ فَاجَأَ الْجَمِيعَ، إِذِ اخْتَارَ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَسْقَطِ رَأْسِهِ، بَعِيدًا عَنِ التَّوَاطُؤَاتِ الَّتِي كَانَتْ لتستفزه حَتَّى تَحْتَ التُّرَابِ.
هَكَذَا رَحَلَ آيْتْ أَحْمَدْ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، غَيْرَ مُبَالٍ – كَعَادَتِهِ – بِمَا سَيُقَالُ أَوْ يُعْتَقَدُ، لِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَنِعًا تَمَامًا بِأَنَّهُ فِي “حَقِّهِ بِأَنْ تَكُونَ لَهُ حُقُوقٌ”
.لَقَدْ غَيَّرَتِ الْمَشَاعِرُ الْوَطَنِيَّةُ الَّتِي أَعْقَبَتْ وَفَاتَهُ، وَالْقَرَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَكَانِ دَفْنِهِ، مَكَانَتَهُ فِي الْمِخْيَالِ الْوَطَنِيِّ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ، ذَلِكَ الْمِخْيَالُ الَّذِي أَتْعَبَتْهُ صَغَائِرُ السِّيَاسَةِ وَخَيَبَاتُهَا الَّتِي أَلْحَقَهَا بِهِ مَنْ مَرُّوا عَلَى أَنَّهُمْ “كِبَارٌ” لِيَتَبَيَّنَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُمْ “صِغَارٌ”.
إِذْ أَسْقَطَ بِظِلِّهِ عَلَى كَامِلِ الْفَضَاءِ الْجَزَائِرِيِّ، جَعَلَنَا نَحْنُ أَيْضًا نَسْمُو، وَرَفَعَنَا فَوْقَ الْوَحْلِ الَّذِي كُنَّا نَخُوضُ فِيهِ وَالَّذِي سَنَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ فَتْرَةِ الْحِدَادِ.لَقَدْ ذَكَّرَنَا بِوُجُودِ “مَعْنًى لِلْعُلُوِّ”، وَبُعْدٍ طَالَ نِسْيَانُهُ فِي عَالَمِنَا الذِّهْنِيِّ.
