Home مقالاتفـنّ التّدميـر

فـنّ التّدميـر

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

‎” ‎صاحبُ العينِ الدّائبة على رؤية كلّ شيءٍ ينتهي به الأمر إلى تحمُّلِ كُلِّ شيءٍ، وإذا ما تعوّد على ‏تحمُّلِ كُلِّ شيءٍ صار يتسامح في كلِّ شيءٍ، وبالتسامح في كلّ شيء باستمرارٍ يقبل بكلّ شيءٍ، وإذا ‏تمادى في قبول كلّ شيءٍ ينتهي به الأمرُ إلى الموافقة على كلّ شيءٍ” القدّيس أوغستين الجزائري‎ ‎Saint-Augustin l’Algérien ‎، نقلاً عن أوليفيي كليرOlivier Clerc ‎، اقتباس من (قصة ‏الضفدعة التي لم تنتبه إلى أنّها قدْ طُهِيتْ).‏

إنّ القصة التي سأحكيها لكم حقيقية (وهي ليست قصة الضفدعة التي أجلتها إلى آخر هذا المقال). وحتى ‏لو لم تُصدّقوني فلن يكون بإمكانكم أن تنكروا حقيقتها، فبمجرد سماعها ستشعرون بأنها تسرّبت في ‏كيانكم مثل النور الذي ينشر أشعته في كل ركن من ذواتكم، لأنها ستُذكّركم بقصة مشابهة لها أو ستُريكم ‏شيئا تعوّدتم على رؤيته أو سماعه أو التفكير فيه أو القيام به، لكن بصورة جديدة‎.‎

وهذه القصة تعود إلى عقولكم كُلّما حاولتم إبعادها وكأنها مربوطة إليها بحبل متين، فهي تخترق ‏خطوطكم الدفاعية وتفرض وجودها في أعمق أعماقكم لأنكم ستُقرّون في النهاية بأنها من قبيل الأحداث ‏المعقولة. وحتى لو لم تحدث بالفعل فإنها قد تحدث، بل يُفترض أنْ تحدث وكأنها جزء لا يتجزّأ من ‏السَّنَنِ العام الذي تسير به طبيعة الأشياء. ولو أنّكم ذهبتم في التنكر والتعنّت إلى أبعد الحدود، فسيكون ‏ذلك دليلاً على أنكم تعرفون القصة، لكنكم، وببساطة، تخشون رؤيتها وهي تطفو على السطح‎.‎

غير أنّ المفاجأة يخِفّ وقعها على إدراككم إذا كنتم ممّن قرأ فرحات عبّاس وتأمّل في شهادات بعض ‏أبطال الثورة، كتلك الكلمات التي قالها العربي بن مهيدي قبل استشهاده ببضعة أسابيع، وهي: ” عندما ‏نصير أحراراً ستجري أحداث مُرِيعة. فستُنسى كلّ المعاناة التي مرّ بها شعبُنا في خضمّ الصراع الدّائر ‏على المناصب. إنه الصراع على السلطة. نحن في عزّ الحرب ومع ذلك فبعضنا بدأ يُفكّر في ذلك… ‏حقاًّ، إنني أُفضِّل الموت في المعركة قبل نهايتها‎ “.‎

وهذا مثال آخر، إذ نُقِل عن عبان رمضان أنه قال في شأن جيش الحدود: ” سيتحوّلون في المستقبل إلى ‏مُستبدّين مُتشبعين بروح المشارقة. فهُمْ يعتقدون أنهم يتمتعون بحق منح الحياة أو فرض الموت على ‏الأهالي. ولهذا فهُمْ يُمثِّلون خطراً على مستقبل الجزائر. وهُم جميعاً مُجرمون. سياستهم ستكون مُستبدّةً ‏ومنافيةً للوحدة الوطنيّة. والسلطة التي مارسوها أو التي سيُمارسونها تجعل منهم أفراداً مُتعجرفين ‏ومُحتقرين للغير. وبموقفهم هذا فهُمْ صورة مُناقضة للحرية والديمقراطية. إنني أُعارض السير باتجاه ‏مثل هذا المستقبل‎…”.‎

