هٰذَا العُنْوَانُ هُوَ مُحَاكَاةٌ سَاخِرَةٌ لِأُغْنِيَةٍ شَهِيرَةٍ لِمَازُونِي عُنْوَانُهَا «وَدَاعًا فَرَنْسَا، أَهْلًا بالجَزَائِرُ!». اِخْتَرْتُهُ لِأَنَّ هُنَاكَ اِحْتِمَالًا كَبِيرًا أَنْ تُرَدَّدَ هٰذِهِ الأُغْنِيَةُ قَرِيبًا فِي مُخَيَّمَاتِ الصَّحْرَاوِيِّينَ بِتِنْدُوفَ – مَعَ بَعْضِ التَّعْدِيلَاتِ اللَّفْظِيَّةِ – بَعْدَ أَنْ دَعَا المَلِكُ مُحَمَّدٌ السَّادِسُ أَبْنَاءَ الصَّحْرَاءِ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الوَطَنِ الأُمِّ، وَذٰلِكَ فِي أَوَّلِ خِطَابٍ لَهُ بَعْدَ اِعْتِمَادِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ القَرَارَ رَقْمَ 2729، مُعْلِنًا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يَوْمَ 31 أُكْتُوبَرَ عِيدًا لِـ«الوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ»، إِلَى جَانِبِ عِيدِ العَرْشِ وَعِيدِ الِاسْتِقْلَالِ.
وَبَيْنَمَا اِلْتَزَمَتِ الجَزَائِرُ وَالبُولِيسَارْيُو صَمْتًا مُطْبَقًا يُشْبِهُ صَمْتَ الرُّهْبَانِ التِّبْتِيِّينَ المُتَأَمِّلِينَ فِي مَعَابِدِ شِمَالِ الهِمَالَايَا، وَاصَلَ المَلِكُ تَحَرُّكَاتِهِ عَلَى جَمِيعِ الجَبَهَاتِ، وَفِي كُلِّ المَيَادِينِ، حَيْثُ مَا تَزَالُ المَبَارَاةُ تُلْعَبُ.
فَقَدْ عَقَدَ أول أَمْسِ اِجْتِمَاعًا ضَمَّ مُسْتَشَارِيهِ وَأَعْضَاءَ حُكُومَتِهِ المَكْلَّفِينَ بِالداخِلِيَّةِ وَالشُّؤُونِ الخَارِجِيَّةِ، إِلَى جَانِبِ مَسْؤُولِي الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ المُمَثَّلَةِ فِي البَرْلَمَانِ، لِلبَحْثِ فِي آلِيَّةِ تَرْحِيلِ سُكَّانِ مُخَيَّمَاتِ تِنْدُوفَ إِلَى المَغْرِبِ.لَمْ يَتْرُكِ المَغْرِبُ يَوْمًا وَلَا شَهْرًا وَلَا سَنَةً وَلَا فُرْصَةً إِلَّا وَاغْتَنَمَهَا لِيُسَجِّلَ نُقْطَةً أَوْ يُحْرِزَ تَقَدُّمًا فِي هٰذِهِ القَضِيَّةِ، سَوَاءٌ عَلَى رُقْعَةِ الشَّطْرَنْجِ السِّيَاسِيَّةِ أَوْ فِي المِيدَانِ الدِّبْلُومَاسِيِّ.
لَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ تَحْوِيلِ قَضِيَّةٍ وُصِفَتْ بِأَنَّهَا غَيْرُ عَادِلَةٍ (بِنَاءً عَلَى رَأْيِ مَحْكَمَةِ العَدْلِ الدُّوَلِيَّةِ) إِلَى قَضِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ؛ وَمِنْ مَسْأَلَةِ تَصْفِيَةِ اِسْتِعْمَارٍ إِلَى «اِسْتِرْجَاعٍ لِلْأَرْضِ» (Reconquista) بِمُبَارَكَةِ المُجْتَمَعِ الدُّوَلِيِّ.لَمْ يَنْتَظِرِ المَغْرِبُ اِنْطِلَاقَ المُفَاوَضَاتِ مَعَ البُولِيسَارْيُو، الَّذِي يَتَجَاهَلُهُ تَمَامًا، وَلَا اِنْتِهَاءَ المُهْلَةِ الَّتِي حَدَّدَتْهَا الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ بِسَنَةٍ، وَلَا اِنْسِحَابَ بَعْثَةِ «المِينُورْسُو».
