Home مقالاتإشكالية الإسلام1979-1970الاسلام :مادية ام مثالية؟

الاسلام :مادية ام مثالية؟

by admin

ترجمة بوزيان فرحات

 
حاولت العقول التي كانت تتأمل الكون، طبيعته وأصوله ، أن تشبهه دوما بآلية منتظمة بشكل مذهل حيث كل شيء فيها يسير بأوامر، من الحركة المعقدة للنجوم، و التركيب الجزئي للخلية، إلى تكيف الكائنات الحية مع تغيرات المحيط، يوجد تجانس تام أدهش الإنسان وجعله يفكر دوما في فهم الكون، قال تعالى: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، وما أمرنا إلا وحدة كلمح بالبصر” (القمرالآية 49-50)
وقال تعالى :”سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ ..” ( فصلت الآية 53).


تساءل الكائن البشري(homo sapiens) في تاريخه الألفي، عن الظواهر التي تصدم فهمه أو تتجاوزه محاولا أن يجد لها تفسيرا بداية من أسطورة أطلس(Atlas) المُعاقب من طرف زيوس(Zeus)ليحمل السماء على كتفيه، إلى النظريات الآلية لفلاسفة القرن الثامن عشر. 

مختلف التركيبات النظرية التي حاولت أن تقدم إجابة مقنعة لأسئلة ملحة نتج عنها تدريجيا تياران، كلاهما يشرح الظواهر الكونية على طريقته، التيار ” الروحي” أو ” المثالي” والتيار ” المادي” هذان النزعتان تولدا عنهما صراعا حول مسألة أساسية، وهي هل كانت هناك عملية خلق.

بمعنى هل أصل هذا الكون كان لأسباب طبيعية أم لأسباب خارقة تتجاوز الطبيعة؟ بالنسبة للماديين، كل ما يوجد أساسه و أصله المادة، ويتحججون في ذلك بالعلم وينكرون أطروحات القائلين أن المادة لم تنتج نفسها بل لا بد لها من خالق، وإن كنا نتقاسم قناعة الرأي الثاني لكن لا نتقاسم معهم الأدلة التي قدموها لتعضد رأيهم، وهذا ما خلق هوة بيننا.


الغاية من هذه المقدمة المختصرة أن نصل إلى الهدف الحقيقي لموضوعنا والذي يتجلى في السؤال التالي: ما هي المكانة التي يجب أن يحتلها الإسلام- و الذي يحمل تصورا للكون- بين كل هذه المحاولات التي تحاول فهم ألغاز الطبيعة، وهل يجب أن نلحق الإسلام بأحد التيارين؟ سريعا و بدون تردد، نجيب أن الإسلام يرفض معالجة الإشكالية بهذه الطريقة، وكذلك الفصل بين” المثالية” و”المادية“، فهذا لا معنى له في الإسلام لأنه  يأخذ من الاثنتين  و يلخصهما في واقعية فلسفية أصيلة. كيف ذلك؟ 


تعطي لنا قراءة القرآن الكريم رؤية مجملة للطبيعة والإنسان وصيرورتهما. مادية الكون مرتبطة بالسمو الإلهي، وظواهر الكون ليست معزولة عن بعضها البعض و ارتباطها معا ليس له نهاية.

وتعلم الإنسان أن يستعمل قوانين الطبيعة ليصل إلى المعرفة، و نجد إشارات عن ذلك في القرآن الكريم: قال تعالى:”إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ،الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ…”( آل عمران190-191).

لقد اكتشف العقل البشري النظام الطبيعي، سنن الله الذي لا يمكن أن تكون في تناقض معه:” …كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” (ابراهيم-1) وهكذا نجد أن الوحدة بين الفكرة والمادة لم تتحقق إلا من خلال تصور مركب نجح فيه القرآن الكريم وحده.

الإسلام ومنذ مجيئه، و التاريخ يشهد بذلك، لم يتناقض ولم يكن يُناقض الاكتشافات العلمية التي يضعها في المقدمة. ” يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ” (الرحمن-33)، و نحن نعرف جيدا أن هذه المحاولة لم تبدأ إلا منذ عشر سنوات مع أول صعود إلى الفضاء. لقد حرر الإسلام الإنسان نهائيا من كل قيود و حثّه حتى على ما لم يكن متخيلا منذ أربعة عشر قرنا: غزو الفضاء.

الإسلام هو المذهب الوحيد والفلسفة الوحيدة اللذان فهما وشجعا طموحات الإنسان، حتى التي كانت سابقة لعصرها، آية قرآنية أخرى تمثل تحديا حقيقيا ضد الشك والكفر وتعتمدعلى اليقين القرآني أمام الشك: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء-82)، وبالرغم  من أن ليست الرغبة هي التي تنقصهم، لكن القران  لم  يفسر و لم يكن ممكنا أن يفسر  لان المعارف الأكثر جرأة  لم تستطع ولن تستطيع أن ترمي بشيء من الشك على أي تأكيد، بما فيها تلك التي لم و لن ينقصها أن تتأكد و في توافق تام مع الاكتشافات الحديثة.

وفي الأخير، نورد مثالين للسلوك يعكس رؤيتان مختلفتان للفكر.

ففي اللحظة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدفن ابنه إبراهيم حدث كسوف وترك الناس في دهشة ، لقد تصوروا تدخلا إلهيا معتقدين أن الشمس و القمر يبكيان موت ابن رسول الله، لكن هذا الأخير  رد بحكمته قائلا: ” إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد….”. 


وتحت عنوان “الدليل حاسم على عدم وجود الروح ” يقول: أ. ياخو O. Yakhot” أثناء حرب 39-40 سقط الجندي تشير يبانوف Tchérépanov جريحا، كان تشخيص حالته نزيفا حادا وصدمة من الدرجة الثالثة، ساءت حالته وفقد الوعي، كُتب على بطاقته : مات في الثالث من مارس 1944 على الساعة 19 نتيجة نزيف، وفي هذه الأثناء دخل البروفيسور نيغوفسكي Negovsky. وبفضل عملية إنعاش نجح أن يعيد له ضربات القلب والتنفس، و يعيد إليه الحياة، وبعدما استيقظ سأله عما وقع له فقال:” لقد أعدتموني من العالم الآخر، يبدو أني كنت ميتا”،” وماذا رأيت في العالم الآخر؟”،” لقد فقدت الوعي قبل موتي ولم أستطع العودة إلا بعد نهاية العملية، فأنا لم أدرك موتي”.

و هنا يتعجب المؤلف: ” وهكذا، فهذه شهادة عائد من العالم الآخر، لم ير شيئا هناك.”

جريدة «المجاهد” 27 أكتوبر 1972 

موقع الجزائر اليوم 28 أفريل 2020 

You may also like

Leave a Comment