بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
حاول بن نبي سنة 1949 أن يُقنِعَ مسؤولي شركة (أمل) بأن يضعوا تحت تصرفه إحدى الحجرات العديدة الفارغة والواقعة في باريس قريباً من المكتبات الكبرى كي يتمكن من الشروع في تحرير كتاب جديد كان يُفكر فيه منذ زمنٍ بعيد، وهو الكتاب الذي أعلن عنه عند صدور رواية “لبّيك”. هذا الكتاب الجديد هو “على خُطى الفكر العلمي الإسلاميّ”، والذي سيختار له عنواناً آخر، كما نعرف، وهو “البُنى التحتية للعالم الإسلاميّ الحديث”، ثُمّ غيّره ثانيةً إلى “وجهة العالم الإسلامي” « Vocation de l’islam » باقتراح من الدكتور خالدي. لمْ يحْظَ طلبُهُ بالقبول. وهذا ما جعلَهُ يشعر بمقدار العزلة المفروضة عليه من كلّ جهة. فلقد وقع شبه اتفاق في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية على الزّجّ به في دهاليز الوحدة والإفلاس المادي. وهو يُكاشفُنا في يومياته بما يأتي: “إنني متفوق عليهم، وتلك هي علّةُ العِلل! فهُمْ مُنغمسون في الماضي، ونادراً ما يعيشون الحاضر. بينما أنا في المُستقبل”.
كان “حزب الشعب” في هذه الأثناء على شفا حُفرة مِن الأفول. فلقد تمّ إقصاء لامين دباغين، وهو الرجل الثاني في الحزب، وذلك بسبب راديكاليته. وشُعلة الحماس بدأت تخبو في صفوف الإطارات، كما بدأ الابتعاد تدريجياًّ عن الخطّ الثوري. في شهر أفريل تعرض مكتب بريد وهران المركزي إلى هجوم على أيدي أفراد من المنظمة الخاصة من أجل تمويل صناديق “المنظمة”. لكن الحصيلة كانت زهيدة، إذ لم تجاوز 3 ملايين سنتيم أودِعَتْ في صندوق الحزب.
في شهر سبتمبر سافر بن نبي براًّ إلى تونس للمرة الثانية، وذلك للمشاركة في “مؤتمر حول الثقافة الإسلامية” دُعِيَ إليه. وهو في الطريق راح يُلاحِظ المواقف الاجتماعية التي أغرقته في تأمّلٍ عميق: ”هل لدينا مفهوم حول الأشياء التي نستعملها بصفة دائمة في حياتنا؟ وهل نحن واعون بمعنى استعمال كل هذه الأشياء والمنتوجات والتقنيات في حياتنا اليومية؟”. وتلك التأملات كانت بداية تشكّل فكرة حول مقال راح يجول في خاطره (1). وقد وصل إلى تونس وهذه الأفكار في ذهنه.
عند عودته من تونس نشر سلسلة مقالات تضمنت انطباعاته حول المؤتمر الذي شارك فيه. ومما جاء في هذا الشأن: “يُخيّلُ إليّ على وجه الخصوص أنّ ثقافتنا هي بمثابة علم الآثار. ففرضياتنا الفكرية لم تتغيّر منذ القرون الوسطى المسيحية. وخُلاصاتُنا هي نفسها، بكل تأكيد، منذ خمسة إلى ستة قرون. ومع أن بداية الفكر الديكارتي بدأ مع نهاية الفكر العربي، فإننا لم نصِلْ بعْدُ إلى تلك البداية. فالحياة والتجربة الواقعية لا وزن لهما في بحوثنا. نحن لا نزال في عصر المدرسة التلقينية البالية التي تعتمد على الاستنباط القولي والعرائض المبدئية. إنه تعليم رجل الدين أو رجل القانون، وهو تعليم لا يأتي بأية إجابة عن مشكلة الإنسان البسيط، ولا عن مشاكل النخبة المثقفة، فثقافتنا الإسلامية لا تعدو أن تكون إصراراً على البقاء، وهي ليست إرادة لخوض غمار المستقبل” (2).
