ترجمة وليد بوكروح
قلت في واحدة من مساهماتي الأخيرة بأن الإسلاموية التي وصلت إلى السلطة من خلال خيمياء ثورات الربيع العربي، والتي تلمّح إلى أنها ستحقق في بلدانها النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا، ليست لها في الواقع أدنى فرصة لتكرار مثل هذا النجاح. ذلك لأنها لم تخضع مثلما خضع هو منذ ولادته وطيلة عدّة عقود، إلى حدّين اضطرّ إلى السير بينهما دون أن تمكنه مخالفتهما.
هذان الحدّان هما العلمانية المنصوص عليها في الدستور أوّلا، و الشروط التي فرضها احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ثانيا. و قد صقل هذان العائقان طبيعة التيار التركي وشكّلا جدار واقيا له من الانزلاق، و أثبتا نجاعتهما على المدى الطويل بما أنّهما سمحا له بالحكم دون انقطاع لمدة اثني عشر عامًا.
هذا و تفتقر الإسلاموية العربية بالإضافة إلى هذا إلى عامل آخر هو أقدمية وخبرة حزب العدالة والتنمية الذي لم يحكم بمفرده إلّا بعد أربعين عامًا من التعايش في البرلمان والحكومة مع قوى أخرى، و كذلك بعد قيادته لمدن كبرى مثل أنقرة واسطنبول التي كان رئيس الوزراء الحالي رئيساً لبلديتها لسنوات عديدة. في هذه المناصب الانتخابية، نال المسؤولون التنفيذيون في حزب العدالة والتنمية تعليمهم و خبرتهم في إدارة شؤون الدولة.
كانت توجد في الجزائر المستعمرة تعدديةٌ سياسية و حياةٌ انتخابية. و كان آنذاك من بين التنظيمات السياسية الفاعلة عنصرٌ إسلاميٌ ينشط في قلب الحركة الوطنية التي تشكلت لمحاربة الاستعمار، هو “جمعية العلماء المسلمين”.
و ظلّت الجمعية تطالب طيلة عشريات من الزمن بتطبيق مبدأ فصل الدين و الدولة على الإسلام، ليتسنى لها هي التكفل به، و هو ما نجحت فيه فعلا بتمكنها من تطويق البلاد بشبكة من مئات مدارس التعليم الحر.
و قد حاول العلماء من خلال ذلك الاستفادة من نظام العلمانية الذي كانت الجزائر تعيش تحته، و تحقيق المصلحة منه، جامعينَ بين مهمَّتهم السياسية و مهامهم الأخرى الاجتماعية و التربوية، و حتى التفكير في المستقبل و استشراف اليوم الذي ستستعيد فيه الجزائر سيادتها.
و كما لو كان ابن باديس يتنبأ بالاستعمال الذي يمكنُ أن يطال الدين من قبل الساسة، فأنه اختار لجريدته “المنتقد” في 1924هذا الشعار: “الحقيقة فوق الجميع، الوطن قبل كل شيء”.
هل يمكن أن نجد في عالم اليوم جريدة إسلامية واحدة ترفع شعارا كهذا؟
و كما لو كان يتصوّر أيضا ما سيؤول إليه المستقبل الذي تعيشه الجزائر اليوم منذ أن تسلطت عليها إسلاموية الشعوذة، كَتَبَ ابن باديس في ” البيان المذهبي لجمعية العلماء” عام 1937 مايلي: ” إنّ الإسلام يُبَجّلُ و يكرّمُ العقل، كما يدعونا لأن نُحَكّمَ التفكير في كل ما نُقدم عليه في حياتنا… الإسلام ينشر عقيدته بالحجة و البرهان و الإقناع ليس بالحيلة أو الإكراه… نظامه السياسي ديمقراطيُ الجوهر في أجزاء كبيرة، كما أنّه لا يعترف بالحكم المطلق لأحد و لو كان أعدل الناس”
هذا و كان نظام “المدرسة” الذي أقامته جمعية العلماء يَتّبعُ نفس المواد التي يتلقاها التلاميذ في المدارس الفرنسية، إضافةً إلى اللغة العربية و الدروس الدينية. أنا أشهد على ذلك بيد أني كنت خلال الخمسينات تلميذا في واحدة منها كانت تقع في الأبيار و تدعى “مدرسة التهذيب”. أذكر أيضا أنَّ مديرها كان شخصية ذات هيبة و وقار كبيرين، لكني للأسف لم أعد أذكر غير لقبه العائلي: السيد فضلاء.
