ترجمة بوزيان فرحات
“يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا، لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ “)الرحمن الآية 33 (
منذ أن أخذ مصطلح التقدمية معنا سياسيا، أصبح من المعلوم والمفهوم أنه حالة ثورية تتبنى فكرة تغيير ثوري للمجتمع والنظام السائد ( ارتضينا هذا التعريف، على اختصاره، لأنه كاف ليوضح معنى هذا المصطلح في أذهاننا).
لكننا نلاحظ و من خلال التيارات الفكرية السائدة في أيامنا هذه، أن هذا المفهوم لا يشمل كل فكرة تغيير ثوري بل يشير إلى فكرة واحدة وهي ماركسية لينين (الزعيم الروسي ).
في الحقيقة، يظهر ذلك جليا في كل حوار مع أنصار هذا المذهب أو في كل قراءة لمؤلفات كتاب شيوعيين، فالتقدمية هي وقف على هذه الفلسفة التي استأثرت بها واصطبغت بها حصريا.
إذ هي الوحيدة التي تتبنى المادية الجدلية التي تنسبها لنفسها و تنكرها على كل إيديولوجية أخرى. المادية والتقدمية، في نظرهم، مرتبطين ارتباطا وثيقا. و عليه لا يمكن أن تكون تقدميا مالم تكن ماديا.
سيكون استفهامنا مشروعا لو تساءلنا لماذا الشيوعية وحدها تدّعي امتلاك هذه الخاصية التقدمية، مادام تعريف هذا المفهوم يفتح المجال واسعا لأي إرادة تغيير (فلسفيا كان أم دينيا)؟
هل علينا أن نؤمن أن أي تغيير واقع خاضع للفقر،الاستغلال والظلم ،ليس له إلا معنا واحدا وأن إصلاحه لا يكون إلا عن طريق المثالية الشيوعية؟ القبول بهذا يعد من الديماغوجية الصبيانية و التعصب الأعمى.
بالنسبة للينين :” المسألة لا تطرح إلا بهذا الشكل، هناك إيديولوجية برجوازية وأيديولوجية اشتراكية، لا منطقة وسطى بينهما، لأن البشرية لم تنشئ إيديولوجية ثالثة “. (من كتابه ” ما العمل” Que faire؟).
كيف لنا أن نقيّم جزما قاطعا وفصليا مثل هذا ؟
بالنهاية صرح لينين بالفكرة التي تسيطر على عقله.الشيوعية أو الليبرالية هما احتمالان للاختيار بينهما، طريقان للقيادة السياسية، لكن احدهما أكثر مادية من الآخر. لكن هل في هذين المصطلحين تكمن مشكلتنا ؟ لا نعتقد ذلك.
من أجل النطق بمثل هذا الحكم يجب ابتداءا أن نكون قد عرفنا ودرسنا كل الإيديولوجيات الناشئة لترتيبها و تصنيف ولائها لأي جهة. رغم ان لينين تسرع في التأكيد على عدم وجود إيديولوجية ثالثة “المنطقة الوسطى” (سواءا عن جهل أو عن معرفة بالأسباب).
كمسلمين تأكيد كهذا يحملنا على الاعتراض لأننا نرى أن الإسلام يمثل هذه الإيديولوجية التي ينفي لينين احتمال وجودها.
أكد غارودي أحد ممثلي الماركسية المشهورين نفس الفكرة في محاضرة ألقاها بالجزائر سنة 1965 حول ” الثقافة الإسلامية والإنسانية المعاصرة”.
وهذا ما قاله و هو يتحدث عن ” اتفاق أفكاره الفلسفية (الماركسية) مع التقدمية الملازمة للدين الإسلامي” و”تناقضه مع الفكرة الرئيسية لماركس (الدين أفيون الشعوب):” ماركس في تلك الفترة لم يكن عنده إلا خمس وعشرين سنة. فلم يكن بالنضج الكافي الذي يخول له الحديث بجدية عن هذه المشكلة. إذا كان هناك ماركسيين آخرين تبنوا نفس الفكرة فإنها لا يمكن أن تقاوم حكم التاريخ، على الأقل بالنسبة للإسلام“.
