ترجمة وليد بوكروح
عندما استعادت الجزائر السيادة على مصيرها في 1962 لم تكن تحوز في جعبتها إلّا على فكرة واحدة هي الوطنية. وقد تمكنت هذه الفكرة من شد حبل الشعب وجعله يلتحم حولها منذ الثلاثينيات إلى غاية الاستقلال، وشكلت مصدرا كافيا لتحفيزه وإيصاله إلى التحرر من هيمنة الاستعمار. لكن الوطنية ليست منبعا فكريا دائما، فمع تراكم الإخفاقات وخيبة الأمل والتجاوزات المتكررة بعد الاستقلال ارتخى الحبل وتلاشى الشعور الوطني حتى لم يعد يربط الشعبَ بدولته المستقلة.
ما كان الشعب ينتظره بعد الاستقلال هو القليل من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية واحترام شخصيته. كان يعتقد أن حكامه الذين ينسبون أنفسهم في الخطابات إلى الثورة العظيمة هم رجالٌ شجعان ونزهاء حريصون على خدمة البلد الذي حرروه، حتى اكتشف بمضي الوقت ومع تعاقب الأحداث والفضائح أن أغلبهم لم يكونوا في الحقيقة سوى مستبدين عديمي الكفاءة مصابين بجنون العظمة والنرجسية، لا يهمّهم شيء غير مصالحهم الفردية.
فتوالت خيبات الأمل بدءا من السبعينيات، وانقشعت أوهام الشعب الذي صار يتوق صراحةً إلى أشياء أخرى تختلف عن الاشتراكية والثورة الزراعية اللتان فُرضتا عليه، فأخذ يبحث عن جديد يعيدُ تحفيزَهُ ويمكّنُهُ من وضع نظام اجتماعي وأخلاقي أكثر عدلا في البلاد. هذه هي السنوات هي التي شهدت بداية ظهور الإسلاموية في الجزائر، فخرجت بذلك من نفسيتنا القديمة لتدخلَ في واقعنا السياسي.
حاولت في كتاب نشرته سنة 1997: “الجزائر بين السيئ والأسوأ” (دار القصبة للنشر) أَن أُبيّن أنّ الإسلاموية الجزائرية هي أيديولوجيةً شعبويةً تَعودُ جذورُها إلى أعماق تاريخنا البعيد. و أن أثرها على نفوس الجزائريين و ذهنياتهم كان أقوى و أعمق من المكتسبات السياسية و السوسيولوجية و الاقتصادية و الثقافية الأخرى، التي تكتلت فيها على مر العصور عبر الاحتكاك مع العالم المتحضر قبل و بعد الإستقلال.
ثم جاءت الإنتصارات الإنتخابية للإسلامويين في تونس والمغرب ومصر لتأكّد هذه الأطروحة التي حصرتها ضمن إطار الجزائر فقط في ذاك الوقت لأنها كانت تشهد ما لم تعرفه الثورات العربية إلّا عشرين سنة بعدها.
عندما نتصفح تاريخ المنطقة نَجدُ بأن رجال الدين هم الذين تصدَّروا في غالب الأحيان طليعةَ الحركات الثورية التي تشكلت للتصدي للاستعمار الأجنبي أو انتفضت ضد الاستبداد المحلّي بأشكاله. وكذلك نلاحظ أنه غالبا ما تسلل وسط هؤلاء “علماءٌ” جهلة ومشعوذون متعطشون للسلطة، متشبعون بروح الانتقام الاجتماعي وتصفية الحسابات.
وهؤلاء يدركون جيدا السذاجة التي يتميز بها شعبهم وميله للعاطفية وإذعانه اللامشروط لمقدساته. يعرفون بالغريزة كيف يجب أن يخاطبوه عن عذاب القبر وجهنم والآخرة ليتحكموا في روحه، وكيف يستعملون النبرة المناسبة لتخويفه وتجنيده. كذلك يحرصون أيّما حرص على التلاعب بالمظاهر لأنهم يعرفون جيدا أن التقدم إلى الجمهور بمظهر الشيخ المتواضع رث الهندام بالي الثياب، بالعباءة واللحية و “البلغة ” أقرب إلى نفسيته، و أَفيَدُ لهم من التقدم إليه في صورة عقلانية.
