Home مقالاتالهشاشة الامريكية المخيفة

الهشاشة الامريكية المخيفة

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

لم يسبق للمؤسسات الأمريكية خلال ما يقارب القرنين والنصف من الزمن أن تعرضت “للتمرميد” ‏من قبل شخص ما بقدر ما حلّ بها على يد دونالد ترامب، منذ أن حطّ هذا الأخير الرّحال بالبيت ‏الأبيض ووسط دهشة العالم أجمع واستياء النصف من شعبه. لم يلبث طويلا بعد تنصيبه قبل أن ‏يعزل بلده عن سائر العالَم المصدوم في البداية ثم المهان فيما بعد؛ و أن يجعل 83 مليون أمريكي ‏ينتفضون خجلاً من اضطرارهم لتحمل نزواته طيلة أربع سنوات لا تطاق.‏

كانت أمريكا تبدو قوية بدستورها وديمقراطيتها ومؤسساتها لكن هذا الرئيس الغريب الذي قفز من ‏عالم الاستعراض والصفقات المالية كما يخرج عفريت علاء الدين من المصباح السحري، لم ينفكّ ‏منذ الأسابيع الأولى التي تلت تنصيبه عن وضعها على المحك، كاشفاً عن نقاط ضعف غير متوقعة في ‏الصرح المؤسساتي الأمريكي‎.‎

وعندما حان موعد رحيله أخيراً رفض المعني بالأمر الإذعان له، و قام بعد أن استنفذ جميع السبل ‏القانونية دون جدوى بدعوة مناصريه الذين أتوا لحضور تجمع داعم له بأن يشنوا حصاراً على مبنى ‏الكابيتول على بعد بضع مئات من الأمتار، بهدف إجبار السلطة التشريعية على عدم المصادقة على ‏هزيمته الانتخابية التي صنعتها أغلبية ولايات الاتحاد و أكدها النظام القضائي بعد فصله في الطعون ‏التي تقدم بها فريقه‎.‎

وقعت أعمال تخريب وسقطت ضحايا وحدثت إصابات واعتقالات تحت الأنظار المندهشة للكوكب ‏بأسره، مما أدّى إلى سلسلة من الاستقالات في محيطه، و أجبر المؤسسة العسكرية على مخالفة البند ‏‏2 من المادة 2 من الدستور الذي ينص على أن “الرئيس هو القائد الأعلى لجيوش و بحرية الولايات ‏المتحدة”. ففجأة لم يعد هذا الرئيس في أعين المؤسسة العسكرية يحمل تلك الصفة، وهو ما يطرح ‏مشكلة دستورية غاية في الخطورة.‏

هذا الطلاق وهذا “الانفصال” تأكدا علناً من خلال استجابة رئيس هيئة الأركان المشتركة لطلب ‏رئيسة مجلس النواب بسحب صلاحيات تفعيل الشفرات النووية عن الرئيس، ثم توضّحَ صراحةً في ‏بيان صدر من نفس المسؤول الرفيع بأن الجيش لن ينفذ أوامر تتعلق بمصالح أو أهواء الرئيس ‏الشخصية. لم نشهد إجراءً كهذا من قبل لا في الماضي ولا في أي دولة ديمقراطية أخرى، لكنه في هذه ‏الحالة يتفهم تماما‎.‎

هذا الرجل الذي جاء وسط ضجيج عارم من الفضائح والغرائب ووصل إلى قمة سلطة بلاده دون أن ‏يفهم أحد كيف و دون أن يسلك الطرق السياسية الكلاسيكية لذلك، يبدو و أنه سيقضي أيامه الأخيرة ‏في عنبر شديد الحراسة داخل أحد السجون، على الأرجح مفلسا و ربما مجنوناً‎.‎

