Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (20)‏

حياة مالك بن نبي (20)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

حاول بن نبي سنة 1949 أن يُقنِعَ مسؤولي شركة (أمل) بأن يضعوا تحت تصرفه إحدى الحجرات ‏العديدة الفارغة والواقعة في باريس قريباً من المكتبات الكبرى كي يتمكن من الشروع في تحرير كتاب ‏جديد كان يُفكر فيه منذ زمنٍ بعيد، وهو الكتاب الذي أعلن عنه عند صدور رواية “لبّيك”. هذا الكتاب ‏الجديد هو “على خُطى الفكر العلمي الإسلاميّ”، والذي سيختار له عنواناً آخر، كما نعرف، وهو “البُنى ‏التحتية للعالم الإسلاميّ الحديث”، ثُمّ غيّره ثانيةً إلى “وجهة العالم الإسلامي”‏‎ « Vocation de ‎l’islam »‎‏ باقتراح من الدكتور خالدي. لمْ يحْظَ طلبُهُ بالقبول. وهذا ما جعلَهُ يشعر بمقدار العزلة ‏المفروضة عليه من كلّ جهة. فلقد وقع شبه اتفاق في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية على الزّجّ به ‏في دهاليز الوحدة والإفلاس المادي. وهو يُكاشفُنا في يومياته بما يأتي: “إنني متفوق عليهم، وتلك هي ‏علّةُ العِلل! فهُمْ مُنغمسون في الماضي، ونادراً ما يعيشون الحاضر. بينما أنا في المُستقبل”.‏

كان “حزب الشعب” في هذه الأثناء على شفا حُفرة مِن الأفول. فلقد تمّ إقصاء لامين دباغين، وهو ‏الرجل الثاني في الحزب، وذلك بسبب راديكاليته. وشُعلة الحماس بدأت تخبو في صفوف الإطارات، كما ‏بدأ الابتعاد تدريجياًّ عن الخطّ الثوري. في شهر أفريل تعرض مكتب بريد وهران المركزي إلى هجوم ‏على أيدي أفراد من المنظمة الخاصة من أجل تمويل صناديق “المنظمة”. لكن الحصيلة كانت زهيدة، إذ ‏لم تجاوز 3 ملايين سنتيم أودِعَتْ في صندوق الحزب.‏

في شهر سبتمبر سافر بن نبي براًّ إلى تونس للمرة الثانية، وذلك للمشاركة في “مؤتمر حول الثقافة ‏الإسلامية” دُعِيَ إليه. وهو في الطريق راح يُلاحِظ المواقف الاجتماعية التي أغرقته في تأمّلٍ عميق: ‏‏”هل لدينا مفهوم حول الأشياء التي نستعملها بصفة دائمة في حياتنا؟ وهل نحن واعون بمعنى استعمال ‏كل هذه الأشياء والمنتوجات والتقنيات في حياتنا اليومية؟”. وتلك التأملات كانت بداية تشكّل فكرة حول ‏مقال راح يجول في خاطره (1). وقد وصل إلى تونس وهذه الأفكار في ذهنه.‏

عند عودته من تونس نشر سلسلة مقالات تضمنت انطباعاته حول المؤتمر الذي شارك فيه. ومما جاء ‏في هذا الشأن: “يُخيّلُ إليّ على وجه الخصوص أنّ ثقافتنا هي بمثابة علم الآثار. ففرضياتنا الفكرية لم ‏تتغيّر منذ القرون الوسطى المسيحية. وخُلاصاتُنا هي نفسها، بكل تأكيد، منذ خمسة إلى ستة قرون. ومع ‏أن بداية الفكر الديكارتي بدأ مع نهاية الفكر العربي، فإننا لم نصِلْ بعْدُ إلى تلك البداية. فالحياة والتجربة ‏الواقعية لا وزن لهما في بحوثنا. نحن لا نزال في عصر المدرسة التلقينية البالية التي تعتمد على ‏الاستنباط القولي والعرائض المبدئية. إنه تعليم رجل الدين أو رجل القانون، وهو تعليم لا يأتي بأية ‏إجابة عن مشكلة الإنسان البسيط، ولا عن مشاكل النخبة المثقفة، فثقافتنا الإسلامية لا تعدو أن تكون ‏إصراراً على البقاء، وهي ليست إرادة لخوض غمار المستقبل” (2). ‏