ولقد استجابت العناية الإلهية لهؤلاء الأبطال الذين يمكن أن نُضيف إليهم العقيد لطفي وكثيرا من الشهداء ‏الآخرين، إذ لم يعيشوا حتى يروا استعماراً ثانياً أكثر قساوةً من الأول، وبأيدي جزائريين يدّعون الوطنيّة ‏وهُمْ في حقيقتهم أكثر قساوة وأكثر وحشية من ألدِّ أعداء الجزائر على مرّ كلّ العصور‎.‎

وإراحةً لأرواحهم الزّكيّة فإنّ العناية الإلهية شاءت ألاّ يعيش هؤلاء الأبطال ما عاشه كثير من ‏الجزائريين دون أن يكون بإمكانهم حتى أن يتنهّدوا لأنهم واقعون تحت وطأة الحُجّة الديماغوجية التي ‏تُسلّط عليهم كُلّما حاولوا التعبير عن رفضهم للوضع، تلك الحُجّة هي: ” هكذا إذن! إنكم من أهل الحنين ‏إلى الاستعمار؟”. الاختيار الوحيد المُتاح هو اختيار بين السيئ والأسوإ، وليس بين السيئ والأحسن. إنه ‏الاختيار بين الاستعمار الأجنبيّ أو الاستبداد الإجراميّ، وبين النظام المافيوزيّ والإسلاموية الإرهابيّة، ‏وبين الاستقرار في دولة مريضة والقفز في اتّجاه المجهول‎…‎

ولنعُد الآن إلى قصتنا: عندما كان أحد الأقدام السّود على أهبة الرحيل في جوان 1962، وهو ميكانيكيّ ‏اسمه سيلاريي‎ (Célarié)‎، أراد أن يُعبّر عن تعاطُفه مع شاب جزائريّ اسمه رشيد، وكان مُتربصاً في ‏ورشته، فاقترح أنْ يحمله معه إلى فرنسا. لكن رشيد الذي كان مُتكفلاً بعائلته لم يقبل بالاقتراح رغم ‏إلحاح صاحب عمله، إذ قال له كمحاولة أخيرة لإقناعه: ” أنصتْ إليّ يا رشيد، عليك أنْ تأتي معي وإلاّ ‏فستندم على ذلك طول عمرك. هل تريد أنْ أقول لك كيف ستكون بلادك في المستقبل؟ إنّ الجزائر ‏ستتحوّلُ إلى سجن كبير. فالبيت هو زنزانتك وخارج البيت هو ساحة السجن. ‏

والفرق الوحيد الذي سيُميّز ذلك عن السجن الحقيقي هو أنك ستسجن نفسك بنفسك… ويجب أن تعرف ‏أنّ إخوانك العرب إذا قاموا بفعل الخير فهم يُسيئون فعله، أما إذا قاموا بفعل الشّرّ فَهُم يُتْقِنونه‎”.
هل نَعُدّ هذا الكلام كلاماً عنصرياًّ؟ إنّ هذا التفسير من الذرائع السهلة التي طال اجترارُنا لها، ولم تَعُدْ ‏صالحة لإقناعنا‎.‎

فحسب ما رواه لي صاحب هذه القصة، كان سيلاريي مُناضلاً شيوعيا معروفاً، وكان يعيش في انسجام ‏تامّ مع معارفه وجيرانه من الجزائريين. وقد تنبّأ بعهد الحزب الواحد، وبأسلوبنا العمرانيّ ـ فنحن نسجن ‏أنفسنا وراء أبواب حديدية بالفعل، أو وراء نوافذ مسدودة بحواجز حديدية، أو وراء سياجات مُكهربة ـ ‏كما كان يصف سلوكنا العام المُتجه أكثر إلى الفساد في الأرض. إنه لم يتنبّأ بهذا السلوك، بل كأنه رآه بأم ‏عينه. والآن، ألسنا في تلك الحال بالتمام؟

