بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
” صاحبُ العينِ الدّائبة على رؤية كلّ شيءٍ ينتهي به الأمر إلى تحمُّلِ كُلِّ شيءٍ، وإذا ما تعوّد على تحمُّلِ كُلِّ شيءٍ صار يتسامح في كلِّ شيءٍ، وبالتسامح في كلّ شيء باستمرارٍ يقبل بكلّ شيءٍ، وإذا تمادى في قبول كلّ شيءٍ ينتهي به الأمرُ إلى الموافقة على كلّ شيءٍ” القدّيس أوغستين الجزائري Saint-Augustin l’Algérien ، نقلاً عن أوليفيي كليرOlivier Clerc ، اقتباس من (قصة الضفدعة التي لم تنتبه إلى أنّها قدْ طُهِيتْ).
إنّ القصة التي سأحكيها لكم حقيقية (وهي ليست قصة الضفدعة التي أجلتها إلى آخر هذا المقال). وحتى لو لم تُصدّقوني فلن يكون بإمكانكم أن تنكروا حقيقتها، فبمجرد سماعها ستشعرون بأنها تسرّبت في كيانكم مثل النور الذي ينشر أشعته في كل ركن من ذواتكم، لأنها ستُذكّركم بقصة مشابهة لها أو ستُريكم شيئا تعوّدتم على رؤيته أو سماعه أو التفكير فيه أو القيام به، لكن بصورة جديدة.
وهذه القصة تعود إلى عقولكم كُلّما حاولتم إبعادها وكأنها مربوطة إليها بحبل متين، فهي تخترق خطوطكم الدفاعية وتفرض وجودها في أعمق أعماقكم لأنكم ستُقرّون في النهاية بأنها من قبيل الأحداث المعقولة. وحتى لو لم تحدث بالفعل فإنها قد تحدث، بل يُفترض أنْ تحدث وكأنها جزء لا يتجزّأ من السَّنَنِ العام الذي تسير به طبيعة الأشياء. ولو أنّكم ذهبتم في التنكر والتعنّت إلى أبعد الحدود، فسيكون ذلك دليلاً على أنكم تعرفون القصة، لكنكم، وببساطة، تخشون رؤيتها وهي تطفو على السطح.
غير أنّ المفاجأة يخِفّ وقعها على إدراككم إذا كنتم ممّن قرأ فرحات عبّاس وتأمّل في شهادات بعض أبطال الثورة، كتلك الكلمات التي قالها العربي بن مهيدي قبل استشهاده ببضعة أسابيع، وهي: ” عندما نصير أحراراً ستجري أحداث مُرِيعة. فستُنسى كلّ المعاناة التي مرّ بها شعبُنا في خضمّ الصراع الدّائر على المناصب. إنه الصراع على السلطة. نحن في عزّ الحرب ومع ذلك فبعضنا بدأ يُفكّر في ذلك… حقاًّ، إنني أُفضِّل الموت في المعركة قبل نهايتها “.
وهذا مثال آخر، إذ نُقِل عن عبان رمضان أنه قال في شأن جيش الحدود: ” سيتحوّلون في المستقبل إلى مُستبدّين مُتشبعين بروح المشارقة. فهُمْ يعتقدون أنهم يتمتعون بحق منح الحياة أو فرض الموت على الأهالي. ولهذا فهُمْ يُمثِّلون خطراً على مستقبل الجزائر. وهُم جميعاً مُجرمون. سياستهم ستكون مُستبدّةً ومنافيةً للوحدة الوطنيّة. والسلطة التي مارسوها أو التي سيُمارسونها تجعل منهم أفراداً مُتعجرفين ومُحتقرين للغير. وبموقفهم هذا فهُمْ صورة مُناقضة للحرية والديمقراطية. إنني أُعارض السير باتجاه مثل هذا المستقبل…”.