ولكُمْ ان تتصوّروا وقْع مثل هذا الكلام في أوساط “العُلماء” ‏‎!‎لم يكن بن نبي يشغل بالهُ بذلك على ‏الإطلاق، وشرع في تأليف العمل الذي أعلن عنه، أي كتاب “وجهة الإسلام”. وأخبره البشير الإبراهيمي ‏بأن رجل أعمال اسمه محمد خطاب عبّر عن استعداده لتمويل مشروع ترجمة كتاب “الظاهرة القرآنية”، ‏الذي نال نجاحا كبيراً، إلى العربية. لكن اللقاء الذي بُرمِج لهذا الموضوع لم يتم، وصالح بن ساعي هو ‏الذي قدّم له هذا الرجل في آخر المطاف. وكأنّ العناية الإلهية هي التي أرسلت له بهذا الرجل الخيّر ‏ليمنحه إعانة مالية مُعتبرة ستُتيح له أن يتنفس بملءِ رئتيه لبضعة شهور.‏

في شهر ديسمبر من سنة 1949 مات علي الحمامي في حادث طائرة بباكستان. وقَد خُصّ الرّجُلُ بجنازة ‏شعبية عظيمة في الجزائر العاصمة، ودُفِن في مقبرة سيدي محمد. وتشاء الأقدار أن يُدفن كلٌّ من بن نبي ‏والدكتور خالدي في نفس المقبرة بجنبه. يقول بن نبي عن علي الحمّامي في مذكراته غير المنشورة: ” ‏لم أكُنْ أعرف حتى اسمه لمّا قرأتُ أولى مقالاته في جريدة ‏La République algérienne ‎‏. وكان ‏لتلك المقالات وقع كبير في نفسي بشكلها الجذاب وبمضمونها الذي كان يختلف تمام الاختلاف عن ‏الهواجس العادية التي كان يعيشها مُثقفونا. كان الحمامي مِن طينةٍ الرجال الذين لم تعرفهم الجزائر بعدُ ‏في زمانه… وكانت الأفكار التي تبثُّها وتشرحها مقالاتهُ مِن القرب مع أفكاري بحيث رُحْتُ أطرح زخماً ‏من التساؤلات حوله. فهل هو موجودٌ فعلاً؟ إنْ كان موجوداً، فبأية مُعجِزة تسنّى لهُ أن ينجو من جهاز ‏المخابرات ‏psychological-service ‎‏ ؟… فأعماله كانت ثمرة ذكاءٍ حادٍّ، وقلبٍ واسعٍ، ومُعاناة ‏مريرة…” (3). ‏

ولم يكن بن نبي على خطإٍ عندما أشار إلى الشبه بين أفكار الحمامي وأفكاره. وقبْل أن ينشر مقالات ‏بالفرنسية في جريدة ‏La République algérienne ‎‏ بزمن بعيد، كان الحمامي ينشر في جريدة ‏Le ‎Trait d’Union ‎‏ وصاحبها فيكتور سبيلمان، كما كان ينشر في جريدة تصدر في المغرب بالعربية. ‏ولقد لاحظ بن باديس كتاباته وتبادل معه بعض الرسائل سنة 1938. وليس غريباً أن يُعجب بن نبي ‏بأفكار الحمامي التي نورد منها بعض المقتطفات من مقالاته الصحفية كي تكون لدينا فكرة واضحة عنها:‏
‏ ‏
‏1) “إنّ الشأن الثقافي من الضرورات المُلِحّة التي تفرض نفسها على الشعب الجزائري. والأمر يتعلّق ‏هنا طبعاً بمجهود جبّار يهدف إلى اكتشاف وتطوير المهارات الفكرية الكامنة في صفوف الشعب، ‏وتنوير معارفه، وتعليمه حب الدراسة والفضول الإيجابي، وإعداده ليكون قادراً على الاتّحاد وبناء رأي ‏عام واحد. وإذا حصل له ذلك، فلن يستطيع أحد أن يُغرِّرَ به”.‏
‏ ‏
‏2) “لنترك جانباً كلّ الاعتبارات السياسية. ولْنَكُفّ عن تضييع وقتنا في تجريم الاستعمار الذي، وإنْ كان ‏هو المسؤول الأول عن كوارثنا، ليس هو المسؤول الوحيد عن ذلك. فكُلّ ما فعله هو استغلال وضعٍ قائمٍ ‏قبل تمكّنه من السيطرة”.‏

