Home مقالاتالازمة الجزائرية: قبل ان تخرج الأمور عن السيطرة

الازمة الجزائرية: قبل ان تخرج الأمور عن السيطرة

by admin


بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

تشهد الجزائر منذ 22 فبراير 2019 ثورةً للمواطنة. تكتسي أَشكالاً سلمية مثل المظاهرات الأسبوعية التي ‏أُطلقت عليها تسميةُ “الحراك”، وتحمل محتوىً يتكوّن من أفكار طبيعية وأساسية ومعقولة أصبحت اليوم ‏تكتسي طابعاً عالمياً إلا في أقلّية من الدول التي من بينها الجزائر: المواطنة، الشرعية الشعبية، الحريات ‏العامة، دولة القانون، الديمقراطية‎

…‎

وقد أجبرَ الانتشارُ العالمي لوباء كوفيد 19 الجزائريين على تعليق المظاهرات لأزيد من سنة الآن. لكن ‏‏”الحراك” إن كان قد توقّف فإن ثورة المواطنة تُواصلُ سريانها في العقول والكتابات والحوارات بين ‏الجزائريين في الداخل والخارج، وقد استغلت مهلة الراحة هذه لتوضّح أفكارها وشعاراتها أكثر‎.‎

هذه الثورة شرعيةٌ وقانونيةٌ ودستورية. وهي تندرج في إطار الروح والنصوص التي جاءت بها جميع ‏الدساتير الجزائرية منذ 1963 إلى الأخير منها الذي صاغه تبون بموافقة القيادة العسكرية. والذي عندما قُدّم ‏إلى الشعب عن طريق استفتاء 1 نوفمبر 2020 رفضته 80٪ من الكتلة الناخبة لأسباب شكلية وليس ‏لمضمونه الذي حافظ على الأحكام الدستورية التي تؤكد شرعية الثورة وطابعها القانوني‎.‎

الأحكام المقصودة هي التالية:‏

المادة 7:” الشّعب مصدر كلّ سلطة. السّيادة الوطنيّة ملك للشّعب وحده”‏

المادة 8:” السّلطة التّأسيسيّة ملك للشّعب”‏

المادة 12: “الشّعب حرّ في اختيار ممثّليه”‏‎.‎

هذا ما قالته جميع الدساتير الجزائرية، لكن الواقع يقول بأنّ “القيادة العسكرية مصدر كل سلطة”، وكل ما ‏بقي من غير ذلك ينحدر أيضاً من نفس الفرضية. ولقد أتيحت الفرصة للعالم برمّته ليرى هذه الحقيقة بمجرد ‏متابعته للأحداث الجزائرية منذ فبراير 2019‏‎.‎

لم يكن للسلطة والقضاء الجزائريّين الحق في سجن المتظاهرين الذين أُطلق سراحهم للتو عن طريق ‏‏”العفو”. ونأمل ألا يُعيدا سجنَ هؤلاء مرة أخرى عندما يعودون إلى صفوف “الحراك” لأن هذا هو ما سوف ‏يفعلونه لا محالة‎.‎

ربما فهمت السلطة أنها لن توقف ثورة المواطنة بإيقافها للمتظاهرين. 

فالقانون في هذه الحالة ضدها، كما أنّ ‏قُضاتَها وسجونها لن تكفوا لمحاكمة واستيعاب جميع “الحراكين” الذين يقدّر عددهم بالملايين‎.‎

الوضع لم يصل بعد إلى اليأس الذي كاد يبلغه غداة المجازر الجماعية التي عرفها النصف الثاني من ‏التسعينيات، عندما كانت الأمم المتحدة تدرس بجدّية سيناريو وضع الجزائر تحت الوصاية، وهو الأمر الذي ‏كان سيعني سحب الاعتراف بالدولة الجزائرية من قبل هيئات المنظّمة والدول الأخرى‎.‎

‏”عقد روما” الذي أبرم تحت رعاية منظمة سانت إيجيديو (التابعة للفاتيكان) كان قد مهّد في وقته الطريق ‏أمام تدويل أوّل أزمة جزائرية كبرى، والتي انتهت بمئات الآلاف من الضحايا. كُنت وقتها هناك رُفقة ‏مدعوين آخرين (بن بلة، آيت أحمد، مهري، نحناح، هدّام، جاب الله، حنون…)‏

كان برنامج المؤتمر يدعو كلّا منّا إلى تقديم رؤيته للأزمة وحلولها الممكنة أمام الصحافة العالمية (وطبعاً ‏أجهزة المخابرات الغربية)، قبل أن ننسحب بعد ذلك لجلسات عمل أكثر خصوصية. وكان هذا ما فعلته ‏عندما جاء دوري وأصررتُ على أن حلول الأزمة يجب أن تأتي من الجزائريين ومن داخل الجزائر‎.‎