ولقد استجابت العناية الإلهية لهؤلاء الأبطال الذين يمكن أن نُضيف إليهم العقيد لطفي وكثيرا من الشهداء الآخرين، إذ لم يعيشوا حتى يروا استعماراً ثانياً أكثر قساوةً من الأول، وبأيدي جزائريين يدّعون الوطنيّة وهُمْ في حقيقتهم أكثر قساوة وأكثر وحشية من ألدِّ أعداء الجزائر على مرّ كلّ العصور.
وإراحةً لأرواحهم الزّكيّة فإنّ العناية الإلهية شاءت ألاّ يعيش هؤلاء الأبطال ما عاشه كثير من الجزائريين دون أن يكون بإمكانهم حتى أن يتنهّدوا لأنهم واقعون تحت وطأة الحُجّة الديماغوجية التي تُسلّط عليهم كُلّما حاولوا التعبير عن رفضهم للوضع، تلك الحُجّة هي: ” هكذا إذن! إنكم من أهل الحنين إلى الاستعمار؟”. الاختيار الوحيد المُتاح هو اختيار بين السيئ والأسوإ، وليس بين السيئ والأحسن. إنه الاختيار بين الاستعمار الأجنبيّ أو الاستبداد الإجراميّ، وبين النظام المافيوزيّ والإسلاموية الإرهابيّة، وبين الاستقرار في دولة مريضة والقفز في اتّجاه المجهول…
ولنعُد الآن إلى قصتنا: عندما كان أحد الأقدام السّود على أهبة الرحيل في جوان 1962، وهو ميكانيكيّ اسمه سيلاريي (Célarié)، أراد أن يُعبّر عن تعاطُفه مع شاب جزائريّ اسمه رشيد، وكان مُتربصاً في ورشته، فاقترح أنْ يحمله معه إلى فرنسا. لكن رشيد الذي كان مُتكفلاً بعائلته لم يقبل بالاقتراح رغم إلحاح صاحب عمله، إذ قال له كمحاولة أخيرة لإقناعه: ” أنصتْ إليّ يا رشيد، عليك أنْ تأتي معي وإلاّ فستندم على ذلك طول عمرك. هل تريد أنْ أقول لك كيف ستكون بلادك في المستقبل؟ إنّ الجزائر ستتحوّلُ إلى سجن كبير. فالبيت هو زنزانتك وخارج البيت هو ساحة السجن.
والفرق الوحيد الذي سيُميّز ذلك عن السجن الحقيقي هو أنك ستسجن نفسك بنفسك… ويجب أن تعرف أنّ إخوانك العرب إذا قاموا بفعل الخير فهم يُسيئون فعله، أما إذا قاموا بفعل الشّرّ فَهُم يُتْقِنونه”.
هل نَعُدّ هذا الكلام كلاماً عنصرياًّ؟ إنّ هذا التفسير من الذرائع السهلة التي طال اجترارُنا لها، ولم تَعُدْ صالحة لإقناعنا.
فحسب ما رواه لي صاحب هذه القصة، كان سيلاريي مُناضلاً شيوعيا معروفاً، وكان يعيش في انسجام تامّ مع معارفه وجيرانه من الجزائريين. وقد تنبّأ بعهد الحزب الواحد، وبأسلوبنا العمرانيّ ـ فنحن نسجن أنفسنا وراء أبواب حديدية بالفعل، أو وراء نوافذ مسدودة بحواجز حديدية، أو وراء سياجات مُكهربة ـ كما كان يصف سلوكنا العام المُتجه أكثر إلى الفساد في الأرض. إنه لم يتنبّأ بهذا السلوك، بل كأنه رآه بأم عينه. والآن، ألسنا في تلك الحال بالتمام؟
وفي هذا السياق كذلك قصّ عليّ أحد أقارب مالك بن نبي، وكان حاضراً في ذلك الحديث، أنّ المُفكّر الجزائريّ بن نبي، وهو طريح الفراش في أحد المستشفيات بباريس، زاره أحد الموظفين السّامين الجزائريين في جويلية 1973، وكان يُبدي علامات الحزن المتكلفة، وكذا علامات التكبر والتعالي، وسأل مفكّرنا قائلاً: ” ممّ تشكو يا سي بن نبي؟”. فأجابه بن نبي الذي لم يحظ من مؤلفاته بالطبع والنشر في جزائر الحزب الواحد سوى الجزء الأول من مُذكراته “الطفل”، وقال: ” مِنْ أمثالك!”.