وفي هذا السياق كذلك قصّ عليّ أحد أقارب مالك بن نبي، وكان حاضراً في ذلك الحديث، أنّ المُفكّر ‏الجزائريّ بن نبي، وهو طريح الفراش في أحد المستشفيات بباريس، زاره أحد الموظفين السّامين ‏الجزائريين في جويلية 1973، وكان يُبدي علامات الحزن المتكلفة، وكذا علامات التكبر والتعالي، ‏وسأل مفكّرنا قائلاً: ” ممّ تشكو يا سي بن نبي؟”. فأجابه بن نبي الذي لم يحظ من مؤلفاته بالطبع والنشر ‏في جزائر الحزب الواحد سوى الجزء الأول من مُذكراته “الطفل”، وقال: ” مِنْ أمثالك‎!”.‎

وكُنتُ نشرتُ في 1 ديسمبر 1972 مقالاً في جريدة “المجاهد”ّ تحت عنوان: ” فنّ التدمير”. كان عمر ‏الجزائر المستقلّة آنذاك عشر سنوات، ومع ذلك فقد تحدّثتُ منذ ذلك الوقت عن التدمير الذاتي في ‏الجزائر دون أن يحتجّ أحد. هل يعني هذا أنّ بومدين كان يُشجِّع حرّيّة التعبير وأنّ النظام كان يتقبل ‏الانتقادات المكتوبة ضدّ “مسؤولين”، أو يغضّ الطّرْف عن ذكر تجاوزات ” الإفراط في استعمال ‏السلطة” ؟ لا. أبداً. فقد نشرتُ قبل ذلك بعامٍ مقالاً في نفس الصحيفة تحت عنوان “الرجل الطّيّب، ‏والصحافة والصعلوك‎” (Le bon, la presse et le truand) ‎بتاريخ 24 نوفمبر 1971، وكان ‏المقال أقلّ انتقاداً من “فنّ التدمير”، ومع ذلك فقد استُدْعيتُ شخصياًّ بسببه إلى مركز الشرطة بالجزائر ‏العاصمة، ومن طرف قائد الشرطة الذي يخشاه الجميع صالح فيسبا‎ Salah Vespa. ‎لماذا كان ذلك؟

بالعودة إلى تلك الفترة أعتقد أنّ أحداً لم يكن يفهم عمّا كُنتُ أتحدّث، وأنّ الجميع كانوا مُقتنعين بأنّ منطاد ‏الجزائر آخذ في الارتفاع إلى السماوات العُلى باتجاه عرش الرحمن ليأخذ مكانه بدلاً من الله، وهناك ‏سيستريح بعد العناء الذي أصابه إثر الإنجازات والمُعجزات التي حققها على الأرض. وحتى في أيامنا، ‏فإني لست متأكداً أنهم يفهمون قصدي‎.‎

بداية الاقتباس: ” كَتَبَ ماكيافيل قائلاً: ” إنّ الإنسان الذي لا يرجو إلاّ فعل الخير في كلّ الظروف يُقضى ‏عليه بيد الأشرار، وما أكثرهم! ولهذا فإنّ الأمير الذي يريد أن يستمرّ حكمه يجب أنْ يتعلّم كذلك تفادي ‏العمل في طريق الخير”. وإذا ما استبدلنا كلمة “الأمير” بكلمة “الإنسان” أفضينا إلى خلاصة مفادُها أنّ ‏الوسط الذي يكثر فيه فعل الشّرّ يكون فيه أهل الخير والصلاح من الخاسرين‎.‎

ويعني ذلك أنّ البلد إذا كثُر فيه الانتهازيون الذين لا يترددون في فعل أي شيء للحفاظ على امتيازاتهم، ‏وإذا كان المسؤول يُبدّدُ المال العام ويعيث في الأرض فساداً بسبب انعدام وعيه، وإذا كان بعض الناس ‏يعمدون إلى السير في اتجاه مُعاكس لمسيرة الثورة حفاظاً على امتيازاتهم، فإنه سيكون على كلّ مُواطنٍ ‏وعلى كلّ شاهدٍ ومُلاحظ لا يُعجبه ما يراه من فساد، أن يستعدّ لاغتنام كلّ الفرص كي يفعل مثل هؤلاء ‏الفاسدين كي لا يحمله هذا السيل الجارف من الفساد‎.‎

