بقلم الدكتور عبد الله شريط
قرأت بكثير من المتعة والإعجاب مقال الأخ الأستاذ نور الدين بوكروح المنشور في جريدة “المجاهد” اليومية في عدد 08/10/1979 تحت عنوان”عبقرية الشعوب”.
بسهولة المتعة بالأسلوب المباشر الواضح و”المملح” بتعابير شعبية زادت من وضوح أفكاره، وحيرة اللغة الفرنسية المكتوب بها المقال أقرب إلى تراثنا الشعبي الجزائري منه إلى لغة ما وراء البحر التي ما تزال ثقيلة على ألسنتنا وآذاننا وأذواقنا، و الإعجاب بشجاعة الأخ الكاتب وصراحته ، إذ الشجاعة ليست مطلوبة من المثقف عند مواجهة السلطة السياسية فقط بما لا تشتهي أن تسمع، بل هي مطلوبة أكثر عند مواجهة الرأي العام عندما نقول له كلاما مرا لا يكاد يستسيغه أو يبتلعه بسهولة، و الإعجاب أخيرا بالمستوى الثقافي الكاتب الذي يبدو من كتابته وان كنت أسف أن لم أعرفه شخصيا، أنه يتمتع ليس بثقافة أدبية وفلسفية أجنبية فقط، بل هو أيضا –من خلال استشهاداته بابن خلدون ومالك بن نبي ومحمد إقبال – بثقافة عربية أرجو أن تكون في مستوى ثقافته الأجنبية ( مع الأسف الكثير من هذه الأوصاف بهتت في مقاله الثاني و انكسف لونها ) ولكن المستوى الرفيع -شكلا ومضمونا- الذي ظهر في المقال الأول، والذي سيكون موضع تعليقنا يلقي على كاتبه مسؤولية أثقل.
إذ لا نؤاخذ غيره على ما نؤاخذه به هو و لا نسكت له هو عما نسكت عليه لغيره ، فالكاتب المهتم بشؤون المجتمع والمصلح المقتدر هو من يمكنه ارتفاعه الفكري من الرؤية الواضحة وتجاوز الأشجار الفردية إلى رؤية الغابة الشاملة وهو أن يبحث عن أسباب الظواهر والأعراض في ظلمات الزمن ويستخرجها من بؤرة اللاشعور عند المجتمع ليعرضها أمامه فيتلمسها هذا الأخير ويعرف مرضه من خلالها ، و إذا عرف المجتمع أن ما به هو مرض وليس سلوكا طبيعيا فانه سيعالج نفسه بنفسه ، وهذا ما نسميه في لغة الحزب والمنظمات الجماهيرية بالتوعية أي إبراز الأزمة النفسية التي يعانيها المجتمع دون أن يشعر بها إلى ساحة الشعور والوعي بها وعندئذ تنتهي كأزمة وسلوك مرضي، وتتحول إلى سلوك طبيعي وسوي ، كما علمنا ذلك فروید بكل دقة وقوة وعملية التوعية هذه يقوم بها عالم النفس بالنسبة للفرد، وعالم الاجتماع بالنسبة للمجتمع، أو المفكر أو المصلح أو الأديب كما وضح ذلك أيضا سارتر بكثير من البراعة في كتابه “ما الأدب ” ؟
إذا كانت رسالة الكاتب – سواء كان عالم اجتماع أو مصلحا دينيا، او ادیبا بهذا المفهوم- فمعنى ذلك أنه يعالج مريضا ليقتلع مرضه لا ليقتل المريض يظن أنه- أي المريض- استراح من دائه ويخيل إلي أن الأخ الكاتب في مقال ” عبقرية الشعوب ” كاد يقتل المريض وهو يعنف مخلصا انه يقتل المرض فقد رأيته يدخل إلى المريض في بيته أو في المستشفى فيلقي عليه خطبة بليغة مؤثرة يصفه فيها بأنه مصاب بداء الكلب وحمى التيفوس والكوليرا والهزال الجسمي والعقلي وبأنه إلى ذلك كسول وسخ متعفن أجرب فاقد للتوازن کسيح متعلثم وباختصار كما قال الكاتب:
“إذا كانت عبقرية الشعب الألماني تتمثل في حبه للعمل والامتثال، وعبقرية الشعب الانكليزي تتمثل في اتزانه، وعبقرية الشعب السويسري تتمثل في نظافته وعبقرية الشعب الياباني تتمثل في حبه للدقة فان عبقرية الشعب الجزائري تتمثل في الشر واللامبالاة والتخريب والتحايل على القانون وحبه للحياة السهلة و التمرغ في الأوساخ الخ…
انني هنا لا أريد أن أدافع عن الشعب عندما يوجه إليه أحد أبنائه هذه الأوصاف القبيحة لأنني مقتنع من ناحية بأن الكاتب لا يقول ذلك كرها في شعبه، بل محبة فيه، ومن ناحية أخرى ما على أنني هنا لا أريد أن أدافع عن الشعب عندما يوجه إليه أحد أبنائه هذه الأوصاف القبيحة لأنني مقتنع من ناحية بان الكاتب لا يقول ذلك كرها في شعبة، بل محبة فيه، ومن ناحية أخرى لأنني موافق إلى حد ما علی آن شعبنا أو الأغلبية الساحة منة تتصف بهذه الصفة آو تك أو بها جميعا.
