ترجمة ساعي عايـــدة
يستحضر عنوان هذا المقال اسم مؤلَّف لكاتب روسي كبير من القرن الماضي لمن يعرفه.لكن الأمر هنا لا يتعلق لا به ولا بمُؤلَّفه، بل بالجرائم والعقوبات التي، و للأسف، نلمسها عن قريب.
لم يفتنا الربط بين مفهوم “المسؤولية الجماعية” التي أعلن عنها مؤخرا رئيس الدولة، والعقوبات المتخذة في الفترة الأخيرة ضد مسيرين لبعض المؤسسات العمومية. على المواطنين أن يتأسفوا، في نفس الوقت الذي ستترسخ هذه العلاقة، على أن هناك هزات كبيرة في الحياة الوطنية قادمة أو منتظرة من رئيس الدولة، وكأنّه توجب عليه الحضور الدائم في الصفوف الأولى حتى تتقدم القافلة بضع خطوات إلى الأمام.
من البديهي أننا عندما نقترب كثيرا من الأشياء التي نراها يوميا، لن يكون من الممكن بعد ذلك أن نراها. إذن لابد لأحدهم أن يكون سببا ليفتح الأعين التي تكاد تفقدان البصر تماما، بتنبيه قويّ لأصحابها.
تعتمد فكرة “المسؤولية الجماعية” على مبدأ أن تُمارَس المسؤولية في جو من التعاون والتضامن (مجالس إدارة الشركات، المجالس التنفيذية البلدية، المجالس التنسيقية بين الولايات)، ولابد أن تكون العقوبات، الايجابية أو السلبية أيضا جماعية.
ليس لدينا ما يمكننا قوله حول المبدأ، بل ما الذي يمنع، من كثرة ما انه عادل وصحيح جدّا، أن ينشر كرحمة، على كل المنازل، في كل الفضاء الاجتماعي، هنا وفي كل مكان حيث تهيمن الظواهر السلبية التي لا داعي لتعدادها، نظرا لان أمثلتها متوفرة بكثرة وتعمي الأبصار سوآءا فيما اتفق على تسميته ”عالم الشغل” أو في الأماكن العمومية.
في حين لا يمكن المرور مرور الكرام على بعض منها فضلا عن آثارها، لأنها ترى في هذا المبدأ الوسيلة لوضع “الرجل المناسب في المكان المناسب”، إذا كان يعلن عن ساعات العمل في صرامة، إذا تم قبوله من طرف الجميع كأحد القواعد العادلة للعبة، إذن لابد من التمسك به وعدم تركه أبدا.
من بين الفوائد الأولى لهذا المبدأ هو أن يضع حدا لعادة، لالتواء أو لحيلة ترسخت وأخذت مكانها طويلا كي تُدبَر الأمور بشكل لا يذكر فيها اسم أو مجموعة أسماء بعينها، كسبب في أي خسارة، خطأ أو وضع خطير.
منذ الأزمنة البعيدة، يسمع الشعب الحديث عن “أعداء الثورة”، الرجال الذين يصعدون على حساب القانون، الصيادين في الماء العكر الذين يعرقلون المسيرة الواثقة نحو الاشتراكية، لكنه لم يعرف يوماً من هؤلاء رجال الظل الشياطين، رغم انه يقال إنهم مندسون بين صفوفنا ومتواجدون في النظام.
لم يتم فك هذه العقدة والتخلص من هذه العادة، نحن لا نزال نصادفها في اجتماعات حيث تعودوا المطالبة بعدم الشخصنة، كما أننا لو سمينا الأشياء والأشخاص بأسمائهم فسنخون ” قانون الصمت”(الأمتار). مع مبدأ الخوف المنقذ، لابد من أن نعترف أن مشاكل بلدية، شركة أو بلد ما ليست مشاكل هؤلاء الأشباح، متغيراتهم المناخية أو نار الاستعمار. بل، مشاكل رجال معروفين ولديهم أسماء معروفة. لقد حان الوقت لتمزيق معطف الصمت الثقيل الملقى بحياء على إفلاسنا وعلى العديد من تشوهاتنا.
فائدة ثانية لهذا المبدأ هو أنه يعيد مراجعة الشعور العام لا لإفلات من القصاص الذي ترسخ شيئا فشيئا في الضمائر.