ولكُمْ ان تتصوّروا وقْع مثل هذا الكلام في أوساط “العُلماء” !لم يكن بن نبي يشغل بالهُ بذلك على الإطلاق، وشرع في تأليف العمل الذي أعلن عنه، أي كتاب “وجهة الإسلام”. وأخبره البشير الإبراهيمي بأن رجل أعمال اسمه محمد خطاب عبّر عن استعداده لتمويل مشروع ترجمة كتاب “الظاهرة القرآنية”، الذي نال نجاحا كبيراً، إلى العربية. لكن اللقاء الذي بُرمِج لهذا الموضوع لم يتم، وصالح بن ساعي هو الذي قدّم له هذا الرجل في آخر المطاف. وكأنّ العناية الإلهية هي التي أرسلت له بهذا الرجل الخيّر ليمنحه إعانة مالية مُعتبرة ستُتيح له أن يتنفس بملءِ رئتيه لبضعة شهور.
في شهر ديسمبر من سنة 1949 مات علي الحمامي في حادث طائرة بباكستان. وقَد خُصّ الرّجُلُ بجنازة شعبية عظيمة في الجزائر العاصمة، ودُفِن في مقبرة سيدي محمد. وتشاء الأقدار أن يُدفن كلٌّ من بن نبي والدكتور خالدي في نفس المقبرة بجنبه. يقول بن نبي عن علي الحمّامي في مذكراته غير المنشورة: ” لم أكُنْ أعرف حتى اسمه لمّا قرأتُ أولى مقالاته في جريدة La République algérienne . وكان لتلك المقالات وقع كبير في نفسي بشكلها الجذاب وبمضمونها الذي كان يختلف تمام الاختلاف عن الهواجس العادية التي كان يعيشها مُثقفونا. كان الحمامي مِن طينةٍ الرجال الذين لم تعرفهم الجزائر بعدُ في زمانه… وكانت الأفكار التي تبثُّها وتشرحها مقالاتهُ مِن القرب مع أفكاري بحيث رُحْتُ أطرح زخماً من التساؤلات حوله. فهل هو موجودٌ فعلاً؟ إنْ كان موجوداً، فبأية مُعجِزة تسنّى لهُ أن ينجو من جهاز المخابرات psychological-service ؟… فأعماله كانت ثمرة ذكاءٍ حادٍّ، وقلبٍ واسعٍ، ومُعاناة مريرة…” (3).
ولم يكن بن نبي على خطإٍ عندما أشار إلى الشبه بين أفكار الحمامي وأفكاره. وقبْل أن ينشر مقالات بالفرنسية في جريدة La République algérienne بزمن بعيد، كان الحمامي ينشر في جريدة Le Trait d’Union وصاحبها فيكتور سبيلمان، كما كان ينشر في جريدة تصدر في المغرب بالعربية. ولقد لاحظ بن باديس كتاباته وتبادل معه بعض الرسائل سنة 1938. وليس غريباً أن يُعجب بن نبي بأفكار الحمامي التي نورد منها بعض المقتطفات من مقالاته الصحفية كي تكون لدينا فكرة واضحة عنها:
1) “إنّ الشأن الثقافي من الضرورات المُلِحّة التي تفرض نفسها على الشعب الجزائري. والأمر يتعلّق هنا طبعاً بمجهود جبّار يهدف إلى اكتشاف وتطوير المهارات الفكرية الكامنة في صفوف الشعب، وتنوير معارفه، وتعليمه حب الدراسة والفضول الإيجابي، وإعداده ليكون قادراً على الاتّحاد وبناء رأي عام واحد. وإذا حصل له ذلك، فلن يستطيع أحد أن يُغرِّرَ به”.
2) “لنترك جانباً كلّ الاعتبارات السياسية. ولْنَكُفّ عن تضييع وقتنا في تجريم الاستعمار الذي، وإنْ كان هو المسؤول الأول عن كوارثنا، ليس هو المسؤول الوحيد عن ذلك. فكُلّ ما فعله هو استغلال وضعٍ قائمٍ قبل تمكّنه من السيطرة”.
3) ” نحن بعيدون عن البلاد ولا يمكن لنا أن نُشارك بقلوب راضية فيما يجري من صخب في الساحة العمومية. وكم ستكون سعادتنا لو تحققت الوحدة والوئام وزالت المناوشات الحزبية التي تُطارد الشعب وتُقدّم للخصم خدمةً كبيرة تساعده على صرف الأنظار عن الأشياء المهمّة… فهذه الألاعيب السافلة لا علاقة لها بخدمة الشعب، وهي ليست على الإطلاق فكرةً تستحق الاهتمام، ولا هي بالعمل الذي تزدان به صورةُ فَاعِلِهِ”.