وكُنتُ نشرتُ في 1 ديسمبر 1972 مقالاً في جريدة “المجاهد”ّ تحت عنوان: ” فنّ التدمير”. كان عمر الجزائر المستقلّة آنذاك عشر سنوات، ومع ذلك فقد تحدّثتُ منذ ذلك الوقت عن التدمير الذاتي في الجزائر دون أن يحتجّ أحد. هل يعني هذا أنّ بومدين كان يُشجِّع حرّيّة التعبير وأنّ النظام كان يتقبل الانتقادات المكتوبة ضدّ “مسؤولين”، أو يغضّ الطّرْف عن ذكر تجاوزات ” الإفراط في استعمال السلطة” ؟ لا. أبداً. فقد نشرتُ قبل ذلك بعامٍ مقالاً في نفس الصحيفة تحت عنوان “الرجل الطّيّب، والصحافة والصعلوك” (Le bon, la presse et le truand) بتاريخ 24 نوفمبر 1971، وكان المقال أقلّ انتقاداً من “فنّ التدمير”، ومع ذلك فقد استُدْعيتُ شخصياًّ بسببه إلى مركز الشرطة بالجزائر العاصمة، ومن طرف قائد الشرطة الذي يخشاه الجميع صالح فيسبا Salah Vespa. لماذا كان ذلك؟
بالعودة إلى تلك الفترة أعتقد أنّ أحداً لم يكن يفهم عمّا كُنتُ أتحدّث، وأنّ الجميع كانوا مُقتنعين بأنّ منطاد الجزائر آخذ في الارتفاع إلى السماوات العُلى باتجاه عرش الرحمن ليأخذ مكانه بدلاً من الله، وهناك سيستريح بعد العناء الذي أصابه إثر الإنجازات والمُعجزات التي حققها على الأرض. وحتى في أيامنا، فإني لست متأكداً أنهم يفهمون قصدي.
بداية الاقتباس: ” كَتَبَ ماكيافيل قائلاً: ” إنّ الإنسان الذي لا يرجو إلاّ فعل الخير في كلّ الظروف يُقضى عليه بيد الأشرار، وما أكثرهم! ولهذا فإنّ الأمير الذي يريد أن يستمرّ حكمه يجب أنْ يتعلّم كذلك تفادي العمل في طريق الخير”. وإذا ما استبدلنا كلمة “الأمير” بكلمة “الإنسان” أفضينا إلى خلاصة مفادُها أنّ الوسط الذي يكثر فيه فعل الشّرّ يكون فيه أهل الخير والصلاح من الخاسرين.
ويعني ذلك أنّ البلد إذا كثُر فيه الانتهازيون الذين لا يترددون في فعل أي شيء للحفاظ على امتيازاتهم، وإذا كان المسؤول يُبدّدُ المال العام ويعيث في الأرض فساداً بسبب انعدام وعيه، وإذا كان بعض الناس يعمدون إلى السير في اتجاه مُعاكس لمسيرة الثورة حفاظاً على امتيازاتهم، فإنه سيكون على كلّ مُواطنٍ وعلى كلّ شاهدٍ ومُلاحظ لا يُعجبه ما يراه من فساد، أن يستعدّ لاغتنام كلّ الفرص كي يفعل مثل هؤلاء الفاسدين كي لا يحمله هذا السيل الجارف من الفساد.