إذا عبر غارودي هكذا فلأنه لا يستطيع أن يتجاهل أمرا أساسيا، وهو أن الإسلام لا يمكن أن يمثل ذلك الدين الذي يحاربه الماديون الأكثر عداءا للظاهرة الدينية. بداهة، كان يجب أن ننتظر ما أضافه الفيلسوف اللامع:” ليس هناك تناقضا بين الإسلام والماركسية” الشيء الذي يعكس وجهة نظره و طريقة تفكيره.(ملاحظة: سنوات بعدها اعتنق غارودي الإسلام).
نعرف أن المدرسة الماركسية هي تتويج لقضية المادية، فقد كتب ماركس وفكر في سياق أوروبي. وهذا من خلال نقده للنظم الاجتماعية والاقتصادية و الإيديولوجية لأوروبا حيث أسس مذهبه.
و إن وجد له صدى و حقق به نجاحا فلأن الأرضية فكريا كانت مهيأة لذلك. حيث أوروبا الممزقة بالبؤس والاستغلال فكما يقول سانت اوغستين في كتابه (مدينة الله):” إن الله جعل الرق عقوبة للذنب وان الرغبة في رفعه سيكون ضد إرادة الله ” .
مجتمعا قدس الديكتاتورية زمنا طويلا باسم الحق الإلهي. كنيسة وإقطاعية تعظ الناس برفض كلي لمتاع هذه الحياة الدنيا رجاءا في سعادة أحسن. يقول ماثيوا في كتابه (موعظة على الجبل):” لا تجمعوا شيئا من الثروات في الحياة الدنيا ، لا تقلقوا على حياتكم ، ولا على ما تأكلون أو تشربون“.بالنهاية، ما كانوا يحلمون به لن يكون سوى استمرارية كارثية لما هم فيه.
مادية القرن الثامن عشر كان لها خصيصا دور سياسي، تمثل في طرح فلسفة الحرية والكفاح ضد الطغيان والحكم المطلق و الاغتصابات المتواصلة من طرف الكنيسة الكاثوليكية، أما مادية القرن التاسع عشر فقد عابت على الكنيسة ديماغوجيتها وبغضها للتطور العلمي. طالبوها بتصفية الحسابات: لقد كان برونو(Bruno) ، كوبرنيك (Copernic) وغاليلي (Galilée) شهداء و أبطال صراع العلم ضد الظلامية.
ثم جاءت الماركسية التي تنكر بشكل منتظم الاحتكار الغريب للفكر المسيحي.
ولم تستطع المسيحية التي أنشأت ورسمت الحياة في أوروبا خلال قرون الوقوف في وجه هذا الهجوم، فالجراح كانت كثيرة والمقاومة كانت هشة. يقول هنري ديسروش (H. Desroches) في كتابه ” الماركسية والدين “: ” بالنسبة لأنجل وماركس ،الدين العالمي الذي يندرج تحت النصرانية هو الدين الحقيقي للإنسان العالمي أو على الأقل الإنسان كمفهوم تجريدي عالمي“.
ومن هنا أتى الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثير من الشباب وهو دمج كل الأديان في المسيحية التي عرّفوا الدين على أساسها و التي حاربها الفلاسفة الملحدون.
هذا الخطأ جرهم إلى الاعتقاد” أنها الدين الحقيقي للإنسان”، مستغلين في ذلك الضربات القاضية للعقلانيين والموسوعيين والعلميين والماركسيين، وأنها الممثل الوحيد لكل الأديان التي تصيبهم بعدواها وتجعلهم نوعا ما ك”فروع” لها تدفع الثمن من اجلهم.