فَبِالنِّسْبَةِ لَهُ، قَضِيَّةُ الصَّحْرَاءِ قَدِ اِنْتَهَتْ وَطُوِيَتْ صَفْحَتُهَا وَوُضِعَتْ فِي الصُّنْدُوقِ. فَـ«المَغْرِبُ فِي صَحْرَائِهِ، وَالصَّحْرَاءُ فِي مَغْرِبِهَا»، كَمَا تُرَدِّدُ أُغْنِيَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.مَعَ مُلَاحَظَةٍ أَنَّهُ مِنَ النَّاحِيَةِ الهِنْدَسِيَّةِ، يُمْكِنُ أَنْ تَحْتَوِيَ مِسَاحَةُ المَغْرِبِ عَلَى الصَّحْرَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ لِلصَّحْرَاءِ أَنْ تَحْتَوِيَ المَغْرِبَ.
المَغْرِبُ يَعْمَلُ وَيَتَحَرَّكُ، بَيْنَمَا خُصُومُهُ لَا يُرَدِّدُونَ حَتَّى الأَصْوَاتَ. هُوَ يَنْتَهِزُ أَوَّلَ فُرْصَةٍ تَسْنَحُ لَهُ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ دَائِمًا حَلًّا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا كَانَ يَنْتَظِرُ بَطَلَا مَسْرَحِيَّةِ «فِي اِنْتِظَارِ غُودُو» لِلكَاتِبِ صَمُوئِيل بِيکِيتْ شَخْصًا أُسْطُورِيًّا يَحْمِلُ الخَلَاصَ وَالحَلَّ.
تَتَوَالَى السِّنِينَ دُونَ أَنْ يُحَقِّقُوا مَكْسَبًا وَاحِدًا، دُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَدُونَ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ السُّلَّمَ قَدْ سُحِبَ، وَالمَأْدُبَةَ اِنْتَهَتْ، وَا التأبين أُقِيمَ، وَصَلَاةَ الجَنَازَةِ أُدِّيَتْ.
فِي تَسْجِيلٍ سَابِقٍ لِي حَوْلَ الثَّوْرَةِ الجَزَائِرِيَّةِ، أَوْضَحْتُ جَانِبًا مَجْهُولًا تَقْرِيبًا مِنْ نِدَاءِ أَوَّلِ نُوفَمْبَرَ 1954، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُكَوَّنًا مِنْ قِسْمَيْنِ:الأَوَّلُ دَعْوَةٌ لِلْجَزَائِرِيِّينَ إِلَى الِانْخِرَاطِ فِي الكِفَاحِ المُسَلَّحِ ضِدَّ الِاسْتِعْمَارِ الفَرَنْسِيِّ،وَالثَّانِي عَرْضٌ لِلتَّفَاوُضِ بِأَهْدَافٍ وَاضِحَةٍ جَرَى تَبَنِّيهَا لَاحِقًا فِي وَثِيقَةِ مُؤْتَمَرِ الصُّومَامِ عَامَ 1956، وَأُعِيدَ طَرْحُهَا فِي جَمِيعِ جَوَلَاتِ الحِوَارِ بَيْنَ جَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ وَالسُّلْطَةِ الفَرَنْسِيَّةِ بَيْنَ عَامَيْ 1955 1962، حَيْثُ اِنْتَهَتْ بِـاِتِّفَاقِيَّاتِ إِيفِيَانْ وَاِسْتِقْلَالِ الجَزَائِرِ.
اَلْجَزَائِرُ لَمْ تَنَلِ اِسْتِقْلَالَهَا مِنَ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، بَلْ مِنْ كِفَاحِهَا المَيْدَانِيِّ. وَلَمْ تَنْتَظِرِ اِسْتِفْتَاءَ يُولْيُو 1962 لِمُمَارَسَةِ حَقِّهَا فِي تَقْرِيرِ المَصِيرِ، بَلْ فَعَلَتْ ذٰلِكَ خِلَالَ أَيَّامِ دِيسَمْبَرَ 1960، حِينَ خَرَجَ الشَّعْبُ الجَزَائِرِيُّ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ البِلَادِ لِأَسَابِيعَ، وَدَفَعَ مِئَاتِ الشُّهَدَاءِ تَأْكِيدًا لِعَزْمِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَسَيِّدًا فِي أَرْضِهِ.