فبدلاً من التمادي في الدعوة إلى الخير وسط أمة لا تسمع، يُستحسن مُجاراة التيار والاستفادة ما أمكن من الامتيازات. وبعبارة أدق يُستحسن القبول باتخاذ الشرّ أسلوب عمل (حتى ولو كان ذلك يقتضي التدليس والأنانية والإفراط في استعمال السلطة، والنزعة العشائرية، وانعدام الضمير المهني، وغياب الحسّ المدنيّ…) ما دام الشّرّ يفتح الباب لتبوّإ أعلى المراتب.
تلك هي الطريقة التي يصير فيها التدمير منهجية عمل، ويسود حسن التخلّص والتّأتّي للأمور عندما يطغى “الحذق” لتحقيق النجاح الاجتماعي والاقتصاديّ، وتلك هي الطريقة التي تنمو بها روح الإفلاس عندما تُصادف طُغيان النظرة المحصورة في المصلحة الشخصية، مع كثرة النماذج الحية كدليل. وهكذا يتربع الشر على عرش الشأن العام ويتخذ لنفسه هذا الشعار: كلٌّ حسب إمكانياته، ولِكُلٍّ حسب احتياجاته”. نهاية الاقتباس.
إنّ هذه المُقتطفات كافية لإجراء الموازاة مع الوضعية الحالية التي يظهر فيها الفساد والرداءة والجور، وبعبارة أخرى كلّ الأشكال التي يمكن أن يتّخذها فنّ التّدمير، كأنها أشرعة سفينة عظيمة في بحرٍ واسع الأرجاء. وقد بلغ هذا الفنّ حداًّ غير مسبوق مع ارتفاع أسعار البترول التي كانت في مستوى دولاريْن للبرميل، أو أقلّ من ذلك، حين كتبْتُ ذلك المقال.
ويمكن اعتبار نبوءة السيد سيلاريي سنة 1962، والمقال الذي كتبتُهُ سنة 1972، وما تُشاهدونه بأم أعينكم سنة 2015، كثلاث طرق لتلخيص فن التدمير المُطبّق في جزائر العربي بن مهيدي وعبان رمضان وبن نبي، جزائر المليون ونصف من الشهداء، وجزائر مائتي ألف قتيل خلال العشرية السوداء، وجزائر ملايين الفقراء والبطّالين الذين تغلي دماؤهم لرؤية مشاهد التعدّي والاستفزاز تُعْرَضُ بدون حياء. وإذا كانت فكرة ماكيافل قائمةً على التسليم والاعتراف بصفة الخير للأمير وصفة الشرّ للشعب، فإنّ ما أكّدْتُ عليه في مقالي هو عكس ذلك: فالشعوب على دين ملوكها.
إنّ الفترة التي قضتها بلادنا تحت وطأة الاحتلال والاستعمار الأجنبيّ أطْول من التي قضتها في ظل الحرية والاستقلال، والسبب الرئيسي في ذلك هم الحُكام. وأرضُ بلادي سُقِيتْ بدماء أبنائها أكثر مما سُقيت بمياه الرّي لأن الحُكام لم يُعدوا لها أي مخطط ولا تجهيز لتلك الغاية، وتاريخ ثورتها ألحقتْ به وصمة الجرائم التي ارتكبها البعض في حق إخوانهم، وشُوّهتْ بالأكاذيب والتزوير.
وبلادي لم يحكمها في الغالب إلاّ أهل الفساد، وهي لا زالت إلى اليوم تعيش من ريع آيِلٍ إلى الزوال، والجميع يعرف ذلك جيّداً، ومع ذلك لا زلنا نؤجل الموعد الذي نبدأ فيه البناء الصحيح المتين والدائم. لقد تمّ تدمير كلّ الأخلاقيات الاجتماعية وسُلّم القيم، ولم يعُدْ أحدٌ يؤمن بغير مصلحته الشخصية. والعجيب أنّ الجميع يذهب إلى المسجد وفي يده سجادة هي بمثابة رمز للبقعة الكافية للسجود، ورمز لمكان مرجوّ في الجنة.
