Home مقالاتالقضايا الدولية1979-1970رحلة في الثورة الايرانية

رحلة في الثورة الايرانية

by admin

ترجمة بوزيان فرحات 

لم نكن نعتمد أنا وصديقي لدى انطلاقنا من مطار رووسي شارل ديغول سوى على عنوان غير مؤكد لوالديّ طالب إيراني عرفناه أياما فقط من قبل بواسطة طالب مناضل في باريس، و لأنه لم يكن يربط الجزائر بإيران أي خط جوي فكان الذهاب مروارا على فرنسا أمرا حتميا، وهنا كان ينبغي علينا استيفاء كل الشروط اللازمة لعرضها على وكالة السفر.

بالنسبة للسفارة الإيرانية كان علينا، و نحن لا نمتلك سببا رسميا للحصول على الفيزا على اعتبار أننا نريد الذهاب بصفة شخصية، البحث عن حيلة غير متعبة كأن نقدم أنفسنا كـ” باحثين في التاريخ المختص في العالم الإسلامي”، لان الحدود بالكاد فُتحت والثورة لم تنتصر في طهران إلا منذ خمسة عشر يوما.

من ليلة 28 من فيفري إلى الفاتح مارس، ما كان منذ أسابيع مجرد رغبة غريبة أو حلما شبه مستحيل تحول إلى حقيقة: أقلعنا نحو طهران !

في طائرة عملاقة (747)،و هي ترتفع عاليا في السماء،أخذنا نعلق أنا وصديقي على الأحداث الأخيرة، و التي جمعناها من خلال سيل من معلومات تتدفق يوما بعد يوم منذ شهور عديدة عن عالم غامض.

بحثنا عن تفسير لإحياء عهد المدينة من جديد، عن هذه الصاعقة التي تحاول أن تعيد القرن الحالي والفكر المعاصر إلى الوراء، تاركة إيّاهما في ذهول.

فهل هي ” ميلاد إمبراطورية محمد من جديد”؟أم ” حكم القديسين الذي أعلنه كرومويل (Cromwell )الذي انتظره أوغست كونت من ” العالم المتفاعل “؟أو أنه  معتقد ” الدولة الإيديولوجية ” التي دعا إليها أبو الأعلى المودودي؟ أم هو ظهور ” خير أمة” و التي” تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر” كما بين القرآن الكريم ، حيث أي فرد فيها ملزم بأن يحارب المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك، كما ينص عليه الحديث، أضعف الإيمان؟

ككل منشغل بالقضية، كنا نبحث عن شرح معقول وموزون لهذا الزلزال، الأمر الذي لا تفصل فيه الأحداث السابقة، و لا ما تم إحصاؤه، و لا ما سُجل ضمن قواعد علم الصراعات الداخلية(staseologie)كالتي تمت دراستها مثلا في كتاب ” الظواهر الثورية(les phénomènes révolutionnaires)” لجون باشلار ( Jean Baechler) ، أو ” لقانون الثورات (la loi des révolutions )” لاندريه جوسان(André Joussain) أو قانون “وفاة الأب” حسب فرويد؟

هذا”الخميني” الحبر الذي يحيّيه خمسة وثلاثون مليون على تحدّيه الخالد واستشهاده المجيد، خمس و ثلاثونمليون من النساء ،الأطفال ،العمال الكادحين، والطلبة بالبذلات العسكرية والجينز؟ لم يسبق، و الحال كذلك، أن بدت كل من السياسة، الدول الكبرى، البترول، الإستشراق،، علم الخوارق… بالية، لا معنى لها وقد تجاوزها الزمن كما كان الحال في تلك الفترة.

