ترجمة بوكروح وليد
– “فعلُ الخير لن يكون أبدا غايتنا، فعلُ الشّر سَيَكونُ دائما مُتعَتَنا الوحيدة، مُعاكسين بذلك إرادةَ الله. وأَينَماحاولَت إرادَتُهُ أَن تَصنعَ خَيرًا من الشّر الذي نَرتَكبُه، وَجَبَ عَلينا أَن نَسعى لنُفسدَ هَكَذَا غاية، وأَن نَجدَ في ذاك الخير وَسَائلَ لارتكاب الشّر. ذلك أَنَّ المُلكَ يَستَحقُّ الطُّموح، حتى في الجحيم. السيادة في جهنم أفضل من العبودية في الفردوس” إبليس (جون ميلتون – الفردوس الضائع / الكتاب الأول. 1667)
– “آوّاه!هادوخدايم الشيطان!“ (الشعب الجزائري).
عندما َنفقدُ القدرة على أن نرى بوضوح فيما يُصيبُنا، ويَتَمَلَّكُناالذُّهول لفشلنا في مواكبة تَعَقُّد الأوضاع المحيطة بنا، حتى نَهُزَّ الأكتاف من الحَيرَة ونَشتعلَ غيظا من العَجز. حينئذ ينتابنا تدريجيا شعور غريب بالسُّخفوالعَبث، فيَدفَعُنا إلى طريق لم نَكُن نَتَوقَّعُ أن نَسير عَلَيه هو طريق عالم الخوارق والطرائف. ورغمالتَّرَدُّد الذي ينتابنا من ذلك، نَجدُ أنفسنا نَتَمنّى من هذه المحطة الأخيرة قَبلَ الجُنون، أن تُفَسّرَ وتُوَضّحَ لنا ما تَعَسَّرَ فَهمُه مُنذُ مُدَّة ليست بالقصيرة.
عَالَمُ الخوارق هو عالم الظواهر غير العادية، وغَيرُ العادي هُوَ عندما لا تَسيرُ الأشياء على نحوها الطبيعي، كما تسير عليه في باقي العالم، وحين لا تمضي على الصراط المستقيم الذي يُوصل إلى ما هو مَعقول ومألوف. ولَمَّا تأخذ مَجرىً مُختلفا عن المعايير والقواعد المتداولة والمتوارثة، فَتَتَّبعَ رغما عن إرادتنا طُرُقا مُلتَوية تؤدي إلى أَوضاع غير معقولة وخطيرة. عبارة “رغما عن إرادتنا” تعني أيضا رَغمَ أَنف قوانين الطبيعة والمنطق، ورغما عن قواعد الطب والأخلاقوالتاريخ، وتعني كذلك رَغمَ أَنف الصَّالح العام وماتقتضيه مصلحة البلد والأجيال القادمة.
لقد حَاصَرَتنا واستَعمَرَتنا مُختَلَفُ الظّواهر الخارقة فأخلطت أوراقنا وجعلتنا نشُكُّ في حواسنا، حتى انتهى الأمر بأن غَرَسَت في أنفسنا اليقين أَنَّنا في الواقع لا نواجه إشكالية ذات طابع سياسي، بل تَركيبةً غَريبةً عَن مجال العقل، تَستَحضرُ مؤامرة جهنمية تَحيكُ خُيوطَهَا في الظّلام قوىً تُقَدّسُ الشَّرَ وتَتَلَذَّذُبارتكابه ضد بلدنا المسكين وأَهله. مُؤامَرَةٌ يُقالُ أنَّ خيوطها تمتد إلى القوى الأجنبية التي ساندت العهدة الرابعة مقابل العقود والصفقات، وامتيازات استغلال النفط والغاز الصخري، حين ستبدأ في 2020 كما تَسَرَّعَ بإعلانه وزير الطاقة.