إنّ بلداً بدون رؤية شاملة لمسيرة العالم والتاريخ، وبدون فكر يُنير الطريق إلى المستقبل، وبدون مشروع مجتمع يتناسب مع مستقبل البشرية في مجملها، وبدون سياسة اقتصادية مُنتجة وتنافسية، وبدون نخبة مُلتزمة بضرورة إصلاح عقول العامة لإيلاجها في طريق النزعة العقلانية والتقدّم، هذا المجتمع لا يمكنه أن يطمح إلى أي مستقبل، بل عليه أنْ يتوقع انهيارا دموياًّ. والبلدُ الذي لا يخضع للتسيير العقلاني، بل تتحكم فيه أيدي بقبضة من حديد، والاقتصاد المتروك للمافيا، والمجتمع المُستسلم للشعوذة، كلّهم محكوم عليهم بالوقوع في الفوضى والحرب الأهليّة. والتاريخ خيرُ شاهدٍ على ذلك.
وإذا كان فنّ التدمير الذاتي أمراً مألوفاً عندنا، فماذا نعرف عن التدمير إذا سُلِّطَ علينا؟ وممّا لا شكّ فيه أنّ بلادنا مُصابة إصابة عميقة من الناحية النفسية والأخلاقية، وسيكون من الصعب تمكينها من الوقوف على قدميْها. وليس هذا فحسب، فخطر التدمير من الخارج مُحدق بها، وقد يُصيبُها ما أصاب بلداناً في وضعية مُشابهة لوضعيتنا، إذ وجدتْ تلك البلدان نفسها في وضع لم تكُنْ تتصوّر، ولا حتى في أسوء كوابيسها، أنها ستقع فيه.
وقد جاء في مقولة كلوزويتز (Clausewitz) الشهيرة: ” إنّ الحرب هي استمرار للسياسة، لكن بوسائل أخرى”. وبما أنه لا وجود لسياسة بدون قاعدة فكرية، يمكننا القول أنّ السياسة كانت دوماً، وستبقى، تكملة للفكر، لكن بوسائل أخرى. وهذا ما يقودنا إلى طرح هذا السّؤال: “هل السياسة الخارجيّة الجزائرية قائمة على فكرٍ ما؟” أمْ أنّها، مثل السياسة الداخلية، عبارة عن خليط من النوايا الخبيثة المُبيّتة مثل تلك المقولة الشهيرة: ” بعدي ليكن الطّوفان”، أو “هنّيني نهنّيك”، أو “تخطي راسي” ؟ خاصّةً وأنّ مسؤولينا كانوا دوماً يؤكدون باعتزازٍ أنّ الأولى هي انعكاس للثانية. وهذا ما لا يُبشّرُ بأيّ خير.
وإذا كُنّا لا نعرف نقاط ضعفنا، أو كُنّا نُخفيها على الرّأي العام، فإنّ الآخرين، أي المنافسين والخصوم الأقوياء، يعرفونها حقّ المعرفة، كما يعرفون ماذا يجب فعله عندما يحين الأوان لزعزعة استقرارنا أو سلخنا. وأنا أراهن أن خطط الهجوم علينا جاهزة وموضوعة في أدراج عدّة قيادات أركان لبلدان مجاورة لنا أو بعيدة عنّا. وإنّ الزوبعة التي سُلّطتْ على عدّة بلدان عربية إسلاميّة تباعاً يمكن أن تنهال علينا لو حُرمنا من نعمة البترول أو حدثت اضطرابات داخلية خطيرة. هذا دون أن نذكر بعض العوامل التي يصعب الاحتساب لها، مثل الانتفاضات المفاجئة أو الكوارث الطبيعيّة. فيجب ألاّ ننسى أنّ بلادنا منطقة زلزالية لوقوعها فوق فجوة جيولوجية معروفة.