فبدلاً من التمادي في الدعوة إلى الخير وسط أمة لا تسمع، يُستحسن مُجاراة التيار والاستفادة ما أمكن من ‏الامتيازات. وبعبارة أدق يُستحسن القبول باتخاذ الشرّ أسلوب عمل (حتى ولو كان ذلك يقتضي التدليس ‏والأنانية والإفراط في استعمال السلطة، والنزعة العشائرية، وانعدام الضمير المهني، وغياب الحسّ ‏المدنيّ…) ما دام الشّرّ يفتح الباب لتبوّإ أعلى المراتب‎.‎

تلك هي الطريقة التي يصير فيها التدمير منهجية عمل، ويسود حسن التخلّص والتّأتّي للأمور عندما ‏يطغى “الحذق” لتحقيق النجاح الاجتماعي والاقتصاديّ، وتلك هي الطريقة التي تنمو بها روح الإفلاس ‏عندما تُصادف طُغيان النظرة المحصورة في المصلحة الشخصية، مع كثرة النماذج الحية كدليل. وهكذا ‏يتربع الشر على عرش الشأن العام ويتخذ لنفسه هذا الشعار: كلٌّ حسب إمكانياته، ولِكُلٍّ حسب ‏احتياجاته”. نهاية الاقتباس‎.‎

إنّ هذه المُقتطفات كافية لإجراء الموازاة مع الوضعية الحالية التي يظهر فيها الفساد والرداءة والجور، ‏وبعبارة أخرى كلّ الأشكال التي يمكن أن يتّخذها فنّ التّدمير، كأنها أشرعة سفينة عظيمة في بحرٍ واسع ‏الأرجاء. وقد بلغ هذا الفنّ حداًّ غير مسبوق مع ارتفاع أسعار البترول التي كانت في مستوى دولاريْن ‏للبرميل، أو أقلّ من ذلك، حين كتبْتُ ذلك المقال‎.‎

ويمكن اعتبار نبوءة السيد سيلاريي سنة 1962، والمقال الذي كتبتُهُ سنة 1972، وما تُشاهدونه بأم ‏أعينكم سنة 2015، كثلاث طرق لتلخيص فن التدمير المُطبّق في جزائر العربي بن مهيدي وعبان ‏رمضان وبن نبي، جزائر المليون ونصف من الشهداء، وجزائر مائتي ألف قتيل خلال العشرية ‏السوداء، وجزائر ملايين الفقراء والبطّالين الذين تغلي دماؤهم لرؤية مشاهد التعدّي والاستفزاز تُعْرَضُ ‏بدون حياء. وإذا كانت فكرة ماكيافل قائمةً على التسليم والاعتراف بصفة الخير للأمير وصفة الشرّ ‏للشعب، فإنّ ما أكّدْتُ عليه في مقالي هو عكس ذلك: فالشعوب على دين ملوكها‎.‎

إنّ الفترة التي قضتها بلادنا تحت وطأة الاحتلال والاستعمار الأجنبيّ أطْول من التي قضتها في ظل ‏الحرية والاستقلال، والسبب الرئيسي في ذلك هم الحُكام. وأرضُ بلادي سُقِيتْ بدماء أبنائها أكثر مما ‏سُقيت بمياه الرّي لأن الحُكام لم يُعدوا لها أي مخطط ولا تجهيز لتلك الغاية، وتاريخ ثورتها ألحقتْ به ‏وصمة الجرائم التي ارتكبها البعض في حق إخوانهم، وشُوّهتْ بالأكاذيب والتزوير. ‏

وبلادي لم يحكمها في الغالب إلاّ أهل الفساد، وهي لا زالت إلى اليوم تعيش من ريع آيِلٍ إلى الزوال، ‏والجميع يعرف ذلك جيّداً، ومع ذلك لا زلنا نؤجل الموعد الذي نبدأ فيه البناء الصحيح المتين والدائم. لقد ‏تمّ تدمير كلّ الأخلاقيات الاجتماعية وسُلّم القيم، ولم يعُدْ أحدٌ يؤمن بغير مصلحته الشخصية. والعجيب ‏أنّ الجميع يذهب إلى المسجد وفي يده سجادة هي بمثابة رمز للبقعة الكافية للسجود، ورمز لمكان مرجوّ ‏في الجنة‎.‎

