Home مقالاتالجزائر تركيا و فرنسا : بين الحكايات الصغيرة و عظمة التاريخ

الجزائر تركيا و فرنسا : بين الحكايات الصغيرة و عظمة التاريخ

by admin

بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح

المؤرخون يكتبون التاريخ بينما فلاسفة التاريخ يفسرونه بحثًا عن معنى للأحداث المهمة، والوقائع التي ‏تصنع هذه الأحداث، والأفكار التي توجه هذه الأخيرة إمّا في اتجاه أهداف مسبقة التسطير أو إلى غاية ‏غامضة.‏

فلنحاول لوهلة أن نمارس فلسفة التاريخ لكن بأسلوب خفيف، حتى نهوّن من الطبيعة الحزينة أو حتى ‏المأساوية للموضوع المتناول.‏

مؤخرا سال الكثير من الحبر في وسائل الإعلام الوطنية حول رفض منصب الوزير في الحكومة ‏الجزائرية من قبل الصحفي السابق والنائب سمير شعابنة إن كان ذلك يعني تخليه عن الجنسية الفرنسية، ‏ومن جهة أخرى حول طلب الجنسية التركية من طرف المساعد أول قرميط بونويرة مقابل إفشائه ‏لأسرار عسكرية.‏

إذا كان خيار الأول لا يتعارض مع القانون الجزائري ولا مع نظيره الفرنسي – ونكتفي هنا بالجانب ‏القانوني البحت للموضوع – فإن ما اقترفه الثاني يعدّ جريمةً يعاقب عليها القانون الجزائري بأحكام جدّ ‏ثقيلة. ‏

بالنسبة لسمير شعابنة فإنه من الأفضل، إن استلزم الأمر، أن يكون المرء بطّالا في مرسيليا على كونه ‏وزيرا في الجزائر، أمّا بالنسبة لقرميط بونويرة فإن الحياة كخائن في اسطنبول أفضل لديه من العيش ‏عسكريا متقاعدا في تيسمسيلت.‏

الإثنان ليسا أول ولا آخر من يختار على هذا النحو. فالكثير من المواطنين وطالبي “الفيزا” والحراقة ‏يشتركون معهما في نفس الشعور. هذا لا يعني أنهم مرشحون لخيانة الوطن لكن فقط أنهم لم يعودوا ‏يتحملون الحياة في ظلّ الظروف المعيشية التي أنتجها التسيير الفاشل لحكّامهم‎.‎

تركيا أعادت المساعد أول قرميط إلى السلطات الجزائرية لكن ليس الأسرار التي أفشاها. أما فرنسا فلم ‏يصدر عنها رد فعل بشأن سمير شعابنة لأنها لم ترى أن ما فعله يعنيها في شيء.‏

إذا كانت تركيا وفرنسا تعرفان ما تفعلانه وما تريدانه منذ نحو ألف عام، فإن الجزائر القديمة – التي ‏بالكاد تبلغ من العمر 58 سنة -، والجزائر الجديدة – التي تبلغ من العمر بضعة وعود – تتخبطان بنفس ‏التهور الأبدي في دولة هائمة أنتجت على مرّ تاريخها العديد من القصص المشابهة لحكايتيّ قرميط ‏وشعابنة.‏

قصص تعيد للذاكرة الحكايات والأساطير التي سمعناها في طفولتنا والزاخرة بشخصيات تطلق عليها ‏أسماء غريبة من قبيل جحا، زعيط ومعيط، ونقاز الحيط وآخرون. حكايات تنحدر من المخيّلة العربية إذ ‏نجد لها أثراً في كافة البلدان المغاربية والعربية تقريبا.‏

هذه الشخصيات الأسطورية التي تتّسم بالفوضوية والحيلة وغياب العقلانية والغباء، تبدو و كأنها عادت ‏للتجسد من جديد في ثياب و على لسان “شخصيات” حيّة معاصرة، توجد أسمائها بين شفتيّ لكني أفضل ‏أن أدعكم تخمنوها بأنفسكم.‏

على أي حال، ها هو ثلاثيٌ تاريخي قديم (الجزائر وتركيا وفرنسا) أعادت جمعه في مخيّلتنا “الحكايات” ‏الصغيرة لقرميط وسمير و على الارض لرغبة تركيا و فرنسا المشتركة في لعب الأدوار الأولى ‏للتاريخ. وقد وجدوا الفرصة حاليا في ليبيا، حيث تقف كلاهما في جهة ونحن في الوسط بينهما.