وبعض البلدان المجاورة التي نعتبرها بلداناً صغيرة إنّما صِغرها من حيث المساحة والديموغرافيا والقوة الاقتصادية، لكنها يمكن أن تتحوّل إلى منطلقات أو مُساندة لعملياّت تستهدف زعزعة استقرارنا. لا يوجد حولنا سوى تونس التي على الأرجح لا نخشى منها شيئا. لكنّ خلافاتنا مع جارنا من ناحية الغرب، وهذا منذ عهد الأمير عبد القادر، قد تتطور إلى حدّ يجعلنا هدفاً للتحالف العربي الإسلاميّ الذي انضمّ إليه السينغال مؤخّراً. ذلك أن هذا التحالف يمكن أن يتضامن مع المغرب مُكافأة له على تضامنه معه ضدّ الحوثيين، إضافة إلى استعداده لمساندته ضدّ إيران.
وبخصوص هذا التحالف العربي الإسلامي، أليست الحقيقة أنّه وُجِدَ كتتمّة للتّدخلات الأمريكية والغربية التي هي طعنة نجلاء في كرامة الشعوب الإسلامية؟ وهل من سبيلٍ إلى الطمع في أن تميل الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والوحدة الإفريقية والجامعة العربية والمؤتمر الإسلاميّ وهيئة الأمم إلى أطروحتنا، بغضّ النظر عن المشكلة وعن الخصم؟ كلّ شيء يدلّ على أنّ هناك خمسة بلدان مجاورة لنا على الأقل، مُستعدّة لاستقبال قواعد عسكرية موجّهة ضدّنا.
وهل نحن على علم بالقضية الجوهرية في هذه الحرب العالمية الإسلامية-الإسلامية التي كُنت أتحدّث عنها منذ نوفمبر المنصرم ـ أي قبل ظهور التحالف العربي الإسلامي بمدة طويلة ـ ؟ أليس من المُتوقع أنْ يتدخل هذا التحالف في سوريا إذا ما اكتملت مهمته في اليمن؟ وهل أعددنا استراتيجية تُجاه هذه الحرب التي لا تزال في بدايتها والتي هي مُرشحة للاستمرار والانتشار لكونها مدفوعة بتحريض سرّيّ من إسرائيل وحلفائها من الأوروبيين والأمريكان؟ ه
ل تهدف هذه الحرب إلى احتلال أراضٍ والاستيلاء على الثروات كما كانت الحال في الحربين العالميتين السابقتين بين فرنسا وألمانيا؟ أمْ أنّها حربٌ إيديولوجية كتلك التي كانت في الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي؟ أمْ أنها حرب دينية كتلك التي حدثت في الحظيرة المسيحية عندما حدث الانشقاق بظهور المذهب البروتستانتي؟ إنّ ما نُلاحظه هو أن الكونجرس الأمريكي صادق مؤخراً بصفة ضمنيّة على تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات، وأنّ لبنان وليبيا وسوريا واليمن ونيجيريا قد تلقى نفس المصير الذي عرفه كلّ من السودان والقضية الفلسطينية، أمّا باكستان وأفغانستان فهما يجدان صعوبة كبيرة في استرجاع استقرارهما السابق.
وهل بإمكاننا أن نبقى بمنأى عن كلّ تكتّل اقتصاديّ أو تحالف عسكريّ بصفة أبدية؟ أوليس بإمكاننا أن نتحوّل، وبفضل إمكانياتنا الذاتية، إلى دولة رائدة وقوة اقتصادية قادرة على الاستجابة لاحتياجاتها في حالة الوقوع تحت طائلة “عقوبات اقتصادية” كتلك التي أسقطتْ العراق في عهد صدام حسين، أو أضعفتْ روسيا في عهد بوتين، أو أرغمت إيران على التراجع عن استعمال اليورانيوم لأغراض عسكرية؟ ألا يوجد حلّ ثلاثي الأطراف لمشكلة الصحراء الغربية حقيقةً؟ وهل يعتبر الاتحاد المغاربي هو المشروع التكتّلي الاقتصادي الوحيد الذي من شأنه أن يضمن الانسجام والاستمرار مع أنه حبيس الإطار النظري؟
تلك كانت مجموعة من التساؤلات ذات الصّلة بأمن بلادنا واستقرارها. وعلى الجزائر أن تُعيد التفكير في سياستها الداخلية والخارجية من أجل وضع حدّ لمسار التدمير الذاتيّ واحتلال مكانة بين الأمم المُحترمة، وكلّ ذلك في متناول يدنا إذا عملنا على تغيير التصورات التي تسير على ضوئها دولتنا والتي تُميّز سلوكنا الاجتماعيّ.