إنّ بلداً بدون رؤية شاملة لمسيرة العالم والتاريخ، وبدون فكر يُنير الطريق إلى المستقبل، وبدون مشروع ‏مجتمع يتناسب مع مستقبل البشرية في مجملها، وبدون سياسة اقتصادية مُنتجة وتنافسية، وبدون نخبة ‏مُلتزمة بضرورة إصلاح عقول العامة لإيلاجها في طريق النزعة العقلانية والتقدّم، هذا المجتمع لا يمكنه ‏أن يطمح إلى أي مستقبل، بل عليه أنْ يتوقع انهيارا دموياًّ. والبلدُ الذي لا يخضع للتسيير العقلاني، بل ‏تتحكم فيه أيدي بقبضة من حديد، والاقتصاد المتروك للمافيا، والمجتمع المُستسلم للشعوذة، كلّهم محكوم ‏عليهم بالوقوع في الفوضى والحرب الأهليّة. والتاريخ خيرُ شاهدٍ على ذلك‎.‎

وإذا كان فنّ التدمير الذاتي أمراً مألوفاً عندنا، فماذا نعرف عن التدمير إذا سُلِّطَ علينا؟ وممّا لا شكّ فيه أنّ ‏بلادنا مُصابة إصابة عميقة من الناحية النفسية والأخلاقية، وسيكون من الصعب تمكينها من الوقوف ‏على قدميْها. وليس هذا فحسب، فخطر التدمير من الخارج مُحدق بها، وقد يُصيبُها ما أصاب بلداناً في ‏وضعية مُشابهة لوضعيتنا، إذ وجدتْ تلك البلدان نفسها في وضع لم تكُنْ تتصوّر، ولا حتى في أسوء ‏كوابيسها، أنها ستقع فيه‎.‎

وقد جاء في مقولة كلوزويتز‎ (Clausewitz) ‎الشهيرة: ” إنّ الحرب هي استمرار للسياسة، لكن بوسائل ‏أخرى”. وبما أنه لا وجود لسياسة بدون قاعدة فكرية، يمكننا القول أنّ السياسة كانت دوماً، وستبقى، ‏تكملة للفكر، لكن بوسائل أخرى. وهذا ما يقودنا إلى طرح هذا السّؤال: “هل السياسة الخارجيّة ‏الجزائرية قائمة على فكرٍ ما؟” أمْ أنّها، مثل السياسة الداخلية، عبارة عن خليط من النوايا الخبيثة المُبيّتة ‏مثل تلك المقولة الشهيرة: ” بعدي ليكن الطّوفان”، أو “هنّيني نهنّيك”، أو “تخطي راسي” ؟ خاصّةً وأنّ ‏مسؤولينا كانوا دوماً يؤكدون باعتزازٍ أنّ الأولى هي انعكاس للثانية. وهذا ما لا يُبشّرُ بأيّ خير‎.‎

وإذا كُنّا لا نعرف نقاط ضعفنا، أو كُنّا نُخفيها على الرّأي العام، فإنّ الآخرين، أي المنافسين والخصوم ‏الأقوياء، يعرفونها حقّ المعرفة، كما يعرفون ماذا يجب فعله عندما يحين الأوان لزعزعة استقرارنا أو ‏سلخنا. وأنا أراهن أن خطط الهجوم علينا جاهزة وموضوعة في أدراج عدّة قيادات أركان لبلدان مجاورة ‏لنا أو بعيدة عنّا. وإنّ الزوبعة التي سُلّطتْ على عدّة بلدان عربية إسلاميّة تباعاً يمكن أن تنهال علينا لو ‏حُرمنا من نعمة البترول أو حدثت اضطرابات داخلية خطيرة. هذا دون أن نذكر بعض العوامل التي ‏يصعب الاحتساب لها، مثل الانتفاضات المفاجئة أو الكوارث الطبيعيّة. فيجب ألاّ ننسى أنّ بلادنا منطقة ‏زلزالية لوقوعها فوق فجوة جيولوجية معروفة‎.‎