مدينة واشنطن تتشح هذه الأيام بوجه لم تظهره من قبل وتبدو وكأنها على مشارف حرب. مختلف ‏السلطات، الأجهزة الأمنية، وسائل الإعلام، شبكات التواصل الاجتماعي، كبرى المؤسسات، الجميع ‏في حالة تأهب والكل يتوجس حتى آخر لحظة من عهدته، مبادرةً مرتجلةً لشخص لم يعد يرى فيه ‏معظم سكان الأرض أكثر من مجنون يمكنه ارتكاب أي شيء‎.‎

الكونغرس الذي انتهكت حرمته في الأيام القليلة الماضية منشغل بتفعيل الترسانة القانونية المتاحة ‏أمامه حتى يتسنى له التعامل مع سيناريو لم يسبق له أن عرفه و لا يمكن لأيّ كان تصوره، على شكل ‏رئيس تحول فجأة إلى قائد عصابات شغب، يطبَّقُ عليه للمرة الثانية في ظرف سنة إجراء “العزل” ‏الذي هو في الواقع مخيف أكثر مما هو مضرّ. فهو كالسيف المعلق الذي لم يسقط منذ عام 1787 ‏على أيّ رأس رئاسية متمردة‎.‎

فلم يحدث بالفعل أن تمّ عزل رئيس للولايات المتحدة بموجب هذا الإجراء المحدد في المادة 2 من ‏الدستور والمتعلقة بصلاحيات الرئيس وطرق عزل شاغلي بعض المناصب العمومية المحلّفة‎.‎

تم تفعيله خمس مرات في تاريخ الولايات المتحدة ضد الرؤساء لكنه لم يؤد إلى الإقالة الفعلية ‏لأحدهم من منصبه. وقد استهدف رئيسين ديمقراطيين (أندرو جونسون عام 1883 وبيل كلينتون ‏عام 1998) ورئيسين جمهوريين (ريتشارد نيكسون عام 1974 ودونالد ترامب في جانفي 2019 وجانفي ‏‏2021). لكن جونسون وكلينتون وترامب برّأهم مجلس الشيوخ المنعقد في إطار عهدة قضائية ‏خاصة، بينما استقال نيكسون قبل أن ينتهي مجلس النواب من تشكيل لائحة الاتهام الموجهة ضده‎.‎

الملاحظ أن كلا الدعوتين المرفوعين ضد ترامب ترتبطان بشخص جو بايدن رغم أنّ لا شيء يجمع بين ‏الرجلين. فبايدن انطوائي إلى درجة الخجل بينما ترامب منفتح لدرجة الدّوس على الآخرين، والأول ‏متواضع بقدر ما هو الثاني مصير للصخب. القاسم المشترك الوحيد بينهما هو أنّ كلاهما سيكون ‏رئيساً لعهدة واحدة، الأول طوعاً بينما الثاني مرغماً بعد أن كاد يتسبب فى حرب أهلية ثانية لم يبتعد ‏شبحها حتى الآن‎.‎

بالأمس صوت مجلس النواب على قرار الاتهام وكان من المقرر إحالته إلى مجلس الشيوخ الذي هو ‏المسؤول عن التحقيق والبت في القضية. تصويت الديمقراطيين لن يكون كافياً لإدانة ترامب بل ‏سيتطلب الأمر انضمام 17 عظوا جمهوريا من مجلس الشيوخ ليكتمل النصاب القانوني الذي يتيح ‏عزل ترامب والمقدر بثلثي أعضاء المجلس. فيبقى ذلك أمراً بعيد المنال. هناك أيضًا مسألة الوقت ‏حيث ستنتهي عهدة دونالد ترامب في منتصف نهار 20 جانفي‎.‎

الديموقراطيون سارعوا لتفعيل العملية ليضربوا بها المثل إثر الهجوم الذي تعرض له الكابيتول في 6 ‏جانفي، وأيضاً ليدقوا جرس الإنذار داخل الضمير الأمريكي. حيث أنهم أوّل من يدرك الشروط التي ‏يتطلبها تفعيل الإجراء، فإنهم قبل كل شيء يسعون إلى منع دونالد ترامب من العودة مستقبلا إلى ‏النشاط السياسي، أملاً في أن يطبق عليه القسم 3 من المادة الأولى من الدستور، الذي ينص على أن ‏‏”الأحكام الصادرة في حالة العزل لا يمكن أن تتجاوز الإقالة والحظر عن شغل أي منصب من وظائف ‏الثقة أو ممارسة أي وظيفة فخرية أو مدفوعة الأجر للولايات المتحدة‎