4) “أنْ تُحرِّرَ بلادك يعني أنْ تُربِّي، وتخاطُب، وتُقْنِع. كما يعني أنْ تكون قدوة. ويعني أن تبني شيئا جديداً على أسسٍ قديمة، ويعني خاصةً إبعاد الشعب عن براثن المُتاجرة بالذِّمم والديماغوجيا… ما زلنا إلى اليوم نتخبط في الخطإ واللُّبس. فخدمة البلاد كانت محصورة عندنا في الصّراخ مع اجترار شعارات جوفاء تجاوزها الزمن. وكانت السياسة هي كل شيء. وأية سياسة ؟ إنها شيء غير موثوق فيه ومُفكك الأعضاء تقوده فئة من الناس دأبُهم مُواجهة الطاحونات الهوائية بالصراخ الصبياني، وهُم يلهثون وراء المظاهر ويُهملون الجواهر، ويتشبثون بالمؤقت ويتركون الثابت. وكانت النتيجة المتمخضة عن ذلك فوضى عارمة في الأفكار ولوحات صاخبة في نشاز تام… أمّا البلاد فقد انتابها دُوارٌ من أثر الديماغوجيا الخبيثة، فراحتْ تتبع خُطى “القادة” الذين فرضوا أنفسهم عليها، وهي مُستسلمة، وعاجزة فهم أي شيئ”.
5) “إنّ السياسة شيء ضروري… لكن بجانبها هناك عناصر للنشاط لا غنى عنها، إذ أنّ السياسة بدون تلك العناصر مهزلة مُحزنة. فهناك الاقتصاد والشأن الاجتماعي والشأن الثقافي: وهي ثلاثة أشياء تُقرِّرُ مصير كلّ شأن في سيرورة التاريخ. وفي غياب التكيّف الاقتصادي، وبدون حياة مادية متطورة، وبدون تبادل خلاّق هادف إلى تعميم الرخاء على الجميع، فالسياسة تصير ضربا من الشعوذة السافلة التي تسعى إلى التغرير والاستغلال، والخيانة في الغالب أيضاً”.
6)” في غياب الرقي الاجتماعي يصبح الشعب الذي ندّعي إنقاذه محكوماً عليه بالقبوع في الركود والتّهرّي… نحن أبناء عصر يشهد ديناميكية عالية وتطوّرات مُذهلة وحركة سريعة في عالم يعيش حالة مخاض دائم”.
7) ” لا وجود لحركة وطنية بدون عقيدة وطنية. وبالفعل فالعقيدة ليست شيئاً يُرتجل. إنها تُبْنى على هامش المُنعرجات وبمقتضى تجريب مُنظِّم يجتهد المفكرون الذين ينظرون في جسد الأمّة العليل مثلما يفعل الطبيب بالأعضاء المُصابة من جسد المريض، كي يتعرّفوا على طبيعة المرض ثُمّ يصفون له الدواء. لكن لا بُدّ من دعوة الطبيب إلى سرير المريض. وإن لم يكُن ذلك فإنّ المُشعوِذ هو الذي سيدُقُّ على الباب. ذلك أن هناك عيادة اجتماعية، والتاريخ ـ كمحكمة مثالية للشعوب حسب شيللر ـ هو المصدر الذي يستقي منه المُفكر، أو بتعبير أكثر أناقة، الرجل الذي يُخاطب الأمة، تلك المقترحات بخصوص تكوين عقيدة قادرة على تجميع الرأي العام حول الفكرة المحورية التي ستكون لهم بمثابة قوة دافعة. إننا نتحدث عن الفكرة وعن العقيدة، وليس عن الشعارات الجوفاء التي لا تفعل شيئا إزاء شعبٍ مُنهك غير إعطاء رداء الزعامة لأيّ مُتعصبٍ يخْطُبُ في جماهير وفية لكنها ساذجة”.
8) “لِنلْتَفِتْ إذاً إلى ماضينا، ولنأخذ بملءِ أيدينا من رُكام ثرائه الفكري والأخلاقي الذي أُهمِل منذ أمدٍ بعيد… ولنتأمّل بأعيُننا في أحسن وأمْتن ما تركه لنا أجدادنا. وأهمّ من ذلك أنه يجب أن نضع نصب أعيننا مقولة أوجست كونت: “الأحياء يحكمهم الموتى”.