“أنظروا، هذا ليس شعب جائع، إنها ثورة روحية ” يقول شاب بكل حماس وقوة في طهران إلى كلار بريار( Claire Brière) وبيار بلانشيه(Pierre Blanchet)، صحفيا جريدة ” ليبيراسيون« Libération »” ، واللذان كتبا، بعد عودتهما من إيران حيث أقاما هناك خمسة أشهر كمراسلين للجريدة ، في كتابهم التقريري”إيران، الثورة باسم الله” الآتي:

” الحدث بلا شك لا مثيل له في التاريخ، لقد استلزم قوة غير عادية وإرادة تخرج عن الإطار المألوف لأي فعل ثوري” ثم أضاف الصحفيان الفرنسيان “أن الإيرانيين وجدوها في الدين“.

إذا قُدر لإيران أن تنهار، فكل الشرق الأوسط والقارة الهندية ستنهار معه، الأمر الذي سيجعل إفريقيا مضطرة لأن تنسحب من العالم الحر وتغير موازين القوى” هذا ما استطاع أن يكتبه شاهينشاه(Shahinshah)منذ عشرية في مقدمة كتاب” إيران البهلويين” (L’Iran des Pahlavis ) المُهدى إلى جلالته .

كانذلك في إمكانه، لكن آخر ملك لأكبر عائلة ملكية في العالم، ابن هذا الجندي الروسي يقول ، بعد أن أصبح إمبراطورا في انقلاب قام به العسكر ” أنا ابن سيفي “،آخر الممثلين لستة وعشرين عائلة ملكية اغتصبت السلطة يفترض أنها من أصل كهنوتي أي أخلاقية و رمزية، يخادع ، باسم توازن القوى وأمور أخرى كثيرة.

كما هو حال طغاة كل العالم قديما وحديثا، ملوكا كانوا أم رؤساء، هؤلاء الذين يخادعون ويراوغون من دون أن يضعوا في حسبانهم هذه الموجات العالية غير المتوقعة من حين لآخر، والتي يسوقها التاريخ لدفة السفن كي تحملها في وجهة معينة، وفي الآية القرآنية يقول تعالى عن نفسه “.. وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ”.

مفعمون بحماسة شديدة على أننا ماضون لشيء بنفس أو أكثر أهمية مما حدث سنة 1789 أو 1917، أنستنا سمة الصدفة المميزة لهذا الأمر الذي وصفناه من فرط إعجابنا بـ ” موعد مع التاريخ”.

كنا نحدث أنفسنا أنها حقا الحقيقة، وليست تاريخا بعيدا عنا، وفي غيبتنا، التاريخ المُعلّب الذي عُبث به و الذي لم نعرفه إلا مؤخرا من خلال الكتب و الأفلام، بل التاريخ الذي يغير وجه العالم، على مراحل، يبيده ليولد من جديد، بشكل أفضل أو أسوأ، التاريخ حيث يواجه الإنسان منذ آلاف السنين في صراع لن نعرف له نهاية إلا في اليوم الذي تتفق فيه البشرية على معنى الخير والشر. 

لقد نسينا أننا لا نعرف أحدا في هذا البلد، نجهل لغتهم وعاداتهم، وأنه قد تصيبنا رصاصة طائشة في طهران و كان كل ما نملكه إجمالا و لكل حاجاتنا سوى ما يعادل 700 دج. لكن كل هذا لم يكن يهمنا كثيرا!

تشير الساعة إلى الثامنة والنصف حسب التوقيت المحلي عندما حطت بنا الطائرة في المطار الدولي بطهران.

حوالي ثلاثين شخصا ببذلات نصفها عسكري ونصفها مدني، الإصبع على الزناد والبندقية موجهة في الهواء، و دزينة من رجال المليشيات مكلفون بأمن الطائرات، داخل المطار لا توجد الهيئات الرسمية النظامية: فبدل أعوان الشرطة والجمارك هناك مدنيون. لم يفتشونا أو يطرحوا علينا أي سؤال. نظرة خاطفة على جوازات سفرنا الخضراء، مع ابتسامة على الشفاه لمن عرف أننا “جزائريون”، الدمغة العالمية على الجواز وها نحن في إيران. كل الإجراءات لم تتجاوز عشر دقائق.