ولكن يبدو لي أيضا أن الوقوف هنا ليس ما يجعل المريض بغي مرض أو يشعر به آو ينقل له مرضه من ساحة اللاشعور، أي من ساحة الأزمة، إلي ساحة الشعور به، والوعي له، أي ساحة القدرة على علاج نفسه. ولذلك ألفت انتباه الأخ الكاتب إلى أنني هنا لا أرمي إلى نقده، بل أرمي إلى استكمال ما خيل إلى انه نقد کیير في عمله الذي يستحق عليه التشجيع و المواضبة.
أريد أن أشير إلى نقص أخر في عملا لكاتب وهو أنه في المقال الأول وصف الوضع كما هو، وفي المقال الثاني، حاول أن يصف الوضع كما ينبغي أن يكون، ولكن ما بقي مفقودا بين الوصفين وهو “کیف” تنتقل من الوضع المرضي الى الوضع الصحي، ومن مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون. وإذن يمكن أن نجعل ما بقي المقال في حاجة إليه في ثلاث نقاط:
الأولى: أن يتعمق الأسباب التاريخية والحضارية، والسياسية، والاقتصادية والثقافية التي جعلت شعبنا على ما هو عله لا كما نرجو له أن يكون.
الثانية: أن “نموضع” له الداء حسب تعبير سارتر حتى يراه في نفسه كما وجوه الحقيقي في مرآة صداقة
الثالثة: أن نرسم خريطة للطريق أو الجسر الذي يمر عليه مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون على أن يكون الله في أساليب مختلفة حسب المكان: الأدبي بصف المرض بشكل غير مباشر في فيلم أو رواية أو قصة، والمصلح الدینی يعد ويرشد بشكل مباشر أكثر، ويعطي المثل العملي الناس على ما ينصحهم بأن
يعملوه والمحلل الاجتماعي يحث الأسباب المباشرة وغير المباشرة للظاهرة التي يريد تفسيرها، ويقيم العلاقات بين هذه الأسباب ليستخرج منها القوانين العلمية.
في الفترة التي اقتبسناها للأخ الكاتب عن عبقرية الشعب الجزائري، وكونها تبدو في الشر وما تشمله هذه الكلمة من أنواع وميادين واسعة، لم يعطنا تفسيرا لهذه الظاهرة في الشعب الجزائري لم كان شعبنا هكذا؟
هل خلقه الله بهذا الشكل منذ أن خلقه ، وجعله متميزا عن الانكليز والأمان والسويسريين عندما أعطاهم الغراب الخبيث صرة الذهب، و هي ترمز للفضيلة و العمل و أعطانا نحن صرة القمل التي ترمز للفقر و القذارة و الكسل، فكان جزاؤه علىخيانته أن استبدل الله لونه اسود وطبعاليس من قصد الأخ الكاتب أن يصل بنا إلىهذه النتيجة ، ولكنه مع ذلكيجب أن يعلمأن كثيرا من الناس سیستنتجون هذهالنتيجة لأنها ” جاءت على قلوبهم”، وهم يبحثون لا شعوريا عمن تكون لهبلاغة الأخ الكاتب ليصف لهم بدقة كلما هو وسخ وشر في هذا الشعبليقنعوا أنفسهم ويقنع بعضهم بعضا أيضابما يودون الاقتناع به، وهو أن أحسنما يعامل به هذا الشعب الموبوء هو أنيرحلوا عنه أن استطاعوا أو يطحنواما بقي من عظمه – كما يعبر ابن خلدون- بدل أن يعالجوه كمريض أو كناشيءأو عاجز.