9) “لقد أدرك ابن باديس أنّ عليه أنْ يُخلِّص الأرض من الأعشاب الضارة قبل حرثها، وأن يُنقيها من الأحراش ويقضي على الفحم الذي يُفسِدُ كل عمل زراعي. أدرك أن عليه أن يُطهِّر العقول التي ترزح تحت نير الخُرافة ونتائجها الوخيمة، والشعوذة والابتزاز، وأنّ أول شيء يجب فعلُهُ قبل الشروع في إعادة البناء، في بلدٍ تحتلّ فيه العقيدة مكان الصدارة، هو تخليص تلك العقيدة من طبقات العفن الكثيفة التي تراكمت عليها وسمّمتْها… كما أدْرك أنّ عليه أنْ يُنقي المحيط الأخلاقي من الخمائر السامة التي تراكمت على مدى قرون من الجمود… ولقد استحقّ ابن باديس وأصحابُه أعلى المراتب في وطننا بما أبلَوا فيه من معارك ضد الطقوس الفاسدة، ومن تنديد بالمشعوذين، وإثارة للجزائريين ضد مُزوّري التسابيح والتمائم الذين رفعهم أهل الحلِّ والعقد في الإدارة الفرنسية إلى أعلى المراتب”.
°°°
في سنة 1950 عُيِّنَ موريس بابون Maurice Papon والياً على قسنطينة، ومكث في هذا المنصب إلى سنة 1952، ليَعود إليه ثانيةً بين سنتي 1956 و 1958. وفي مارس 1950 وقع حدَثٌ خطير في تبسة، وهو الحدث الذي سيبقى في التاريخ باسم “المؤامرة”. فقد عمدت الشرطة الفرنسية إلى اعتقال مئات من أعضاء المنظمة الخاصة عبر التراب الوطني استناداً إلى ما استُفيد من الوشاة. وكان بن بلة، وهو رئيس المنظمة، من بين المُعتقلين، ومعه كثير من الأشخاص الذين سيلعبون دوراً أساسياًّ في تفجير الثورة. بينما تمكّن آخرون، مثل بوضياف وديدوش وبن مهيدي وبن طوبال وبن بوالعيد، مِن الفرار.
لكن تفكيك أهم وسيلة للعمل في حزب الشعب كان أمراً مُحيِّراً. وقد كتب بن يوسف بن خدة عن ذلك في كتاب جذور الفاتح من نوفمبر (Les origines du 1er Novembre 1954 ) يقول: “إنّ ما حدث كفيل بإثارة الدهشة بالنظر إلى العدد الهائل من الاعتقالات، وكذا السهولة التي جرت بها في وقت وجيز نسبياًّ، خاصة وأنّ المنظمة الخاصة كانت في نظرنا هي نخبة الحزب… فأين هي التعليمات التي أُعطِيَتْ بخصوص كيفية تصرُّف المناضل أمام الشرطة؟ لقد زُجّ في السجن بأكثر من ثُلث جيشنا السّري، إن لم نقُل قرابة النصف، بما في ذلك قائد المنظمة ومُعظم أعضاء قيادة الأركان (5 من أصل 7). وكانت تلك ضربة موجعة للحزب بأكمله “! (4).
وفي الوقت الذي حدثت فيه هذه القضية كانت اللجنة المركزية لحزب الشعب مجتمعة في الأربعاء (ضاحية العاصمة) من أجل النظر في طلبات مصالي الذي طالب حزبه بـ”الرئاسة مدى الحياة” و “حق الفيتو”. ولم يَحْظَ هذان المطلبان بالقبول، مما أدّى إلى توقف أشغال الاجتماع. ثُمّ عُقِد الاجتماع مُجدّداً في شهر ديسمبر من أجل دراسة الاسترايجية الواجب اتباعها (خيار الشرعية أو خيار اللاّشرعية؟)، لكن المجتمعين وجدوا أنفسهم ثانيةً في طريق مسدود بسبب مصالي الذي صار يشترط لنفسه سلطات أوسع. وهكذا بدأت الأزمة.
أمّا بن نبي فقد تمّ توقيفه هو كذلك في تبسة، ثُمّ أُفْرِجَ عنه بعد استنطاقه. وبعد ذلك تفرّغ لتحرير كتابه الذي يصفه بأنه “العمل الذي يُفترض أن يكون أحسن لذعاتي”. ومِما قد يُثير الاستغراب أن الكاتبة المكلفة بالرقن كانت، هذه المرة كذلك، يهودية عاملة في مؤسسة محمد الصالح بن شيكو !