عرف المغرب العربي طوال تاريخه سلسلةً طويلةً من “الدّعاة” الذين يظهرون فجأة من العدم ليخطبوا في الناس بعنف ويرافعوا ضد استتباب الظلم وتفشي الفساد والانحلال الأخلاقي وترك الدين، ويحثوهم على “العودة إلى المنبع”. ثم ينقضون على الدولة من خلال دعوة الجماهير إلى إسقاطها وإقامة “الدولة الإسلامية” التي ستحكم وفقا للتشريع الإسلامي وتعرف كيف تفرض العدل والمساواة. لكن ما أن تسقط تلك الدولة حتى يسارعون بإقامة سلالة حاكمة جديدة تدوم لبعض الوقت لكن سرعان ما ينتفض ضدها “شيخ” أو “مهدي” آخر ويواجهها بنفس الحجج، وهكذا دواليك عبر التاريخ. ..
لقد عُرفَ أسلافُنا الأمازيغ منذ قديم الزمان بسرعة تأثر نفسيتهم بالأفكار المتشددة والمعارضة للثراء والرخاء والترف. وهذا ما جعل منهم عبر التاريخ طرفاً فاعلاً في جميع حركات التمرد والانشقاقات الدينية التي عرفتها المنطقة منذ قرون (السيركنسليون والدوناتيين في عهد الرومان، الشيعة والخوارج في الإسلام…). وذلك أيضا ما دفعهم لإتباع الإمام ابن رستم والإمام يعقوب والإمام عبيد الله والشيخ أبو يزيد.. الخ.
ضف إلى ذلك أن رجال الدين هم أيضا الذين قادوا الحركات الثورية التي انتفضت ضد الاستعمار في المغرب العربي: عمر المختار في ليبيا؛ الأمير عبد القادر، بومعزة، بوبغلة، الشيخ الحداد، المقراني وبوعمامة في الجزائر.
لهذا السبب سعى زعماء الحركةُ الوطنية التي تشكلت لمواجهة الاستعمار في القرن العشرين ليحلّوا محلّ الشيوخ في المخيلة الشعبية، وحرصوا على إحاطة شخصياتهم بنفس المظاهر والحماس اللذان يتمتع بهما هؤلاء ليضمنوا تجاوب الشعب معهم. يقال أن بعض العائلات لا زالت تحتفظ ببعض شعرات لحية مصالي حاج إلى يومنا هذا و تحافظ عليها مثل التحف القيمة و تعتبرها مصدرا للبركة.
وشهدَ بروزُ التيار الإسلامي السياسي نهايةَ الثمانينيات عهد الرجوع إلى إتباع “الدعاة” والشيوخ والأمراء كما جرت العادة منذ قرون، حتّى وصلَ الأمر إلى النتيجة الحتمية التي لا مفر منها وهي الدعوة للتمرد على دولة “الطاغوت” وإسقاطها وإقامة الدولة الإسلامية على أنقاضها.
حاولوا أن تتذكروا ما كانت عليه ساحتنا السياسية قبل عشرين سنة وتأملوا جيدا في الشخصيات التي كانت تُكَوّنها: كم من “ميسرة” أو من “ذي الحمار” سيعودُ إلى ذاكرتكم؟ عشرة، عشرون؟ لاحظوا جيدا واحذروا أن تغرّكم البذلة الإيطالية وربطة العنق عند بعضهم، فتلك مجرد ملابس عمل وثياب تمويه.
