الغَريبَةُ الأُولَى: وُضِعَتْ أَوَّلُ دَساتِيرِ كُلٍّ مِنَ المَغْرِبِ وَالْجَزائِرِ تَقْرِيبًا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ:المَغْرِبُ سَنَةَ (1962)، وَالْجَزائِرُ (1963).وَقَدْ أَعْلَنَتْ وَثِيقَةُ أَوَّلِ نُوفَمْبَرَ 1954 أَنَّ الْجَزائِرَ الْمُسْتَقِلَّةَ سَتَكُونُ «جُمْهُورِيَّةً دِيمُقْراطِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً».
لِذٰلِكَ، كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ نَجِدَ هٰذِهِ الْعِبَارَةَ فِي أَوَّلِ دُسْتُورٍ جَزَائِرِيٍّ سَنَةَ 1963، وَلٰكِنَّ الْمُفَاجَأَةَ أَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ لَا فِي دُسْتُورِ 1963 وَلَا فِي الدَّسَاتِيرِ اللَّاحِقَةِ (1976، 1989، 1996، وَ2020).وَبَدَلًا مِنْ ذٰلِكَ، تم اختيار صِيغَةٌ أُخْرَى: جُمْهُورِيَّةٌ دِيمُقْراطِيَّةٌ وَشَعْبِيَّةٌ».واندهشت عندما وَجَدْتُ أَنَّ الصِّيغَةَ الْوَارِدَةَ فِي نِداءِ أَوَّلِ نُوفَمْبَرَ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَادَّةِ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِ دُسْتُورٍ مَغْرِبِيٍّ سَنَةَ 1962، وَتَنْصُّ عَلَى مَا يَلِي: «الْمَغْرِبُ مَمْلَكَةٌ دُسْتُورِيَّةٌ دِيمُقْراطِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ».
وَتَظْهَرُ الْعِبَارَةُ نَفْسُهَا فِي دُسْتُورِ 2011 الْحَالِيِّ، مَعَ إِضَافَةِ كَلِمَةٍ جَدِيدَةٍ: «نِظَامُ الحُكْمِ بِالمَغْرِبِ نِظَامٌ مَلَكِيٌّ دُسْتُورِيٌّ، دِيمُقْرَاطِيٌّ بَرْلَمَانِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ».
الغَرِيبَةُ الثَّانِيَةُ: كَانَتْ دِيبَاجَةُ (أو تصدير) دُسْتُورِ سَنَةِ 1962 المَغْرِبِيِّ مُرَكَّزَةً عَلَى أَفْرِيقِيَّةِ المَغْرِبِ،بَيْنَمَا تُؤَكِّدُ دِيبَاجَةُ دُسْتُورِ سَنَةِ 2011 عَلَى هُوِيَّتِهِ الَّتِي فُتِحَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَلَى الأَمَازِيغِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ.
وَجَاءَ فِيهِ: «المَمْلَكَةُ المَغْرِبِيَّةُ دَوْلَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ ذَاتُ سِيَادَةٍ كَامِلَةٍ، مُتَشَبِّثَةٌ بِوَحْدَتِهَا الوَطَنِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ، وَبِصِيَانَةِ تَعَدُّدِ وَتَنَوُّعِ مُقَوِّمَاتِ هُوِيَّتِهَا الوَطَنِيَّةِ، المُوَحَّدَةِ بِانْصِهَارِ كُلِّ مُكَوِّنَاتِهَا العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلَامِيَّةِ وَالأَمَازِيغِيَّةِ وَالصَّحْرَاوِيَّةِ الحَسَّانِيَّةِ، وَالغَنِيَّةِ بِرَوَافِدِهَا الأَفْرِيقِيَّةِ، وَالأَنْدَلُسِيَّةِ وَالعِبْرِيَّةِ وَالمُتَوَسِّطِيَّةِ.».