…”‎

لقد أرادوا في البداية دفعه للاستقالة طوعا ثم طالبوا نائب الرئيس مايك بنس بتطبيق التعديل 25 ‏لكن دون جدوى. لذلك يبدو الإجراء المتخذ أخيراً محكوم عليه هو الآخر بالفشل، لكن الأمل في طرد ‏دونالد ترامب من الحياة السياسية لا يزال متاحاً لأن القانون الأمريكي ينص على إمكانية الملاحقة ‏القضائية للرئيس أمام المحاكم العادية بمجرد عودته إلى وضع المواطن العادي، بما في ذلك من أجل ‏الأسباب التي أستدعت تفعيل إجراء العزل. هذا ولا تنقص التهم من شتى الأنواع في حالة ترامب بل ‏هي متوفرة بالأكوامٌ.‏

يوجد كذلك في النظام القانوني الأمريكي نص يُعرف باسم “قانون التخطّي”، والذي ينص على أن “كل ‏من يدخل أو يظل عمداً في مبنى أو منطقة دون تصريح قانوني وبقصد الإخلال بالسير العادي للأنشطة ‏أو الوظائف الحكومية، و يعرقل سير النظام العام في هذه المباني أو المناطق المحظورة أو بالقرب منها ‏و يمنع أو يعرقل سير المسائل الحكومية و الوضائف الرسمية، يُعاقب بغرامة أو بالسجن لمدة تقل عن ‏‏10 سنوات أو بكلاهما”‏‎.‎

لنعد الآن إلى “التعديل الخامس والعشرين” الغريب الذي دخل الدستور الأمريكي عام 1967، والذي ‏يزيد من الشعور بهشاشة النظام المؤسساتي الأمريكي، حيث يستنبط من هذا التعديل أنه يكفي أن ‏يوقع ثلثا فريق حكومي على بيان حتى يعزل رئيس الولايات المتحدة.‏

بالتالي فإن تفاهماً بين نائب الرئيس وعدد صغير من المسؤولين (حوالي عشرة وزراء)، ومؤامرة بهذه ‏السهولة في التحضير يُمكنُ لها أن تساوي بصفة قانونية وَزنَ كتلة الناخبين بأكملها، و أن تضع السلطة ‏في يد نائب الرئيس دون أي إجراء آخر و دون أن يكون للرئيس حول أو قوة… يبدو هذا كافياً لتغذية ‏أفكار المتآمرين وسيناريوهات أفلام هوليوود‎.‎

إليكم ما تنص عليه هذه المادة في القسم 4 منها: ” إذا توجه نائب الرئيس و معه أغلبية المسؤولين ‏الرئيسيين في الإدارات التنفيذية أو أي هيئة أخرى محددة بموجب قانون صادر عن الكونغرس، إلى ‏رئيس مجلس الشيوخ و إلى رئيس مجلس النواب بإعلان مكتوب يخطرهم بأن الرئيس غير قادر على ‏ممارسة سلطاته والوفاء بواجبات منصبه، فإن نائب الرئيس يتولى على الفور هذه المهام بصفته ‏رئيساً مؤقتاً‎”

.‎

موضوع آخر يثير التساؤلات في خضم أجواء الرعب التي تسود حاليًا أمريكا وهو الخطر الذي تمثله ‏الميليشيات المسلحة التي تؤيد دونالد ترامب‎.‎