تُرى لمن يعود الذنب فيما يحدث حاليًا في العالم العربي؟ لشُعوبه التي “يجمعها البندير وتفرّقها العصا” كما وصفها بن باديس في عصره، أم للمؤامرات الافتراضية؟ بالنسبة لنا نحن يمكن أن نجد لأنفسنا بعض الظروف المخففة: فقد كان أغلب الجزائريين إبّان الاستعمار أميين، والوسائل التي جندتها جمعية العلماء المسلمين لم تكن كافية لتربية المجتمع بأكمله. من جهة أخرى كانت السلطات الاستعمارية تحرصُ على تشجيع الشعوذة وتمويلها.
لكن المجهودات التي بذلتها الجزائر المستقلة أيضا لتعليم المجتمع (تعليمه وليس تربيته) لم تتمكن بدورها من تغيير الوضع تغييرا جذريا. فما أن جاءت أوّلُ انتخابات حرة ونزيهة في 1990(البلديات) حتى استحوذ الإسلاميون على الحصة الكبرى من نتائجها. وكذلك كانت الأمور في تونس، أين لم يصدق أحد كيف كَنَسَت أوّلُ انتخابات حرة نُظّمَت على عَجَل بُعَيدَ ثورة 2011، مسيرةَ ستين عاما من التربية والتعليم قادها بورقيبة ثم بن علي بعده.
لقد أخطأ التونسيون عندما ألقوا باللوم على قطر لتمويلها المفترض لحزب النهضة، أو لوجود تلاعب في تنظيم الاقتراع، فهذه التفسيرات أتت فقط من هول الصدمة التي أحدثتها في نفوسهم النتائج. الضربة لم تأت من الخارج بل من الداخل، من الأعماق التي لم تُستَكشَف داخلَ شخصية الشعب التونسي. وما الذي يمكن قولُهُ عن مصر التي ذهبت فيها 85 بالمائة من الأصوات (ما عدا الأقباط) ليس فقط للإخوان بل لكل ما تلون بالأخضر.
يجب أن ندرك أن الهوس بالإسلاموية (الإسلامو-مانيا) لم يلد من رحم ثورات الربيع العربي وأنه أَقدَمُ منها بكثير. كما يجب أن يثير التكرارُ المستمر لنفس الظواهر على مر التاريخ، انتباهنا. لا يمكن أن تغاضي عنه أو نجتنب التفكير والتأمل فيه، وهذا العدد الكبير من الأحداث المتشابهة لا يمكن أن يكون وليد الصدف، بل لابد من وجود ميكانيزما فاعلة وراء تكرار تجاربَ مماثلة، في حقب زمنية مختلفة، ومن بلد عربي-مسلم لآخر.
قد يعتقد البعض أنّي أُلمّحُ منذ فترة إلى كون الذنب يرجع للدين وأنّي أقترح إبعاده عن الحياة العامة. لكن لا، فما أريد أن أقوله بكلّ وضوح وصراحة هو أن الإسلاموية ليست الإسلام بل هي انحراف عنه، ومصيبةٌ حلّت على الإسلام والمسلمين، يُحسَبُ عليها مئات آلاف الضحايا المسلمين في الجزائر ومصر وأفغانستان والصومال والعراق، ناهيك عن ضحايا الجنسيات والمعتقدات الأخرى ممّن لقوا حتفهم في الهجمات الإرهابية. لقد سبق لها وقسّمت السودان وفلسطين إلى نصفين وهي الآن تهدّد سلامة شعوب وأقاليم عدة بلدان أخرى، وكلّ هذا خلال عقدين من الزمن فقط.
الإسلام الذي نؤمن به ونحبّهُ ونتمسّك به هو الإسلام الذي اقترحه الله تعالى على البشر “تَذْكِرَةٌ ” بما سبقه من الوحي الإلهي الذي جاء ليختمه إلى الأبد. إنّه الإسلام الذي يعترف بالأديان الأخرى و أنبيائها، و التي يحثها جميعًا إلى “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ …”[آل عمران: الآية 64].هو كذلك الإسلامُ الذي اختار محمدا رسولا لله خاتماً لكن دون أن يهَبهُ مكانةً مقدسة.
