Home مقالاتإشكالية الإسلامالقِيَمُ الدِّينِيَّةُ وَالقِيَمُ العالميَّةُ

القِيَمُ الدِّينِيَّةُ وَالقِيَمُ العالميَّةُ

by admin

لقد تَرَكَ ابنُ تَيْمِيَّةَ فِكْرَةً مُدْهِشَةً لِمَنْ يُعَدُّ فِي نَظَرِ الكَثِيرِينَ أَبَا السَّلَفِيَّةِ وَالإِسْلَامِويَّةِ الحَدِيثَةِ. وَهِيَ هٰذِهِ الفِكْرَةُ:«إِنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ العَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلَا يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً».

وَقَدْ صِيغَتْ هٰذِهِ الفِكْرَةُ قَبْلَ ابنِ تَيْمِيَّةَ بِقُرُونٍ، وَلَكِنْ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى، عَلَى لِسَانِ فَقِيهٍ سُنِّيٍّ مِنْ القَرْنِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَهُوَ رِضَا الدِّينِ ابنُ طَاوُوسٍ الَّذِي قَالَ:«السُّلْطَانُ الكَافِرُ العَادِلُ أَفْضَلُ مِنَ السُّلْطَانِ المُسْلِمِ الظَّالِمِ».ثُمَّ بَعْدَهُ، فِي القَرْنِ الخَامِسِ عَشَرَ، صَرَّحَ فَقِيهٌ شِيعِيٌّ إِيرَانِيٌّ يُدْعَى جَامِعٍ بِالفِكْرَةِ نَفْسِهَا قَائِلًا:«العَدْلُ بِغَيْرِ دِينٍ خَيْرٌ لِنِظَامِ الكَوْنِ مِنْ ظُلْمِ أَمِيرٍ تَقِيٍّ».

وَلِفَهْمِ مَا أَرَادَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ بِعِبَارَتَيْهِ «دَوْلَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَلَكِنْ ظَالِمَةٌ» وَ«دَوْلَةٌ كَافِرَةٌ وَلَكِنْ عَادِلَةٌ»،سَنَدَعُ فَقِيهًا مُسْلِمًا آخَرَ يُفَسِّرُ ذٰلِكَ، وَهُوَ رِفَاعَةُ الطَّهْطَاوِي.فِي بَدَايَةِ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، أَرْسَلَ مُحَمَّدُ عَلِي، مُؤَسِّسُ مِصْرَ الحَدِيثَةِ، بَعْثَةً تَعْلِيمِيَّةً تَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثِينَ طَالِبًا مِصْرِيًّا، تَحْتَ إِشْرَافِ شَيْخٍ أَزْهَرِيٍّ يُدْعَى رِفَاعَةَ الطَّهْطَاوِي، لِلتَّعَلُّمِ فِي فَرَنْسَا.

أَقَامَتِ البَعْثَةُ فِي بَارِيسَ بَيْنَ سَنَتَيْ 1826 وَ1831م، وَخِلَالَ إِقَامَتِهِ تَعَلَّمَ الطَّهْطَاوِيُّ اللُّغَةَ الفَرَنْسِيَّةَ، وَدَرَسَ قِيَمَ هٰذِهِ الأُمَّةِ الغَرْبِيَّةِ.وَعِنْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى مِصْرَ، أَلَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ «تَلْخِيصُ الإِبْرِيزِ فِي تَلْخِيصِ بَارِيز»،

وَقَالَ فِيهِ عَنِ الفَرَنْسِيِّينَ:«إِنَّ المَبْدَأَ الثَّابِتَ فِي الحَيَاةِ الفَرَنْسِيَّةِ هُوَ البَحْثُ عَنِ الجَمَالِ لا عَنِ البَذَخِ… وَمُوَاظَبَتُهُم عَلَى نَظَافَةِ بُيُوتِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ أَمْرٌ مُدْهِشٌ… وَمَسَارِحُهُم تَقُومُ مَقَامَ مَدَارِسَ عَامَّةٍ يَتَعَلَّمُ فِيهَا العَالِمُ وَالْجَاهِلُ،وَما يُسَمَّوْنَهُ الحُرِّيَّةَ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ هُوَ عَيْنُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا العَدْلُ وَالإِنْصَافُ، وَمِنْ هٰذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَنَّ كَلِمَةَ «العَدْلِ» عِنْدَ ابنِ تَيْمِيَّةَ تُعَادِلُ كَلِمَتَيْ «الحُرِّيَّةِ» وَ«الإِنْصَافِ» عِنْدَ الطَّهْطَاوِي.

وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الحُكْمِ بِالحُرِّيَّةِ هُوَ إِقَامَةُ التَّسَاوِي فِي الأَحْكَامِ وَالقَوَانِينِ، بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ الحكمُ عَلَى إِنْسَانٍ، بَلِ القَوَانِينُ هِيَ المُحَكَّمَةُ وَالمُعْتَبَرَةُ، فَهَذِهِ البِلَادُ حُرِّيَّةٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:وَقَدْ مَلَأَ العَدْلُ أَقْطَارَهَاوَفِيهَا تَوَالَى الصَّفَا وَالْوَفَا… ».