الاختلاط في المدرسة كان طبيعيا فأنا مثلا كنت أزاول الدراسة فيها رفقة أخواتي البنات. المعلّمون كانوا يلبسون ما تسمح به إمكانياتهم المادية، أما المدير فكان دائما قمةً في الأناقة، و لا تفارقه البذلة و ربطة العنق أبدا. لم يكن أحد يرتدي أو يسمع عن “القميص” أو الطاقية (حمراء كانت أم بيضاء)، كما لم تكن هنالك لا لحية و لا “بلغة” في الأرجل.
كذلك لم يكن أحد يعرف الحجاب أو النقاب و لا “اللباس الأفغاني” أو الجلباب… الكبيرات فقط من النسوة هنَّ من كُنَّ يلبسن الحايك عندما يخرجن و ليس الفتيات. أما في المناطق الداخلية فحدث و لا حرج، لم يكن أحد يسمع به .
كان الجزائريون يعيشون منفصلين عن الأوربيين و بعيدين عنهم، في عالم خاص بهم يعيشون فيه حسب تقاليدهم المحلية و عاداتهم الدينية. في هذا المجتمع الفقير الخالي من الفوارق الاجتماعية لكن المتضامن و الأخوي، كان العلماءُ و الأئمةُ و الحجيج يتبوءون مكانةً رفيعةً و مرموقة و يَحضَونَ باحترام كبير.
كان المجتمع ينظر إليهم كمرشدين أخلاقيين له، دون أن يحاولوا استغلال ذلك لإخضاعه لوصايتهم أو لينصبوا أنفسهم قادةً روحيين عليه. لم يحاول العلماء قط فرض دور المرشد على الشعب، لكنه أعطاهم بنفسه الهيبة و الاحترام الذي استحقوه لما تميزوا به من تفتح العقل و الروح، و لما كانوا يضربون من المثل للناس بتصرفاتهم أولا قبل الحديث عن غيرهم.
كذلك كان في المدن أماكن للفسوق خاصة في القصبة العليا و السفلى، و كانت هنالك محلات لبيع الخمور كما أنّ الكيف كان يباع خلسة على الأرصفة. و إن كانت هذه النشاطات موجودة فذلك لأن الطلب عليها كان موجودا أيضا من قبَل شريحة من الجزائريين المسلمين ( فالأوربيون كانوا يعيشون في عالم خاص بهم).
و كان الأئمة و عقلاء الحي ينصحون مرتادي تلك الأماكن و يعظونهم، خاصة عند اقتراب شهر رمضان أو الأعياد الدينية، كما كان السكان أيضا ينهرونهم و يوبخونهم عندما ينتهكون العادات و التقاليد في الأماكن العامة. لكن رغم ذلك كان الجميع يشفق على مصيرهم أكثر مما يلوموهم، و لم يكن أحد يتسرع في تكفيرهم بسبب عيوبهم، أو يلجأ بسهولة إلى الصراخ أو اللعن أو التهديد، حتى و إن كانوا من معاقري الخمر أو الفساد، أو من المسلمين الذين “تفرنسوا” كلية.
كانت يسودُ المجتمعَ تسامحٌ طبيعيٌ كريمٌ و بشوش دون أن يتخطى الحدود ليصبح تغاض أو تساهلاً. بالعكس، فالمجتمع كان يميل إلى مساعدة المنحرفين و إغاثتهم و ليس إلى الحكم عليهم و إدانتهم، دون أن يحتاج إلى دولة أو لأموال النفط لفعل ذلك، بل كان يتصرف تلقائيا و طبيعيا.
الكل كانت له الحرية في اختيار طريقة حياته مستقيمةً كانت أم منحرفة، لكن شرطَ احترام القواعد الاجتماعية العامة و عدم التعدي عليها. يمكن أن نُكَوّنَ نظرة عن ذلك الجو عندما نقرأ “لبيك” لمالك بن نبي أو “فضل الليل على النهار” لياسمينة خضرا.
