Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980هل جبهة التحرير ضد الديموقراطية

هل جبهة التحرير ضد الديموقراطية

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

نشرت جريدة “المُجاهد” في طبعتها المؤرّخة في 29 أفريل رأياً بقلم مُديرها العام تحت عنوان ‏‏”تسيير ذاتي أم ستار؟”.

‏والأمر الذي لفتَ انتباهنا ليس هو النقاش الدائر حول مصير الصحافة المكتوبة، والذي انصبّ ‏حوله هذا الرّأي، بل هو الخاتمة والنتيجة التي توصّل إليها. ففي قوله “وسأبقى مُقتنعا بأنّ المُثُل ‏العليا للاستقلال والعدالة الاجتماعية التي تؤمن بها جبهة التحرير هي وحدها الكفيلة بضمان ‏مُستقبل تطبعه الحُرية والرخاء للشعب الجزائريّ” يُعبّر الكاتب عن رأيه الشخصيّ الذي ‏يستحقّ أنْ يُعبَّر عنه ليطّلع عليه الرأي العام. ‏

لكنه عندما يُواصل قائلاً “ولأجل هذا فأنا لا أنوي الالتزام بأية توجيهات غير تلك الآتية من ‏جبهة التحرير، ولن تكون جريدة المُجاهد في المستقبل شيئا آخر غير لسان حال جبهة ‏التحرير” فلا بُدّ أنْ نُلاحظ أنّ الكاتب قد تجاوز حدود الرّأي الشخصيّ ليُعلن عن أمرِ واقع ‏ومفروغ منه. ‏

ولهذا كان الأجدر عنونة هذا المقال بـ”بيان رقم 1″، وليس بـ “رأي”‏‎.‎‏ ‏

إنّ هذا الإعلان بالقياس مع الروح الديمقراطية التي تُحاول جاهدة أن تفرض نفسها هو بمثابة ‏حركة انفصالية أوّلاً، كما أنه بمثابة إعلان عن ولاءٍ شخصيّ مشفوع بدعمٍ ماديّ مُتمثّل في أملاك ‏عمومية. فحتى قبل أن يبُتّ المجلس الشعبي الوطني في هذا الموضوع ها هو ذا مسؤول صحفي ‏يغرس عصا ترحاله في الأرض مُعلنا أنّ جريدته لن تتحرك قيدَ أنملة.‏

وإذا ما دقّت ساعة الاختيار فإنّ كُلّ جزائريّ سينضمّ إلى الجهة التي تُناسبه وتُعجبه. لكن، ماذا ‏سيكون مصير الديمقراطية، بل مصير الجزائر بأسرها، لو أنّ كلّ مسؤول راح ينضمّ إلى حزبٍ ما ‏مرفوقا بكلّ الأملاك والعتاد الذي هو ملك عموميّ في الأصل؟ فهذه الأملاك لمْ تَعُدْ أملاك ‏فرنسا، ولا أملاك جبهة التحرير المُقاتلة، بل هي أملاك كلّ الجزائريين، وهي أملاك حزب ‏استحوذ على أكثر من حقه من الأملاك.‏‎‎فماذا كان سيحدث لو أنّ مدير جريدة (المُجاهد) كان ‏جنرالاً وقائداً للناحية العسكرية الأولى…

وباعتباره مُديرا للجريدة مِنْ حقه أن يبقى رجل (التعليمات). لكن علينا أن نُسجّل أنّ أولئك ‏الصحفيين العاملين في جريدته قد دخلوا في إضراب تنديدا بهذا الموقف بالذات، ومعهم كلّ ‏الجزائريين الذين عانوا طيلة عشرين سنة من هذه الجريدة الشبيهة بـ “البرافدا” ‏‎(Pravda)‎‏ والتي ‏يقرؤونها على مضض وهُم يعرفون أنها جريدة تأتمر بأوامر فوقية، كما يعرفون أنها لا تُريد ‏التطوّر لأنها خالية من الروح. ‏

