تَارِيخُ اَلشُّعُوبِ وَالدُّوَلِ يَعْرِفُ أَحْيَانًا هَزَّاتٍ تَرْفَعُهَا ثُمَّ تَقْذِفُهَا فِي اَلْهَوَاءِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عِيدَانَ قَشٍّ تَمْتَصُّهَا زَوْبَعَةٌ كَوْنِيَّةٌ مُدَمِّرَةٌ، تَجْرِفُ فِي طَرِيقِهَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَتْرُكُ وَرَاءَهَا ذِكْرَيَاتٍ لَا تُـمْحَى.
مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، اِجْتَاحَ اَلْعَالَمَ اَلْعَرَبِيَّ حَدَثٌ سِيَاسِيٌّ أَشْبَهُ بِالظَّوَاهِرِ اَلْمُنَاخِيَّةِ، أَطَاحَ بِعَدَدٍ مِنْ رُؤَسَاءِ اَلدُّوَلِ، وَدَمَّرَ بِلَادَهُمْ، وَخَلَّفَ آلَافَ اَلْقَتْلَى.وَكَانَتِ اِمْرَأَةٌ – شُرْطِيَّةٌ تُونِسِيَّةٌ مِنْ مَدِينَةِ سِيدِي بُوزِيد – هِيَ اَلشَّرَارَةَ اَلْأُولَى لِذَلِكَ اَلزِّلْزَالِ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لِيَتَصَوَّرَ نَتَائِجَهُ اَلْمُرَوِّعَةَ قَبْلَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.لَقَدْ صَفَعَتْ، بِغَبَاءٍ شَدِيدٍ، بَائِعًا مُتَجَوِّلًا يُدْعَى مُحَمَّدَ اَلْبُوْعَزِيزِي، فَقَامَ هَذَا اَلْأَخِيرُ، مَدْفُوعًا بِالْإِهَانَةِ، بِإِحْرَاقِ نَفْسِهِ فِي سَاحَةٍ عَامَّةٍ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي دِيسَمْبَرَ 2010.
مِنْ تِلْكَ اَلزَّاوِيَةِ اَلنَّائِيَةِ اِنْطَلَقَ اَلْحَرِيقُ، فَأَطَاحَ بِالرَّئِيسِ اَلتُّونِسِيِّ زَيْنِ اَلْعَابِدِينَ بْنِ عَلِي، قَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ إِلَى مِصْرَ وَالْيَمَنِ وَلِيبْيَا وَغَيْرِهَا مِنَ اَلْبُلْدَانِ اَلْعَرَبِيَّةِ اَلَّتِي قُطِعَتْ رُؤُوسُ أَنْظِمَتِهَا اَلسِّيَاسِيَّةِ، دُونَ أَنْ تَكُونَ لَهَا أَيَّةُ عِلَاقَةٍ بِـ «حَادِثٍ عَابِرٍ» فِي تُونِسَ.وَلَا يُعْرَفُ بِأَيِّ كِيمْيَاءٍ غَرِيبَةٍ يُمْكِنُ لِحَادِثٍ بَسِيطٍ أَنْ يَتَحَوَّلَ، فِي ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، إِلَى «تَأْثِيرِ اَلْفَرَاشَةِ» أَوْ «تَأْثِيرِ اَلشَّخْصِ اَلْمَجْهول /أثر كيداميس» أَوْ «كُرَةِ اَلثَّلْجِ» اَلْمُتَدَحْرِجَةِ.
فِي مَطْلَعِ نُوفَمْبَرَ 2025 بِالْجَزَائِرِ، اِشْتَعَلَتْ مَوَاقِعُ اَلتَّوَاصُلِ اَلِاجْتِمَاعِيِّ فَجْأَةً بِسَبَبِ فِيدْيُو نَشَرَهُ رَجُلٌ يَرْوِي مَا تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ إِسَاءَةٍ وَتَعَسُّفٍ مِنْ طَرَفِ اِمْرَأَةٍ هِيَ رَئِيسَتُهُ فِي اَلْعَمَلِ، وَتَشْغَلُ مَنْصِبَ مُدِيرَةِ اَلْهِلالِ اَلْأَحْمَرِ اَلْجَزَائِرِيِّ وَرَئِيسَةِ اَلْمَرْصَدِ اَلْوَطَنِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ اَلْمَدَنِيِّ، وَتُدْعَى «اِبْتِسَام».لَمْ يَتَلَقَّ هَذَا اَلرَّجُلُ صَفْعَةً، وَلَمْ يُشْعِلِ اَلنَّارَ فِي جَسَدِهِ، وَلَكِنَّهُ – حَسَبَ تَصْرِيحَاتِهِ – تَلَقَّى بَصْقَةً فِي وَجْهِهِ، وَتَعَرَّضَ لِإِهَانَاتٍ أُخْرَى فِي اَلسِّجْنِ حَيْثُ أُودِعَ ظُلْمًا.
فَاخْتَارَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى اَلشَّعْبِ.وَقَدْ أَثَارَتِ اَلْقَضِيَّةُ مَوْجَةً مِنَ اَلتَّعَاطُفِ وَالِاسْتِيَاءِ وَالْغَضَبِ اَلشَّعْبِيِّ، وَأَيْقَظَتْ فِي اَلنَّاسِ مَشَاعِرَ اَلْغَضَبِ اَلْكَامِنِ.لَمْ تَحْدُثْ أُمُورٌ مُمَاثِلَةٌ لِمَا وَقَعَ فِي اَلثَّوْرَاتِ اَلْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنَّ شَهَادَةً ثَانِيَةً جَاءَتْ لِتَزِيدَ اَلتَّوَتُّرَ وَالِاحْتِقَانَ وَالْمَخَاطِرَ، وَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ اِمْرَأَةٍ أُخْرَى كَانَتْ تَعْمَلُ لَدَى اَلسَّيِّدَةِ نَفْسِهَا.
تَمُرُّ اَلْجَزَائِرُ بِمَرْحَلَةٍ شَدِيدَةِ اَلْخُطُورَةِ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ اَلْإِخْفَاقَاتُ فِي اَلسِّيَاسَةِ اَلْخَارِجِيَّةِ مَعَ اَلانْهِيَارِ اَلْمُسْتَمِرِّ فِي قِيمَةِ عُمْلَتِهَا اَلْوَطَنِيَّةِ فِي اَلدَّاخِلِ.وَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْدَلِعَ اَلْحَرِيقُ — مِنَ اَلدَّاخِلِ أَمْ مِنَ اَلْخَارِجِ — وَلَكِنَّ اَلْبَلَدَ فِي خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ.
فَـاِنْفِجَارُ أُكْتُوبَرَ 1988 اَلْعَنِيفُ أَفْضَى إِلَى اَلْإِرْهَابِ، وَتَعَلَّمَ اَلْجَزَائِرِيُّونَ اَلدَّرْسَ وَلَمْ يَتَحَرَّكُوا خِلَالَ اَلثَّوْرَاتِ اَلْعَرَبِيَّةِ.وَفِي عَامِ 2019 أَطْلَقُوا حِرَاكًا شَعْبِيًّا اِتَّسَمَ بِالسِّلْمِيَّةِ اَلْمُطْلَقَةِ وَنَالَ إِعْجَابَ اَلْعَالَمِ أَجْمَعِ.وَلَكِنْ بَعْدَ سِتِّ سَنَوَاتٍ، لَمْ يَجْنُوا ثِمَارَهُ، وَلَمْ يَتَحَسَّنْ وَضْعُهُمْ:مُحَاصَرُونَ خَارِجِيًّا، وَمَقْمُوعُونَ دَاخِلِيًّا لِأَتْفَهِ اَلْأَسْبَابِ.فَمَاذَا عَسَاهُمْ يَفْعَلُونَ؟
اَلْأَمْرُ نَفْسُهُ فِي تُونِسَ، حَيْثُ اَلشَّعْبُ اَلْوَحِيدُ اَلَّذِي نَالَ جَائِزَةَ نُوبِلَ لِلسَّلَامِ بِفَضْلِ ثَوْرَتِهِ اَلَّتِي أَبْهَرَتِ اَلْعَالَمَ، بَاتَ اَلْيَوْمَ فِي حِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ أَمَامَ اَلتَّرَاجُعِ اَلْمُسْتَمِرِّ اَلَّذِي يَعِيشُهُ، مُكْتَفِيًا فِي اَلْفِكْرِ بِخُرَافَاتِ «كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ» اَلَّتِي يُحِبُّ اَلرَّئِيسُ قَيْسُ سَعِيدٌ أَنْ يَرْوِيَهَا فِي مَجَالِسِ اَلْوُزَرَاءِ، بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ أَقْرَبَ إِلَى لُغَةِ اَلْكَوَاكِبِ مِنْهَا إِلَى لُغَةِ اَلْبَشَرِ.