التقى بن نبي بماسينيون مرة أخرى في باريس، وأتاح له إقامة علاقة مع كلود بوردي Claude Bourdet من جريدة France Observateur . وعند عودته إلى الجزائر التي كان يريد أن يقضي فيها شهر رمضان توقّف في قسنطينة حيث كان في انتظاره الدكتور خالدي الذي أقحمه في حملة انتخابية قادته إلى باتنة حيث لقيَ حمودة بن ساعي الذي لم يره منذ خمس عشرة سنة. فهل سيلتقي به مرة أخرى؟ على أية حال فإنّه لن يذكره بعد هذا في مذكراته المنشورة وغير المنشورة.
بعد مسيرة حياة بسيطة سيقضي حمودة بن ساعي بقية أيامه في باتنة في ظروف مُشينة جداًّ. فحتى الحي الذي كان يقيم فيه يوحي اسمُهُ بأنه وُضِع خصيصاً لحمودة بن ساعي. إنه “حي المنكوبين “Cité des recasés . ومع أنه كان أكبر سناًّ من بن نبي فلقد كُتب له أن يعيش بعده قرابة ربع قرن. ولم يُخلّف آثارا مكتوبة باستثناء عدد قليل من المقالات التي نُشِرَتْ في جريدة La République algérienne وصحيفة Le Jeune musulman ، وبعض المراسلات، وكذا قُصاصة بعنوان “من أجل عقيدتي” والتي نشرتْها دار البعث بقسنطينة سنة 1984 (5).
ويفتتح حمودة بن ساعي كُتيّبه هذا بالتصريح الآتي: “كي أُعرّف بنفسي لقُراء وقارئات هذا الكتاب حول العقيدة والصدق، والذي ألّفتُهُ تكريماً لأستاذي الشيخ عبد الحميد بن باديس، فإنه من غير اللاّئق ومن غير المناسب عندي أنْ أذكُر ماضي أيامي في باريس بإيجاز، لأني قد خصصتُ لذلك كتابا بعنوان ”كتابات وذكريات الشباب”. أمّا اليوم فبودي أنّ أذكر الإهداء الذي كتبه لي صديقي المرحوم مالك بن نبي في اكتوبر1946 بشجاعة…”
وبعد بضعة أيام من نشر هذا الكُتيب أرسل حمودة بن ساعي رسالة إلى عبد الوهاب حمودة يقول فيها: ”… لم أتمكن من احتلال مكاني بين رجالات الأدب لأن الاستعمار سلّط عليّ فقراً مُدْقِعاً وفرض عليّ السكوت…” وفي رسالة أخرى إلى نفس المُرسل إليه، مؤرخة في 05 سبتمبر 1981، ينقل ما قاله له البشير الإبراهيمي بباتنة في مارس 1950: ” إنّ وضعيتك تُبْكيني. عليك بمُغادرة هذا البلد الخبيث ! إنك عالِمٌ لكنْ ينقُصُك فنّ التّشيْطُن”.
وبقدر انسجام بن نبي مع حمودة بن ساعي من الناحية الفكرية كان يختلف عنه من الناحية النفسية. والعقيدة هي اللّحمة التي جمعتهما، وكذا التشبث بالإسلام، والاقتناع بأن الإسلام هو مفتاح الحل لمشكلة العالم الإسلامي. لكن بقدْرِ ما كان بن نبي مُعارِكاً صعب المِراس، بل وذا روح عدوانية رغم معاناته، كان حمودة بن ساعي مُستسلماً للأقدار ومُنهاراً. وبالاستناد إلى التصنيف الشهير الذي وضعه باسكال Blaise Pascal من الناحية الفكرية، كان الأول يُجسِّدُ “العقل الهندسي”، والثاني يُجسِّدُ “روح الحدس”. فبقدر ما كان بن نبي ذا نزعة عقلية كان بن ساعي ذا ميول حدسية. وقد أحبّه بن نبي واعترف به وكرّمه كما رأينا، بينما كان بن ساعي مُمْتَعِضاً منه حتى أنه لم يَعُدْ يُخفي ذلك في آخر المطاف. ففي رسالة عُثِرَ عليها في أرشيف بن نبي كان قد تلقاها من حمودة بن ساعي ومؤرخة في 22 جويلية 1970، نجد سيلاً من اللّوم، بل من الكلام اللاّذع، واختتمها بقوله: “لمْ تَكُنْ لي صديقاً حقيقياًّ ووفياًّ في يوم من الأيام”. وعلى أية حالٍ فإننا نقلنا وجهات نظره في هذا العمل بأمانة، حتى ولو كانت مُناقضةً لآراء بن نبي.
