بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة نورة بوزيدة
إن العلاقة الجزائرية الفرنسية من بين العلاقات الأكثر تفردا في تاريخ العلاقات بين الدول و الشعوب.
ستون عاما مرت على استقلال الجزائر ، لكن العلاقة بين البلدين مازالت لم تتخلص بعد من حالة عدم الثقة و الظنون التي سادت وقت محادثات إيفيان.
منذ ذلك الوقت حكم فرنسا سبعة رؤساء ونفس العدد حكم في الجزائر، ولم ينجح أحدهما في تغيير الوضع وتوجيه العلاقة بين البلدين نحو الوجهة الصواب، وهي وجهة الواقعية والمصالح المشتركة والنظرة الاستراتيجية بعيدة الأفق.
وفي عهد كل هؤلاء الرؤساء كثيرا ما تزعزعت الأمور بينهم لا لشيء سوى لكلمة اعتبرت ازدراء واحتقار أو موقف يحسب استفزازا.
و تأخذ بعدها الامور حجما دراماتيکیا و تفتح فترات غضب تحطم مصالح الطرفين، تليها مراحل “راحة” ترتخي فيه النزعات العدائية بعض الشئ إذا ما تفوه أحد الجانبين بكلمة مدح أو قام بعمل تضامني…لكنها قصيرة في الغالب…
لا يبني المستقبل على الازدراء أو الاحقاد الدفينة ولا على الضغينة وسوء الفهم. لا و لن يمكن للجزائر وفرنسا ترسيخ علاقة دائمة ما لم تحل مسالة الذاكرة حيث أنها أساسية بالنسبة للجزائريين، و هم لايطالبون الفرنسيين بما طالبوا هم به ألمانيا: الاعتراف بأخطائها ومحاكمة مجرمي الحرب (نورنبرغ) ومحو فترة 1933- 1945 من تاريخها، ولم تتصالح فرنساو المانيا الا بعد أن رفعت كل اثقال الذاكرة بينهما، فشرعتا في انجاز مستقبل تفانى الاثنان في تحقيقه وبدآه بشراكة في مجال الفحم والفولاذ و الذي انتهى بانخراط 27 بلدا في الاتحاد الأوربي.
عندما سيرفع الرهان على الماضي، كل شيئ في المستقبل سيصبح ممكنا و سيسمو الطرفان إلى فهم مشترك للحاضر والعالم القادم، عالم يحمل في طياته تغيرات غير مسبوقة ومخاطر عملاقة لا يتصورها أحد.
فتحت حرب أوكرانيا صفحة جديدة ومجهولة من تاريخ الانسانية ، و يمكن أن تكون الأخيرة. إن هذه الحرب تغير دون أن نشعر وجه العالم، لقد غیرت اوروبا وخياراتها الجيوسياسية الكثير في التوازنات الدولية التي يمكن أن تتمخض على واقع يجعل الجزائر و فرنسا في معسكرات متنازعة.
نحن الآن لا نعيش ارهاصات مرحلة تعدد الأقطاب بل الصعود القوي لأفكار ستمحي جهود الانسانية التي بذلتها منذ قرون و ما تزال لكي تحل مشاكلها ومسائلها بنظرة عالمية في كل أنحاء المعمورة.
نحن اليوم نشهد نهضة سريعة ومتسقة لامبراطوريات سابقة ( امبراطورية الوسط الصينية، و امبراطوريات الروس، والعثمانيين والفرس) و كلها عازمة على “فرض أناها” على المثل العالمية بالذات وهي اليوم تملك وسائل تدمیریه غير مسبوقة.
هل ستكون زيارة الرئيس ماكرون للجزائر فرصة ضائعة اخرى تضاف إلى سلسلة الإخفاقات السابقة ؟ أم مناسبة لكي تحدث فيها يقظة أخلاقية وسياسية و دیبلوماسية واقتصادية لمواجهة تحديات المستقبل؟
ان الوضع العالمي يحثنا على النظر قدما إلى المستقبل بدل الدوران في فلك ماضي سجلت في صفحاته كل أسباب الشقاق ولا يمكن أن نأخذ منها أسسا لعلاقة هادئة قوية خلاقة بغرض تنمية ورفاه للبلدين.
صفحة فايسبوك ن.ب:24-08-2022