نعرف إلى حد ما العقوبة الايجابية، ونتلقاها كل مرة بنكران نظر لصعوبة تميزها عن الحقوق الطبيعية. لكن العقوبة السلبية هي من الأشياء التي اختفت تقريبا من ذهنيا تنا. اختفت مشاعر القلق القديمة، الخوف السابق أمام مسؤول مكتب بسيط، وحل محلها وقاحة ورباطة جأش لا يزعزعها شيء.
نحن نجهل دور الخوف، أحيانا المُخلص، واقصد من الخوف، ذلك الخوف الصحي بفوائده وروائعه، الخوف المنقذ الذي يمتزج مع الاستقامة الطبيعية، مع الآداب ومع المخاوف التي نرضى بها بمحض اختيارنا.
لابد لهذا المبدأ أن يعيد الخوف من فقدان الراتب ومدى استحقاقه، ميزاته وروائعه. لابد من إحياء الخوف من البطالة في الأذهان، كما تشعر بها شعوب أخرى أكثر تطورا منا حيث أخذت شكل طيف يلاحق ليالي العامل الأكثر جدارة والإطار الأكثر كفاءة.
لابد أن يخشى عامل الشباك من عدم رضا الجمهور الذي يتعامل معه، والذي هو سبب لقمة عيشه، لابد أن يخشى ممثل السلطة الطعون التي قد يرفعها المواطن، والذين يرتدي باسمه الزيّ النظامي ضد تجاوزاته. لابد أن يضع المسؤول الرفيع في حسبانه إبعاد محتمل وبالإجماع. لابد أن يستعيد سيفداموكلاس (Damoclès)العادل لكن الصارم، مكانه فوق الرؤوس وعلى الأعناق. لابد أن تُرفع عصا العقوبة الايجابية ولابد أن تقترب العقوبة السلبية حتى تلطم الأنوف.
بالنهاية، هناك فائدة أخرى لهذا المبدأ هي أنه يجدد الطاقات، يحييها، يسمح بالتغيير لصالح النوعية. بالرغم من أن هناك مسؤولون وصلوا منذ خمسة أعوام إلى مبدأ “بيتر” (Peterمستوى الكفاءة)، إلى قمة عدم كفاءتهم، لكنهم هنا دائما، بلا رونق وغير واعين بأنهم جاوزوا زمنهم.
يرددون كلاما عفا عنه الزمن. لابد من انتزاعهم من كراسيهم كما يُنزع المسمار بنزاع المسامير. لابد من الاعتراف أن هناك رجال دفّعوا البلد ثمنا غاليا جراء مشاركتهم في الثورة المسلحة، إذ كانوا مثل” أتيلا” (Attila) الذي لا ينبت العشب بعده حيثما مرّ، ومع كل احترام نكنه لكل مجاهد مهما كانت مهامه بعد ذلك، فالاعتراف لا يهدف لتدنيس المقدس بل واجب أخلاقي والذي كان أصلا من مطالب المجاهدين الأصيلين.
هناك مبادئ تعتبر كقوانين، كي يتم قبولها معنويا وتطبيقها علميا لابد أن تتوفر فيها جملة شروط، هذا يعني أن ” المسؤولية الجماعية” لا يجب أن تبقى حبيسة مستويات معينة من المسؤولية (المدير، إطارات مؤسسة، مجلس العمال أو منتخبي البلدية) ولا تُحد في قطاعات تم اختيارها سلفا من الحياة العمومية (الاقتصاد، إدارة السلطات المحلية)، ولا تطبيقها، أخيرا، على حاملي لقب المسؤولية دون غيرهم.
من جهة أخرى هناك حالات لا يكون الأشخاص فيها سببا بشكل فردي، بل طبيعة علاقة العمل التي تربطهم، روح العصر، تنظيم العمل…فهل يجب عزل العمال عن وظائفهم أم العودة إلى النصوص، لأن هذه الأخيرة تتسبب أحيانا في تأثيرات ضارة؟
لا يجب أن يُقارن هذا المبدأ، فيما يتعلق بالإطارات الذين من الممكن معاقبتهم بسهولة أكثر من أيّ عامل بسيط، بأمر بونس بيلاتPonce Pilate :” اقتلوهم جميعا، الله سيعرف خاصته و يميز أحبائه”.
