بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح
بعد غياب طالَ شهرين، طغى عليه صمتٌ جنائزيٌّ أدّى إلى تآكل ثقة الجزائريين في أن يرَوهُ يعودُ يوماٌ ماَ لممارسة مهامه، ظهرَ الرئيس تبون بصفة مفاجئة مثل شبح في فيلم رعب، ليعلن لهم عن عودته قريباً بينهم.
كلُّ شيء في الديكور الذي ظهرَ لهم وسطَهُ كان يوحي برجوع من وراء الحياة: صوته قبريّ ووجهه شاحبٌ كالشبح العائد من بين الموتى. كلامه عن “متابعته شؤونهم ساعة بساعة” كمشهدٌ روحاني ولباسه كبذلةُ للتمويه.
لو كنا بالقرب منه لما كنّا سنستنشقَ عطرَ الحياة بل نشم رائحة الموت. فأَن يجدَ المرءُ نفسه بين مخالب لعنة الدستور أمرٌ ليس بالهيّن، وكاف ليثلج عظامَ أيّ كان!
عودة تبون للظهور لم تطمئن الجزائريين طويلاً. فأمامَ طوفان التفسيرات التي طالت الشكل والمضمون في الخطاب الموجز الذي توجّهَ به للشعب عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بدأ ارتياحُهم يفسح المجالَ تدريجياً أمام قلق متزايد على مستقبلهم في نهاية هذه السنة الحافلة بالمحن.
موت تبون فسيولوجياً أو سياسياً؟ ما الذي يهم؟ فالعام الجديد يتبيّنُ الآن أمامهم بأفق مظلمة، لأن أهمَّ ما أفرزته كثرة التفاسير والأسباب والكمّ والكيف حول خطاب تبون هو أن هنالك مشكلةً بينه وبين الجيش، مشكلةٌ كبيرة وربما حتى قطيعةٌ نهائي. وحدهُ هو والقيادة العسكرية من يعرفون الحقيقة في الوقت الحالي.
إذا كان الأمر لا يعدو خصومةً عابرة بينه وبين العسكر جراء سوء تفاهم أيّاً كان، فنحن لا نحتاج أن نعرف خباياها، ولن تلبث التفسيرات التهريجية والتآمرية التي تدور الشبكات الاجتماعية طويلا لتؤول إلى النسيان.
أمّا إذا كانَ يتعلق بحالته الصحية وبالموقف الذي يجبُ أن يُتّخذَ لمصلحة الأمة فإن ذلك يهمّنا بقدر ما يهمّهم ويجب أن نعرفه فوراً لأنه لا يمكن أن يظل سراً إلى الأبد. فنحن سنكتشف الأمر عاجلا أم آجلا.
حتى إن أصرّوا على إخفائه عنّا فسنتمكّن رغم ذلك وكما في الفلسفة التنويرية من أن نصل إليه دون ”وحي” منهم، ودون أن نحتاج إلى الحصول على كافة المعلومات حول الموضوع أيّا كان، مقدسا أم دنيويا. سنتمكن من ذلك ببساطة عبر الاحتكام إلى العقل.
وسنستنتج بعد التفحص والتمعن أنّه إذا كانت الحالة الصحية لتبون تسمح له بحكم البلاد بشكل لائق لمدة عام على الأقل فلا داعي ولا مصلحة للجيش في أن يطبّق عليه المادة 102 حالياً.
أما إذا كانت حالته الصحية لا تسمح له بالعودة إلى مهامه في غضون الأسابيع الثلاثة التي أعلن عنها (والتي لم يتبقّ منها سوى اثنان)، فعليه أن يستقيل من تلقاء نفسه حتى لا يسلّط على البلاد إعاقةً شديدةَ الخطورة في هذه الأوقات الحافلة بالتهديدات من كل قبيل: الوباء، انهيار الدينار، هشاشة الاقتصاد، التوتر على الحدود، قطيعةٌ كاملة بين الشعب والسلطة …
فالعودةٌ إلى الماضي القريب ليست ممكنة بأي حال من الأحوال لأنها ستعني نهاية الفاصل القصير الذي عرفناه من الاستقلال.
وإذا كان السيناريو الأخير هو الذي سيفرض نفسه فهذا يعني أن إستراتيجيةً للخروج من الأزمة التي بدأت بعد إقالة بوتفليقة في أفريل 2019 على يد الشعب الذي استيقظ أخيرًا، قد بدأت في الظهور من تلقاء نفسها والتشكّل من رحم اقتران الظروف المواتية.
هذا يعني أيضا أنّ ما لم يستطع استكمالَهُ “الحراك” بسبب فيروس كورونا قد تمّ من تلقاء نفسه وبمساعدة فيروس كورونا نفسه حسب التسلسل الزمني الآتي: تنصيب تبون في 19 ديسمبر 2019 ؛ وفاة الجنرال قايد صالح في 23 من نفس الشهر؛ إصابة تبون بفيروس كورونا في 16 أكتوبر 2020؛ التدهور الخطير لحالته الصحية وإجلائه إلى ألمانيا في 28 أكتوبر ؛ – إجراء الاستفتاء على الدستور الجديد في الأول من نوفمبر 2020، و الذي قوبل برفضه من قبل 80٪ من الكتلة الناخبة.
ما الذي بقي لتبون الذي خرج في 13 ديسمبر من غيبوبته ليتمتم أن الأمرَ الأكثر إلحاحًا بالنسبة له هو إجراء انتخابات تشريعية لتشكيل برلمان جديد؛ حتى يفهم بأنه يسير في الطريق الخطأ و أنه يُبحرُ و يديرُ الدفة عكس الإرادة الشعبية والإرادة الإلهية، هو الذي يحبّ أن يذكّر بأن “إرادة الشعب من إرادة الله” ؟
ما الذي يجب أن يحدث له حتى يقتنع بالكفّ عن الإصرار في الخطأ كما فعلَ إبليس؟ فالشعب لن يذهب للتصويت على البرلمان الجديد الذي سيُحكَمُ عليه باللاشرعية، مثله مثل الدستور الذي ينتظر الإصدار.
حيثُ أنّ الفريق قايد صالح، مهندس هذا الحلّ الذي تغمره المياه من جميع الاتجاهات لم يعد موجوداً، فإنّ أمام القيادة العليا للجيش الفرصةُ إذا تبيّن بأن تبون يقع في حكم المادة 102 حتى تعود إلى طريق المنطق الذي ينصُّ على أنّ لا قيمةَ ولا صحةَ لشيء إلّا إذا حضيَ بقبول الشعب ومباركته.
قايد صالح كان مخطئا عندما أيّدَ العهدة الرابعة وفكرة العهدة الخامسة ليبقى في منصبه. خليفتُهُ سيكون مخطئاً هو الآخر إذا اختار تأييدَ بوتفليقة جديد حتى يبقى في منصبه. وتبون مخطأٌ في إصراره على السير عكس إرادة شعبه وهو يخال أنّ بإمكانه خداعه بذرّ رماد جحا في عينه.
صفحة فايسبوك ن.ب: 19 ديسمبر 2020