إنّ الإعلان عن بقاء الجريدة كـ “لسان حال لجبهة التحرير” إعلان خاطئ لأنها لم تكن كذلك في ‏أيّ وقت مضى، إذ الحقيقة التي يعرفها العام والخاص هي أنّ مجلّة (الثورة الإفريقية) هي التي ‏كانت مُتكفلة بهذه المهمة، أمّا جريدة “المُجاهد” فهي تابعة لوزارة الإعلام منذ سنة 1965، ‏وهي تعتبر مؤسسة عموميّة. هذا دون أن نغُضّ الطّرف عن بعض الخصوصيات، مثل حقيقة أنّ ‏‏”الحكومة هي كذلك جبهة التحرير”، ودون أن ننسى أن جريدة المُجاهد كانت لسان حال ثورة ‏التحرير. ‏

وهكذا شنّ مُدير هذه الجريدة حرباً شعواء على نظرية التسيير الذاتي للصُّحف، وهي حقاًّ نظرية ‏عابثة، مثلها مثل نظرية التسيير الذاتي للمُستثمرات الفلاحية، وعبّر عن احتجاجه وتذمُّرِه قائلاً: ‏‏”كيف يمكنالقبول بفكرة أنّ مجموعة صغيرة من الأشخاص، حتى ولو كانوا صحفيين، ‏ينفردون باتّخاذ القرار بما يجب أنْ نقرأه وما يجب ألاّ نقرأه؟”. ‏

وكأنّه نسي بسرعة أنّ مدير جريدة “المجاهد”، ومعه مجموعة صغيرة من الأشخاص، كانوا ‏يؤدّون هذا الدور طيلة ما يقارب ربع قرن، إذ كان بيدهم أنْ يُقرّروا ما يجب أنْ يعرفه الجزائريون ‏وما يجب أنْ يجهلوه، فأثخنوه بإعلامٍ ناقص ومُوجّه ومُراقب، وحصيلة ذلك كلّه إعلام رديء ‏للغاية. ‏

ولولا وسائل الإعلام الأجنبية لبقي الجزائريون إلى يومنا جاهلين بكثير من أمهات أحداث التاريخ ‏المُعاصر، مثل دخول السوفيات إلى أفغانستان أو حرب إريتريا. بل إنّ الجزائريين، لولا الإعلام ‏الأجنبي، كان يمكن أن يبقوا جاهلين حتى بالوضعية الحقيقية لبلادهم، ولَمَا تمكنوا من الفوز إلاّ ‏بالنزر القليل من المعلومات حول أحداث أكتوبر 1988…إلخ.‏

ونحن نشهد منذ عدة أشهر حملة منظمة من الاتهامات والتجريم والتقزيم لبعض تلك الأحزاب ‏التي تشجعت وتكوّنت آملةً في الوصول إلى السلطة يوماً ما! وعلى عكس ذلك فإنّ جبهة ‏التحرير تُقدّمُ بالحُجة الدامغة، وبدون انقطاع، الدّليل على أنها هي التي (حرّرت) الوطن، وهي ‏التي (شيّدتْ) البلاد، وهي التي أدخلت (الديمقراطية) على المجتمع، وهي وحدها التي تتمتع ‏ببرنامج حكومي… وفي كلّ هذا ما يدعو إلى الاعتراض بشدّة.‏

لا بُدّ في البداية مِن إزالة اللُّبْس المُتعمّد الموجود بين جبهة التحرير التاريخية، وهي ملك ‏للشعب الجزائريّ كُلّه، الأحياء منهم والأموات، الحاضر منهم والغائب، المُتربع على السلطة ‏واللاّئذ بالمُعارضة، وبين حزب جبهة التحرير الوطني الذي انتهى أمرُهُ في حمام دماءِ أبنائه ‏الثائرين في أكتوبر 1988. ‏

وبناءً على ذلك يمكن الجزم بأنّ حزب جبهة التحرير ليس هو الذي حرّر الوطن، بل هم أولئك ‏الشهداء ومعهم أغلبية الجزائريين الأحياء إلى سنة 1962. لنتذكّر جيّدا ذلك الشعار القائل: ‏‏”الشعب هو البطل الوحيد!”. ‏

