Home مقالاتالذكرى الثانية للحراك: جنازة ام اعادة بعث؟

الذكرى الثانية للحراك: جنازة ام اعادة بعث؟

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

بلغنا الخبرٌ الغريب بأن حزب الأفالان يستعد للاحتفال بإحياء الذكرى السنوية الثانية للحراك، وسط ‏دهشة اللذين ساهموا حقيقةً في إطلاق الحراك وهم لا يصدقون ما يرونه في هذا من انعدام للحياء. ‏وفي الوقت الذي يحضر فيه الحزب العتيد لما نجهله من تلاعبات، يتم اعتقال عدد من الحراكيين ‏الأصليين الواحد تلو الآخر‎.‎

إذا ما نجحت هذه العملية فإنها ستكسبه هو وغيره من “براغيث” بعض الاتجاهات الحزبية الأخرى ‏التافهة أو الخارجة من العدم، وسوف تضمن لهم عرفان السلطة الجديدة – في ضل غياب جزائر ‏جديدة – وتعطيهم فرصة للرسكلة في وقت حان فيه موعد حلّ برلمان “الشكارة” وتعويضه ب برلمان ‏‏”الدعم الاجتماعي”‏‎.‎

فعلاً، ألم يعلن تبون أنه سوف يموّل بالمال العام “الشباب” الذين سيترشحون، والذين سيزودونه ‏مقابل ذلك بالأغلبية الرئاسية التي يطمح إليها ولو كانت بنسبة مئوية ضئيلة؟ ربما تلك هي طريقته ‏حتى يدفع الشعب ثمن عدم تصويته له ولدستوره وبرلمانه. يبدو أن “النظام” في عهد تبون قد انتقل ‏من “نظام الأغلبية الانتخابية” إلى نظام نصف السعر وأصغر قاسم مشترك. نظامُ يصفّي السلع ويبيع ‏بثمن بخص، و “يليكيدي” قبل إغلاقه النهائي‎.‎

إنّ الوقت الراهن يشهد التحضير لعملية سطو تاريخي جديدة: سرقة ثورة المواطنة لعام 2019 بعد أن ‏سُرقَت ثورة 1 نوفمبر 1954 غداة الاستقلال. فما يبحث عنه الذين يحرّكون حزب جبهة التحرير ‏الوطني لينظّم الاحتفال المهيب الذي يحضّر له هو في الحقيقة تشييع مراسم جنازة الحراك، وليس ‏الدفع لإعادة بعثه.‏

المثل العليا لبيان أول نوفمبر، والمفجرون الحقيقيون لثورته، والمجاهدون الحقيقيون الذين كانوا ‏داخل الوطن، والحكومة المؤقتة ‏GPRA ‎والتاريخ الحقيقي لثورة التحرير، كل هذا تم تجميعه في ‏الماضي ودفنه تحت شعار شامل هو “الثورة المباركة “(بمعنى الثورة التي باركها الله)، والتي كان ‏بومدين في حياته يمنع حتى ذكر أسماء أبطالها الحقيقيين بخلاف الذين سقطوا شهداء‎.‎

تم ترسيم العادة بإحياء ذكراها والاحتفال بها في أول نوفمبر من كل عام، تماما كما يخطط اليوم لفعله ‏مع ذكرى “الحراك المبارك”، وهي التسمية التي اعتمدها تبون وحده إذ أنّ الشعب لم يستعمل هذه ‏الصفة أو يطلقها على الحراك. من خلال محاولة تقديسه بإضافة صفة “المبارك” على الحراك والتي ‏تعني أن الله باركه، لا يقصد تبون مساعدته هذا الأخير على تدمير بقايا “النظام” بل يريد انتزاعه من ‏أيدي الرجال والنساء الذين نادوا إليه وملئوا صفوفه، حتى يسلّمه ليس للتاريخ وإنما للنسيان‎.‎

