Home مقالاتانتفاضة العهدة الخامسة: البداية و النهاية

انتفاضة العهدة الخامسة: البداية و النهاية

by admin

بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة بوكروح وليـــد

كوني أصدرت منذ عام ونصف أول “نداء من أجل ثورة مواطنة ضد العهدة الخامسة” (لا يزال على صفحتي في الفيسبوك)، فإنني أحيي الحراك الشعبي الذي عرفته الجزائر نهاية الأسبوع و الذي يدلّ على نضوج وعي المواطنة لدى الشعب الجزائري، كما يعده – على المدى البعيد – باستعادة السيادة التي يعترف له بها الدستور في كلماته ، لكنها لا تمارس أبداً في الواقع.

و قد قامت السلطة و ما يسمّى بالمعارضة على حد سواء بمقاومة ندائي هذا ، لكن اليوم، ها هي الأولى لم تقمعه لأنها لم تكتشف خطره (صحيح؟) وها هي الثانية ترى فيه هدية سقطت من السماء مباشرة على رأسها. على أي حال …

ما الذي سيحدث الآن و قد خرج عدد كبير من المواطنين إلى الشارع من تلقاء أنفسهم للتصدي للعهدة الخامسة؟ ما الذي يمكن أن يحدث انطلاقا من هذا المنعرج الفاصل؟

أ‌) ما سيحدث

هذه المظاهرة الأولى من نوعها بهذا الحجم و التي تجسد رفض الشعب للاستمرار في تحمّل نزوات و تعسف سلطة فقدت كل مصداقية، هي دون أيّ شك بداية لشيء جديد و غير مسبوق.

لقد حشدت في طيها مواطنين من جميع الأعمار والخلفيات والمناطق حول شعار موحّد هو رفض العهدة الخامسة، و كانت سلمية من البداية حتى النهاية، ولم تطالب بأي شيء آخر غير إنهاء مهزلة صارت تهدد مستقبل البلاد وتهين شعبها.

المؤكد أن هذا الحراك العفوي ليس نهاية في حد ذاته و أنما هو مجرد بداية. هدفه و غايته النهائيين هما الذهاب أبعد من مجرد رفض العهدة الخامسة، لفتح الطريق أمام ميلاد جزائر متحررة من الأبوية و العبادة الحمقاء لأساطير أكل عليها الدهر و شرب.

إذا ما شاء الوصول إلى هدفه، فإن هذا الحراك يجب أن يستمر ويتكثف في الأيام والأسابيع القادمة. و من أجل ذلك يجب عليه أن يجمع المزيد من المواطنين وأن يمتد ليشمل كامل الأراضي الوطنية وخارجها، حيثما وجدت جالية جزائرية..

على الرغم من حظر المسيرات والمظاهرات في العاصمة منذ فترة طويلة، إلا أن السلطة امتنعت عن قمع تلك التي حدثت أمس خوفًا من صب الزيت على نار الغضب الشعبي، ولكن أيضًا و خاصة خوفًا من ردود الفعل الدولية. لذا فإن أمن و سلامة المتظاهرين يكمنان في تضخيم الحركة الاحتجاجية وتعميمها لأنه لا يمكن قتل أو سجن أو طرد عشرات الآلاف من الأشخاص من وظائفهم.

ما سيحدث سوف يُنتظر من داخل السلطة التي لا تملك إلا خيارا بين اثنين: القمع و هو ما يعني الانزلاق نحو المجهول، أو السماح للشعب باختيار رئيسه المقبل بحرية من بين من تبقى من المرشحين..

في كل الأحوال فإن القلق قد استقرّ في معسكر السلطة مهددا منذ الآن مصير العهدة الخامسة. فإما أن تتخلى عن هذا الخيار و تسمح للانتخابات بأن تجري بطريقة نزيهة، و إما أن تتعنت في المضي قدما إليها تحت الأنظار المستنكرة للعالم أجمع، والذي سيكون قد تأكد بما لا يدع مجالا للشك من عدم شرعيتها، قبل حتى أن نصل إلى 18 أبريل..