خارج المطار، هناك جماهير غفيرة جاءت تنتظر دخول الإيرانيين الذي كانوا برفقتنا من الخارج، كانوا في غاية اللطف والهدوء، كلهم: نفس السمة المرتبة التي نراها عادة في كل المطارات، نفس المجموعات الصغيرة العائلية أو مجموعات الصداقة ، مشاكل الأمتعة نفسها، نفس الطوابير أمام شبابيك الصرف…

لا شيء يوحي أنك في مطار بلد يشهد ثورة من أروع الثورات التي عرفها التاريخ، لا شيء يوحي من خلال مظاهر هؤلاء الناس أن هناك شيء غير عادي. لا مشاعر ولا غبطة ولا حيوية، لا شيء.

كان الجو مشمسا، بدت لنا السماء الآسيوية بزرقة شاحبة، على أيّة حال ليست بنفس السطوع كما هو الحال عندنا في الجزائر. على أبواب المطار، ينادي سائقوا سيارات الأجرة بغير زي رسمي،على الزبائن، يرحبون بك، تماما كسائقي سيارات الأجرة غير النظاميين لدينا.

حاولنا مع كثيرين بينهم لعل أن يتعرف احدهم على العنوان المكتوب بحروف عربية، باللغة الفارسية، لكن بلا جدوى لأنهم لم يعرفوا العنوان، ثم صادفنا أخيرا شخصا ظن أنه بإمكانه مساعدتنا، لكن لم يجد العنوان رغم ما أبداه من حسن نيّة ، وقد توقفنا عشرات المرات نسأل المارة.

التنقلات في طهران العاصمة كان لها أهميتها، لقد استفدنا لنتعرف على المظهر الخارجي للعاصمة ونواحيها، لكن بدأ الغضب يشتد شيئا فشيئا: تسألنا أين ذهبت الثورة؟ هل جمعت حقائبها و رحلت، كل شيء انتهى، وعادت الأمور إلى نصابها، وبهذه السرعة؟ 

لم نر بعد لا مدافع ولا حواجز، ولا أي إشارة من إشارات الحرب، هل نحن في أي مدينة من مدن العالم الكبرى؟ 

بنيت طهران على منخفض، بدون تخطيط هندسي، تبدوا البنايات قديمة جدا، لا روح ولا جاذبية فيها، الشوارع واسعة لكنها مثيرة للاشمئزاز، لا تعطي أي انطباع أنها محل اهتمام من طرف خدمات البلدية، كان الماء متسخا وأسودا يسير على طول الرصيف المشوه أو المخرب، لكن كانت لدينا فكرة عن خدمات” البهلويين” .

الازدحام في الشوارع الكبرى لا يصدق،عرقلة السير التي نراها في الجزائر في ساعات الذروة ليست بشيء مقارنة مع هذا الجحيم الذي نراه هنا. ترى عند مفترق الطرق شباب بزي مدني أكثر منه عسكري مع صفارات وأيادي فارغة يحاولون تنظيم مرور سيل من السيارات والشاحنات والحافلات، دائما، ليست هناك ملامح الهيئة النظامية، إذن لا دولة!

في الواقع، ما هي الدولة بالنسبة للمواطن العادي أو للأجنبي سوى هذه المجموعة من الرموز، هذا الحضور القوي الصارمالإجباري؟، ما هي الدولة سوى هذا العلم الذي يرفرف على بناية رسمية، هذا الشرطي في مركز مفترق الطرق، هذا الدركيّ عند مدخل المدينة أو ذلك الموزع الأنيق ؟

في هذا الفاتح من مارس 1979 لا شيء من هذا كان موجودا في طهران، كما لو أن الدولة قد تمت تصفيتها حتى في أبسط مظاهرها! رغم أن الجو العام يوحي أن كل شيء يسير على ما يرام في الحياة العامة أو العادية، وهذا على الأقل ما تراه عين الأجنبي.

هم يهتمون بثورتهم، كما يهتم غيرهم بهمومهم اليومية.