الأخلاق و الحكمة و الرأفة كانت سمات أغلبية المجتمع و كان هنالك الكثير من الروح في العلاقات الإنسانية. سواء كان المرء تقيا أم فاسدا، كان يجب عليه الالتزام بالأعراف و العادات و السلوكيات العامة و عدم الخروج عنها فقط.
لم يكن يخطر ببال أحد أن يعترض طريق آخر ليحثه على ارتياد المسجد، ليعظه في ما تَعَلَّقَ بلباسه أو لباس أخته أو زوجته، أو ليسأله عمّا إذا كان يصوم. لم يكن أحد يراقب أحدا، رغم أنّنا كنّا في حالة حرب و كان الخوف من الوشاية قائما.
و جو التسامح كان يتسع حتى للأوربيين و اليهود. فقد كان يسود بين الطوائف الثلاثة في المدن الكبيرة نوع من التنافس على الظهور في أحسن صورة، خاصةً من جانب المسلمين، الذين لكونهم الطائفة الأكثر حرمانا على المستويين الاقتصادي و السياسي، كانوا يحرصون أشد الحرص على الظهور بوجه لائق، ربما كنوع من التصدي للأحكام المسبقة التي يتعرضون لها عادةً، أو لمحاولات تصنيفهم في خانة “التعصب” و “التخلف”.
قلة الوسائل و الفقر لم يمنعانهم من لبس أجمل حُلّة و تلميع أحذيتهم في يوم العطلة الأسبوعية قبل الخروج للنزهة أو للعب الدومينو أو الروندة.
من في وقتنا هذا يلبس بذلة يوم الجمعة؟ كم منّا يحرصُ على وجود فرشاة تلميع الحذاء أو “السيراج” في بيته دائما ؟ لقد تخلصنا من هذا العناء حتى قبل ظهور “القميص” و “البلغة”.
في 5 أوت 1934 اندلعت مواجهات عنيفة في قسنطينة بين الجزائريين و اليهود، بدأت عندما قام يهودي بالتبول على جدار أحد المساجد و هو في حالة سكر، ثم توسعت إلى مدن أخرى و لم تنته إلا بعد مقتل عشرين شخصا من الطرفين. جمعيةُ العلماء بذلت آنذاك كل ما في وسعها من جهد لإيقاف تلك المواجهات.
و مالك بن نبي الذي كان موجودا في تبسة وقتها تركَ لنا في مذكراته شهادته عنها: “لقد مَنَعنا من أن تتعرض الأقلية اليهودية في تبسة لأي مكروه. حتى أننا نظمنا حراسة تحت شرفة يهودي يدعى مالوري و الذي كنا نعتقد أنه أكثر من يمكن أن يستهدفه فعل انتقامي. إمام المدينة كان رائعا حين رافق حتى باب بيته ليطمئنه، يهوديا هاجمه أحد المخربين… أما الشيخ بن باديس فقد تميز بشجاعة و كرامة عظيمتين طوال استمرار الأحداث.”
أي شيخ أو شخصية عربية أو مسلمة يمكنه اليوم أن يتصدي بجسده لمكروه يصيب مسيحيين مصريين أو عراقيين مثلا؟ أما اليهود فلا داعي حتى للسؤال.
تفسير هذه الفوارق بين الأمس و اليوم بسيط: ففي ذلك الوقت كان الإسلام، لكن الإسلاموية لم تكن. كنا كلنا مسلمين دون أن يكون أحد إسلامويا. الإيمان كان لكن كانت أيضا بهجة الحياة.
و لو قارنَّا مع الرعب و الهلع الذي حلَّ علينا مع قدوم الإسلاموية فإن ذلك الزمان كان بمثابة العصر الذهبي الذي يُمكنُ أن لا تعيشه البلادُ مرة أخرى أبدا. نفس الشيء كان في تونس و المغرب و ليبيا و مصر أيضا، و هو ما بقيت تشهد عليه الأفلام القديمة.