سينتج قرار السلطة بناء على عاملين رئيسيين:

1) مدى تزايد التجند الشعبي ضد العهدة الخامسة و هو ما سوف يثبت بأنه لم يكن مجرّد شرارة منعزلة أو إنذارا دون عاقبة: إن هو صار عاما و صريحا ومستمرا فإن السلطة سوف تعود عندئذ أعقابها وسيسحب ترشح بوتيفليقة قبل أو بعد 3 مارس.

2) ضغط الرأي العام الدولي: هذا الأخير سيدعم في نهاية الأمر و لأسباب بديهية الحس المشترك لأولئك الذين يرفضون العهدة الخامسة، ضد تعنت أولئك الذين يدافعون عن صيغة الرئيس الغائب من أجل حماية مصالح شخصية. فعندما لا يوجد في بلد ما إلا السلطة تكون الحكومات الأجنبية مجبرة على التكيف معها ؛ أما عندما يكون هنالك في نفس البلد مجتمع ورأي عام وضمير مدني، فإنها ستفضلهم على السلطة استنادا إلى المبدأ الديمقراطي الذي تبنى عليه فلسفتهم السياسية.

لقد سقط جدار الخوف في الجزائر كما سقط جدار برلين منذ ثلاثين عامًا، متيحا النظر نحو الأفق والرؤية المستقبلية… أصبح ممكنا تصور جزائر أخرى من دون استبداد أو طغمة عسكرية، دون الرجل المنتظر، دون جحا أو داعش على رأس السلطة. مع أجيال جديدة وأفكار جديدة وأحزاب جديدة …

ب‌) ما يجب أن يحدث

المشاكل التي يعاني منها الجزائريون منذ الأبد تأتي من سؤال واحد لم يطرحوه على أنفسهم: من الذي يملك الجزائر؟ كانوا يعتقدون ببراءة أن مصيرهم يعتمد على مدى صلاح السلطة – التي هي صاحبة البلد – والتي يرون فيها نوعًا من صورة الأب ، أو بالأحرى “خليفة لله” كما تصوره لهم إياها سذاجة روح التدين التي تسكنهم.

جميع بلدان العالم تنتمي إلى شعوبها التي توصلت في يوم أو آخر إلى وضع طريقة لتعين قادتها على أسس قواعد يضعها ممثلو الأمة، و هذا هو ما يسمى بالديمقراطية.

الجزائر كانت منذ نصف قرن عبارة عن مستعمرة، ثم بعد ذلك أصبحت غنيمة حرب في حوزة عصبة، ثم منذ عام 1999 مَملكة نفطية تحت رحمة جماعات مصالح. لقد حان الوقت لطرح هذا السؤال الأساسي الذي يستدعي إجابة فورية تتبوأ أهمية شبه طبية: ما الذي يجب فعله ليستعيد الشعب ملكيته؟ ما الذي يجب أن يتوقف عن فعله ليجتنب عودة أعراض المرض إليه ؟

الإجابة ستولد من رحم المواجهة التي تجمع وجهاً لوجه “النظام” و الوعي المدني الذي هو اليوم في طور التبلور. إذا ما فازت قوى الأمة الحية بهذه المعركة فإنها ستدشن التناوب التاريخي والديمقراطية. أما إذا خسرتها فإن البلاد سوف تنهار في فوضى اقتصادية واجتماعية.

توجد جزائر اليوم في حالة أخلاقية ومدنية أفضل من تلك التي كانت عليها عشية أكتوبر 1988، لأن الأمر هذه المرة لا يتعلق بشباب غير مسيّس يستعد لتحطيم كل شيء في انفجار انتقامي، و إنما بشباب وكهول يطالبون باحترام كرامتهم أمام الأمم الأخرى. في 1988 كانت هنالك سلطة ولكن لم يكن هنالك مجتمع. أما اليوم فإن المجتمع في طور الميلاد من خضم الصراع الذي يقف من أجله في وجه سلطة تخطت جميع الحدود القانونية والأخلاقية.