وبعض البلدان المجاورة التي نعتبرها بلداناً صغيرة إنّما صِغرها من حيث المساحة والديموغرافيا والقوة ‏الاقتصادية، لكنها يمكن أن تتحوّل إلى منطلقات أو مُساندة لعملياّت تستهدف زعزعة استقرارنا. لا يوجد ‏حولنا سوى تونس التي على الأرجح لا نخشى منها شيئا. لكنّ خلافاتنا مع جارنا من ناحية الغرب، وهذا ‏منذ عهد الأمير عبد القادر، قد تتطور إلى حدّ يجعلنا هدفاً للتحالف العربي الإسلاميّ الذي انضمّ إليه ‏السينغال مؤخّراً. ذلك أن هذا التحالف يمكن أن يتضامن مع المغرب مُكافأة له على تضامنه معه ضدّ ‏الحوثيين، إضافة إلى استعداده لمساندته ضدّ إيران‎.‎

وبخصوص هذا التحالف العربي الإسلامي، أليست الحقيقة أنّه وُجِدَ كتتمّة للتّدخلات الأمريكية والغربية ‏التي هي طعنة نجلاء في كرامة الشعوب الإسلامية؟ وهل من سبيلٍ إلى الطمع في أن تميل الولايات ‏المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والوحدة الإفريقية والجامعة العربية والمؤتمر الإسلاميّ وهيئة الأمم ‏إلى أطروحتنا، بغضّ النظر عن المشكلة وعن الخصم؟ كلّ شيء يدلّ على أنّ هناك خمسة بلدان ‏مجاورة لنا على الأقل، مُستعدّة لاستقبال قواعد عسكرية موجّهة ضدّنا‎.‎

وهل نحن على علم بالقضية الجوهرية في هذه الحرب العالمية الإسلامية-الإسلامية التي كُنت أتحدّث ‏عنها منذ نوفمبر المنصرم ـ أي قبل ظهور التحالف العربي الإسلامي بمدة طويلة ـ ؟ أليس من المُتوقع ‏أنْ يتدخل هذا التحالف في سوريا إذا ما اكتملت مهمته في اليمن؟ وهل أعددنا استراتيجية تُجاه هذه ‏الحرب التي لا تزال في بدايتها والتي هي مُرشحة للاستمرار والانتشار لكونها مدفوعة بتحريض سرّيّ ‏من إسرائيل وحلفائها من الأوروبيين والأمريكان؟ ه

ل تهدف هذه الحرب إلى احتلال أراضٍ والاستيلاء على الثروات كما كانت الحال في الحربين ‏العالميتين السابقتين بين فرنسا وألمانيا؟ أمْ أنّها حربٌ إيديولوجية كتلك التي كانت في الحرب الباردة بين ‏المعسكرين الشرقي والغربي؟ أمْ أنها حرب دينية كتلك التي حدثت في الحظيرة المسيحية عندما حدث ‏الانشقاق بظهور المذهب البروتستانتي؟ إنّ ما نُلاحظه هو أن الكونجرس الأمريكي صادق مؤخراً بصفة ‏ضمنيّة على تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات، وأنّ لبنان وليبيا وسوريا واليمن ونيجيريا قد تلقى نفس ‏المصير الذي عرفه كلّ من السودان والقضية الفلسطينية، أمّا باكستان وأفغانستان فهما يجدان صعوبة ‏كبيرة في استرجاع استقرارهما السابق‎.‎

وهل بإمكاننا أن نبقى بمنأى عن كلّ تكتّل اقتصاديّ أو تحالف عسكريّ بصفة أبدية؟ أوليس بإمكاننا أن ‏نتحوّل، وبفضل إمكانياتنا الذاتية، إلى دولة رائدة وقوة اقتصادية قادرة على الاستجابة لاحتياجاتها في ‏حالة الوقوع تحت طائلة “عقوبات اقتصادية” كتلك التي أسقطتْ العراق في عهد صدام حسين، أو ‏أضعفتْ روسيا في عهد بوتين، أو أرغمت إيران على التراجع عن استعمال اليورانيوم لأغراض ‏عسكرية؟ ألا يوجد حلّ ثلاثي الأطراف لمشكلة الصحراء الغربية حقيقةً؟ وهل يعتبر الاتحاد المغاربي ‏هو المشروع التكتّلي الاقتصادي الوحيد الذي من شأنه أن يضمن الانسجام والاستمرار مع أنه حبيس ‏الإطار النظري؟