ترى نشاطا كبيرا في الشوارع وخاصةشوارع العاصمة الآهلة بالسكان.” تشادور” المعروف يذكرنا بـ”الملاية” في الشرق الجزائري لكن بلا نقاب، المحلات مفتوحة والواجهات الزجاجية مزينة ، والسوق ممتليء عن آخره بالأسماك والخضر والفواكه ، لا تجمعات ولا استعراضات، إلا أن هناك آلاف من الشرائط و الرايات المعلقة والكتابات الحائطية.

لكن بالمقابل، ما يلفت الانتباه ويشد النظر،هو تجارة الكتب ووفرتها، جبال من كتب معروضة، حتى على الأرض وفوق الأرصفة، بين كل مائة متر وفي كل زاوية من الشارع… ما يدعو للاعتقاد انه كان ممنوعا وغير موجود من قبل ، كالثمرة المحرمة من بين ثمار كثيرة، والأمر الذي لا يُختلف عليه: أن الشاه لا يسمح إلا بقراءة ما يريده هو، لقد اندهشنا ونحن نجد أمام أعيننا كتاب “وجهة العالم الإسلامي”لمالك بن نبي رحمه الله مترجما إلى الفارسية تحت عنوان ” مستقبل الإسلام”.

صادفنا حواجز من أكياس الرمل في بعض النقاط من المدينة ، كان من الصعب أن نتصور انه قد دارت حرب شوارع عنيفة هنا في طهران منذ خمسة عشر يوما، هذا المظهر غير مألوف، و لنتذكر حال شبيهة لغياب عناصر الأمن عندما غرقت نيويورك في الظلام مدة 24 ساعة، كانت النتيجة أن سجلت ارتفاعا استثنائيا للجريمة.

لم نفهم ما اعتقدناه دلالات عن بلد بلا سلطة إلا لاحقا: إعادة الاعتبار لمفهوم “السلطة” لم يختفي، بل ارتقى، لقد استبدلت المظاهر القانونية بالمظاهر الروحية، ونقلت آثارها إلى ميدان الروح، لقد أصبح واقعا روحيا، ظاهرة وعي، نظرية سقم الدولة وجدت لها ربما تجسيدا لفترة في إيران من جهة، ومن أخرى، نفهم ما كتبه رينيه غينون” الثورة الروحية والسلطة المؤقتة” .

أنهكنا و سئمنا من البحث عن العنوان الذي لن نعثر عليه أبدا، فقررنا العودة إلى الفندق، وعلى آية حال، لم يبق لنا سوى الاتصال برقم الإيراني علي مغتكد ( Ali Moghtaked) الذي أعطاه لنا يوم التقينا في باريس. كان هدفنا واضحا: أن نتجنب بجميع الأشكال السقوط في روتين السياحة، البحث عن اكبر عدد ممكن من الاتصالات، لمس الحقائق، مراقبة الداخل… 

فلا يمكن أن نحلل روح ثورة في غرفة فندق، ولا أن نكتفي بمطالعة ما تكتبه الصحافة وتجميع المعلومات من بيانات فلان أو علان، هذا لا يكفي.

في الفندق لم يطلبوا منا وثائق ولا دفع مسبق، علي مغتكد الذي كان من المفترض أن يلتحق بإيران أياما قبل وصولنا وصل أخيرا، و حدد لنا موعدا لليوم الموالي وحتى نكون في أمان أكبر إلى ذلك، فقد حجزنا غرفتنا.

من المفترض اليوم أن يذهب الخميني ليقيم في مدينة قم ( تُنطق “غوم” بالفارسية”) ، تابعنا عبر الأخبار المتلفزة على الساعة الثامنة والنصف تدخلا له بعد وصوله، عن شكل خطبة كانت مختصرة- الخميني دائما دقيق في خطاباته- يتابع خطابه بنفس نبرة الصوت، فلا تغيير ولا صراخ.