‏3) ” نحن بعيدون عن البلاد ولا يمكن لنا أن نُشارك بقلوب راضية فيما يجري من صخب في الساحة ‏العمومية. وكم ستكون سعادتنا لو تحققت الوحدة والوئام وزالت المناوشات الحزبية التي تُطارد الشعب ‏وتُقدّم للخصم خدمةً كبيرة تساعده على صرف الأنظار عن الأشياء المهمّة… فهذه الألاعيب السافلة لا ‏علاقة لها بخدمة الشعب، وهي ليست على الإطلاق فكرةً تستحق الاهتمام، ولا هي بالعمل الذي تزدان ‏به صورةُ فَاعِلِهِ”.‏
‏ ‏
‏4) “أنْ تُحرِّرَ بلادك يعني أنْ تُربِّي، وتخاطُب، وتُقْنِع. كما يعني أنْ تكون قدوة. ويعني أن تبني شيئا ‏جديداً على أسسٍ قديمة، ويعني خاصةً إبعاد الشعب عن براثن المُتاجرة بالذِّمم والديماغوجيا… ما زلنا ‏إلى اليوم نتخبط في الخطإ واللُّبس. فخدمة البلاد كانت محصورة عندنا في الصّراخ مع اجترار شعارات ‏جوفاء تجاوزها الزمن. وكانت السياسة هي كل شيء. وأية سياسة ؟ إنها شيء غير موثوق فيه ومُفكك ‏الأعضاء تقوده فئة من الناس دأبُهم مُواجهة الطاحونات الهوائية بالصراخ الصبياني، وهُم يلهثون وراء ‏المظاهر ويُهملون الجواهر، ويتشبثون بالمؤقت ويتركون الثابت. وكانت النتيجة المتمخضة عن ذلك ‏فوضى عارمة في الأفكار ولوحات صاخبة في نشاز تام… أمّا البلاد فقد انتابها دُوارٌ من أثر الديماغوجيا ‏الخبيثة، فراحتْ تتبع خُطى “القادة” الذين فرضوا أنفسهم عليها، وهي مُستسلمة، وعاجزة فهم أي شيئ”.‏

‏5) “إنّ السياسة شيء ضروري… لكن بجانبها هناك عناصر للنشاط لا غنى عنها، إذ أنّ السياسة بدون ‏تلك العناصر مهزلة مُحزنة. فهناك الاقتصاد والشأن الاجتماعي والشأن الثقافي: وهي ثلاثة أشياء تُقرِّرُ ‏مصير كلّ شأن في سيرورة التاريخ. وفي غياب التكيّف الاقتصادي، وبدون حياة مادية متطورة، وبدون ‏تبادل خلاّق هادف إلى تعميم الرخاء على الجميع، فالسياسة تصير ضربا من الشعوذة السافلة التي تسعى ‏إلى التغرير والاستغلال، والخيانة في الغالب أيضاً”.‏

‏6)” في غياب الرقي الاجتماعي يصبح الشعب الذي ندّعي إنقاذه محكوماً عليه بالقبوع في الركود ‏والتّهرّي… نحن أبناء عصر يشهد ديناميكية عالية وتطوّرات مُذهلة وحركة سريعة في عالم يعيش حالة ‏مخاض دائم”.‏