هٰذِهِ الرُّؤْيَةُ وَهٰذِهِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ هُمَا مَا اِفْتَقَدَتْهُ المُقَاوَمَةُ الصَّحْرَاوِيَّةُ، الَّتِي بَقِيَتْ رَهِينَةً لِمَبْدَإٍ أُمَمِيٍّ تَغَيَّرَ مَضْمُونُهُ بِتَغَيُّرِ القَانُونِ الدُّوَلِيِّ. وَهٰذَا مَا كَرَّرْتُهُ مِرَارًا خِلَالَ السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ.
فِي رَأْيِي، الهَزِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ وَقَعَتْ عَامَ 1979، حِينَ أَعَادَتْ مُورِيتَانِيَا الجُزْءَ الَّذِي كَانَتْ تَحْتَلُّهُ مِنَ الصَّحْرَاءِ إِلَى الجُمْهُورِيَّةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ (RASD)، فَاِسْتَعَادَتْهُ القُوَّاتُ المَغْرِبِيَّةُ بِدَعْمٍ عَسْكَرِيٍّ فَرَنْسِيٍّ مِنَ الرَّئِيسِ جِيسْكَارْ دِسْتَانْ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلسَّمَاحِ بِقِيَامِ دَوْلَةٍ سَادِسَةٍ فِي المَغْرِبِ العَرَبِيِّ تَكُونُ حَلِيفَةً لِلْجَزَائِرِ.لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ قُوَّةٍ كُبْرَى تُرِيدُ ذٰلِكَ حِينَذَاكَ، وَلَا تَزَالُ المَوَاقِفُ كَمَا هِيَ حَتَّى اليَوْمِ.
عَلَى البُولِيسَارْيُو أَنْ يَجِدَ وَسِيلَةً لِاسْتِعَادَةِ المُبَادَرَةِ عَبْرَ طَرْحِ مَنْصَّةٍ تَفَاوُضِيَّةٍ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى القَرَارِ الأُمَمِيِّ 2729، كَيْ لَا يُقْصَى مِنَ المِلَفِّ، لِأَنَّ هٰذَا مَا يَسْعَى إِلَيْهِ المَغْرِبُ حَالِيًّا، وَقَدْ بَدَأَ فِعْلًا فِي البَحْثِ عَنْ «مُحَاوِرِينَ شَرْعِيِّينَ آخَرِينَ».
إِنَّ نِدَاءَاتِ المَلِكِ المُوَجَّهَةَ إِلَى سُكَّانِ الصَّحْرَاءِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُمَثِّلٌ شَرْعِيٌّ، تَنْبُعُ مِنْ رَغْبَةٍ فِي تَفْتِيتِ الصَّفِّ الصَّحْرَاوِيِّ، وَإِقْصَاءِ البُولِيسَارْيُو، وَإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي خُطَّةِ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ الَّتِي، إِنْ طُبِّقَتْ حَرْفِيًّا كَمَا قُدِّمَتْ إِلَى الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ عَامَ 2007 وَأَقَرَّهَا القَرَارُ 2729، قَدْ تَنْقَلِبُ عَلَى المَدَى الطَّوِيلِ ضِدَّ المَغْرِبِ نَفْسِهِ.فَمَنَاطِقُ أُخْرَى فِي البِلَادِ، اِبْتِدَاءً مِنَ الرِّيفِ، سَتَرْغَبُ فِي الِاسْتِفَادَةِ مِنَ الخُطَّةِ ذَاتِهَا، وَلَنْ تَتَأَخَّرَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذٰلِكَ إِذَا مَا طُبِّقَتْ فِعْلًا عَلَى الصَّحْرَاوِيِّينَ، سَوَاءٌ بِوُجُودِ اَلْبُولِيسَارْيُو أَوْ مِنْ دُونِهِ.
تَذَكَّرُوا كَلَامِي هَذَا!