اليوم تُقَدَّمُ لنا الكثير من الأمور على أنها أشياء طبيعية وعادية. من بَينها تَمَركُزُ جُلّ السُّلُطات في البَلَد بَينَ يَدَي رئيس خارج الخدمة، لا يمشي ولا يتكلم، وهو ما لم نَرَهُ من قَبلُ في العالم ولاحتى في أفلام الخيال. وأيضا تَركُ البَلَد تائها ضائعا هائما في جميع المجالات، ناهيك أنَّنا نَجهلُ مَن الذي يُسَيّرُهُ حقيقةً. وكَونُالتَّعيين في المناصب العليا لم يَعُد يَخضَعُ إلّا لأربعة مَعايير لا خامس لها: الانتماء الجهوي، الوَلاء المُطلق، عَدم الكفاءة، والارتباطبواحد من الملفَّات الكُبرى للرشوة والفساد. وأيضا أَن تَغرَقَ غرداية في الحرب الأهلية مُنذُ سَنة حتى باتت قوى الأمن تُطالب بعدم الخدمة هناك. وأن تَحذو حَذوَها إيليزي التي اندَلَعَت فيها مُؤخرا مناوشات قَبَليَّةٌ. وأن يُترَكَ المُواطنون لأمرهم وتَستفحل المخدرات والجريمة في المُدُن…
كل التناقضات المتراكمة، والإصلاحات التي تُعلَنُ ثم تُنسى، والسياسات الاقتصادية الهائمة بين اتجاه وعكسه، والفوضىالمُتَعَمَّدَة، والتَعيينات الفاضحة في المَناصب العُليا والّرمزية، كُلُّ هذه العلل التي يَصعُبُ تَفسيرها بالمنطق تُصبحُ مُتناسقة ومُنسَجمة تماما عندما نُرجعها إلى المنبع الحقيقي الذي تَتَدَفَّقُ منه. سواء كان بصحة مُشرقة أو في حالة يُرثى لها، بإمكانيات مُتواضعة أو بمئات مليارات الدولارات، فإن كل شيء يَخضعُ في النهاية لمَبدَأ واحد: البقاء في السلطة. “انتَصَرَ رَجُلٌ، انهَزَمَت أُمَّة” كان عُنوان مَقَال نشرته في 20 أفريل الماضي: ها هو الحال اليوم كذلك.
يَعلَمُ عُلماء الفَلَك جيدا أنه سيأتي يومٌ يَصطدمُ فيه نيزكٌ من الفَظاء بكَوكب الأرض، مُسببا له أضرارا تُعَادلُ تلك التي انقرضَت من جرائها الديناصورات منذ 65 مليون سنة. كذلك يَعلَمُ عَددٌ من الجزائريين مُنذ دخولهم في زمن العهدة الرابعة أن شيئاً رهيبا سوف يقع لا محالة، وأنَّ عواقبه المادية والبشرية ستكونُ وخيمة.
لكنَّ هذا ليس في الحقيقة كُل ما يَخشَونَهُ: فَرَغمَ استسلامهم لهذا الأمر المحتوم، إلّا أنَّ الرغبة الكامنة في أعماقهم والمُتَعَطشةللعدالة والانتقام، تَدفَعُهُم إلى التَوَجُس من أن الكارثة القادمة التي ستأخذهم لَن يَنقَرضَ فيها أَحدٌ من الديناصورات، هكذا: “زكارة” فقط، كما لو شَاءَت ذلك إرادةٌ شيطانية. وهُم مُحقُّونَ فعلا في ذلك: فَرُبعُ قَرن من الإرهاب والزلازلوالفيضاناتوأعمال الشغب وحوادثالمرور، قَضى عَلى مئات الآلاف منهم لكنه لم يأت على ديناصور واحد، أَو ابن ديناصور حتى.