ما فشلت في القيام به الأحزاب السياسية، يمكن أن تنجح فيه شرائح منظمة من المجتمع المدني، شرط أن ترفع سقف مطالبها من مرتبة المجال المادي والنقابي، إلى مرتبة أعلى هي مرتبة السياسة، أين يتم وضع الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية.

فيمكن للمظاهرات القطاعية أن تنجح الواحدة تلو الأخرى و تلبي مطالب أعضائها، لكن هل يعني هذا أن الجزائر ستكون أفضل حالاً؟ لا، لأن العملة المزيفة التي سيدفع لهم بها سوف تنتج في غضون بضعة أشهر آثارا كارثية: التضخم، ندرة السلع، المزيد من التدهور في قيمة الدينار. و سيتوجب حينها العودة إلى للشارع مرة أخرى للركض وراء زيادات جديدة في الأجور، وهكذا دواليك حتى يسقط الاقتصاد و الدينار و المالية العامة والمؤسسات السياسية.

لا يجب أن نخطئ الطريق و نستمر في سلوك المطالبة بانتزاع تنازلات من سلطة لم يعد بإمكانها تقديم شيئ غير العملة المزيفة، يجب أن ننتقل من حرارة الشعور بالغضب إلى برودة القرار و التصميم، من مجرد المطالبة إلى التحكم في المصير، و من الترقيع المؤقت إلى التجديد العميق.

لا يجب الاستمرار في التوسل من أجل زيادات في أجور مدفوعة بمال عديم القيمة، بل يجب التنظيم من أجل استعادة السلطة بطريقة ديمقراطية ثم وضع سياسات اقتصادية ومالية واجتماعية وثقافية عقلانية. المطالب القطاعية يجب أن تتقارب مع بعضها البعض لتمضي قدمًا نحو نفس الهدف: طرد السلطة بسبب فشلها، والعمل على بناء بديل سياسي لها.

يوم تتعمم روح المواطنة، ستختفي السلطة المستبدة من تلقاء نفسها. يجب علينا أن نتخلى عن مجرد التضامن و المصالح القطاعية، وثقافة القبلية والعشائر حتى نتمكن من صبّ كل القوى في القضية مشتركة التي تجري أمام أعيننا لتحرير الدولة من براثن النظام الذي استحوذ عليها لأغراض خاصة. يجب ألا نهدف إلى تحسين الظروف المعيشية لقطاعات معينة، بل يجب أن تكون الجزائر أفضل للجميع.

النقابات المستقلة والمنظمات الاجتماعية والحركة الجمعوية والمثقفون والفنانون وما تبقى من الأحزاب الجدية أمامهم فرصة تاريخية ليتقاربوا من أجل تعزيز موجة رفض العهدة الخامسة، والاستعداد ليشكلوا هيئات الأركان العامة للأمة، أين سيناقش عن قريب الدستور الجزائري الجديد والمؤسسات المستقبلية للجزائر الجديدة، جزائر بالجميع وللجميع.

لكي يكون لها قادة جديرون بهذا الاسم، يجب أن تصبح الجزائر أمة جديرة بهذا الاسم. هذا هو التحدي الذي تقف أمامه حركة النهضة التي تتمخض الآن، ثمرة الغضب الوطني تجاه انتهاك آخر للضمائر من بين العديد من الانتهاكات السابقة، و الذي يسمى بالعهدة الخامسة. إذا ما كانت البداية ناجحة فإن النهاية ستكون مضمونة. أما إذا فشلت فستعني نهاية كل شيء، و سنستحق حينها أن ننتقل إلى حياة العبودية.

صفحة فايسبوك ن.ب( الترجمة): 24/02/2019

موقع الجزائر اليوم 24/02/2019

You may also like

Leave a Comment