بلادنا هي إحدى الدول النادرة في العالم التي ليست لها أقليات دينية أو عرقية. ما الذي كان سيحدث لهذه الأخيرة خلال العشرية السوداء لو كانت توجد فعلاً؟
لقد أدخلت الإسلاموية في مجتمعنا الريبة و الشك، و أفقدت المعاملاتَ الاجتماعيةَ إنسانيتها و جعلتها ثانوية تسبقها في الأولوية المعاملاتُ مع الإله. لقد أدخلت على حياتنا البشاعة والكراهية و القتل، و خلقت في وسطنا العدو الحميم، العدو الخفيّ الذي يندسُّ في قلب العائلة و الحي و مكان العمل، و يتخفى في المدن و القرى. الأضرار التي ألحقتها الإسلاموية بالإسلام و بالجزائريين كانت أفدحَ ممّا ألحقهُ الاستعمار بهما.
فهو لم يفلح خلال قرابة قرن و نصف من المحاولة في تقسيم الجزائريين و دفعهم إلى الاقتتال، بينما نجحت هي في ذلك خلال سنوات معدودات فقط.
فَهي قسّمتهم فكريا و سياسيا إلى معسكرين: المسلمون العاديونَ الموجودونَ منذ غابر الأزمان من جهة، و الإسلاميون حديثو النشأة من جهة أخرى. فأصبحَ من الأشقاء مَن تحولوا إلى أعداء، و من العائلات من تشتتت، و من الجيران من صاروا يرتابون من بعضهم، و من الأحياء ما فقدت السكينة و روح التضامن بين أبنائها. و طبعا كانت أيضا السبب المباشر و غير المباشر في وقوع مئات الآلاف من القتلى، و هو ما يعادل حصيلة حرب حقيقية و كبيرة سوف تبقى آثارها لوقت طويل.
ذلك أن العدو الحميم أشد ضراوة من العدو الخارجي، فالأجنبي يمكنه الذهاب أو العودة من حيث أتى لكن أين يمكن لابن البلد أو الأخ أو الجار أن يذهب؟ الأشياء كانت واضحة، و خطوط التماس معروفة و ظاهرة و بديهية عندما كانت مشاكلنا مع الاستعمار، فقد كان الطرفان داخل إطار دورهما الطبيعي. كلٌّ منهما كان يعرف كيف عليه أن يتصرف حين يقوم النزاع، كما كان يجب على المشكل أن ينتهي إلى الحل بطريقة أو بأخرى.
فسبع سنوات فقط كانت كافية ليعود المحتل من حيث جاء. أما اليوم، و بعد ثلاثة و عشرين سنة من القتل لا يزال الإرهاب الإسلاموي يحصد الأرواح، و يمكنه أن يستمر في المستقبل لمائة عام مثلما دامت الحروب الدينية التي عرفتها أوربا في القرون الوسطى.
الإسلام المغاربي كان في الماضي القريب متفتحا، متسامحا، متحضرا و مسالما، حتى جاءت الإسلاموية المتشددة، التي استوردت من مصر و باكستان و أفغانستان ابتداء من سبعينيات القرن الماضي. و من بين جميع البلدان العربية و الإسلامية، دفعنا نحن الجزائريون أبهظ الأثمان على الإطلاق لهذه الإيديولوجية التي أدى اختلاطها بالشعبوية و العدمية المحليتين، لخلق تيار إسلامي رخيص المستوى، جاهل، حقود و عنيف.
المصري سيد قطب و الباكستاني المودودي كانا المنظّرين الأساسيين لهذه الإيديولوجية، و اليوم نجد البلدين اللذين ينتميان إليهما يشرفان على الفناء، بفعل التأثير المباشر الذي مارسته أفكارهما. إنه أثر البومرنغ الذي يعود إلى من رماه، أو ما يسميه مالك بن نبي: “انتقام الأفكار المخدوعة”.
ابن باديس كان واحدا من الشخصيات النادرة التي ساندت مشروع إنهاء الخلافة العثمانية في 1924، و كتبَ عشية إعلان ذلك القرار ما يلي: ” يوم ينهي الأتراك الخلافة العثمانية فإنهم لن يلغوا الخلافة بمعناها الإسلامي بل سيغيرون نظام حكم خاص بهم فقط. ما فعلوه هو التخلص من رمز كان خال للمحتوى لكنه منبع لفتنة كبيرة بين المسلمين… أسطورة الخلافة لن تتحول إلى حقيقة و سينتهي الأمر بالمسلمين بأن يتقبلوا هذه الحقيقة” (Cf. « Penseurs maghrébins contemporains », Horizons maghrébins, Ed. Cérès, Tunis, 1997)
وَضَعَ الشيخُ بهذا نفسه في موقع المعارض للمواقف التي اتخذها رشيد رضا و جامعة الأزهر الإسلامية الذين ظلوا متمسكين بفكرة العودة إلى الخلافة الإسلامية.