تُحاولُ نظراتهم المُرتابَة أن تَتَوقَعَ من أين سَيَندَلعُ الحريق الذي لن يَنطَفئ: غرداية، إيليزي، ورقلة، تيزي وزو أو ولاية أخرى… في النهار يُراقبونَ كُلَ النواحي خِشيَةَ أَن يُباغِتَهُم نَوعٌ أو آخر من “المنكر” وفي المساء يُصَفِّحونَ أبوابهم ويُحَصِّنونَ بُيوتَهُم. في الليل يُحاوِلُ أَكثَرُهُم تَسَيُّساً، قبل خلوده إلى النوم تحت غطائه الدافئ تَخَيُلَ مختلف السيناريوهات: اغتيال داعش لأجنبي آخر في مكان ما من القبائل، أو تصفية حسابات بين فصائل السلطة لإزاحة جنرال مُهمّ: توفيق؟ هامل؟ مسيرة هائلة أخرى للحرس البلدي أو البطالين، أو إضرابٌ شاملٌ للنقابات المُستقلة تَشُلُّ به البلد.
مُؤَخَّرا اختلطت الحسابات فجأة لما خرجت قوات الأمن في مسيرات لم يكن يتوقعها أحد، ليُوَسّعَ ذلك مجال الاحتمالات ومَعَهُمَجال المَخاوف، ويُؤَكّدَ أن كل شيء يمكنه اليوم أن يقع وبسرعةرهيبة. فعلا لقد كان الحدث فريدا من نوعه، والسابقة لا مَثيل لها في تاريخنا القصير. فَقَد فَرَضَ بضعة آلاف من رجال الشرطة، حوالي 1 إلى 3% من التعداد، على الحكومة 19 من مطالبهم. ولَبّى مُعظَمَ تلكَ المطالب الشَّخصُ الذي اختارهُ المتظاهرون: الوزير الأول (بعدما أداروا ظهرهم لأويحي ووالي العاصمة)، في المكان الذي اختاروه: المقرّ الشَّاغر لرئاسة الجمهورية.
انتفاضةُ الحَرَس الإنكشاري الصغيرة هذه زَرَعَت الرُّعبَ في البلاط، فَأَلقت الرئاسة في خضم هَلَعها بكُلّ شيء. لا بد أن الأوامر قالت ولو بصَوت مُنهَك: “يَجبُ أن يعود كل شيء إلى ما كانَ عَليه فَورا، مهما كَلَّفَ الثمن…” وبالفعل ما كان يجب لتيار الهواء هذا أن يأخذ أبعادا أكبر فيجلب المزيد من رجال الشرطة أو يشكل نقطة التجمع لاحتجاجات أخرى، أو يُعطي الفرصة لأحزاب المعارضة والتيارات “السرية” لاستغلال الموقف. وزير الداخلية والوزير الأول نَفَّذا الأوامر بسرعة البرق ودفعا الثمن المشروط دون أي مساومة. هل ابتَعَدَ الخطر إذا؟ هذا ما يَضُنُّهُ ويُريدُ الإيهام به سلال الذي سارع للإشادة بهذا “الحوار الأخوي بين القمة والقاعدة”. لكن جُملَتَهُ التَّعيسة التي قَفزت إلينا من زمن لغة الخشب البالية لن تُغَيّرَ من كونه مُخطأً في اعتقاده.
الخطر لم يبتعد، بل على عكس ذلك تماما تضاعف عدة مرات. فلن يبقى بعد الآن صراعٌ اجتماعيٌ أو سياسيٌ واحد، إلّا ورَأَىحَاملُوهُ أَنَّهُ لن يُحَلَّ بالطريقة التي “ترتقي إلى مستوى تضحياتهم” حتى يتَّبَعَ السيناريو الذي دَوَّنَهُ رجال الأمن. لن يَكفيهم بَعدَ اليوم أن يَقفَ أمامهم من هبَّ ودبَّ من الوزراء بل سيطلبونَ أَوَّلَهُم شخصيا. كذلك لن يرضوا أن يلتقي بهم في أَيُّما مَكان، بل سينتظرونه في مقر رئاسة الجمهورية من فضلكم!…
نعم، فهذا هو الأسلوب الذي يُفهَمُ به الإنصافُ والشَّرفُ عندنا: “احنا كامل كيف كيف” سَيَرُدُّ المتظاهرون المرخصون وغيرالمرخصون في المستقبل، على الذي سيُحاول إغرائهم بأقل من هذا. لقد أعلنت إحدى نقابات الأساتذة عن إضراب يوم 21 من هذا الشهر، رغم أن السنة الدراسية بدأت للتَّو. ورجال الحرس البلدي يعدون بمسيرة يوم 23 ويطالبون من الآن باستقالة وزير الداخلية، وتبقى القائمة مفتوحة. يُمكنُ أن نُراهنَ أنّها ستمتلئ بسرعة.