وها هي الآن قصة الضفدعة التي ألّفها أوليفيي كلير Olivier Clerc، أسوقها بالصيغة التي تلقّيتُها بها عن طريق البريد الإلكتروني، لأنّها تنطوي على حكمة تنطبق على مضمون هذا المقال:
بداية القصة) : ” تخيّلوا قدراً مملوءاً بالماء البارد، وفي الماء تسبح ضفدعة في هدوء تام. وإذا تمّ إيقاد النار تحت القدرة فإنّ الماء سيسخن بالتدريج حتى يصبح دافئاً. والضفدعة لا تجد في ذلك إلاّ متعةً كبيرة، فتواصل سباحتها. لكن بارتفاع درجة الحرارة يصبح الماء ساخناً إلى حدّ يتجاوز ما يُناسب الضفدعة، فيصبح الأمر مُتعباً لها، ومع ذلك فهي لا تفقد هدوءها. وبعد مُدّةٍ يُصبح الماء ساخناً جدّا حتى تشعر الضفدعة بتضايقٍ كبير، لكنها الآن قد فقدت قوتها، ولهذا فهي تتحمل مُستسلمة لمصيرها. وتستمرّ درجة الحرارة إلى أن يؤول الأمر بالضفدعة إلى الموت وهي مطهية. ولو أنّ نفس الضفدعة غُطِستْ منذ البداية في ماءٍ درجة حرارته 50° لكان منها ردّ الفعل فوراً ولقفزتْ خارج القدر…
إنّ هذه التجربة تُبيّن أنّ التّغيير الذي يحدث بصفة بطيئة يُفلِتُ من الشعور ولا يؤدّي في الغالب إلى أيّ ردّ فعل ولا مُعارضة ولا ثورة. وإذا نظرنا إلى ما يحدث في مجتمعنا منذ بضع عشريات من الزمن، لوجدنا أنّنا نعيش انحرافاً بطيئاً ونحن مُتعوِّدون عليه. فكثيرة هي الأمور التي كان من شأنها أن تثير روعنا لو أنها حدثت منذ 20 أو 30 أو 40 سنة نتعايش معها اليوم بِطَيْفٍ باهت من التضايق عند بعضنا، وبعضنا الآخر لا يأبه بها إطلاقاً. إذاً، فأنتم الذين لا تُشبهون الضفدعة، حتى ولو كُنتُم في مرحلة وسطى من الاستسلام، حاولوا أن تقفزوا خارج المستنقع قبل فوات الأوان” (نهاية القصّة).
يبدو لي شخصيا أنه لأول مرة يحدث أنْ يُخضع مبدأ أخلاقيّ أو نفسيّ أو سياسي، فالتصنيف لا يهمّ، للتجربة المخبرية التي تبيّن صحّته. وهذه التجربة تقبل التطبيق على فن التّدمير الذي تعرّضنا له، وكذلك على الغلاّية المزدوجة السّلفية التي نسبح فيها منذ عشريتين في انتظار أن نُطهى بصفة نهائية. وواضحٌ أنّ هاتين الآفتين قد تضامنتا من الناحية السياسية حتى ولّدتا عند بعضنا إحساساً بأنّ الأمر قد قُضي من الجهتين. فهل حقيقةً أنّنا عاجزون عن فعل أيّ شيء في مواجهة هذا الاختيار بين السيئ والأسوإ الذي فُرِضَ علينا منذ الاستقلال؟
”لوسوار دالجيري” 10 ماي 2015