‏7) ” لا وجود لحركة وطنية بدون عقيدة وطنية. وبالفعل فالعقيدة ليست شيئاً يُرتجل. إنها تُبْنى على ‏هامش المُنعرجات وبمقتضى تجريب مُنظِّم يجتهد المفكرون الذين ينظرون في جسد الأمّة العليل مثلما ‏يفعل الطبيب بالأعضاء المُصابة من جسد المريض، كي يتعرّفوا على طبيعة المرض ثُمّ يصفون له ‏الدواء. لكن لا بُدّ من دعوة الطبيب إلى سرير المريض. وإن لم يكُن ذلك فإنّ المُشعوِذ هو الذي سيدُقُّ ‏على الباب. ذلك أن هناك عيادة اجتماعية، والتاريخ ـ كمحكمة مثالية للشعوب حسب شيللر ـ هو المصدر ‏الذي يستقي منه المُفكر، أو بتعبير أكثر أناقة، الرجل الذي يُخاطب الأمة، تلك المقترحات بخصوص ‏تكوين عقيدة قادرة على تجميع الرأي العام حول الفكرة المحورية التي ستكون لهم بمثابة قوة دافعة. إننا ‏نتحدث عن الفكرة وعن العقيدة، وليس عن الشعارات الجوفاء التي لا تفعل شيئا إزاء شعبٍ مُنهك غير ‏إعطاء رداء الزعامة لأيّ مُتعصبٍ يخْطُبُ في جماهير وفية لكنها ساذجة”.‏
‏ ‏
‏8) “لِنلْتَفِتْ إذاً إلى ماضينا، ولنأخذ بملءِ أيدينا من رُكام ثرائه الفكري والأخلاقي الذي أُهمِل منذ أمدٍ ‏بعيد… ولنتأمّل بأعيُننا في أحسن وأمْتن ما تركه لنا أجدادنا. وأهمّ من ذلك أنه يجب أن نضع نصب ‏أعيننا مقولة أوجست كونت: “الأحياء يحكمهم الموتى”. ‏
‏ ‏
‏9) “لقد أدرك ابن باديس أنّ عليه أنْ يُخلِّص الأرض من الأعشاب الضارة قبل حرثها، وأن يُنقيها من ‏الأحراش ويقضي على الفحم الذي يُفسِدُ كل عمل زراعي. أدرك أن عليه أن يُطهِّر العقول التي ترزح ‏تحت نير الخُرافة ونتائجها الوخيمة، والشعوذة والابتزاز، وأنّ أول شيء يجب فعلُهُ قبل الشروع في ‏إعادة البناء، في بلدٍ تحتلّ فيه العقيدة مكان الصدارة، هو تخليص تلك العقيدة من طبقات العفن الكثيفة ‏التي تراكمت عليها وسمّمتْها… كما أدْرك أنّ عليه أنْ يُنقي المحيط الأخلاقي من الخمائر السامة التي ‏تراكمت على مدى قرون من الجمود… ولقد استحقّ ابن باديس وأصحابُه أعلى المراتب في وطننا بما ‏أبلَوا فيه من معارك ضد الطقوس الفاسدة، ومن تنديد بالمشعوذين، وإثارة للجزائريين ضد مُزوّري ‏التسابيح والتمائم الذين رفعهم أهل الحلِّ والعقد في الإدارة الفرنسية إلى أعلى المراتب”.‏
‎ ‎
‏ ‏‎°°° ‎
في سنة 1950 عُيِّنَ موريس بابون ‏Maurice Papon‏ والياً على قسنطينة، ومكث في هذا المنصب ‏إلى سنة 1952، ليَعود إليه ثانيةً بين سنتي 1956 و 1958. وفي مارس 1950 وقع حدَثٌ خطير في ‏تبسة، وهو الحدث الذي سيبقى في التاريخ باسم “المؤامرة”. فقد عمدت الشرطة الفرنسية إلى اعتقال ‏مئات من أعضاء المنظمة الخاصة عبر التراب الوطني استناداً إلى ما استُفيد من الوشاة. وكان بن بلة، ‏وهو رئيس المنظمة، من بين المُعتقلين، ومعه كثير من الأشخاص الذين سيلعبون دوراً أساسياًّ في تفجير ‏الثورة. بينما تمكّن آخرون، مثل بوضياف وديدوش وبن مهيدي وبن طوبال وبن بوالعيد، مِن الفرار.‏

لكن تفكيك أهم وسيلة للعمل في حزب الشعب كان أمراً مُحيِّراً. وقد كتب بن يوسف بن خدة عن ذلك في ‏كتاب جذور الفاتح من نوفمبر (‏Les origines du 1er Novembre 1954 ‎‏) يقول: “إنّ ما حدث ‏كفيل بإثارة الدهشة بالنظر إلى العدد الهائل من الاعتقالات، وكذا السهولة التي جرت بها في وقت وجيز ‏نسبياًّ، خاصة وأنّ المنظمة الخاصة كانت في نظرنا هي نخبة الحزب… فأين هي التعليمات التي ‏أُعطِيَتْ بخصوص كيفية تصرُّف المناضل أمام الشرطة؟ لقد زُجّ في السجن بأكثر من ثُلث جيشنا ‏السّري، إن لم نقُل قرابة النصف، بما في ذلك قائد المنظمة ومُعظم أعضاء قيادة الأركان (5 من أصل ‏‏7). وكانت تلك ضربة موجعة للحزب بأكمله “‏‎!‎‏ (4).‏