ثم أننا لا نَعرف ما سيؤولُ إليه مصير مدير الأمن: إبقائه في مكانه يعني استمرار غليان الحمَم البُركانية تحت الأرض. أمَّا عزله فسوف يفتح الباب لسابقة أكثر اشتعالا. سواء شئنا أم أَبَينا، سيكون هناك ما قبل و ما بعد خروج رجال الشرطة إلى الشارع. لقد أَوشَكوا أن يحتلوا الرّئاسة لبلوغ غايتهم وربما تُغريهم إعادة الكَرَّة في المستقبل لأسباب أخرى: لرفض قمع المتظاهرين مثلا. يمكن كذلك أن يُقلّدهم آخرون من إخوتهم، زملائهم، من هيئات أخرى، من موظفين آخرين. لا أحد يدري لأن كل شيء صار مُمكنا في بلادنا، بما في ذلك المستحيل.
العهدة الرابعة، والتي تُمَثّلُ المستحيلُ الذي فتح الباب أمام المستحيلات الأخرى، كانت تُطَمئنُ نفسها بالقدرة على شراء السلم الاجتماعي حتى 2019 على الأقل وذلك صحيحٌ فعلا. فلو تَوقَّفت الجزائر غدًا صباحاً عن تصدير المحروقات، فإنها ستصمد لثلاث سنوات أخرى بفضل احتياطات الصرف التي تملكها (200 مليار دولار / 3 = 66.6 مليار دولار، أي ما يعادل تقريبا كلفة وارداتنا السنوية حاليا). وبمناسبة موضوع اليوم، لَن نَمُرَّ مرور الكرام على هذه الثلاثية المتتالية من حرف 6 والتي سترتعش لها قلوب المسيحيين من مواطنينا، حيث تُذكّرُهُم دون شك بكتاب “سفر الرؤيا” للقديس يوحنا وما يقوله عنها: ” …لن يُمكنَ لأحد أن يَشتري أو يبيع ما لَم يَحمل علامة الوحش، أو اسمهُ أَو رَقمَ اسمه…ومَن يَملكُ منكم الذَّكاءَ فَليُفَسّر رَقمَ الوحش، فَهُوَ عَدَدٌ من عالم الإنسان، ورقمهُ هو 666″, (الآيات 15 إلى 18).
ما نعرفهُ عادةً عن “الشيطانية” هي أنها عبادةُ أَتباعها لأبليس. لكن يهوديا أمريكيا يَحملُ اسم “آنتونلافاي”، أعاد في ستينيات القرن الماضي تَشخيصَ هذه العبادة السرية القديمة، ليُعيدها إلى بُعد إنساني مَحض. في هذا التصور الجديد يتخلى إبليس عن عرشه لتُوضَعَ مَكانَهُ “أنا” الإنسان. يُصبحُ الإنسان بهذا هو إلهُ نَفسه، وهو المذهبَ الذي يعلو على كل القيَم الأخرى: الدين، الفلسفة، الفكر، التقاليد، المجتمع، الأمة، الأخلاق، الحياء…لا يجب على المرء أن يَعبُدَ إبليس، بل عليه أن يُصبحَ هُو نَفسُهُ إبليس. مَذهَبُ لافاي هذا لُقّبَ “بالشيطانية المعاصرة”، وعَمَّرَطويلا بعد وفاة مُؤسّسه حتى صار له عشرات آلاف الأتباع في العالم، بما فيه الجزائر، وإن لم يعي أولئك ذلك.
