Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1979-1970‏ الطيب، الصحافة والشرير

‏ الطيب، الصحافة والشرير

by admin

ترجمة ساعي عايدة

آه كم هي الطبيعة متقلبة! هي لا تحابي أحدا، إذ تستجيب حينا لمن تحب، و تخيب أمل من تريد حينا ‏آخر، و هكذا دواليك تمضي الأيام و تتعاقب بين هذا المد و الجزر.في واحد من مظاهر الإختلاف ‏البشري المتعددة، هناك من يحبون أن يُتحدث عنهم، أن يُعرفوا و يشار لهم بالبنان، أن تُرى صورهم في ‏الجرائد…الخ متطلعين إلى” العلى”، بينما هناك من يفضلون التخفي و البقاء في الظل ينشدون السلام و ‏السكينة.‏

يمكن أن يكون الأوائل فنانين، تجار، ثرثارين أو مجرد نرجسين عاشقين لذواتهم…قد تكون الشهرة ‏بالنسبة لهم و لأسباب مهنية، اقتصادية، نفسية أو غيرها، مهمة جدا.إنّما، وهذا المسلي في سير الأمور، ‏هم لا يحصلون عليها أبدا، وهذا يثير استياءهم. 

في حين، ممكن أن يكون الآواخر موظفين من نوع خاص، متواضعين بطبعهم، منعزلين قساة ‏أو…أشرار. هؤلاء يكرهون ويتهربون من الإشهار لكنهم رغم ذلك ينتفعون منه من حين لآخر وهم عنه ‏راغبون…!‏

لا يقفز الشرير فرحا أبدا عندما يرى جريدة ما تُشهّر بسحنته الجميلة، لتثير إعجاب الآخرين، فهو لا ‏يتطلع إلى رسائل مجاملة. بالرغم من ذلك، كل الجرائد، عدا بعض الإستثناءات، تهتم بتكريم هذا النوع ‏من البشر وتفتح له صفحاتها بملء إرادتها.‏

وعلينا أن نعترف أن الجمهور أيضا لا يرفض هذه الوليمة المعروضة. وعلى اعتبار أن الأذواق لا ‏تُناقش، علينا أن نقبل ذوق أولئك المولوعين بالألغاز البوليسية، الفضائح والخوارق. بالمناسبة هناك ‏صحافة مختصة في هذا المجال، وهي تعرف جيدا نقطة ضعف هؤلاء السذج من الجمهور، فتطبع عددا ‏لا بأس به من النسخ (هناك من يطبع ملايين النسخ في اليوم). وباختصار، هذا من الواقع ولا يمكننا فعل ‏أيّ شيء إزائه.‏

نصل الآن إلى أحداثنا نحن. أن تخبر العامة بتوقيفات الأشرار، حبك الكمائن، تحقيقات الشرطة الناجحة ‏شيءٌ جميل في حد ذاته، لو لم تكن هذه النية النبيلة سلاح ذو حدين. فإذا كانت تشهد على مجهودات ‏الأمن الوطني، وإذا جاءت لتطمئن المواطنين الشرفاء قليلا، هي بالموازاة تخلق روحا معينة وجوا غير ‏مريح.

إذ عندما نتحدث يوميا عن السرقة، الاعتداءات، المتاجرة بالمخدرات، الإعتداء على القُصر، مع عرض ‏الصور الكارثية للفاعلين، يولد، يشجع ويرسي الإعلام هنا سوء الظن، يرسم الشك، المرارة، بل ممكن ‏أن يُسبب “ذهانا” (الكلمة هنا ربما قوية) لدى الكثير من الأشخاص: أولئك الذين يسكنون الأماكن النائية، ‏العائلات التي يعمل معيلها ليلا، النساء اللواتي يتنقلن ويسافرن، سيارات الأجرة، أصحاب الخدمة ‏الليلية، الزوار الغرباء، من يحتاجون لسحب أموالهم…الخ.‏

كل ما يشبه مشاعر الصدمة، الرعب، الضعف، الخوف غير المبرر يعكر رويدا التوازن النفسي من ‏جهة، ومن جهة أخرى هناك المهتمين بالظاهرة (المشتركة بين المجتمعات) والذين يبالغون عن دراية ‏منهم بالإسهاب في أفكار مثل “تزايد” الجريمة، التسيب ” المقلق”، “الإفلاس” الأخلاقي، “فساد” ‏المجتمع الجزائري… و يستقرؤنها أو يوسعونها نحو اعتبارات أخرى.‏

فلنحاول الآن عكس المشكل، ولنفكر في الروح التي تقود عموما الانطباعات الواثقة، التفاؤل، طمأنينة ‏هؤلاء الأشخاص. إذ بدل قراءة تقرير سوء وشر ما، فليقرؤا آخرا عن إنجاز سامٍ، عمل خيري، مساعدة ‏شخص ما في خطر، استعادة شيء ذو قيمة كبيرة كان قد فُقد، تبني يتيم من طرف عائلة ما…الخ.‏

لحسن الحظ، ليست الأفعال الخيرة هي ما ينقصنا مع كرم أبناء أمتنا في حياتهم اليومية. اعتقد أن العامة ‏سيبتسمون بصدق أكبر عندما يشعرون خُفية بالدفء الإنساني، بالثقة في خيرية الآخر، بأمل يوازن ‏ويعدّل بُئس يومياتهم. سيتولد بهذا جو آخر، وستحدد السلوكات نفسية أخرى. ستصبح المحفزات اقل ‏أنانية وستُجسد الأخوية إلى أفعال في كل حين.‏

تعتبر ظروف الوسط الاجتماعي أساسية، لسيرورة ثورة تحتاج إلى تطهير ثقافي حقيقي كي تصنع ‏الرجال الذين يقودونها إلى النجاح. يتم تلقي ومتابعة الأفعال الخيرية بشكل أفضل، ويكون تأثيرها أكبر ‏على الذهنيات من إدانة جنحة ما. عندما نفتح أي ّجريدة، سنفضل بالتأكيد أن نجد صورة مرفقة بـتعليق ‏‏” هذا الرجل قدم الخير ” على أن نقرأ ما تعودناه ” هذا الرجل نصاب”.‏

عندما نطهر عالم أفكار أيّ مجتمع، ونطبع على جبهته معنى الخير، سينتج الشر، الجرائم والكراهية ‏بشكل اقل. و في مجتمع كهذا لن نخشى مصادفة ديوجانس (‏‎ DIOGENE‏)(1) ثانٍ يتجول في الشوارع ‏و هو يمسك مصباحا في وضح النهار و يردد : ” أنا ابحث عن إنسان، إنسان شريف ” .‏

‏(1)‏ ديوجانس الكلبي هو فيلسوف يوناني

جريدة “المجاهد” 24 نوفمبر 1971‏

You may also like

Leave a Comment