وفي الوقت الذي حدثت فيه هذه القضية كانت اللجنة المركزية لحزب الشعب مجتمعة في الأربعاء ‏‏(ضاحية العاصمة) من أجل النظر في طلبات مصالي الذي طالب حزبه بـ”الرئاسة مدى الحياة” و “حق ‏الفيتو”. ولم يَحْظَ هذان المطلبان بالقبول، مما أدّى إلى توقف أشغال الاجتماع. ثُمّ عُقِد الاجتماع مُجدّداً ‏في شهر ديسمبر من أجل دراسة الاسترايجية الواجب اتباعها (خيار الشرعية أو خيار اللاّشرعية؟)، ‏لكن المجتمعين وجدوا أنفسهم ثانيةً في طريق مسدود بسبب مصالي الذي صار يشترط لنفسه سلطات ‏أوسع. وهكذا بدأت الأزمة. ‏

أمّا بن نبي فقد تمّ توقيفه هو كذلك في تبسة، ثُمّ أُفْرِجَ عنه بعد استنطاقه. وبعد ذلك تفرّغ لتحرير كتابه ‏الذي يصفه بأنه “العمل الذي يُفترض أن يكون أحسن لذعاتي”. ومِما قد يُثير الاستغراب أن الكاتبة ‏المكلفة بالرقن كانت، هذه المرة كذلك، يهودية عاملة في مؤسسة محمد الصالح بن شيكو ‏‎!‎

التقى بن نبي بماسينيون مرة أخرى في باريس، وأتاح له إقامة علاقة مع كلود بوردي ‏Claude ‎Bourdet‏ من جريدة ‏France Observateur ‎‏. وعند عودته إلى الجزائر التي كان يريد أن يقضي ‏فيها شهر رمضان توقّف في قسنطينة حيث كان في انتظاره الدكتور خالدي الذي أقحمه في حملة ‏انتخابية قادته إلى باتنة حيث لقيَ حمودة بن ساعي الذي لم يره منذ خمس عشرة سنة. فهل سيلتقي به ‏مرة أخرى؟ على أية حال فإنّه لن يذكره بعد هذا في مذكراته المنشورة وغير المنشورة.‏

بعد مسيرة حياة بسيطة سيقضي حمودة بن ساعي بقية أيامه في باتنة في ظروف مُشينة جداًّ. فحتى الحي ‏الذي كان يقيم فيه يوحي اسمُهُ بأنه وُضِع خصيصاً لحمودة بن ساعي. إنه “حي المنكوبين “‏Cité des ‎recasés ‎‏. ومع أنه كان أكبر سناًّ من بن نبي فلقد كُتب له أن يعيش بعده قرابة ربع قرن. ولم يُخلّف ‏آثارا مكتوبة باستثناء عدد قليل من المقالات التي نُشِرَتْ في جريدة ‏La République algérienne ‎‏ ‏وصحيفة ‏Le Jeune musulman ‎، وبعض المراسلات، وكذا قُصاصة بعنوان “من أجل عقيدتي” ‏والتي نشرتْها دار البعث بقسنطينة سنة 1984 (5).‏

ويفتتح حمودة بن ساعي كُتيّبه هذا بالتصريح الآتي: “كي أُعرّف بنفسي لقُراء وقارئات هذا الكتاب حول ‏العقيدة والصدق، والذي ألّفتُهُ تكريماً لأستاذي الشيخ عبد الحميد بن باديس، فإنه من غير اللاّئق ومن ‏غير المناسب عندي أنْ أذكُر ماضي أيامي في باريس بإيجاز، لأني قد خصصتُ لذلك كتابا بعنوان ‏‏”كتابات وذكريات الشباب”. أمّا اليوم فبودي أنّ أذكر الإهداء الذي كتبه لي صديقي المرحوم مالك بن ‏نبي في اكتوبر1946 بشجاعة…”‏