إن هذا الصنف من الناس موجود عندنابكثرة وفي إمكان كل واحد منا أن يصادفهمفي الطريق أو في أي إدارة ، أولئكالذين لا حديث لهم إلا التفنن في مساويء هذا الشعب ليبرروا احتقارهم له ورغبتهمفي الانسلاخ عن جنسيته والالتحاق بألوانالأخر الذي لا يرغب كثيرا في انتسابهمإليه ، ولكنهم يفضلون أن يعيشوا فيهيسبحون في بحر من الإهانة على أنيتحملوا ” خشونة ” مواطنيهم وقذارتهمالمادية والمعنوية ، وكل واحد منا نطرقفي اليوم الواحد عشرات المرات تلك الكلمات التي أصبحت كليشيات مننوع “خدمة عرب” و”كذب عرب”و ” وسخ العرب ” إلى أخره…
ومنذ يوم فقط كنا واقفين مصطفين،ينتظر كل منا دوره لأخذ ورقة من شباكالإدارة، وكان كل الواقفين من أعمارمختلفة، ولكن في غاية الهدوء، إلا أنالشخص الذي أمامي، وكان في أناقة تميزه عنا جميعا، التفت نحوي ليكلمني مباشرة، بل ليسمعني نقط مايعانيه من”دمار”في هذه البلاد، وقال: لا أدري ما الذي يمسكني في هذه البلاد؟إنني أكاد أصاب فيها بالجنون، انفیهنا منذ نصف ساعة من أجل ورقة
! فقلت له: “أظن أن الأفضللنا أن نبيع هذا الشعب ونستبدله بشعبآخر أحسن منه ” عندئذ نظر إلي مباشرةوقال : ولكن من الذي سيشتري منك هذا الركاي ؟” انه لا يباع حتى في سوقالخردة، ثم تطور الأخذ والرد بيننا إلىمشاجرة ” خشنة ” نوعا ما.
واعتقادي أن مثل مقال ” عبقريةالشعوب ” لو كان مزودا بصبغة دراسيةيتظافر فيها البحث ومحاولة التفسيرلشرورنا الكثيرة لأدي خدمة مزدوجة: الأولى إلى مثل هؤلاء ” الثائرين ” علیوضع بلادهم فيجعل ثورتهم ايجابية بدلأن تبقى هدامة ساذجة، والثانية أن نعيكلنا أن ما بنا ليس خلقة الهية ” تطفرت”فينا، و إنما هي أعراض تسببت فيإيجادها فينا وفي أشباهنا من الشعوبوالمجتمعات التي نسميها بالعالم المتخلف. أسباب كانت تنتج نفس النتائج لو أصيببها المجتمع الانكليزي أو الياباني أو
السويسريمنذ بضعة أسابيع فقص البنزين قليلاعن الأمريكان فأصبح الناس يصطفون أماممحطاته بالمسدسات والبنادق حتى لايتجاوز واحد منهم دوره ويأخذ دور جاره. فماذا لو كان النقص في المواد الغذائية او الضروريات من الحياة؟
عندئذ كنا حتما سنفسر الظاهرة بان الأمريكان شعب حر لا يرضى بالضيم ولا يتسامح في أن ينقصه ما يعتبره ضروريا لحياته. أما لو حدث مثل ذلك عندنا لسميناه همجية ورذالة لا حد لها ، ومنذ يومين نقلت جريدة ” الشعب ” خبرا عن مجلة فرنسية تقول فيه إن شركة الخطوط الجوية الفرنسية وزعت منشورا في 16 صفحة على أطقم طائراتها يتضمن صرخة انذار على ما حدث من الخسائر على متن الطائرات من جراء السرقات حيث بلغت في سنة 1978 وحدها ما يقرب من ثلاثة ملايين من قطع الفناجين والملاعق والسكاكين ، وان الخسائر قدرت بنحو عشرين مليون فرنك ، وخبر كهذا عندما نقره من الفرنسيين يبدو لنا شيئا عاديا لا يحط من قيمتهم أما لو نشرت شركة الطيران الجزائرية عندنا شيئا من هذا التقبيل وهو حتما موجود ، وقد يكون حجم أكثر آو اقل . وقراناه نحن انتقلنا: للعار! حتی الفناجين الملاعق نسرقها كيف تقوم لنا قائمة بين الأمم؟
إنني لا ابحث عن تبرير لسلوكاتنا المنحرفة الطائشة، ولكنه مجرد إقرار قانون ينطبق على كل الشعوب والمجتمعات عندما تتهيأ نفس الأسباب والظروف لا بد أن تؤدي إلى نفس النتائج والظواهر، وما يجب أن نبحثه نحن كمثقفين وباحثين هو ان ننبش هذه الأسباب المدفونة في مقابر الماضي ونعثر على العروق التي تنبت الحشائش السامة في المجتمع، أي مجتمع. إننا نعذر الأميين عندما يلجؤون إلى الأحكام العامة يطلقونها دون بحث عن أسبابها، کما لو كانت أحكاما ميتافيزيقية لا تخضع أسباب محددة أو غامضة، ولكن لها دائما أسباب، من نوع ما يقوله الناس عندنا من أن ” العربي إذا شاف حاجة ليه، وإذا ما شافهاش عندو فيها النص”(بضم النون)!