هذا ولم ينتظر البعض لافاي الذي ربما لم يسمعوا بوجوده حتى، ليُؤَسّسوا لعبادة مُكَرَّسَة لشخصهم ومجدهم. ولم يترددوا في حبسوقتل الآلاف والملايين من مواطنيهم من أجل البقاء والخلودفي الحكم: ستالين، ماو، كيم إيل سونغ وسلالته، شاوسيسكو، كاسترو، صدام، القذافي، مبارك و موغابي حتى لا نذكر إلا المعاصرين منهم.
الشيطانية المعاصرة أشد خطرا من العبادة الإبليسية القديمة. يُمكنُ و َيجبُ أَن يوصَفَ بالشيطاني، كل من وَضَعَ شَخصَهُ و َمصالحهُ فَوقَ الآخرين، ولم يَتَرَدّد في استعمالهم والتضحية بهم من أجل بلوغ غاياته التي تَتصدَّرُها الرَّغبة في الخلود على العرش. يُمكن أن نستخلص من هذا أن الذين أرادوا العهدة الرابعة وحققوها قد اتَّبعوا لهذا الغرض مخططا شَيطانيَّ الجَوهر، أَدَّى في النهاية إلى وَضع أُمَّة بأسرها تحت أقدام رجل معطوب وحاشيته.
في السابق تَعَهَّدَ بومدين بمَعيَّة فريق الانقلابيين المحيط به، وعلىرأسهم بوتفليقة، بأن يَبني دَولةً “تَصمدُ أمام الأحداث ولا تَزولُ بزَوال الرجال”. الدَّولةُ التي تركها لم تصمد بين 1988 و1995أمام أحداث أكتوبر، ثُمَّ لَم تَعرف بين 2005 و2014، كيف لا تزولُ بزوال رَجُل واحد فقط: بوتفليقة. فالدولة الجزائرية لم تَعُد اليوم سوى حصيرة يَتَلَذَّذُ هذا الرَّجُلُ وأَتباعُهُ بمَسح أقدامهم عليها.
لم أتمكن خلال الربيع المنصرم من فهم الإصرار والتعنت الذي تمَّ به تمرير عهدة رابعة لرَجُل بَلَغَت حالتُهُ قمة الوَهَن. ذلك لأني كنت أَحسَبُها غايةً في حدّ ذاتها بينما لم تكن في الحقيقة إلا الوسيلة لبلوغ هدف آخر: تَأمينُ التَّوريث الذي كنت أرفض الإيمان بإمكانية حدوثه، معتقدا بسذاجة أن السَّمَكَةَ ستكون أَكبَرَ من أَن يَأكُلَها الجزائريون، وأنهم لا يُمكنُ أن يَقبلوا بشيء كهذا.
لكني اليَوم أُؤمن بهذا الاحتمال الذي، عندما تستوعبه العقول، يُضيءُ فجأة كُلُّ ما من حَولنا من ألغاز. إنها النظرية الوحيدة التي تضفي انسجاما لأحداث لَم تُطلعنا على شيء عندما حاولنا قراءتها على انفراد. إنها الشفرة التي تَسمَحُ بتَصَفُّح الملف السري، والتركيبة التي تُفتَحُ بها الخزنة الحديدية. هي الجُملةُ السّحرية التي تُدخلنا إلى مغارة علي بابا واللُّصوص الأربعين، أين تمتلئ الأيادي بقطع الذهب والمجوهراتوشتَّى الكنوز المسروقة. كُلُّ شيء يأخذُ فيها مَكانه، مُنذُ البداية، مُنذُ الأبد، جميع القطع تجد مكانها في اللعبة.