من حين لآخر يرفع ذراعه نحو الأعلى وليست هذه إشارة تبجح بالشجاعة ولا تحد كما هو مألوف عند الديماغوجيين والزعماء الجهلة ، لكن يفعل ذلك ليؤكد على معنى معين، بالنسبة لباقي الخطبة فقد استمعنا جيدا لكنا لم نفهم شيئا.على الساعة الحادية عشر سمعنا طلقات نار، ربما لم تصل الأمور إلى نهايتها بعد…

في اليوم الموالي وعلى الساعة العاشرة جاء السيد علي إلى الفندق بصحبة شخص آخر . وهو الحسين موسوي ( Hussein Mussawi)، مهندس في الميكانيك صاحب الثانية والثلاثين و الذي أمضى ثلاث سنوات في فرنسا.

وهو الذي سنعتمد عليه كثيرا: فقد أنزلنا وسط عائلته. كان جد متواضع وكريم للغاية، هو الذي كان يقوم بترتيب الاتصالات مع الشخصيات التي نود زيارتها ويقود السيارة في تحركاتنا، وأعاننا في الترجمة عندما كنا نتواصل مع من لا يفهمون إلا الفارسية، فهو يتكلم الفرنسية بشكل واضح ويفهم إلى حد ما العربية وإن كان يجد بعض الصعوبات عندما يتكلم أو يجيب بلغتنا، يجب القول أن العربية هي ميزة العلماء عندهم.

بعد الترحيب و التعارف، طلبنا منهم أن يقودونا إلى مكتب طبيب، لأنني أصبت عشية انطلاقنا بالتهاب حاد في الرئتين، و لأن احد إخوة علي يعمل طبيبا اقترح علينا أن نذهب إلى المستشفى حيث يعمل.

في النهاية هي عيادة أو مستوصف يحرسه شاب يرتدي بنطالونا يحمل شكل جلد الفهد وسترة عادية، كان لديه خنجرا في الجانب وسبحة باليد ، قدموا لنا الشاي ( الذي هو عادة الإيرانيين. فقد أسكرونا به)، حكى لنا كيف انتقل من عامل لدى سيتروين ليصبح حارس مستشفى. كان ذلك أيام الجحيم يوم كانت مخابرات السافاك SAVAK تجهز على الجرحى وهم في فترة النقاهة، مسجد الحي وجهّه لهذا المكان حتى يسهر على أمثال هؤلاء.

الزي الرسمي (و أخيرا صادفنا زيّا رسميّا موحدا!) الذي يرتادونه في المستشفى ازرق، كان العتاد قليلا أو تقريبا منعدما، لكن الممرضين كانوا نشيطين، مثابرين مرحين ، أخو علي قام بفحصي وحقني بالبنسيلين، ثم وصف لي الدواء، وبعدها مباشرة دعانا للغذاء عنده.

قبل قليل، عندما كنا عند السيد الثوري الذي اقترح علينا الشاي، لاحظنا أنا وعبد الرحمن غياب معالق صغيرة لنحرك بها السكر في الشاي، فشربنا الشاي من دون سكر ظنا منا أنهم نسوا المعالق، لكن عند أخ علي انفجرنا نحن الخمسة من الضحك: هم عندما رأونا نرتشف شايا بلا سكر مكرهين، ما اعتقدناه في المستشفى أنها مسألة نسيان كان في الحقيقة عادة إيرانية أنهم يقومون بوضع قطع السكر في أفواههم بدل أن تذوب في السائل. فلا حاجة للمعالق وكانت طرفة مضحكة.

سيغادر السيد علي العاصمة طهران ليذهب إلى مسقط رأسه، ومن الآن سنبقى مع السيد حسين، وخلال ساعات من تعاملنا معه أعطانا انطباعا وكأننا نعرفه منذ زمن. كلما حاول احدنا أن يشكره أو أشعره بإثقالنا عليه كان يستشهد دوما بالآية القرآنية ” إنما المؤمنون إخوة ” والله وحده يعلم كم أتعبناه.