وبعد بضعة أيام من نشر هذا الكُتيب أرسل حمودة بن ساعي رسالة إلى عبد الوهاب حمودة يقول فيها: ‏‏”… لم أتمكن من احتلال مكاني بين رجالات الأدب لأن الاستعمار سلّط عليّ فقراً مُدْقِعاً وفرض عليّ ‏السكوت…” وفي رسالة أخرى إلى نفس المُرسل إليه، مؤرخة في 05 سبتمبر 1981، ينقل ما قاله له ‏البشير الإبراهيمي بباتنة في مارس 1950: ” إنّ وضعيتك تُبْكيني. عليك بمُغادرة هذا البلد الخبيث ‏‎!‎‏ ‏إنك عالِمٌ لكنْ ينقُصُك فنّ التّشيْطُن”. ‏

وبقدر انسجام بن نبي مع حمودة بن ساعي من الناحية الفكرية كان يختلف عنه من الناحية النفسية. ‏والعقيدة هي اللّحمة التي جمعتهما، وكذا التشبث بالإسلام، والاقتناع بأن الإسلام هو مفتاح الحل لمشكلة ‏العالم الإسلامي. لكن بقدْرِ ما كان بن نبي مُعارِكاً صعب المِراس، بل وذا روح عدوانية رغم معاناته، ‏كان حمودة بن ساعي مُستسلماً للأقدار ومُنهاراً. وبالاستناد إلى التصنيف الشهير الذي وضعه باسكال‎ ‎Blaise Pascal‏ من الناحية الفكرية، كان الأول يُجسِّدُ “العقل الهندسي”، والثاني يُجسِّدُ “روح ‏الحدس”. فبقدر ما كان بن نبي ذا نزعة عقلية كان بن ساعي ذا ميول حدسية. وقد أحبّه بن نبي واعترف ‏به وكرّمه كما رأينا، بينما كان بن ساعي مُمْتَعِضاً منه حتى أنه لم يَعُدْ يُخفي ذلك في آخر المطاف. ففي ‏رسالة عُثِرَ عليها في أرشيف بن نبي كان قد تلقاها من حمودة بن ساعي ومؤرخة في 22 جويلية ‏‏1970، نجد سيلاً من اللّوم، بل من الكلام اللاّذع، واختتمها بقوله: “لمْ تَكُنْ لي صديقاً حقيقياًّ ووفياًّ في ‏يوم من الأيام”. وعلى أية حالٍ فإننا نقلنا وجهات نظره في هذا العمل بأمانة، حتى ولو كانت مُناقضةً ‏لآراء بن نبي. ‏