نعم، لم يَعُد هناك شيٌء يستحيلُ الوقوعَ في بلادنا، حتَّى المُستحيل. وسَيقبل الجزائريون مُجَدَّدا بالمستحيل القادم، باسم “الاستقرار” و “المعزة التي تطير” و “تخطي راسي”، أو نقدا مقابل أموال مُغرية مُشبعة تُسمنُ وتُغني من جوع. مَذهَبُ الشيطانية يرتبط في جَوهَره بمذهب المُتعة. وبالمادّيةوثقافةالاستهلاك وحب المال، وبالتعطّش للارتقاء الاجتماعي والفخفخةوملذات الدنيا. هذا هو كل ما تَرغبُ فيه الأغلبية الساحقة من الجزائريين في الوقت الراهن. لكن، هناك رغم ذلك حقيقة مُسَلَّمةٌ ومُثبتةٌ عبر الزمن: في السياسة كما في العلم، الأقليات الفاعلة هي من يصنع التاريخ.
لم نعد، كما كنت أعتقد بسذاجة، نُواجهُ مُجَرّد حيَل مُستَوحاة من تُراث جحا، بل صرنا نَقفُ وجها لوَجه أمام أساليب شيطانية عديمة الضمير لا تتراجع أمام شيء. فعلا، فمنَ الصعب أن نَرى غير ذلك في تهريب كبار اللصوص إلى الخارج، أو في ضمان الحصانة لمسؤولين في مختلف القطاعات رغم تورط أسمائهم في تحقيقات ومحاكمات علنية. في احتفاظ أسماء مشتبه بها في قضايا الرشوة بالمناصب الحكومية، و في تعيين الوجوه القبيحة المكروهة على رأس المؤسسات الرسمية و الهيئات المهمة.
نحن أمام مكيدة بدأ العَدُّ التَّنازُلي لتَنفيذها يَومَ أَعلن سلال تَرَشُّحَ بوتفليقة لعهدة رابعة. لم يكن ذلك له فقط بل كان بمثابة إشارة الانطلاق التي أُعطيت لتجسيد مُخطَّط تَوارث الحكم. هذا المخطط هو حتما ما وقع عليه الاتفاقُ الذي تَحَوَّلت بموجَبه العهدة الرابعة إلى مسألة ثانوية، وإلى مجرد وسيلة لبلوغ الغاية الحقيقية. لم تكن هنالك أبدا “صراعات فوقية” أو خلافات على الجوهر، بل فقط حاجةٌ لإعادة تنظيم كان يجب القيام بها تمهيدا للعهد الجديد، وحَاجَة لوَضع توقيت يلتزم به الجميع. وبينما لم نفهم نحن شيئا عن سرّ تَعنُّت المرشح العاجز، “هم” كانوا يعلمون جيدا ماذا يفعلون وإلى أين يتوجَّهون، مُنَفّذين إستراتجية مُتَّفق عليها.
الخطة المُتَّبَعَة؟ تعيين أَوفياء في المناصب الحساسة، يَتمُّ انتقائهم حسب المعايير الأربعة المذكورة أعلاه. تمرير التعديلات الدستورية التي لا نعلم عنها شيئا إلى حد الآن. إغلاق اللُّعبة جيدا، ثُمَّ الشُّروع في تهيئة العقول لاستيعاب المخطط الذي رسموه في 1999 أو بالأمس، لا يَهُمًّ مَتى. في حال وقوع اضطرابات اجتماعية أو أمنية، الخضوع للمطالب الاجتماعية. المُهمّ ألا تتحول إلى مطالب سياسية، أو تَعتَرضَ طريقَ المخطط.
هذه وسيلة لتكريس إعلاء الشر فوق الخير في البلد. وأسلوبٌ لتفضيل الخداع على الأمانة، والعَبَث عَلَى الجدّية، والخبيث على ابن العائلة، والغشاش على العامل والمقاول النزيهين. إنها طريقة لإفراغ البلد من الكفاءات، من الذكاء، منَ الأَفضل. غَلقُ ملفات الرشوة يَعني أن يُقال للجميع: ” تفضَّلوا، انهبوا واسرقوا ما طابَ لَكُم، واحرصوا على ألا يُمسك بكُم أحد”.