فيإحدى الفترات، عرفت الإطارات رعب أن يجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان، وصاية خرساء وعاجزة في اللحظات الحاسمة، وبعض التيارات التي تميل إلى تثبيتهم في الصورة الذهنية الشعبية كاستغلاليين، لصوص وأعداء الكتلة الكادحة.
لابد أن يجد مبدأ “المسؤولية المشتركة” مجالا للتطبيق في الساحات العمومية، وفي الشوارع، لان فيها أيضا يوجد تسيير القضايا العمومية والشأن العام. لن نجد رجل مهنة أو نشاط معين، بل رجلا وفقط، الإنسان الجماعي، أو “الإنسان الطبيعي”. وهناك بالذات يظهر الجانب “المشترك” بجميع مقاييسه، فلن يكون من الممكن وضع أسماء للتسيب، الفساد والانحلال.
إنها الحياة البائسة، حياة الكلاب، الحياة التي يصعب تحملها. إنها هنا ظاهرة على جميع وجوه الرجال والنساء، يمكن أن نسمها باللاتربية، اللاثقافة، اللامبالاة المدمرة للذات. هنا المسؤولية عامة، مشتركة، منتشرة…هل يجب إذن حل الشعب؟ إقالة الأمة من مهامها؟
كل واحد بيننا يرى دوره مكتوبا في تقلبات الحياة السيئة. أحيانا نكون ضحايا و أخرى نحن جناة، ينتظر كل منا الآخر عندما يولي كي يجعله يدفع ثمن النكسات التي تعرض لها: أنت تمسكني من لحيتي و أنا أمسكك من لحيتك،هنا أيضا يمكن أن نقول أن ليس الإنسان فقط هو المتهم، فقد تخلق بعض الظروف الحياة السيئة حتى في القمر.
عندما تغلق الأبواب بدون سبب، و لا تفتح إلا بانفراجة صغيرة لتترك خيالات خفيفة تمر،إذا كانت كل الخروقات يمكن تبريرها، و كان البقشيش مرخصا له، لا يجب أن نحتار عندما يقوم الناس بتسلق الجدران، الصعود فوق الأسقف، المرور عبر المجاري،التمسك بالمزاريب ليجد كلّ منهم الطريق الذي يوصله إلى حلول مشاكله…
بهذا الشكل يمكن للأمة أن تتحول إلى قطط مزاريب، فئران مجاري، مجرمين، جماعات أشرار. هكذا تولد وتكبر فينا الشيزوفرينيا، انفصام الشخصية، هكذا نتبنى ردود فعل تشبه حال من يوشك على الغرق، هذه هي الطريقة التين نقلبها النماذج والنمط المثالية للأسف. من سيجيب على هذه الجرائم؟ من سيتابع؟ من سيُعاقَب؟ المعضلة والمفارقة هنا، أنه يوجد محاسب لكل شيء، وقاض لكل خطأ بسيط.
ما يحدث هو أن التاريخ هو من سيحكم علينا ويعاقبنا، ربما ليس على أشخاصنا نحن بالتحديد، بل على أشخاص ربما لم يولدوا بعد. لأنّ الأمة لا تقف فقط على الأحياء، هي لا تتوقف، تستمر حتى بعد مغادرتنا للحياة.
ألم ندفع نحن ثمنا خطاء ارتكبتها أجيال سبقتنا بقرون عديدة؟ ألم يكن الاستعمار سببا في أخطاء ارتكبت من أسلافنا الغابرين؟ ألم يستوجب بذل قرن تقريبا من الثورات الغارقة في الدماء، ثم سبع سنوات من المعارك الوحشية التي كلفتنا عُشر سكاننا الحالين لغسل بلدنا من هذا العار، من هذه الفضيحة التاريخية والتي كانت استعمارنا؟
لا بدأن تجلدنا كل هذه التأملات حتى لا يغرق بلدنا في مآسي كالاستعمار والتخلف مجددا، خصوصا أنّهلا تفصلنا سوى أيام عن ذكرى عودتنا الجديرة والمستحقة للتاريخ الفعال، التاريخ المفترض.
« Algérie-Actualité »18أكتوبر1984
موقع الجزائر اليوم 28 نوفمبر 2018