و هو الذي يعلّمنا أن “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا“، و هو الذي تجسده هذه الأحاديث النّبوية و أخرى: “ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارمَ الْأَخْلَاقِ“؛ “…فإنما بُعِثتم مُيسِّرين ولم تُبعثوا مُعسرين“؛ “ إن خير دينكم أيسره” ؛ و هو كذلك دينُ بعض العبارات الإنسانية الخالدة مثل: “لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم” (منسوبة لعلي بن أبي طالب).
إنه الإسلام الذي جسّده الرسول في علاقاته مع المسلمين وغير المسلمين كما يتجلّى في مواقف وأمثلة عديدة ومنها: تسبب شخص يدعى هبار في وفاة ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم زينب عندما أسقطها من أعلى جمل وهي حامل. عندما اعتنق الإسلام في اللحظة الأخيرة قال له النبي: “قد عفوت عنك…”. كما عفي عن وحشي، العبد الذي قتل عمّه حمزة في معركة أحد ومزّق كبده ليعطيه لوالدة معاوية، وذلك بعد أن طلب منه أن “ما يستطيع أن يغيّب وجهه عنه”.
ذلك أنّ الرسول في وقت الأحداث وأمام هذا الفعل الهمجي كان قد أطلق العنان لغضبه الإنساني وتوعّد قريش قائلا: “…لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم”. فغزوة أُحُد التي وقعت عاماً بعد غزوة بدر كانت بمثابة الكارثة على المسلمين الذين كانوا أقل عدداً من مشركي قريش، فوعد النبيّ حينها الأنصار بالانتقام: ” لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ”. لكن عند فتح مكة نزلت هذه الآية ” إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ” [النحل: 126] “.و في موقف آخر قال الرسول: “…إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة “.
ودافع في مناسبة أخرى أمام صحابته عن عكرمة، ابن أبي جهل عدوه اللّدود بقوله: ” يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذى الحيّ ولا يبلغ الميت “. وعندما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول سنة 631، وهو كبير المنافقين ورأس حزب القبائل المتحالفة ضد الإسلام، صلى عليه الرسول ودفنه بنفسه.
وذات يوم جاء عليّ رضي الله عنه يسأل النبي كيف يتصرّف أمام أمر حدثَ و لم يُنصّ عليه في القرآن ولم يُشر إليه بحديث. فرد عليه النبي بلطفه المعتاد موصيا إيّاه أن يجمع المؤمنين من عباد الله لهذا الغرض، و أن يستشيروا في شؤون العامّة ولا يقرّروا أبداً على أساس رأي واحد فقط.
كما قال معارضًا لكل محاولة لتقديس شخصه: “إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ “. النبي بنفسه قال ذلك، لكن جرّب أن تقول لأحد الإسلامويين أنه لم يكن معصوماً من الخطأ وستكون أنت حتماً معرضاً للخطر.
الإسلام الذي نحبه ونؤمن به هو ذلك الذي يزدهرُ تاريخهُ بالمئات من أمثلة التسامح والطيبة والعفو التي ضربها الرسول طوال حياته ورسالته. إنه دين “دار الحكمة” وعلمائها الحقيقيين الذين ترجموا أعظم ما أنتجته الحضارة الإغريقية من الأفكار. ودين المعتزلة، وابن سينا، وابن طفيل، وابن رشد، وابن خلدون وغيرهم.
هو الإسلام الذي برز في تاريخه أعظمُ القادة العسكريين في زمنهم والذين جمعوا بين فنون الحرب والشجاعة، وبين الثقافة والشهامة والإيثار. مثل عمر بن عبد العزيز الذي تخلى طواعية عن السلطة التي وصلت إليه بالوراثة، أو صلاح الدين الأيوبي، الكردي الذي أرسل طبيبه ليعالج عدوه الملك ريتشارد قلب الأسد، ولم يترك من ثروة عند وفاته غير الكفن الذي دفن فيه.