تلك كانت مجموعة من التساؤلات ذات الصّلة بأمن بلادنا واستقرارها. وعلى الجزائر أن تُعيد التفكير ‏في سياستها الداخلية والخارجية من أجل وضع حدّ لمسار التدمير الذاتيّ واحتلال مكانة بين الأمم ‏المُحترمة، وكلّ ذلك في متناول يدنا إذا عملنا على تغيير التصورات التي تسير على ضوئها دولتنا ‏والتي تُميّز سلوكنا الاجتماعيّ‎. ‎

وها هي الآن قصة الضفدعة التي ألّفها أوليفيي كلير‎ Olivier Clerc، أسوقها بالصيغة التي تلقّيتُها بها ‏عن طريق البريد الإلكتروني، لأنّها تنطوي على حكمة تنطبق على مضمون هذا المقال‎:‎

بداية القصة) : ” تخيّلوا قدراً مملوءاً بالماء البارد، وفي الماء تسبح ضفدعة في هدوء تام. وإذا تمّ إيقاد ‏النار تحت القدرة فإنّ الماء سيسخن بالتدريج حتى يصبح دافئاً. والضفدعة لا تجد في ذلك إلاّ متعةً ‏كبيرة، فتواصل سباحتها. لكن بارتفاع درجة الحرارة يصبح الماء ساخناً إلى حدّ يتجاوز ما يُناسب ‏الضفدعة، فيصبح الأمر مُتعباً لها، ومع ذلك فهي لا تفقد هدوءها. وبعد مُدّةٍ يُصبح الماء ساخناً جدّا حتى ‏تشعر الضفدعة بتضايقٍ كبير، لكنها الآن قد فقدت قوتها، ولهذا فهي تتحمل مُستسلمة لمصيرها. وتستمرّ ‏درجة الحرارة إلى أن يؤول الأمر بالضفدعة إلى الموت وهي مطهية. ولو أنّ نفس الضفدعة غُطِستْ ‏منذ البداية في ماءٍ درجة حرارته 50° لكان منها ردّ الفعل فوراً ولقفزتْ خارج القدر‎…‎

إنّ هذه التجربة تُبيّن أنّ التّغيير الذي يحدث بصفة بطيئة يُفلِتُ من الشعور ولا يؤدّي في الغالب إلى أيّ ‏ردّ فعل ولا مُعارضة ولا ثورة. وإذا نظرنا إلى ما يحدث في مجتمعنا منذ بضع عشريات من الزمن، ‏لوجدنا أنّنا نعيش انحرافاً بطيئاً ونحن مُتعوِّدون عليه. فكثيرة هي الأمور التي كان من شأنها أن تثير ‏روعنا لو أنها حدثت منذ 20 أو 30 أو 40 سنة نتعايش معها اليوم بِطَيْفٍ باهت من التضايق عند ‏بعضنا، وبعضنا الآخر لا يأبه بها إطلاقاً. إذاً، فأنتم الذين لا تُشبهون الضفدعة، حتى ولو كُنتُم في مرحلة ‏وسطى من الاستسلام، حاولوا أن تقفزوا خارج المستنقع قبل فوات الأوان” (نهاية القصّة).‏

يبدو لي شخصيا أنه لأول مرة يحدث أنْ يُخضع مبدأ أخلاقيّ أو نفسيّ أو سياسي، فالتصنيف لا يهمّ، ‏للتجربة المخبرية التي تبيّن صحّته. وهذه التجربة تقبل التطبيق على فن التّدمير الذي تعرّضنا له، ‏وكذلك على الغلاّية المزدوجة السّلفية التي نسبح فيها منذ عشريتين في انتظار أن نُطهى بصفة نهائية. ‏وواضحٌ أنّ هاتين الآفتين قد تضامنتا من الناحية السياسية حتى ولّدتا عند بعضنا إحساساً بأنّ الأمر قد ‏قُضي من الجهتين. فهل حقيقةً أنّنا عاجزون عن فعل أيّ شيء في مواجهة هذا الاختيار بين السيئ ‏والأسوإ الذي فُرِضَ علينا منذ الاستقلال؟‎ ‎

‏”لوسوار دالجيري” 10 ماي 2015‏

You may also like

Leave a Comment