لكن عندما علمت بأن الجلسات الخصوصية كانت ستُعقد في حضور أعضاء منظمة سانت إيجيديو وتحت ‏رئاستهم رفضتُ دخول القاعة. وانضمّ نحناح إلى موقفي هذا ممّا أدّى إلى سقوط الاجتماع ومعه لقاء “سانت ‏إجيديو 1″‏‎.‎

وكان من المقرر عقد لقاء “سانت إيجيديو 2″ شهرين بعد الأول، وهو الذي اختتم بتوقيع ما اشتهر بتسمية ‏‏”عقد روما” الذي وضع على قدم المساواة الدولة الجزائرية مع أولئك الذين كانوا يعتبرون الإرهاب “مقاومة ‏شعبية”. طبعاً حرص أصحاب المبادرة على عدم دعوتنا أنا ونحناح‎.‎

اليوم تشهد الجزائر ثاني أزمة كبرى في تاريخها المستقلّ. لم تسفك فيها حتى الآن قطرة دم واحدة و الحمد ‏لله. أطرافها هم القيادة العسكرية التي تسيطر على جميع قوى الأمن في البلاد، والشعب المتمسك بالقانون ‏والأعزل المسالم الموحّد المجمع، الذي لا يسعى إلى التفاوض على شيء وإنّما يكتفي بالمطالبة باحترام ‏الدستور فقط. إلّا في حالة ما إذا تمّ الاستبدال الصريح لكلمة “الشعب” في المواد الدستورية المذكورة أعلاه ‏بكلمة “الجيش”‏‎.‎

إنه من الممكن لهذه الأزمة أن تجد حلّا لها في إطار الدستور الحالي رغم رفضه (لشكله وليس لمضمونه)، ‏وبرئيس الجمهورية الحالي المختار من قبل القيادة العسكرية، وانطلاقاً من القرار الذي اتخذه للتّو بحلّ ‏المجلس الشعبي الوطني. فهذا القرار جيّدٌ إذا ما كان يفتح الآفاق أمام يلي‎:‎

‏1)‏ تجديد المشهد السياسي عبر تطهيره من بقايا الماضي (سحب اعتماد جميع الأحزاب ثم إعادة منحه ‏فقط للأحزاب السياسية التي تتوافق مع نصّ الدستور، والتي لا تستغلّ رموز ثورة 1 نوفمبر ‏‏1954 أو الدين أو الأفكار الانفصالية، والتي كذلك لم تدعم النظام المفترس).‏

‏2)‏ فتح حوار مع الشعب الذي يمثّل “الحراك” الأغلبية الساحقة منه، رغم اختراقه الواضح من قبل ‏‏”الطوايشية” والذين يحنّون إلى حقبة “عقد روما” وتُرادفُ كلمةُ “مدنية” في نظرهم كلمة “دينية”، ‏بالمعنى الذي كان يعطيه حزب “الفيس” للمصطلح‏‎.‎

‏3)‏ ‎ ‎إنشاء “مجلس الوفاق الوطني” ليكون فضاءَ التشاور بين رئيس الجمهورية و “الحراك”، يتألّف من ‏نفس عدد نواب المجلس الشعبي الوطني السابق، ويقترح أعضائَه “الحراك” الذي يمكن أن ينتهج ‏في ذلك نفس قواعد نظام الدوائر الانتخابية سارية المفعول‎.‎

‏4)‏ تأجيل الانتخابات التشريعية إلى أن يتحقق التوافق على “لائحة للاتفاق الوطني” تحدّدُ الشروط ‏الواجب توفرها والمهام التي يتعيّن إنجازها من أجل تأسيس جمهورية جديدة‎.‎

السبيل الوحيد الذي سيضعُ حدّاً لمظاهرات “الحراك” دون استعمال العنف وبعيداً عن خطر التدويل هو ‏تلبية مطالب ثورة المواطنة (تنفيذ مواد الفصل الثاني من الدستور). الأمر بهذه البساطة‎.‎

عادةً ما يُتّهمُ “الحراك” بأنه مجرّد “ماغما” بشرية وموكبٌ بلا رأس ولا غاية نهائية، وهي النقائص العائدة ‏إلى سببين: ‏

‏1) أنه يخشى الاختراق، وهو المصيرُ الذي عرفته جميع المؤسسات والجمعيات، وجميع الأحزاب السياسية ‏والنقابات والجمعيات ولجان المساجد الخ. ‏

‏2) لأنه يستحيل على حركة شعبية بهذا الحجم أن تتنظّم تلقائيا من دون مقرّ أو تمويل أو طاقم مسيّر أو ‏أدوات اتصال‎ …‎

إنشاء “مجلس الوفاق الوطني” يمكنه أن يزيل هذه القيود و يتيح تفعيل حوار جاد وصادق بين الشعب ممثّلا ‏من خلال “الحراك”، و بين السلطة المدنية والعسكرية اللتان يمثلهما رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات ‏المسلحة‎.‎

صفحة فايسبوك ن.ب: 20 فيفري 2021

You may also like

Leave a Comment