تاريخ الجزائر اندمج بالفعل مع تاريخ تركيا وفرنسا بين 1520 و1962‏‎.‎
الإمبراطورية العثمانية التي تأسست مع السلطان عثمان في القرن الثالث عشر، كانت قد بادرت بغزو ‏العالم القديم (آسيا وأوروبا وأفريقيا)، ووصل امتدادها في 1520، في عهد سليمان القانوني إلى الضفاف ‏الشرقية للمتوسط، لتجعل من ليبيا وتونس والجزائر محافظات لها بموافقة السكان المحليين الذين رأوا ‏في الإسلام رابطةً عائلية لهم و جنسية موحّدة لا يهم ما تحمله من اسم‎.‎

بعد ذلك بثلاثة قرون قامت فرنسا بطرد تركيا من الجزائر عسكريًا وجعلت من هذه الأخيرة مستعمرة ‏لها. وبعد 130 سنة من الاستعمار وثورة تحريرية استمرت لسبع سنوات، أصبحت بلادنا مستقلة. إلى ‏متى ستبقى كذلك؟ ‏

لو طرحنا السؤال على ” المرابطية” الجديدة ‏‎(nouveau maraboutisme)‎التي تزدهر في أيامنا ‏هذه فربّما ستجيب: “الله يعلم‎!”‎‏ كما هو الحال مع الكورونا أو الكوارث التي تنتظرنا حتما من قبيل تلك ‏التي تقتل حاليا لبنان الشقيق، من جوار عدائي وإفلاس مالي وطبقة سياسية منتهية الصلاحية و “حراك” ‏شعبي وفيروس كورونا وحوادث مميتة يتسبب فيها “تقرميط” المسيرين، مثل الذي أدى بالأمس الى ‏نسف جزءا كبيرا من العاصمة ودمّر حياة الآلاف من الأبرياء.‏

لأننا لم ننجز شيئا حاسما أو دائما منذ الاستقلال، ما عدا التكاثر لنضاعف من عدد سكاننا كل خمس ‏وعشرين عامًا بينما تضاعفها فرنسا كلّ قرنين، وبينما تعدّ تركيا في 2020 بالكاد 85 مليون من ‏السكان.‏

منذ 1962 إلى يومنا هذا، يتطابق تاريخ الجزائر مع تاريخ المحروقات التي اكتشفها في 1949 ‏واستغلها بدئا من 1956 المستعمر السابق.

تاريخٌ صنعه تأرجح سعر البرميل بالنسبة للنفط والمليون وحدة حرارية بالنسبة للغاز. كانت لدينا في ‏الماضي زراعةٌ مصدّرة لكن بومدين قضى عليها في أربع أو خمس سنوات باسم “ثورة زراعية” لا ‏تحمل من الثوري غير الاسم.‏

عندما كانت أسعار المحروقات ترتفع كانت تجلب لنا أكثر مما نحتاجه من العملة الصعبة، وهو ما كان ‏يمكّننا من تمويل عجز الحسابات العامة والخسائر الفادحة لاقتصاد إداري أنشئ من أجل توزيع جزء من ‏الريع على “العمال”، على شكل أجور لا يكاد يقابلها إي إنتاج.‏

أمّا عندما كانت تنخفض بحيث تصبح لا تغطي واردات الغذاء والمعدات الموجهة لمصانع حُكم عليها ‏بالعجز الدائم، فكنّا نقترض من الخارج بعد أن نعد الدائنين بتسديد ديوننا عندما تعود أسعار المحروقات ‏إلى الاستقرار. ‏

بهذا فقط وصلنا إلى عام 2020 ونحن ندّعي ونفتخر بلا شيء تقريبا.‏

اليوم يتصارع الفرنسيون والأتراك سياسيا في ليبيا وبينهما حساب قديم يتعلق بنا، يضاف إليه تراكم ‏أسباب أخرى من الطرفين. عاجلاً أم آجلاً سيحاولان إرغامنا على لعب دورً في صالح أحدهما أو الآخر. ‏

من جانبنا نحن فإننا نستعد لتعديل دستورنا بما سيسمح للجيش الوطني الشعبي بالتدخل في الخارج.‏

كلا القوتين الخارجيتين تغتنمان فرصة إعادة التشكّل الجيوستراتيجي الحالي حتى تتموقع في محيطنا ‏المباشر، بينما “النيو-مرابطية” قد عادت للاستفاقة، وهي تعمل على إعادة نشر ذهنية “الدوّار” في ‏عقول الشعب، وثقافة الـ “مسلّمين مكتّفين” في المجتمع. لم يكن مالك بن نبي يصف بغير هذا “قابلية ‏الاستعمار” المستسلمة للقدر التي فتحت الباب أمام الاستعمار الغاشم.‏

ماذا ستفعل الجزائر و هي بين مطرقة و سندان هاتين القوتين و غيرها من القوى العظمى (روسيا ، ‏الصين ، الولايات المتحدة الأمريكية) عندما ينفد الغاز والنفط، أو عندما لا يجلب ما يكفي من العائدات ‏لإطعام الشعب الغفير و للحفاظ على مستوى دفاعي رادع؟ ‏

لقد بدأ العد التنازلي: فبعد أقل من عامين لن يتبقى شيء من احتياطي العملة الصعبة الحالي. ونحن لن ‏نشهد عندنا مثل الهبّة التضامنية الدولية العفوية التي تحيط بلبنان اليوم في أزمته وهو يستحقها فعلا. ‏

إبان التسعينيات، كانت منظمة الأمم المتحدة تفكر بجدية في وضع بلادنا تحت وصايتها، لكن ذاكرتنا ‏قصيرة.                                                                     صفحة فايسبوك ن.ب: 05أوت 2020

You may also like

Leave a Comment