هو دينُ الأمير عبد القادر والكواكبي ومحمد إقبال وعلي عبد الرازق وبن باديس ومالك بن نبي… ودين محمد عبده الذي خاطب علماءَ الأزهر يوماً قائلا: “من لا يُتقن واحدةً من لغات العلم الأوربي على الأقل، لا يستحق أن نلقّبه بالعالم”. هذا هو الإسلام الذي ربّانا عليه آباءنا وأجدادنا وأسلافنا قبلهم، والذي عشنا به طيلة قرون في التآخي والفرح والتسامح رغم اختراقه من الشعوذة التي ظلّت تعيش متطفّلة عليه. أَيُّ إنسان وأيُّ شعب يمكنه ألا يحب هذا الإسلام؟
هذه الأمثلة الرائعة والموجودة بالمئات والآلاف في جميع القارات وعلى مر القرون، وهذه العظمة في الروح و الحسّ الإنساني هم ما جعلَ من الإسلام واحدا من أجمل المثل التي اقتُرحت على الجنس البشري. وكونه لم يتم إدراكه بالكامل أو لم يُترجم دائمًا إلى فلسفة للحياة اليومية وإلى مؤسسات اجتماعية دائمة هو أمرٌ لا يمكن الأخذ به كحجّة ضده أو كسبب للتشكيك فيه.
فقد سمح لغير العرب بممارسة الخلافة ولغير المسلمين بأن يكونوا وزراء ومستشارين ورجال ثقة ضمن السلطة. كما جعل قانون الحرب أكثر إنسانية، وحسّن وضعية المرأة وألغى التمييز على أساس اللون، وسمح بحرية الرأي والتعبير … لم يطلب الكثير من البشر، وعندما طلب منهم فإنه راعى على أكبر قدر طبيعتهم: ” ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم…”
على عكس هذا الإسلام الذي نعزّه، هناك الإسلاموية التي نمقُتُها والتي يبدو أن الرسول تنبأ بقدومها بقوله:” يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة…”.
و ربما كان كذلك يقصد نفس الفئة حينما قال: “أجرئكم على الفتوى أجرئكم على النار”.يبقى من الأصحّ أن تطبّق على الإسلاموية مقولة الفيلسوف الألماني نيتشه المعروفة: “الإيمان لا يحرك الجبال بل يضع الجبال حيث لا توجد”.”
إبّان ملتقيات مالك بن نبي التي كان ينظمها بين عامي 1970و1973، كنت ألاحظ إلى أيّ مدىً كان بعض الذين يحضرون للاستماع إليه يمثلون النفي القاطع لفكر الرجل. وبما أني لم أكن أشترك معهم في شيء فقد أصبحت أمثل في أعينهم وكأنّني “علماني”. أغلب هؤلاء انتقلوا فيما بعد إلى الإسلاموية. هناك أيضا تعرّفت على المرحوم محفوظ نحناح، الذي عشية إنشاء حركته عشرين عامًا بعد ذلك، طلب مني عدة مرات أن أنضمّ إلى مشروعه، لكني رفضت عرضه بأدب واتّخذت طريقي الخاص.
وخلال السبعينيات والثمانينيات كنت أكتب في الصحافة دفاعا عن الإسلام من تجاوزات الإيديولوجية الاشتراكية الماركسية، فألصقت بي في تلك الفترة وبسبب ذلك بطاقة “الإخوان المسلمين”.
بمجرد إعلان نتائج الدّور الأول من الانتخابات التشريعية لديسمبر 1991 التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، دُعيت للانضمام إلى الذين شرعوا في التحرك لإيقاف المسار الانتخابي لكني رفضت أن أتبعهم في تلك الطريق. و قد يتذكر رئيس الحكومة آنذاك السيد سيد أحمد غزالي ما قلته له ذلك المساء في مكتبه على نبرة المزاح و بحضور المرحوم العربي بلخير: “من الممكن أن يحدث لك ما حدث لشابور بختيار”.
