ترجمة ساعي عايدة
آه كم هي الطبيعة متقلبة! هي لا تحابي أحدا، إذ تستجيب حينا لمن تحب، و تخيب أمل من تريد حينا آخر، و هكذا دواليك تمضي الأيام و تتعاقب بين هذا المد و الجزر.في واحد من مظاهر الإختلاف البشري المتعددة، هناك من يحبون أن يُتحدث عنهم، أن يُعرفوا و يشار لهم بالبنان، أن تُرى صورهم في الجرائد…الخ متطلعين إلى” العلى”، بينما هناك من يفضلون التخفي و البقاء في الظل ينشدون السلام و السكينة.
يمكن أن يكون الأوائل فنانين، تجار، ثرثارين أو مجرد نرجسين عاشقين لذواتهم…قد تكون الشهرة بالنسبة لهم و لأسباب مهنية، اقتصادية، نفسية أو غيرها، مهمة جدا.إنّما، وهذا المسلي في سير الأمور، هم لا يحصلون عليها أبدا، وهذا يثير استياءهم.
في حين، ممكن أن يكون الآواخر موظفين من نوع خاص، متواضعين بطبعهم، منعزلين قساة أو…أشرار. هؤلاء يكرهون ويتهربون من الإشهار لكنهم رغم ذلك ينتفعون منه من حين لآخر وهم عنه راغبون…!
لا يقفز الشرير فرحا أبدا عندما يرى جريدة ما تُشهّر بسحنته الجميلة، لتثير إعجاب الآخرين، فهو لا يتطلع إلى رسائل مجاملة. بالرغم من ذلك، كل الجرائد، عدا بعض الإستثناءات، تهتم بتكريم هذا النوع من البشر وتفتح له صفحاتها بملء إرادتها.
وعلينا أن نعترف أن الجمهور أيضا لا يرفض هذه الوليمة المعروضة. وعلى اعتبار أن الأذواق لا تُناقش، علينا أن نقبل ذوق أولئك المولوعين بالألغاز البوليسية، الفضائح والخوارق. بالمناسبة هناك صحافة مختصة في هذا المجال، وهي تعرف جيدا نقطة ضعف هؤلاء السذج من الجمهور، فتطبع عددا لا بأس به من النسخ (هناك من يطبع ملايين النسخ في اليوم). وباختصار، هذا من الواقع ولا يمكننا فعل أيّ شيء إزائه.
نصل الآن إلى أحداثنا نحن. أن تخبر العامة بتوقيفات الأشرار، حبك الكمائن، تحقيقات الشرطة الناجحة شيءٌ جميل في حد ذاته، لو لم تكن هذه النية النبيلة سلاح ذو حدين. فإذا كانت تشهد على مجهودات الأمن الوطني، وإذا جاءت لتطمئن المواطنين الشرفاء قليلا، هي بالموازاة تخلق روحا معينة وجوا غير مريح.
إذ عندما نتحدث يوميا عن السرقة، الاعتداءات، المتاجرة بالمخدرات، الإعتداء على القُصر، مع عرض الصور الكارثية للفاعلين، يولد، يشجع ويرسي الإعلام هنا سوء الظن، يرسم الشك، المرارة، بل ممكن أن يُسبب “ذهانا” (الكلمة هنا ربما قوية) لدى الكثير من الأشخاص: أولئك الذين يسكنون الأماكن النائية، العائلات التي يعمل معيلها ليلا، النساء اللواتي يتنقلن ويسافرن، سيارات الأجرة، أصحاب الخدمة الليلية، الزوار الغرباء، من يحتاجون لسحب أموالهم…الخ.
كل ما يشبه مشاعر الصدمة، الرعب، الضعف، الخوف غير المبرر يعكر رويدا التوازن النفسي من جهة، ومن جهة أخرى هناك المهتمين بالظاهرة (المشتركة بين المجتمعات) والذين يبالغون عن دراية منهم بالإسهاب في أفكار مثل “تزايد” الجريمة، التسيب ” المقلق”، “الإفلاس” الأخلاقي، “فساد” المجتمع الجزائري… و يستقرؤنها أو يوسعونها نحو اعتبارات أخرى.
فلنحاول الآن عكس المشكل، ولنفكر في الروح التي تقود عموما الانطباعات الواثقة، التفاؤل، طمأنينة هؤلاء الأشخاص. إذ بدل قراءة تقرير سوء وشر ما، فليقرؤا آخرا عن إنجاز سامٍ، عمل خيري، مساعدة شخص ما في خطر، استعادة شيء ذو قيمة كبيرة كان قد فُقد، تبني يتيم من طرف عائلة ما…الخ.
لحسن الحظ، ليست الأفعال الخيرة هي ما ينقصنا مع كرم أبناء أمتنا في حياتهم اليومية. اعتقد أن العامة سيبتسمون بصدق أكبر عندما يشعرون خُفية بالدفء الإنساني، بالثقة في خيرية الآخر، بأمل يوازن ويعدّل بُئس يومياتهم. سيتولد بهذا جو آخر، وستحدد السلوكات نفسية أخرى. ستصبح المحفزات اقل أنانية وستُجسد الأخوية إلى أفعال في كل حين.
تعتبر ظروف الوسط الاجتماعي أساسية، لسيرورة ثورة تحتاج إلى تطهير ثقافي حقيقي كي تصنع الرجال الذين يقودونها إلى النجاح. يتم تلقي ومتابعة الأفعال الخيرية بشكل أفضل، ويكون تأثيرها أكبر على الذهنيات من إدانة جنحة ما. عندما نفتح أي ّجريدة، سنفضل بالتأكيد أن نجد صورة مرفقة بـتعليق ” هذا الرجل قدم الخير ” على أن نقرأ ما تعودناه ” هذا الرجل نصاب”.
عندما نطهر عالم أفكار أيّ مجتمع، ونطبع على جبهته معنى الخير، سينتج الشر، الجرائم والكراهية بشكل اقل. و في مجتمع كهذا لن نخشى مصادفة ديوجانس ( DIOGENE)(1) ثانٍ يتجول في الشوارع و هو يمسك مصباحا في وضح النهار و يردد : ” أنا ابحث عن إنسان، إنسان شريف ” .
(1) ديوجانس الكلبي هو فيلسوف يوناني
جريدة “المجاهد” 24 نوفمبر 1971