في أواخر شهر سبتمبر 1950 نشَرَ بن نبي “رسالة مفتوحة إلى السيد المفتي العاصمي الكبير” (6) ، ‏يُدافع فيها عن الشيخ البشير الإبراهيمي مُبرِزاً النتائج التي حققتها جمعية العلماء في مجال التعليم ‏‏(130000 تلميذاً مُتمدرساً في شبكة متكونة من 300 مدرسة أسستها الجمعية).كانت الجمعية آنذاك ‏تناضل من اجل افتكاك قانون خاص بالإسلام يُعادل القانون الخاص بالمسيحية واليهودية، ويعني ذلك ‏تطبيق مبدإ فصل الكنيسة عن الدولة بحيث، كما يقول بن نبي: “لا يجب ان يكون المسجد ـ وكذا معبد ‏اليهود والمسيحيين ـ تحت رقابة الإدارة وكأنه حانة”. وكان مِن نتيجة ذلك أن دُعي للمُساءلة من طرف ‏الشرطة.‏
‏(يتبع)‏
المراجع: ‏
‏1)‏ ‎ ‎‏ “الشيء والمفهوم” جريدة ‏La République Algérienne ‎‏ بتاريخ 14 أكتوبر 1949.‏
‏2)‏ ‎ ‎‏ “قطيعات وتواصلات ضرورية” جريدة ‏La République Algérienne ‎‏ بتاريخ 11 ‏نوفمبر 1949.‏
‏3)‏ على غرار كثير من عظماء الجزائر الآخرين، كانت مسيرة علي الحمامي فريدة. فقد وُلِدَ في ‏تيارت سنة 1902… سافر إلى مصر في سن العشرين، ومنها إلى المغرب حيث شارك في ‏مقاومة الفرنسيين بقيادة الأمير عبد المالك (ابن الأمير عبد القادر)، ثُمّ شارك في حرب الريف ‏تحت قيادة الأمير عبد الكريم الخطابي. وقد استُشهِدَ الأمير عبد المالك سنة 1924 والسلاح في ‏يده. وفي تلك السنة اتّصل الحمامي بالأمير خالد في باريس. ثُمّ شارك في أشغال المؤتمر ‏الشيوعي الدولي في موسكو، وهناك تعرّف على هو شي منه ‏Ho Chi Minh‏ الذي سيصبح ‏زعيماً لفيتنام.‏
بدأت الإدارة الاستعمارية تهتمّ لأمره وصارت تحرسه عن كثب. ولذلك قرر أن يُهاجر، لكن ‏البلدان العربية التي كان يرغب في الإقامة بها رفضت استقباله، فلقد أبْحر لمدة ستة أشهر على ‏متن سفينة إيطالية دون أن يجد بلداً عربيا مُستقبلاً. والفضل يعود إلى شكيب أرسلان في قبوله ‏للإقامة ببغداد حيثُ اشتغل بالتعليم من سنة 1935 إلى سنة 1945.‏
وعندما علِمَ بوجود عبد الكريم الخطابي في القاهرة سنة 1947 انتقل إليها وأقام فيها. في سنة ‏‏1949 طلب منه اتحاد البيان الجزائري الذي كان تحت قيادة فرحات عباس، تمثيله في ‏‏”المؤتمر الاقتصادي الإسلامي” الأول الذي كان من المزمع عقده في كراشي بباكستان. وكان ‏مُمثِّلُ تونس هو الدكتور حبيب ثامر، والمغرب هو محمد بن عبود. وعند عودتهم من كراشي ‏بتاريخ 12 ديسمبر 1949 سقطت الطائرة التي كانوا على متنها. ‏
ولقد أعيد جثمان علي الحمامي إلى الجزائر ليُشيّع إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة شارك فيها ‏‏12000 شخص. وكان فرحات عباس على رأس الموكب الجنائزيّ رفقة العربي التبسي ‏وتوفيق المدني والبشير الإبراهيمي… وممّا جاء في الكلمة التأبينية التي ألقاها هذا الأخير: “إنّ ‏الذي داخل التابوت الموضوع أمامنا ليس إنساناً، بل هو مِن أشلاء الوطن الجزائري الذي قُطِعَ ‏منه كي يُعاد إليه بعد ذلك، إنه قطعة من الوطن الجزائري اضطرتها عدالة البشر إلى الهجرة ‏وأعادتها عدالة الله إلى وطنها…”‏
وعلي الحمامي هو مؤلف رواية شهيرة تحت عنون “إدريس”، كتبها سنة 1942 في العراق، ‏ونُشِرَتْ في القاهرة سنة 1948، وجاءت مُقدمتها بقلم علال الفاسي.‏
ولقد كرّمه بن نبي في عدة مناسبات، كما خصص له مقالاً بعنوان “الأفكار والرجال” نُشر في ‏جريدة ‏Révolution africaine‏ بتاريخ 17 أفريل 1967. أما الدكتور خالدي فقد كرّمه بهذا ‏الإهداء للطبعة الثانية لكتابه سنة 1965: “إلى الرجل الذي أبلى بالسيف وبالقلم”. وفي سنة ‏‏1968 كان بن نبي والدكتور خالدي مِن المُشاركين في الأسبوع الثقافي الذي نُظّم في تيارت ‏تكريماً لروح علي الحمامي. وقد خصص له الصحفي عمار بلخوجة كتاباً تحت عنوان”علي ‏الحمامي وتنامي النزعة الوطنية الجزائرية”، وقد سبق ذكر هذا المرجع. ‏
‏4)‏ منشورات الدحلب الجزائر العاصمة 1989‏
‏5)‏ ‎ ‎‏ سُلِّمتْ لي هذه القُصاصة، وكذا بعض المُراسلات، من طرف المرحوم السيد عبد الوهاب ‏حمودة.‏
‏6)‏ الجمهورية الجزائرية عدد 8 ديسمبر 1950‏

You may also like

Leave a Comment