الإخوة الإسلامية في إيران ليست كلمة هكذا تلاك بالألسن، بل هي حقيقة متحركة، ومما أدهش حسين – باعترافه هو- أن يعرف أننا أتينا من بلد بعيد وفي ظروف كهذه فقط لـ” لنرى هذا”.

وفي الأخير، يجب أن نتذكر الإجلال الذي تتمتع به “ثورة المليون شهيد” لديهم، فقد شرح لنا فيما بعد السيد مخالفة، الملحق الثقافي للبعثة الجزائرية هذا الآمر من خلال أمثلة بليغة.

أما بالنسبة لنا، فعلامات هذا التقدير العظيم والمخلص ستظهر لنا حيثما ذهبنا وعلى كل مستويات اللقاءات، في أشكال جد مؤثرة، لم يكن علينا أن نظهر أوراقنا لأحد، ولم ترفض استقبالنا أي شخصية طلبنا لقاءها. كل الناس يسألوننا باهتمام و إصرار عن بلدنا، انجازاته،أوضاعه السياسية…

وضعنا مع حسين برنامج زيارات واتصالات يتماشى حسب مدة الرحلة:

نبدؤه بزيارة مساجد عديدة، جامعة طهران، مقر الإذاعة والتلفزيون، مركز العمليات والبحث للعملاء الجدد والقدامى للسافاك، مركز الشباب الذي تديره منظمة “مجاهدي خلق إيران”، وكذا رئاسة الأركان للمنظمة البهلوية السابقة، و”حسينية الإرشاد” حيث كان ينشط الدكتور علي شريعتي قبل نفيه ثم اغتياله في لندن، معهد العلوي حيث أقام أية الله الخميني مدة، محل المقر العام لآية الله تاليغاني، مقر”صحيفة طهران” للمستقلين الذين انشؤوا مجمعا للصحافة ” et-Taleaãt” و أخيرا المتجر العام المشهور. هذا في طهران. 

أما في مدينة قم، سنقوم بزيارة مسجد” الفايزية” و مقر ” دار التبليغ الإسلامي” و ” الفاطمية” والمقر العام لآية الله شريعة مداري، وبعض المكتبات الخاصة والعامة ومعاهد التعليم الإسلامي.

أما بخصوص اللقاءات فسنلتقي أساسا بـ:مسؤولي المساجد، “الملالي”، الطلبة والإطارات، مدير التلفزيون،مؤسس “الحزب الجمهوري الإسلامي”، السيد بهشتي،الفيلسوف جعفري،عضو اللجنة المركزية التي تدير شبكة المساجد،ثلاثة مسؤولين من “مجاهدي خلق”، وفي الأخير، عضو من الحكومة الحالية الذي سيصبح هو الممثل السامي لآية الله الخميني”السيد باني الصدر”.(ملاحظة: الذي أصبح أوّل رئيس لجمهورية إيران الإسلامية).

وللإشارة أيضا، في طهران، هناك مؤتمر حوار بين الأساتذة وطلبة معهد العلوي، ومؤتمر آخر للنساء في مسجد بضواحي جنوب طهران، وفي قم حيث سنبقى هناك ستة وثلاثين ساعة فقط ، سنتحاور خصوصا مع البروفيسور والكاتب كسروشاهي (Khosrochahi) الذي زار الجزائر مرات عديدة.

من خلال هذه المقابلات المتعددة واللقاءات غير المتوقعة التي عشناها خلال هذه الرحلة في الثورة الإيرانية، بقيت لنا ذكريات خالدة، لكن على الصعيد الإنساني ، الذكرى الخاصة التي سنحتفظ بها دوما  كانت مع الفيلسوف جعفري الذي ألف عشرات المجلدات عن جلال الدين الرومي، والذي استقبلنا في مكتبته الضخمة ولم يستطع أن يتمالك دموع الفرح أثناء مناقشة هادفة كنا نعلق فيها على نص لنيتشه حول الإسلام… (يتبع)

جريدة “المجاهد” في 02 جوان 1979

موقع الجزائر اليوم 29 مارس 2017/ 02 ماي 2020 

You may also like

Leave a Comment