في الأيام التالية اتخذت موقفي علنا وكتابيا ضد هذا الإجراء الذي كان قيد التحضير، ورافعت من أجل احترام صوت الشعب والسماح بانعقاد الدور الثاني. كما اقترحت أن يُسمَحَ للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالفوز بالأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة وأضفت أنها، إذا ما تجرّأت على المساس بالدستور أو الحريات العامة أو الطابع الجمهوري والديمقراطي للدولة، فسيصبح منعها بكل الوسائل من ذلك شيئاً مبرّرا ومشروعا. فأصبحت بعد ذلك أوصف بأني “إسلاموي معتدل”، رغم أنّني لو كنت بالفعل إسلاميًا ليوم واحد في حياتي لما أمكنني أن أكون معتدلا إذ لا يوجد من بين الإسلامويين المعتدلون.
شهرين بعد ذلك كان الرئيس الراحل بوضياف يستقبل قادة الأحزاب السياسية، بمن فيهم رفاقه السابقون في الCRUA بن بلة و آيت أحمد. طال الحديث بهؤلاء في وقت ما حول ذكرياتهم المشتركة عن جزائر الأربعينيات، وعندما جاء دوري في الكلام قلت له: “سيدي الرئيس أنّك غريب عن الأزمة … إنّ أبناء جزائر اليوم يؤمنون بقيم أكتوبر أكثر من قيم نوفمبر…”، وهو الكلام الذي أثار حفيظة بعض من كانوا يجلسون حول الطاولة.
باختصار قام بعدها الرئيس بوضياف بإخبارنا أنه دعانا ليعلن لنا أنّ “قرارا مهما” قد اتُّخذ، لكن دون أن يطلعنا على محتوى ذلك القرار. فقمت بمجرد خروجي من مقرّ الرئاسة بعقد مؤتمر صحفي صرّحت فيه بأننا لا نستطيع الموافقة على قرار أُريد منّا أن نشترك فيه دون أن نعرف طبيعته. وقد كان هذا القرار هو حلّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي أُعلن عنه مساء نفس اليوم على شاشة التلفزيون الوطني.
يجب أن أشير إن وجب ذلك إلى أن مواقفي تجاه الجبهة الإسلامية الإنقاذ لم يكن يمليها بأي حال من الأحوال تعاطفي مع أفكارها، بل جاءت دوماً انطلاقاً من قناعاتي الديمقراطية وسعياً لأظلّ متناسقا مع ذاتي ومساري. لقد آمنت وسأؤمن دومًا بالديمقراطية، لكن دون أن أتجاهل من جهة ثانية الطبيعة غير الديمقراطية لجزء كبير من مجتمعنا وكذلك للقبضة المحكمة للـ “الإسلامو-مانيا” على ذهنياتنا.
لو حدث وأُجريَت اليوم انتخابات رئاسية حرّة فإن الخطاب الأكثر كراهية وعدمية والأقل ديمقراطية هو الذي سيفوز حتما بقصر المرادية. الجميع يدرك ذلك في قرارة نفسه لكن أحداً لا يجرؤ على الجهر به علناً. ونفضّل بدل ذلك الاستمرار في خداع بعضنا البعض، ونعتقد أن مثل هذه اللعبة هي ذروة الذكاء “السياسي”.
منذ اعتماد الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم أكفّ عن انتقادها، ليس خفية مثل الكثير، بل في مقابلاتي الصحفية وبياناتي الرسمية. ما اعتقده وأكتبه اليوم عن الثورات العربية ونتائج الانتخابات التي تلتها هو بالضبط ما كنت أفكّره وأكتبه وأدافع عنه آنذاك: و هو حتمية أن يتمّ رفع الرّهن الإسلاموي عنّا، و أن يُبعَدَ عن رؤوسنا السّيف الذي تسلّه فوقها.
لا توجد أيّ وسيلة أو طريقة فعالة ودائمة أخرى غير السماح للإسلاميين بالحكم عندما يحصلون على تأييد الأغلبية، لكن مع الحرص على ضمان حماية الحرّيات العامة والإطار الجمهوري والديمقراطي للحكم. و في حالة كهذه، و إن كان من اللازم لحرب أهلية أن تندلع فسيكون ذلك من أجل قضية صحيحة، و كنا سندخلها جميعًا مقتنعين بضرورتها و صحتها. هكذا فقط يمكن أن يزول الانسداد من تاريخ العالم العربي الإسلامي وليس بأي طريقة أخرى. من الواضح أن المشكلة تكمن في الشعب والكتلة الانتخابية وليس في دولارات النفط السعودي أو القطري.