و كذلك ساندَ “علي عبد الرازق” أيضا لمّا تعرضَ إلى قصف فكري شديد من طرف علماء مصر حين أصدر كتابه المعروف ” الإسلام و أصول الحكم ” سنة 1925، و كان هذا الغليان الفكري و السياسي ما بين(1924-1928) هو الذي أدى إلى نشأة “جماعة التبليغ” في الهند و “حركة الإخوان المسلمين” في مصر، و بذلك الإسلاموية المعاصرة.
لم يكن ابن باديس يتصور إمكانية تجسد الخلافة الإسلامية إلا عبر هيكل جامع يُمثلُ فيه السنة و الشيعة على حد سواء، و لا يهتم إلا بالمسائل العقائدية و الأخلاقية. أما الوظائف السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فعليها أن تبقى من اختصاص الدولة. و قد كتب في هذا السياق ما يلي: “لا يحق لأحد أن يستحوذ على إدارة شؤون الأمة دون أن تكلفه هي بذلك صراحة”.
النظرة التي بلورها علمائنا الأفاضل عن العالم بين سنوات العشرينيات و الخمسينيات، كانت متقدمة جدا عمّا يَحثُّ عليه أكثر علماء اليوم تفتحا و اعتدالا. و نكتشف ذلك عندما نتأمل في الوضعية التي آل إليها العالم العربي في وقتنا الراهن: لقد كانوا على صواب و على حق.
من هو رجل الدين الذي يمكنه اليوم أن يتجرأ على اقتراح تقاسم الخلافة مع الشيعة؟
لا تتشابه الإسلاموية العربية ونظيرتها التركية إلّا من بعيد. فعلى حد علمنا لم تقتل هذه الأخيرة من أجل الوصول إلى السلطة ؛ و لم تقسّم شعبها إلى نصفين، و لم تقبّح بلادها و لا هي ألقت بالتعاسة والحزن على الحياة العامة. فقد وصلت إلى السلطة عبر طرق الإقناع والشرعية والديمقراطية والعقلانية.
و كما قلت في السلسلة الأخيرة فإن العلمانية و كفالة الجيش عاملان خدماها أكثر مما أضرّا بها. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ رجوع الإسلاموية كان مجرد عودة عادلة لترتيب الأشياء الطبيعي، في ضوء ما أخضع مصطفى كمال البلاد إليه.
كما يقول المثل الفرنسي: “أطردوا ما هو طبيعي و سيعود مهرولا”. ما حدث هو أن الإسلام – و هو العامل الطبيعي المطرود – عاد راكضاً بعد وفاة أتاتورك الذي كان قد أخرجه حقّاً من حياة الأتراك.
فقد بدأ بين 1921 و 1923 بأن فرض على الجمعية الوطنية الكبرى تبنّي سلسلة من القوانين الدستورية التي تنصّ على أن “أساس الدولة التركية هو سيادة الشعب” و بأنّ تركيا هي “ديمقراطية برلمانية”. و لمّا كانت الجمعية الوطنية معادية لإلغاء الخلافة عرضت عليه أن يتبوأ هو منصب خليفة لكنه رفض العرض بازدراء. و في 3 مارس 1924 قدّم أمامها مشروع قانون يلغي الخلافة ويفرض العلمانية و هو القانون الذي صوّت عليه نوابها تحت تهديد السلاح. و كان مصير أولئك الذين عارضوه حتى من بين رفاقه السابقين الإعدام شنقا أو بالرصاص..
و بعد أن تحرّرت يداه، شرع في مهمة قلّما تجرّأ عليها رجال آخرون عبر التاريخ: تغيير روح شعب وقطعه عن جذوره الروحية والتاريخية، وإلباسه هويةً ليست هويته، و غرس إيماءات وعادات غريبة عن طبيعته بالقوة.