إنني اعرض هذه الفقرة مثلا على الأخ كاتب المقال، وأسأله بعد ذلك أين تجري هذه الأشياء؟ في سنة 1978 كان المحصول الزراعي جيدا ولكن وسائل التخزين والنقل أفسدت منه الكثير وخاصة النقص من قطع الغيار ونقص اليد العاملة الكفؤة أن القطارات متروكة بدون قاطرة و المحصولات الزراعية التي تنقل عليها تفسد بسرعة ووسائل التخزين في بعض المقاطعات التي تبلغ فيها درجة الحرارة أكثر من خمسين درجة فوق الصفر ، يوجد فيها 36 دكانا بها آلات تبريد ، و 300 دكان آخر بدون تبريد والطماطم تشحن مع خضر أخري متعفنة دون ان يهتم السائق بذلك فتفسد كلها قبل الوصول ، والقمح الذي تنقصه المخازن هو أيضا يفرغ على الأرض المندية ويبقى أياما تحت الأمطار فيفسد هو الأخر” .
طبعا هذا الإهمال لا يمكن أن يجري إلا في الجزائر، ولكن عفوا، إن هذا يحدث بالضبط في الاتحاد السوفياتي وتقرؤه في صحيفة ” لوموند” ويحدث لا في السنوات الأولى من قيام الثورة الاشتراكية حيث التجربة قليلة والإطارات أقل والتكنولوجيا متأخرة، بل يحدث بعد قيام القوة الاشتراكية بنحو ستين سنة - أن بلغت الدقة في التكنولوجيا، ووفرة الإطارات العلمية حدا يصل به الإنسان السوفياتي إلى القمر في الدقيقة المحددة ويعود إلى الأرض في المكان والزمان المعينين.
ولكن لكل نظام مشاكله ، ولكل شعب نوع النقص الذي يعانية و السوفيات أنفسهم يتحدثون عن نقصهم هذا ولكن بلغة الأرقام لا بلغة العاطفة المثيرة فقد ذكرت وكالة ناس في نفس التاريخ تقريبا أن الأراضي الخاصة التي تركتها الدولة للفلاحين لإنتاجهم الخاص والملحقة بمساكنهم أصبحت هي التي تمون السوق السوفياتية بربع الإنتاج الإجمالي من الخضر وبحوالي الثلثين من إنتاج البطاطا ، وبثلاثين في المائة من إنتاج اللحم والحليب أي بنحو الثلث وذلك بالنسبة للإنتاج الإجمالي كله في جميع الجمهوريات السوفياتية (انظر جريدة الشعب 17/10/1979).
أما إذا انتقلنا إلى البلدان الاشتراكية في العالم الثالث والتي يعود استقلال البعض منها إلى أكثر من عشرين سنة مثل غينيا فإننا نجد الحماس للمبدأ ما يزال طاغيا على الحقائق المادية المعاشة ، دون البحث عن إمكانية التلاؤم بين المبدأ و بين هذه الحقائق ، فالمبدأ السائد هناك في اختيار الإطارات الفلاحية هو الحماس الثوري بدلا من المهارة المهنية ، وتبعا لذلك أصبح العالم الريفي يشكو من تضخم الإطارات السياسية وفقر الكفاءات ، وحل التعنت الإداري والبيروقراطية محل العمل و الإنتاج الذي كاد يتوقف تماما ( انظر لومونت17/8/1978).(للموضوع بقية)
جريدة “الشعب” اليومية 23 أكتوبر 1979