ولأن الماركسيين كانوا فخورين بهذا “الانتصار الهام” فقد اعتقدوا أنهم قضوا على “المثالية” سواء كانت المسيحية أو مثالية باركلي.(Berkeley) وهكذا لماذا يجب علينا أن نتحفظ على كل فكر تعميمي.
لو تساءلنا لماذا ماركس وغيره من الناكرين لم يتكلموا عن الإسلام بالتحديد، ببساطة لأنهم كغربيين كانوا خاضعين إلى أفكار تلقوها من قبل، فلم يعرفوا الدين الإسلامي وبالتالي فتفكيرهم يضعهم فوق كل حكم ديني مسبق. يقول غوستاف لوبون في كتابه ” حضارة العرب “:” الأحكام الوراثية المسبقة التي ندرسها حول الإسلامية و إتباعها هي مجموع ما تلقيناه خلال قرون خلت ولا يمكن أن تكون جزءا من منظومتنا “
فأنّى للنقد الماركسي أن يهتم بالدين الإسلامي الذي لا علاقة له بالفلسفات الليبرالية ؟
إنّ سمو و أصالة الإسلام تكمن في رفضه للمبالغة وطبيعته الوسطية ، فإذا كان يسمح بالملكية الخاصة فإنه يضع لها حدودا وشروطا على الأقل في التيسير الذي يجب أن يكون مضمونا للجميع. فكل شيء لله ومالك الشيء ليس إلا عاملا يجب أن يستعمله لغايات حددها الله “ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ” (سورة القصص-60).
فاستغلال الإنسان ممنوع ولا احد يحق له أن يستعمل قريبه كبهيمة. ولا تمييز بين البشر إلا بالتقوى:
– في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “..إن لنفسك عليك حقا“، وفي آخر” أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ “.
– “إنّا لا نركع و لا نسجد إلا لله” كانت الكلمة الخالدة التي رد بها جعفر بن أبي طالب أمام جمع من القساوسة أمروه بالسجود للنجاشي حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا له.
فالإنسان قبل أن يكون جزءا من مجتمع فهو مخلوق لله . قال تعالى: “ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا “(الإسراء-70) فالمسلم له قيمة خفية عند الله يجب أن يوليها أهمية كبيرة.
والرق مرفوض في الإسلام: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث:” الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ…” و قال”كلكم لآدم وآدم من تراب“، ومن أحب الأعمال إلى الله تحرير الرقيق إذ يقول”.. فَكُّ رَقَبَةٍ “(البلد-13).
أما بالنسبة للعلم والتطور والعمل، فهي واجبات لها نفس المنزلة كغيرها:قال تعالى” وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا “(طه-114)،” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ “‘(الرعد-11)، و في الحديث “الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ“، وفي آخر” مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ “.
و هناك العديد من الآيات والأحاديث في ذات السياق، بقى أن نُدكّر أن الإسلام فوق كل الانتقادات والرفض الذي يطال الأديان الأخرى التي تعتبر” أفيون الشعوب”.
الروح النقدية التي ترضى أن تدرس وتحلل المعنى القرآني بكثير أو بقليل من الموضوعية والحياد ستجد أن الإسلام دين البشر في كل زمان ومكان، انه الدين الوحيد القادر على الاستجابة لكل متطلبات البشر في القرن العشرين. متطلبات الإنسان والتقدم و العلم والحرية.
وفي هذا الإطار، يبقى الإسلام هو دين التقدمية. وليست التقدمية التي يفهمها بعض الأشخاص (سياسية الصفحة البيضاء والاستيراد الإيديولوجي، احتقار التاريخ و الأصول). لكن، التقدمية التي تدعوا إلى تغيير أوضاع مزرية وصعبة نعرفها ونعيشها.
و من هنا، فلسنا بحاجة إلى استيراد مذاهب وفلسفات، لان ما يزخر به الإسلام كاف جدا لكن لمن يحسن استعماله الاستعمال المرجو.
جريدة” المجاهد”62 نوفمبر 1970
موقع الجزائر اليوم 21 أفريل 2020