كلمة الميليشيا في أمريكا لا تحمل الدلالة السلبية التي ترتبط بها خارجها. فهي موجودة بشكل بارز في ‏دستور الولايات المتحدة في المادة المسماة “التعديل الثاني”: “نظرًا لكون الميليشيا جيدة التنظيم ‏ضرورية لأمن دولة حرة فإن حق الشعب في امتلاك السلاح وحمله لن ينتهك”. العقول التي وضعت ‏هذه المادة الدستورية لم تكن تتصور الميليشيا على أنها تعزيز لقوات الأمن التي يشار إليها في المادة ‏المتعلقة بالرئيس القائد الأعلى للجيوش، بل المليشيا التي تتشكل بمبادرة من الشعب. لكن في المقابل ‏ما يفكر فيه أنصار ترامب هو المعنى الأول للكلمة.‏

في مقال كتبته بتاريخ 29 ماي 2014 ونشر في اليومية الجزائرية ‏Le Soir d’Algérie‏ بعنوان “المثال ‏الأمريكي”، كتبت ما يلي عن التعديل الثاني: ‏

‏” ما يجب أنْ نعرفه هو أنّ هذا التعديل الأخير لم يتم تسجيله في الدستور الأمريكي من أجل الاستجابة ‏لحاجة ‏المواطنين الأمريكيين إلى الحق في الدّفاع عن الذات، بل من أجل تمكينهم من الوسائل التي ‏تسمح لهم ‏بمعارضة حكومتهم بحمل السلاح في حالة ما إذا كانت تلك الحكومة بين أيدي مُستبدّة. ‏هذا هو معنى التعديل ‏الذي يكتسي شرعيته من الفقرة الثالثة من وثيقة “الإعلان عن الاستقلال” ‏سنة 1776، حيث يمكن أن نقرأ: ‏‏” تُقامُ الحكومات في الناس لكي تكفل (تلك) الحقوق، وسلطتها تأتي ‏من المحكومين. وكُلّما اتّخذت الحكومة ‏شكلاً هدّاماً لهذا الهدف، أصبح من حقّ الشعب أن يُغيّرها أو ‏أنْ يُلْغيها وأن يُقيم حكومة أخرى… مِنْ حقه، ‏ومِنْ واجبه أن يرفض مثل هذه الحكومة‎…”.‎

وجاءت المُصادقة على هذا التعديل بعد اقتراحه سنة 1791 بهدف تمكين المواطنين من تفعيل هذا ‏الحقّ ‏بهذه الصيغة: “بما أنّ ضمان أمن الدولة المستقلة يتطلّب ميليشية جيّدة التنظيم، فإنّ حقّ ‏الشعب في امتلاك ‏وحمل السلاح لا يمكن الاعتداء عليه”. وكلمة الاعتداء‎ (Transgression) ‎‏ ‏مُستقاة من لغة التوراة. وقد ‏اقتبس الفرنسيون هذه الفكرة بدورهم، إذ أننا نجدها في “الإعلان عن ‏حقوق الإنسان والمواطن” الصادرة ‏سنة 1789‏‎.‎‏.. لكن الذي تبقّى من هذا المبدإ القديم هو حرية ‏حمل السلاح رغم ‏المجازر التي تُميّز الحياة الأمريكية، والتي آخرها مجزرة سانتا باربارا‎ (Santa ‎Barbara) ‎التي وقعتْ ‏منذ أسبوع‎‏.”‏

‎.‎

في ضل الأحداث التي تواجهها اليوم، توجد أمام أمريكا فرصةٌ لتعيد تأسيس نظامها الانتخابي على ‏خلفية الدروس التي استخلصت وتلك التي لا تزال من الأزمات التي طبعت انتخاباتها الرئاسية منذ ‏بوش الإبن وصولاً إلى بايدن، وإلا فإنها ستتجه نحو نكسات جديدة. ف “الترامبية” لم تأت من قبيل ‏الصدفة، بل وجد دونالد ترامب نفسه في الوقت والمكان المناسبين ليحمل طموحاً شعبوياً أصبح اليوم ‏عالميًا‎.‎

صفحة فايسبوك ن.ب: 16 جانفي 2021

موقع الجزائر اليوم 16 جانفي 2021

You may also like

Leave a Comment