خلال جلسات الحوار الوطني الذي بادر به وقادهُ الرئيس اليامين زروال عام 1994، كنت من بين جميع المشاركين ذلك الذي عارض الأكثر مسودة البيان الختامي، لأنه كان يحتوي على فقرة تضع عمليّا على قدم المساواة العنفَ الإرهابي مع العنف المضاد الآتي من الدولة. وأتذكر اشتباكاً جمعني بالمناسبة مع المرحوم عبد الحميد مهري الذي قال في وقت ما: “تذكرني هذه الجلسة بمناقشات CNRA عام 1962 في طرابلس”. فأجبته: “يا سي مهري، أنتم لم تتمكّنوا من حلّ المشاكل التي كانت مطروحة أمامكم آنذاك، وهذا هو سبب وجودنا اليوم في الوضع الذي نوجد عليه”. وضحك الجميع بعدها ممّا أدى إلى تخفيف مزاج القاعة.
في الشهر الموالي سافرت إلى روما بدعوة من جمعية سانت إيجيديو. وهناك و أمام الصحافة الدولية، اعترضت على عقد اجتماع مثل ذاك بين أطراف المعارضة الجزائرية في الخارج، و ابتعدت علناً عن موقف بعض ” شخصياتنا التاريخية”، الذين وصفوا خلال الندوة الإرهابَ بأنّه “حركة مقاومة”، و تبنّى نحناح أيضا نفس موقفي.
أُجهضَ المؤتمر نتيجة ذلك وكان لا بد من استدعاء لقاء ثان (لم تتم دعوتي إليه) انتهى بالتوقيع على “عقد روما” الشهير. ومنذ ذلك الحين لم أعُد أُوصَفُ بالإسلامي المعتدل ولا بالعلماني لكن أصبحت “عميل للدياراس”. أمّا اليوم وبعد عشرين سنة من هذه الأحداث فإني أشكر الله من جهة، والتاريخ من جهة أخرى لأنه أظهر بأني لم أكن على خطأ. وهذا هو ما يسمح لي اليوم بكتابة ما أكتب دون أن أخشى بأن يُعتَرَضَ عليّ بشيء كتبتُهُ من قبل أو بموقف اتّخذته في الماضي. ليسوا كثراً من يمكنهم مواجهة مثل هذا التحدي.
يبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون قد تفضّل على الأمازيغ ببعض العبارات الجميلة. فيكون قد قال ذات يوم لعمر رضي الله عنه بخصوصهم:
” لأنبأنّك يا عمر فإن الله سيفتح بابا للإسلام في المغرب، قوم يعز الله بهم الإسلام ويذل بهم الكفر، أهل خشية وبصائر يموتون على ما بصروا ليس لهم مدائن يسكنوها و لا حصون يتحصنون بها و لا أسواق يتبايعون فيها”.
كما يكون قد عاد قبل وفاته ببضعة أشهر إلى الموضوع قائلاً: ” يا أهل مكة ويا أهل المدينة أوصيكم بتقوى الله والبربر فأنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، وهم الذين يستبدل الله بكم “. (عن ابن حماد، نقلاً عن محفوظ قداش في “جزائر العصور الوسطى”).
فهل تحققت هذه النبوءة بفتح إسبانيا وتأسيس القاهرة وإقامة خلافة المرابطين والموحدين و غيرها من الإنجازات التي تزن في ميزان أسلافنا، أم أنها تتعلق بأحداث لم تقع بعد؟
لوسوار دالجيري 04 مارس 2012
“جريدة الشروق اليومي” 27 سبتمبر 2015
جريدة الحوار الجزائرية 27 أكتوبر2016
موقع الجزائر اليوم 07 جوان 2017
