صنع الجزائر

by admin

ترجمة فوضيل بومالة

ان الجزائر بلد مترامية أطرافه، معتبر شعبه وموارده، ولكنه وبعد ثلاثة الاف سنة من التاريخ الذي ‏سادته الاضطرابات والصراعات، لم يؤسس لنفسه بعد دولة مستقرة او مجتمعا منسجما أو اقتصاد ‏متطورا.‏

ان الجزائر لم تعرف ما يعادل مشروع مجتمع ليأخذ بعين الاعتبار كامل القطر الوطني ومختلف ‏الجماعات والثروات الاقتصادية والثقافية، يطبعها الأحكام داخل تصور شامل لمعنى الدولة، ويدركها ‏الوعي الجماعي، كعناصر تشكل الهوية المشتركة. لقد كانت لنا في تقديم تاريخنا مساهمات في مشاريع ‏كبرى لصالح قوى أجنبية، لانها لم تكن نابعة من أرادتنا، لقد ساهمنا في عبقرية وابداع الاخرين ‏عندنا…في عقر دارنا..وفي بعض الاحيان بعيدا عن أرضنا.‏

ونحن على أنفسنا في فرقة وشتات، يساعدنا الفينيقيين على إقامة مراكز تجارية على طول شواطئنا، ‏والرومان على بناء مدن فوق سهولنا والأتراك على إرساء قلاع فوق تلالنا والفرنسيين على إنشاء ‏مستعمرة على مساحاتنا الشاسعة.‏

لقد كنا لهم على التوالي ” رحلهم ” وبرابرتهم ” و ” اقنانهم ” و”بنيولهم ” . 

انا لم نصنع بأمازيغيتنا ‏شيئا و بالاسلام الا القليل ولاشئ يذكر بالتأثير الغربي القوي. كان ذلك وكأن رسالتنا التاريخية في ان ‏نصبح أمة منسجمة ومجتمعا وظيفيا ودولة مستقرة لم تطرح بجد من قبل اسلافنا، بل راحوا ‏يؤجلونها دائما. وعلاوة على ذلك، فان ما نواجهه اليوم يعزى الى الاختلالات البنيوية التي تسببت في ‏احداثها وتركها على حالها الاجيال العديدة التي سبقتنا.‏

ان جزائريي اليوم لا يملكون ذاكرة حية تذكرهم بالانجازات الكبرى التي حققوها معا عبر العصور. واذا ‏كانت ثورة نوفمبر تحتل في منظومتنا المرجعية الذروة، فذلك بالتحديد اقرار لكونها تشكل العملية ‏الجماعية الأهم والتي لم يسبق لشعبنا بأكمله إن عرفها من قبل.‏

اننا نحن الجزائريين، نفتقد إلى ذكريات مؤسساتية واضحة بإمكانها إن تسعدنا على تخطي أزمتنا ‏الحالية، خصوصا ونحن لهفة من أمرنا في البحث عن نموذج نستلهم منه تصورا لما يجب ان يكون ‏عليه دولتنا ومجتمعنا. لو كان لدينا ذلك لكنا في سعة وارتياح، حيث ننفض ما علق بها من غبار ‏ونجدها ثم نكيفها مع واقعنا وحاجياتنا الآتية.‏

وما يتبادر إلى أذهاننا مباشرة، هو التلميح الى الدولة النوميدية بقيادة ماسنيسا أو الى الغابر من ‏الطوائف المغربية الحاكمة أو الى إيالة الجزائر أو الى الدولة الرحالة بقيادة الامير عبد القادر … وكذا ‏بعض الذكريات العامة لفكرة ”الجماعة” في الأرياف وهلم جرا من الحكايات والأساطير ، ولكن لا يتبادر ‏إلى أذهاننا قط ذكريات واضحة لا يشوبها شك عن مؤسسات مستديمة قابلة للتقليد والمحاكاة من ‏قبل غيرنا.‏

ان تاريخنا عبارة عن سلسلة من الانتفاضات البطولية الرائعة خلف قوة هنيبعل ويوغرطة والكاهنة أو ‏بوعمامة، و لكنه ليس تدقيقا وإحصاء لانجازاتنا زمن سلم. وعليه، فتاريحنا مطبوع بنوع من الفراغ ‏واللاشيء ان ذلك يشكل نوعا من العدم التاريخي.‏

ان الفرد الجزائري المعاصر لا يحمل في ذهنه فكرة إتمام مشروع بدأه أحد سبقه أو شيئا يثير في لاوعيه ‏تيارا وجوديا مستمرا فرعه في المستقبل واصله الذي يأخذ عنه متجذر في بعيد العصور.‏