فِي 24 يَنَايِرَ 2012، نَشَرْتُ فِي جَرِيدَةِ (Le Soir d’Algérie) مَقَالًا بِعُنْوَانِ «صُنْدُوقُ بَانْدُورَا» قُلْتُ فِيهِ:> «فِي اَلْمَغْرِبِ، أَبْعَدَ اَلْمَلِكُ اَلْخَطَرَ عَنْ بِلَادِهِ عِنْدَمَا بَادَرَ مُنْذُ بَدَايَةِ اَلِاحْتِجَاجَاتِ، فَفَكَّكَ اَلْقُنْبُلَةَ قَبْلَ أَنْ تَنْفَجِرَ وَيَسْقُطَ اَلْقَتْلَى وَتَدْخُلَ اَلْبِلَادُ دَوَّامَةَ اَلْقَمْعِ اَلَّتِي لَا يُمْكِنُ اَلسَّيْطَرَةُ عَلَيْهَا.وَاسْتِبَاقًا لِلْأَحْدَاثِ، طَرَحَ دُسْتُورًا جَدِيدًا أُقِرَّ بِالِاسْتِفْتَاءِ، ثُمَّ دَعَا إِلَى اِنْتِخَابَاتٍ تَشْرِيعِيَّةٍ.فَإِذَا مَا غَضِبَ اَلشَّعْبُ لَاحِقًا، فَغَضَبُهُ سَيَتَوَجَّهُ إِلَى اَلْحُكُومَةِ لَا إِلَى اَلْمَلِكِ.فَاَلرَّايَةُ اَلْحَمْرَاءُ اَلَّتِي سَتَسْتَفِزُّ اَلثَّوْرَ مُسْتَقْبَلًا لَنْ تَكُونَ اَلْقَصْرَ اَلْمَلَكِيَّ بَلِ اَلْحُكُومَةَ».
لَقَدْ نَجَا اَلْمَغْرِبُ مِنْ عُنْفِ اَلثَّوْرَاتِ اَلْعَرَبِيَّةِ بِفَضْلِ مُرَاجَعَةِ دُسْتُورِ 1962، اَلَّتِي نَقَلَتِ اَلْمَمْلَكَةَ مِنْ «مَلَكِيَّةٍ دُسْتُورِيَّةٍ» إِلَى «مَلَكِيَّةٍ بَرْلَمَانِيَّةٍ»، فَتَقَاسَمَ اَلْمَلِكُ سُلْطَاتِهِ اَلتَّارِيخِيَّةَ مَعَ اَلْمُجْتَمَعِ، مَعَ اَلشَّعْبِ اَلْمُمَثَّلِ بِالْأَغْلَبِيَّةِ اَلْبَرْلَمَانِيَّةِ.وَحِينَ وُوجِهَ هَذَا اَلدُّسْتُورُ اَلْجَدِيدُ، فِي أُكْتُوبَرَ 2025، بِحَرَكَةِ «اَلْجِيلِ زِدْ» (Z.GEN) اَلَّتِي طَالَبَتْ بِإِقَالَةِ رَئِيسِ اَلْوُزَرَاءِ وَحُكُومَتِهِ لِتَحْمِيلِهِمْ مَسْؤُولِيَّةَ اَلْأَزَمَاتِ وَالْإِخْفَاقَاتِ، اِكْتَشَفَ اَلْمَغَارِبَةُ بِدَهْشَةٍ أَنَّ اَلْمَلِكَ لَا يَمْلِكُ حَقَّ عَزْلِ رَئِيسِ اَلْحُكُومَةِ، لِأَنَّ اَلدُّسْتُورَ اَلْحَالِيَّ – اَلصَّادِرَ سَنَةَ 2011 – نَقَلَ هَذَا اَلْحَقَّ إِلَى مَجْلِسِ اَلنُّوَّابِ. يَسْتَطِيعُ الْمَلِكُ أَنْ يُحِلَّ الْبَرْلَمَانَ فَيَسْقُطَ مَعَهُ كَامِلُ الْحُكُومَةِ، لَكِنْ يَجِبُ حِينَئِذٍ تَنْظِيمُ انْتِخَابَاتٍ جَدِيدَةٍ قَدْ تُعِيدُ نَفْسَ الْأَغْلَبِيَّةِ، فَمَا الْجَدْوَى إِذًا؟
عَلَى الْمَغَارِبَةِ غَيْرِ الرَّاضِينَ عَنْ أَدَاءِ حُكُومَتِهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوا الْخَرِيفَ الْمُقْبِلَ لِانْتِخَابِ أَغْلَبِيَّةٍ بَرْلَمَانِيَّةٍ جَدِيدَةٍ مِنِ اخْتِيَارِهِمْ، كَمَا يَحْدُثُ فِي كُلِّ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ.وَمِنْ خَصَائِصِ هَذَا الدُّسْتُورِ الْبَرْلَمَانِيِّ فِعْلًا أَنَّ رَئِيسَ الْوُزَرَاءِ يَسْتَطِيعُ حَلَّ مَجْلِسِ النُّوَّابِ وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ، وَهُوَ صَلَاحِيَّةٌ لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ الْفَرَنْسِيُّ مِثْلًا.
هَاتَانِ الْآلِيَّتَانِ – الْمُصَمَّمَتَانِ لِضَمَانِ احْتِرَامِ إِرَادَةِ النَّاخِبِينَ وَالشَّعْبِ وَالْمُجْتَمَعِ – أَنْقَذَتَا الْمَغْرِبَ مَرَّتَيْنِ مِنْ مُفَاجَآتِ التَّارِيخِ.