هذه الأعمال الإبليسية هي السبب الكامن وراء الإحباط الذي يَنخَر معنويات الأمة، والتَّشَرُّد الذي يَطبَعُ مَلامحها. “خدايم الشيطان” هذه هي المسئول عن التسيب في الإدارة، وعنالحصانة المضمونة لكبار المجرمين وصغارهم. هي السبب في العدمية التي أصبحت تتميز بها الأغلبية من الجزائريين، في زيادة حالات الانتحار، في “الحرقة” و “الحقرة“، في الهجرة والاغتراب، في ارتفاع عدد المجانين.
عندما يصل الرجل السياسي إلى الحكم يجد أمامه طريقان متوازيان، تربط بينهما جسور في بعض الأماكن. فوق كل طريق سيجد لافتة، كُتب على أحداها: ” ما يخدم مصالحي”، وعلىالأخرى: “ما يخدم مصالح البلد”. الذي يتبع الطريق الأول سيضطر أن يُعَرّجَ بين الحين والآخر على الطريق الثاني للتضليل أو الإيهام.
لكنه سوف يحرص خلال حُكمه ألا يُقدمَ على شيء يُثير استياء الشعب، مثل الإصلاحات الضرورية لمواصلة بناء البلد والصالحالعام، أو حماية التوازنات الاقتصادية الكبرى للأمة من التبذير، حتى لا يُثقل كاهل الأجيال القادمة بالمديونية. سوف يكذب على شعبه ويخفي عنه الحقائق، سيحيط نفسه برجال يكرسون أنفسهم لخدمة مصالحه ومصالحهمويتصرف بمبدأ “أنا وبعديالطوفان”.
وعندما يقع في فخ أعماله، حيث لا يستطيع العودة إلى الوراء لأنه لا يعرف كيف يفعل شيأً آخر أو لأنه يتربص عمدا بالشر لبلده، فإنّه سيجعل من ميزانية الدولة لائحةً ملكيةً، وسيفضل الاستيراد على الإنتاج ويمنح الصفقات العمومية الكبرى للشركات الأجنبية على حساب المحلية. كل قراراته ستصب في اتجاه الاحتفاظ بالسلطة من جهة، وفي اتّجاه النهاية المُبَرمَجَة لبلاده بَعدَه، من جهة أخرى.
الذي يختار الطريق الثاني، طريق مصلحة البلاد، سيتجاهل الجسور التي توصل إلى الطريق الموازي ويتصرف عكس الأول تماما. سيواجه دائما شعبَهُ بالحقيقة، حلوة كانت أو مرة، وسيجمعحوله أكثر رجال البلاد كفاءة ونزاهة لإيجاد الحلول الحقيقية لمشاكله، وسيسعى لأن يترك بلده على حال أفضل من التي وجده عليها.
الهدف الأسمى للشيطان وأعماله، هو دفع أكبر عدد ممكن من الناس لارتكاب الشر (مخالفة القوانين والنظم، الأنانية، العنف، التعصب). وجَرّ الإنسان ليتنافس ويبدع في المنكر حتى يتمكن من البقاء على قيد الحياة، حتّى ينفذ بجلده، حتى “يسلّك راسو”، وحتّى يحمي نفسه من شر أخيه. ليرتقي في سُلَّم المناصب، ليحقق الثراء أو، بالنسبة للبعض، ليصل إلى السلطة.
هذا هو المعنى الذي تحمله مقولة جون ميلتون، شاعر القرن السابع عشر الإنجليزي الذي يصنفه مواطنوه في نفس مكانة شكسبير. هو كذلك المغزى من الصيغة الشعبية الجزائرية، والتيتظهر حكمتها حاليا في حياتنا اليومية. فعادة عندما لا يستطيع الجزائري أن يرى بوضوح في أمر ما، ويشتم رائحة الغموض والخداع فيه، فإنه يتراجع قليلا كما لو كان يقصد الابتعاد عن الشر، ويصيح مروعا: “آوّاه! هاذوخدايم الشيطان!”
” لوسوار دالجيري”19 أكتوبر 2014
موقع “الجزائر اليوم“19 سبتمبر 2017