ذلك أنه بالنسبة للنظام الجديد والنصف المتبقي من “العصابة”، فإن الحراك قد حقّق جميع أهدافه. ‏يتحدثون عنه باحترام زائف كما لو كان شيئا منتهيا ينتمي إلى صيغة الماضي، ومجرّد قضيةٌ نبيلةٌ يجب ‏تكريمها بالكلمات والزهور لكن ليس أكثر. بينما كان يجب عليهم أن يمتنّوا له على الأقل لطرده من كانوا ‏أسيادهم بالأمس، ولكونه سمح لهم بالوصول إلى السلطة حتى لو كان ذلك فقط من أجل إهلاك ما ‏تبقى من الجزائر‎.‎

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه في ظرف زمني قصير. تاريخ دموي وإجرامي وكاذب، لكن “النظام” العجوز ‏مخطأ هذه المرة في حساباته، فالشعب لن ينخدع للمرة الثانية في ظرف زمنيّ يقدّر بحياة رَجُل واحد. ‏كما لن يسمح لهم أن يجعلوا ما بقي من الجزائر مجرّد “ما دون – جزائر”.‏

في أقل من سنة، استهلك تبون عدد الأخطاء التي ارتكبها بوتفليقة خلال عقدين من الزمن. هو الذي ‏انتُخبَ بعدد ضئيل من الأصوات “الحلال” كما اصطلح عليها التعبير المشعوذ الذي استعمله أحد ‏مقربيه، يعتقد أن الله يباركه بما يكفي ليندفع إلى الأمام بلا شيء غير بعض الوعود الاجتماعية ‏والاقتصادية التي لا يمكن تجسيدها، وطاقم يتنافس داخله انعدام الكفاءة وغياب التناسق، ودستور ‏يرفضه الشعب، و برلمان إداري كذلك الذي يستعد بكل غرابة لفرضه عنوة.‏

أما على المستوى الشخصي فقد بدأ حيث انتهى بوتفليقة: بقضائه أكثر من ثلاثة أشهر في الخارج من ‏أصل أربعة عشر شهرا في السلطة، بينما أمضى الأخير نفس المدة لكن خلال تسعة عشر عامًا من ‏الحكم. وإن كان يعتقد أنه انتهى من الحراك فإنه يرتكب خطأً فادحا لأن الحراك لم يمت، فقط هو ‏معلّق حاليا بسبب فيروس كورونا. ومع اقتراب عيد ميلاده الثاني فإنه يعمل على عودته وإعادة بعثه ‏من جديد‎.‎

الشعب الذي تم خداعة لما يقارب الستين عامًا استيقظ وتجدّد بفعل قدوم أجيال جديدة تمكنت ‏حتى الآن من النجاة من فخ “العصبيات” التي كنت أحذّر منها منذ عام 1989. إنه يتساءل، ويشك ‏أحيانًا لكنه لا ينوي التراجع إلى الوراء لأن القضية ترتبط بحياته ومستقبله. هو يبحث عن أفكار، ‏وأشكال للعمل والتنظيم والتي ستنبثق لا محالة في النهاية من حضنه ومن بين صفوفه.‏

يمكنه أن يعتمد أيضًا على “أثر الفراشة” الذي يستطيع أن يتسبب في أي لحظة في شرارة أو حادثة أو ‏خطأ أو حماقة يرتكبها “النظام” حتى يغير مجرى التاريخ، كما رأينا ذلك في تونس مع التاجر المتجول ‏محمد البوعزيزي الذي أدّى انتحاره حرقاً إلى إسقاط بن علي والقذافي ومبارك وعبد الله صالح … ‏عندنا كان يمكن أن يكون ذلك من خلال قضية وليد نقيش، أو مستقبلا قضية آخر أو أخرى. فاحذر ‏جيدا أين تضع خطواتك مجهولة العواقب يا سي تبون!‏

صفحة فايسبوك ن.ب: 15 فيفري 2021

You may also like

Leave a Comment