وذلك برأينا ما يفسر أن كل ما نحمله في أنفسنا هو سبب خذلان ” الإنسان الأخير ” ، ذلك المواطن ‏الذي لم يحسب له حساب أو الإنسان الذي لا يحمل بطاقة مؤهلات أو ذلك ”البونادم ” الذي لا ‏يمكن استشراف تصرفاته لانه هائج ثائر فاقد للطبع الاجتماعي ، بل لنقل كالذرة المتحركة تلقائيا ‏ويصعب ضبطها بأي قانون فيزيائي أو أخر .. ذلك ما يفسر انه وبالرغم من الظروف المأساوية التي ‏نحياها، لانجد ما نعض عليه بالتواجد في محنتنا او ما نهتدي به ونرجع اليه. فهذا حاضرنا أصبح ‏مضحكا مبكيا عبثيا أما المستقبل فقد يستعصي علينا ولا ندركه.‏

إننا عشنا طوال ماعشناه جوار لاحوار ولا قربالا معية. ولذلك نجد ان الصلات والروابط ودواعي ‏التعاضد والاعتقاد السياسي عائلية وقبلية أو جهوية أكثر منها وطنية او عقلانية وهاهو توينبي يقول في ‏هذا الشأن :‏

” المجتمع هو الشبكة التي تشمل العلاقات بين بني الانسان ولذلك فمركبات المجتمع ومحدداته ‏ليس هي البشر، وإنما العلاقات التي تنشا بينهم، واصل تلك العلاقات هو التوافق بين مجالات ‏نشاطاتهم الفردية، حيث يسمح ذلك التوافق بدوره باحتواء كل تلك المجالات الخاصة في وعاء ‏مشتك نسميه مجتمعا”.‏

إن ”اقدميتنا ” من هذا المنظور أقصر ولصيق مما نعتقد حتى نبدو وكاننا صبيانا لم تنجبنا الطبيعة الا ‏بالأمس.. نبدو كذلك وكأن لاوعينا الجماعي لم يخزن بما فيه الكفالة من الصور والذكريات والنماذج ‏والمرجعيات حتى يجهزوا بردود افعال متشابهة تجاه قضايا محددة ويخصنا بخصائص سلوكية ‏متجانسة ويسمح لكل واحد فينا ان يستلهم منها طوال التصرفات والاستجابات التي تقربه من الاخر ‏وتجعله يتعايش معه وتصبغه بصبغة المواطن الحداثي الاجتماعي المتحضر مخبرا ومظهرا.‏

ولكن كيف لنا ان نأمل ذلك ونحن لم نستجمع شملنا الا ظرفيا وعرضيا وشذوذا حول مصالحنا ‏المشتركة أو لبناء مشروع حياة مشترك أو أهداف مشتركة او لتقييم موقعنا ووظيفتنا الكونية في ‏الارض؟ أننا نبدو كذلك وكأن جيناتنا وما نحمله في خلايا من الحمض النووي المنقوص الأكسجين ‏‎(ADN) ‎لا تحمل معلومات تتعلق بالجماعة والمعلومات الجمعية والوراثة الاجتماعية.‏

ان الحمض النووي بالنسبة للمجتمعات، هو ماضينا والماضي هو تلك الاسطوانة المعلوماتية التي ‏تسجل فوقها التراكمات التي انجزت جماعيا، إنه زبدة التجارب الجماعية والمصالح المشتركة والعادات ‏المرتبطة بالعمل والإنتاج معا عبر المسار التاريخي الطويل. انه حصيلة ما حقق في ظل التناغم ‏والوفاق، وليس ما حمله الكل في أن واحد على كاهلهم. إن كل ما ذكرنا هو الذي يكسب جماعة من ‏الجامعات القدرة على العيش كالجسد الواحد وصناعة التاريخ، وهو الذي يميزها عن جماعة بدائية.‏

إن هذه التأثيرات المتبادلة والضغوطات الجمعية التي يقبلها كل فينا عن إرادة وطواعية. وهذه ‏الممارسات الاجتماعية هي التي تدمج الفرد في المجتمع والخاص والعام. إننا اليوم نجد صعوبة قصوى ‏في تحديد مصيرنا وذاتنا وإيجاد قواسم مشتركة وانتاج تصورات وأنماط حياتيه متشابهة والاتفاق على ‏مشروع مجتمع والارتقاء الى مستوى دولة ثابتة واقتصاد متطور، لأننا لم ننجز مع بعضنا الا القليل ‏على مدار ثلاثة ألاف سنة من تاريخنا، وهذا الكاتب الاسباني خوسيه أورتيع اي غاسيه ‏Josse ‎Ortega Y Gasset‏ يقول: ‏

” في الحقيقة لا يمكن لأمة من الأمم أن تكون قائمة كاملة مرة واحدة، الامة في صعود وانهيار على ‏الدوام (كما الماء يتطاير بفعل الشمس فيصبح بخارا ثم يبرد في الجود فيتكثف فيصبح ماء ويسقط ‏مطرا). إما انها في توسع وتقدم أو في انحسار وتخلف تباعا لطبيعة الدولة في الفترة المرادة: هل هي في ‏حركية أم لا ؟.‏

وبحيازتنا على الاستقلال ودخولنا تحت إمرة أنمط السياسي الحالي، لم نكن نمتلك سوى الفضائل ‏الأخلاقية التي ورثناها عن أسلافنا وعاداتنا الاجتماعية التي اكتسبناها من طول التطبع على العيش في ‏انقسام وتشتت، لاعلاقة للواحد فينا بالأخر وكذا بعض الأخطاء الأساسية الساذجة في فهمنا للمجتمع ‏والتنمية والاقتصاد والسيادة والمحيط الدولي وادراك كنه العالم…. 