فَلْنَسْتَبْدِلِ الآنَ أَلْفَاظَ ابنِ تَيْمِيَّةَ بِأَلْفَاظِ الطَّهْطَاوِي، وَنُعِيدُ قِرَاءَةَ الجُمْلَةِ، فَتُصْبِحُ:”إِنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ التي تسود فِيهَا الحُرِّيَّةُ وَالإِنْصَافُ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلَا يُقِيمُ الدَّوْلَةَ التي لا حُرِّيَّةُ وَلا إِنْصَافُ فيها وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً”الخُلَاصَةُ:كُلُّ حَضَارَةٍ أَوْ أُمَّةٍ تَقُومُ عَلَى الحُرِّيَّةِ وَالإِنْصَافِ يُمْكِنُ أَنْ تَدُومَ حَتَّى لَوْ فَقَدَتْ قِيَمَهَا الدِّينِيَّةَ، بَيْنَمَا الحَضَارَةُ الإِسْلَامِيَّةُ خَرَجَتْ مِنَ التَّارِيخِ وَهِيَ لَمْ تَفْقِدْ قِيَمَهَا الدِّينِيَّةَ، لَكِنَّهَا فَقَدَتِ الحُرِّيَّةَ وَالعَدْلَ الاِجْتِمَاعِيَّ.

إِنَّ ابنَ تَيْمِيَّةَ يُصَرِّحُ وَاضِحًا أَنَّ دَوْلَةً غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ (أَيْ عِلْمَانِيَّةً أَوْ مُلْحِدَةً بالمصطلحات المعاصرة) قَدْ تَبْقَى وَتَدُومُ إِذَا قَامَتْ عَلَى العَدْلِ وَالحُرِّيَّةِ وَالإِنْصَافِ، بَيْنَمَا دَوْلَةٌ مُؤْمِنَةٌ (وَيَقْصِدُ بِذٰلِكَ «الدَّوْلَةَ الإِسْلَامِيَّةَ») لَا يُمْكِنُ أَنْ تَدُومَ إِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَى العَدْلِ وَالحُرِّيَّةِ وَالإِنْصَافِ.الخُلَاصَةُ: الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ لِمَنْ يُرِيدُ بِنَاءَ أُمَّةٍ بَاقِيَةٍ هُوَ أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى مَبَادِئِ العَدْلِ وَالحُرِّيَّةِ وَالإِنْصَافِ.

وَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ صِحَّةَ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ:فَالدُّوَلُ الدِّينِيَّةُ الِاسْتِبْدَادِيَّةُ زَالَتْ (إِلَّا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ)، بَيْنَمَا الدُّوَلُ العِلْمَانِيَّةُ الَّتِي قَامَتْ عَلَى الحُرِّيَّةِ وَالعَدْلِ هِيَ الَّتِي تَتَزَعَّمُ العَالَمَ، وَتُجَدِّدُ أَنْظِمَتَهَا لِلتَّكَيُّفِ مَعَ مُتَغَيِّرَاتِ الزَّمَانِ لِتَدُومَ أَطْوَلَ.

إِنَّ النِّظَامَ القِيمِيَّ الجَدِيدَ قَدْ أَسْهَمَ فِي تَهْدِئَةِ المُجْتَمَعَاتِ الإِنسَانِيَّةِ وَتَطْوِيرِهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَ النِّظَامُ السَّابِقُ يُعَرْقِلُ تَقَدُّمَهَا بِسَبَبِ الحُرُوبِ الدِّينِيَّةِ وَالْقُيُودِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا رِجَالُ الدِّينِ.لَمْ يَعُدِ الغَرْبُ يَعِظُ بِالخَيْرِ، بَلْ أَخَذَ يُحَقِّقُهُ بِتَوَاضُعٍ، وَيُحَسِّنُهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فِي كُلِّ مَجَالٍ، وَبِكُلِّ مَسْأَلَةٍ.وَمَا هُوَ الخَيْرُ؟ إِنَّهُ التَّعْلِيمُ، وَالتَّرْبِيَةُ، وَالتَّقَدُّمُ الاِجْتِمَاعِيُّ، وَالصِّحَّةُ العَامَّةُ، وَالتَّأمِينُ الاِجْتِمَاعِيُّ، وَأَمْنُ الأَشْخَاصِ وَالأَمْوَالِ، وَالمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّاسِ أَمَامَ القَانُونِ وَالضَّرِيبَةِ، وَحُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ وَالإِبْدَاعِ… وَهٰذَا بِعَيْنِهِ مَا كَانَتْ تَطْمَحُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الأَدْيَانِ، وَلٰكِنْ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى.

فَقَدْ أُبْدِلَتْ «قَاعِدَةُ العَيْنِ بِالعَيْنِ» بِعَدْلٍ أَرْقَى، وَحُظِرَتِ العُقُوبَاتُ الجَسَدِيَّةُ، وَلَمْ يَعُدِ القَوِيُّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَقَ الضَّعِيفَ، وَلَا الغَنِيُّ أَنْ يُسَخِّرَ الفَقِيرَ، وَلَا الحُكَّامُ أَنْ يَظْلِمُوا المَحْكُومِينَ. وَأَمَّا الرِّقُّ(العبودية)، فَقَدِ انْقَرَضَ إِلَى الأَبَدِ. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ التَّعَالِيمَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا كُلُّ الأَدْيَانِ، وَلَمْ تَنْجَحْ أَيٌّ مِنْهَا فِي تَطْبِيقِهَا كَامِلًا، قَدْ أَصْبَحَتِ اليَوْمَ حَقَائِقَ مَلْمُوسَةً.

You may also like

Leave a Comment