فقام بإلغاء التشريع العثماني المستوحى من الشريعة الإسلامية واستبدله بالقانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني. و حظَرَ تحت طائلة السجن استخدام التحية الإسلامية (السلام عليكم) و كذلك أيّ مظهر من مظاهر الثقافة العربية (في الأدب، الشعر، الموسيقى، الرقص …).
وأصدر قانوناً يصف ارتداء الطربوش الأحمر ب “التهجم على أمن الدولة”، و استبدل يوم الجمعة بالأحد كيوم للراحة الأسبوعية والتقويم العربي بالتقويم الأوروبي. أغلق المساجد و حظر الكتب الدينية و قطع كافة العلاقات مع العرب وتحوّل بالكامل نحو الغرب.
أعطى مهلة عام للأمة حتى تتعوّد على كتابة اللغة التركية التي كانت في السابق تستخدم الأحرف العربية، بالحروف اللاتينية.هذه التغييرات الجذرية غير المسبوقة نُفّذت في أقل من أربع سنوات وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المعترضين عليها.
و قد لقي إجراء استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية آنذاك تفهّم مالك بن نبي الذي كتب نصف قرن بعد ذلك: “يجب ألا نضع كل الأخطاء في مصفّ الجانب التركي. فيمكن تفسير إجراء الإلغاء على أنه رد فعل عاطفي … يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف الدرامية التي واجهت خلالها تركيا الجديدة عواقب تفكيك الإمبراطورية العثمانية. كما لا يمكن للمؤرخ أن يتجاهل مسؤولية العرب عن هذا الانقسام الذي أدّى من بين ما أدّى إليه إلى قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين ” (“هوان التعريب”، مجلّة Révolution africaine في 2 جوان 1968).
عندما توفي أتاتورك في 1938 خصّه بن باديس بتكريم قوي: “لم يكن مصطفى كمال مهندس نهضة تركيا وحدها. كان مهندس إعادة ميلاد المشرق الإسلامي بأكمله، و قد غيّر بالتالي مجرى التاريخ ووضع الأسس لتشكيل جديد. لقد كان بحق أحد أعظم عباقرة المشرق الذين أثروا على دين الإنسانية ووجودها منذ القرون النائية… لقد انتزع مصطفى كمال من الأتراك “وصايا الفقه التقليدي” و هو ليس مسؤولا وحده عن ذلك. فتبقى لدى الأتراك إمكانية استعادتهم متى أرادوا ذلك وكيفما أرادوه. لكنه أعاد لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض… أما بالنسبة لخليفة المسلمين فكان جالساً في قصره تحت سلطة الإنجليز الذين يحتلّون عاصمته، صامتا و جامدا…” (ب. بسايح ” الجزائر الجميلة والمتمردة من يوغرطة إلى نوفمبر”،ANEP ، الجزائر، 2004).
أيّ شخصية دينية أخرى قالت مثل هذا و أيّ “عالم” دين يمكنه اليوم أن يقول خيراً في هذا الرجل؟
في هذا النص لا يوجد إجلال فقط بل هو يخفي كذلك رؤيةً للمستقبل لم يكن من الممكن فهمها إلّا اليوم فقط. فقد أنقذ أتاتورك تركيا بالفعل و جعل منها دولة حديثة وحرّة وذات سيادة. و ها هو اليوم حزب العدالة والتنمية يمكّنها، استناداً على هذا الشرط، من استعادة هويتها في كنف السلام و الطمأنينة.
الزعيم التركي كان قد جرّب شيئًا لا يمكن تحقيقه: فلا يمكن تغير روح شعب بالقوة. فالروح ليست عضوًا يمكن استبداله بآخر. لقد حاول الاستعمار القيام بذلك في الجزائر كما حاولت الشيوعية في العالم السلافي، و اصطدم كلاهما بنفس الفشل بالضبط. من ناحية أخرى، ما يمكن فعله هو إماطة الغبار عن هذه الهوية وجعلها تتطور، إذا ما كانت مقتنعة فعلا بجدوى وصحة التطور المقترح..
“لوسوار دالجيري” 19 فيفري 2012
جريدة “الشروق اليومي” 20 سبتمبر 2015
جريدة “الحوار” الجزائرية 23 أكتوبر2016
موقع “الجزائر اليوم” 31 ماي 2017