ما أوعر الدرب الذي انس لكناه رفع عنا مغبة الأوهام إن القيم الأخلاقية والتضامن التقليدي و ” ‏التويزة” و التطوع و النضال لا تبنى المجتمعات ولكن فقط الشعوب والجماعات، لأنها أجزاء من ‏الحقيقة ومن الفكر المؤسسي، لأنها لحظات من الفعالية من غير كلفة… نوعا من التجريبية …ولكنها ‏ليست انظمة حياتيه تقاوم المتغيرات فتستمر في الزمان. إنه برأينا أيضا، لمن الخطأ الجسيم الاعتقاد ‏بأن أرضا مشتركة ودينا واحدا وأصولا عرقية واحدة لغة واحدة وإمكانيات اقتصادية هائلة تكلفي لإقامة ‏البناء الضخم و المعقد هي الأمة أو الدولة ” القادرة على تخطي العقبات، ولاتزول بزوال الرجال” ‏

من الأكيد ان الشعوب التي خاضت الحروب وعرفت الاضطرابات الاجتماعية والتاريخية لايمكنها ان ‏تستعيد توازنها في زمن قصير، ولكن المسألة تتعدى الزمن لان العوامل المذكورة أعلاه ضرورية ولكنها ‏غير كافية. لابد من تيار كهربائي وطاقة حيوية و”مشيئة ” ومبدأ محرك، مفعوله كمفعول القوة ‏النووية. لابد من خطاب من رؤية وتصور للأشياء والعالم لاحتواء هذه العوامل وإدراجها في حركية ‏تغييرية حضارية، يسهر على خلقها مستشرفون وأصحاب نظرة مستقبلية من ذوي الكفاءة العالية، و ‏لا يمكن أن يحصل ذلك أبدا إذا ما كان الأمر بيد ” العور في مملكة العميان “.‏

إذا كان من الطبيعة أن نكون شعبا زمن الحرب، فإنه من الضروري أن نصبح مجتمعا زمن السلم. ففي ‏سنة 1962، لم يدع أحد الجزائريين ويحثهم على أن يجعلوا من أنفسهم مجتمعا. لقد أرادوهم دهماء ‏وجماهير وشعبا خلطا ملطا حتى يتسنى لهم قيادتهم قطعانا قطعانا في الفوضى والغموض، وحتى فرقى ‏إلى مستوى الجمهورية لابد أن نكون قبل ذلك جمهورا كله واحد والواحد فيه كل.

وليس كما في الأشياء والبشر متفرقين على أنفسهم متنافرين، و لكن و لكن يبدو أن الجزائريين محكوم ‏عليهم أن يستنفذوا كامل احتمالات الخطأ حتى يصلوا بالصدفة إلى الحلول السليمة…. وكأني بهم ‏يطبقون قانون المحاولة والخطأ …. لا …. بل الخطأ …. الخطأ فالخطأ أو ربما الصواب. لقد كانت لنا ‏منذ ثلاثين سنة سكنات فارغة، ولكن اليوم لدينا أنفس فارغة تائهة بإمكان كل مهووس مريض أن ‏يغرقها في الانجذاب الجماعي والمناحات العمومية.‏

و ليس لنا إلا أن نستذكر ما قاله ابن باديس -رحمه الله-: ” شعب يجمعه البندير و تفرقه العصا ” . ‏واليوم نقيس عليه ونقول: ” مكبرات الصوت هي التي تجمعت والقنابل المسيلة للدموع هي التي ‏تفرقنا “.‏

لقد ظن الجزائريون أن مشاكلهم اقتصادية فاتضح أنها سياسية، و لكن حينما عزموا تغيير النظام ‏الحاكم اتضح أنها عرقية ثقافية بمعنى أنها بيولوجية، و اليوم، كيف يمكن أن تكون ” رؤوسهم في ‏شاشية واحدة”؟‏

إن الجزائر التاريخية لم تكن. فلنصنعها! 

جريدة “الخبر” اليومية 29 أفريل 1993

موقع الجزائر اليوم 14 سبتمبر 2016

جريدة الحوار الجزائرية 05 مارس 2017

You may also like

Leave a Comment