الغَرِيبَةُ الثَّالِثَةُ: يَتَضَمَّنُ دُسْتُورُ سَنَةِ 1962 المَغْرِبِيِّ تَعْرِيفًا لِـ«الحُدُودِ» لَا يَعْرِفُهُ القَانُونُ الدُّوَلِيُّ،إِذْ يَتَحَدَّثُ عَنْ «الحُدُودِ الأَصِيلَةِ» (authentiques).فَنَقْرَأُ فِي المَادَّةِ (أو الفصل) التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: «المَلِكُ هُوَ ضَامِنُ اسْتِقْلَالِ البَلَدِ وَحَوْزَةِ المَمْلَكَةِ فِي دَائِرَةِ حُدُودِهَا الحَقَّةِ.». وَقَدْ أُعِيدَتِ الصِّيغَةُ نَفْسُهَا فِي المَادَّةِ (الفصل) الثَّانِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ دُسْتُورِ سَنَةِ 2011. وَلَكِنَّ القَانُونَ الدُّوَلِيَّ لَا يَعْرِفُ سِوَى الحُدُودِ الرَّسْمِيَّةِ أَوِ المُعْتَرَفِ بِهَا، وَلَيْسَ «الحقةَ».
وَهٰذِهِ الصِّيغَةُ تُخْفِي فِكْرَةً لَا يَسْتَطِيعُ المَغْرِبُ التَّصْرِيحَ بِهَا رَسْمِيًّا، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ نَزْعَةً تَوَسُّعِيَّةً تَتَعَارَضُ مَعَ مَوَاثِيقِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ وَالاِتِّحَادِ الأَفْرِيقِيِّ وَالاِتِّفَاقِيَّاتِ الثُّنَائِيَّةِ الَّتِي وَقَّعَهَا.تُشْبِهُ هٰذِهِ الحَالَةُ مَقُولَةَ غُومْبِيتَّا بَعْدَ خَسَارَةِ فَرَنْسَا لِلأَلْزَاسِ وَاللُّورِينِ سَنَةَ 1870:«نُفَكِّرَ فِيهَا دَائِمًا، وَلا نَتَحَدَّثَ عَنْهَا أَبَدًا».
أَمَّا المَغْرِبُ، فَهُوَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْهَا رَسْمِيًّا، وَلَكِنَّهُ يُفْسِحُ المَجَالَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ. وَهٰذَا الاِعْتِرَافُ الدُّسْتُورِيُّ يُثِيرُ قلق الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ لَهُ (الجَزَائِرِ، مُورِيتَانِيَا، الصَّحْرَاءِ الغَرْبِيَّةِ، إِسْبَانْيَا، مَالِي، وَالسِّنِغَالِ).
الغَرِيبَةُ الرَّابِعَةُ: بَيْنَ دُسْتُورِ سَنَةِ 1962 وَدُسْتُورِ سَنَةِ 2011، تَرَاجَعَتْ مَكَانَةُ المَلِكِ فِي النَّصِّ الدُّسْتُورِيِّ.فَفِي الأَوَّلِ، وردَ أَنَّ: «شَخْصَ المَلِكِ مُقَدَّسٌ وَلَا يُمَسُّ بِهِ». أَمَّا فِي الثَّانِي، فَقَدْ تَمَّ اسْتِبْدَالُ كَلِمَةِ «مُقَدَّسٍ» بِكَلِمَةِ «الاِحْتِرَامِ»، وَجَاءَ النَّصُّ عَلَى النَّحْوِ الآتِي في المادة (الفصل) 46: «شَخْصُ المَلِكِ لا تُنْتَهَكُ حُرْمَتُهُ، وَلِلمَلِكِ، وَاجِبُ التَّوْقِيرِ ،وَالاحْتِرَامِ.».
وَهُنَا نطْرَحُ السُّؤَالَ: «لِمَاذَا هٰذَا الاِنْتِقَالُ مِنَ المُقَدَّسِ إِلَى الدُّنْيَوِيِّ؟».