وكذلك فإنّ حزب جبهة التحرير ليس هو الذي شيّد وبنى، بل هم الجزائريون والجزائريات ‏العاملون أو المُتقاعدون من سنة 1962 إلى يومنا، ولا نستثني منهم إلاّ أولئك (المُفسّرين) ‏والمُشعوذين وغيرهم من المُتطفلين الذين كانوا ينتابون مقرّات الحزب.‏

وإضافة إلى كلّ ذلك فليس حزب جبهة التحرير هو الذي أدخل الديمقراطية على المجتمع ‏الجزائريّ، بل على العكس تماماً، إذ أنّ بذرة الديمقراطية قد تفتّحتْ رغماً عن هذا الحزب، ولم ‏يُذعن المُتحكمون في زمامه للأمر الواقع إلاّ عندما وجدوا أنّ البلاد وصلت إلى مأزق حقيقيّ يُنْذر ‏بقرب وقوع الكارثة الكبرى.

ولم تكن أحداث أكتوبر 1988 إلاّ إرهاصاً أوّلياّ لتلك الكارثة التي لازالت تهدد جزائرنا الجريحة. ولا ‏معنى للديمقراطية عند الجزائريين إلاّ إذا كانت نقيضا للتجاوزات وعدواًّ للرّداءة وعدم كفاءة ‏الوجوه الوحيدة المُمثلة للحزب الواحد. وإذا كانت بعض الوجوه قد جرفتْها الموجة الأولى، فإنّ ‏البقيّة تنتظر حتى يأتيها اليقين من أعماق الخضمّ…‏

ولا يمكن التّغلّب على هذه النتائج الوخيمة إلاّ بعد عُشريات من المجهود التّصحيحيّ ‏المُتواصل، علماً بأنّ الأحزاب التي ظهرتْ في الساحة لن يستفيدَ أيٌّ منها مِمّا استفاد منه حزب ‏جبهة التحرير من إمكانات مُتميّزة وظروف مُناسبة، أي: (شعبٌ طائع، ومداخيل هائلة من ‏المحروقات، وقروض أجنبية سهلة، وظروف دولية ممتازة).‏فكيف، بعد كُلّ هذا، يتسنّى لهذا الحزب أن يتفرّد (ببرنامج حكومي) ووراءه رجال لا تجربة لهم إلاّ ‏في قيادة هذه البلاد الغنية بثرواتها إلى إفلاس حقيقيّ، وأمامه شعبٌ مُتذمّر وجريح ومخدوع، ‏شعب لم يعُدْ يؤمن إلاّ بوسائل الدفاع عن نفسه بنفسه (مثل الإضراب عن التسوّق). ‏

ولم تتوقف الآثار الوخيمة للتسيير العشوائي في حزب جبهة التحرير عند حدود تفويت فرصة ‏التطور 

الاقتصادي للبلاد ورهْنِ مُستقبلِها ، كل ذلك دليل على أن المستقبل مرهون، بل ‏تجاوزتها إلى نسف روح المجتمع وتحويل المُواطنين إلى أفراد مُتمرّدين وجراد مُتنقّل ستكشف ‏الأيام عن قدراته التخريبية.‏

بل أكثر مِنْ ذلك، فإننا وصلنا إلى درجة استحالة الاطمئنان إلى وجود الرغبة في العيش معاً، وهي ‏العنصر المؤسس لكلّ أُمّة. فالبلاد التي أُثقِل كاهلُها بماضٍ مثل ماضينا من الصعب عليها أنْ ‏تصبو إلى مستقبل زاهر. وبناءً على ذلك فإنّ حزب جبهة التحرير سينتهي أمرُهُ بانتهاء عهد ‏إطاراته المُتربعين على عرش السلطة.‏

هؤلاء الجزائريون الذين يتعرّضون لتهمة الإجرام لمجرد كونهم إسلاميين أو شيوعيين أو ‏ليبراليين أو اجتماعيين ديمقراطيين أو أحراراً هُمْ ضحية مؤامرة حَبَكَتْها تلك الأيدي التي تسهر ‏على استمرار الالتباس بين جبهة التحرير التاريخية (وهي تمثّل الشعب الجزائري كلّه) وبين حزب ‏جبهة التحرير (الذي لا يُمثل إلاّ تلك الأقلية المُهيمنة على السلطة في جميع مستوياتها). 

هؤلاء الجزائريون هم الذين كانوا يُشكلون جبهة التحرير الحقيقية فيما مضى، وهم أنفسهم ‏الذين يُريدون اليوم أنْ ينقسموا إلى حركات وأحزاب وتوجّهات، وهُم الذين حكم الحزب الرسميّ ‏البلاد باسمهم ليصل إلى النتائج التي يعرفها العام والخاص.‏

إنّ النزر القليل من نفحة الإسلام التي كانت موجودة في برنامج هذا الحزب (الميثاق الوطني؟) ‏قد أصبحت عُرضة لتهافت الإسلاميين عليها، والمقصود بالإسلاميين هم أولئك الجزائريون ‏المُقْتنعون بأن حزب جبهة التحرير لا يطمح أبداً إلى قيادتهم صوب تكوين المجتمع الإسلاميّ. ‏أمّا قدرته على بناء الاشتراكية فإنّ الشيوعيين لا يُقرّونها ولا يعترفون بها، والمقصود بالشيوعيين ‏هم الجزائريون الذين يرون أن جبهة التحرير قد خانت مبادئ الاشتراكية الأصيلة وأرست مكانها ‏قواعد بورجوازية الدولة المتواطئة مع طبقة الرأسماليين المحلّيّة. ‏

وأمّا ما كان يظهر على جبهة التحرير من تفتّحٍ فقد استولى عليه الليبراليون والديمقراطيون ‏الاجتماعيون، والمقصود بهم هم الجزائريون الذين يرون أن جبهة التحرير لا تتمتع ‏بالمواصفات الكافية للقدرة على الاضطلاع بتفتح حقيقي كفيل بضمان الانطلاقة الفعليّة. فماذا ‏بقي من برنامج جبهة التحرير إذن، وماذا بقي من مشروعه الاجتماعيّ، وما محتوى الخطاب ‏الذي عساه أن يتوجه به إلى الجزائريين؟

إلى متى سيُستمَرُّ في سلب الجزائريين ثورتهم واستقلالهم وعملهم وحرية خيارهم السياسي، ‏وقدرتهم على تنظيم أنفسهم سياسياًّ من أجل التعايش المُثمر في ظلّ التّعدّدية؟ وإلى متى ‏سيُستمَرّ في فرض مُوجّهين عليهم ومُشرفين على ضمائرهم و(مُفسِّرين)، ومَهديين مُنتَظرين؟

ولو أن الديمقراطية تمكنت من إرساء قواعدها فسنرى رجالاً جُدداً، أَكْفَاءَ مُلتزمين، شباباً قادرين ‏على تسيير الجزائر وتمثيلها تمثيلاً مُشَرِّفاً في الخارج، وسنرى أحزاباً يُواجه بعضُها البعض الآخر ‏بطريقة سلميّة في كنف قواعد لعبة مُتّفق عليها، وسنرى مُعارضة دائمة اليقظة بإزاء حكومة ‏شرعيّة، وأخيراً فإننا سنرى الجزائر مُقْلِعةً ومُتّجهة إلى التطوّر والتحضّر. أمّا في الوقت الرّاهن فإنّ ‏حجر العثرة الذي يسدّ الطريق أمامنا هي نوازع الهيمنة في هذا الحزب الذي لا ينوي أنْ يُطلق ‏سراح فريسته (السلطة) لتستظِلّ بِظِلِّ الديمقراطية.‏

جريدة المُجاهد، 18 ماي 1989.

You may also like

Leave a Comment