في أواخر شهر سبتمبر 1950 نشَرَ بن نبي “رسالة مفتوحة إلى السيد المفتي العاصمي الكبير” (6) ، يُدافع فيها عن الشيخ البشير الإبراهيمي مُبرِزاً النتائج التي حققتها جمعية العلماء في مجال التعليم (130000 تلميذاً مُتمدرساً في شبكة متكونة من 300 مدرسة أسستها الجمعية).كانت الجمعية آنذاك تناضل من اجل افتكاك قانون خاص بالإسلام يُعادل القانون الخاص بالمسيحية واليهودية، ويعني ذلك تطبيق مبدإ فصل الكنيسة عن الدولة بحيث، كما يقول بن نبي: “لا يجب ان يكون المسجد ـ وكذا معبد اليهود والمسيحيين ـ تحت رقابة الإدارة وكأنه حانة”. وكان مِن نتيجة ذلك أن دُعي للمُساءلة من طرف الشرطة.
(يتبع)
المراجع:
1) “الشيء والمفهوم” جريدة La République Algérienne بتاريخ 14 أكتوبر 1949.
2) “قطيعات وتواصلات ضرورية” جريدة La République Algérienne بتاريخ 11 نوفمبر 1949.
3) على غرار كثير من عظماء الجزائر الآخرين، كانت مسيرة علي الحمامي فريدة. فقد وُلِدَ في تيارت سنة 1902… سافر إلى مصر في سن العشرين، ومنها إلى المغرب حيث شارك في مقاومة الفرنسيين بقيادة الأمير عبد المالك (ابن الأمير عبد القادر)، ثُمّ شارك في حرب الريف تحت قيادة الأمير عبد الكريم الخطابي. وقد استُشهِدَ الأمير عبد المالك سنة 1924 والسلاح في يده. وفي تلك السنة اتّصل الحمامي بالأمير خالد في باريس. ثُمّ شارك في أشغال المؤتمر الشيوعي الدولي في موسكو، وهناك تعرّف على هو شي منه Ho Chi Minh الذي سيصبح زعيماً لفيتنام.
بدأت الإدارة الاستعمارية تهتمّ لأمره وصارت تحرسه عن كثب. ولذلك قرر أن يُهاجر، لكن البلدان العربية التي كان يرغب في الإقامة بها رفضت استقباله، فلقد أبْحر لمدة ستة أشهر على متن سفينة إيطالية دون أن يجد بلداً عربيا مُستقبلاً. والفضل يعود إلى شكيب أرسلان في قبوله للإقامة ببغداد حيثُ اشتغل بالتعليم من سنة 1935 إلى سنة 1945.
وعندما علِمَ بوجود عبد الكريم الخطابي في القاهرة سنة 1947 انتقل إليها وأقام فيها. في سنة 1949 طلب منه اتحاد البيان الجزائري الذي كان تحت قيادة فرحات عباس، تمثيله في ”المؤتمر الاقتصادي الإسلامي” الأول الذي كان من المزمع عقده في كراشي بباكستان. وكان مُمثِّلُ تونس هو الدكتور حبيب ثامر، والمغرب هو محمد بن عبود. وعند عودتهم من كراشي بتاريخ 12 ديسمبر 1949 سقطت الطائرة التي كانوا على متنها.
ولقد أعيد جثمان علي الحمامي إلى الجزائر ليُشيّع إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة شارك فيها 12000 شخص. وكان فرحات عباس على رأس الموكب الجنائزيّ رفقة العربي التبسي وتوفيق المدني والبشير الإبراهيمي… وممّا جاء في الكلمة التأبينية التي ألقاها هذا الأخير: “إنّ الذي داخل التابوت الموضوع أمامنا ليس إنساناً، بل هو مِن أشلاء الوطن الجزائري الذي قُطِعَ منه كي يُعاد إليه بعد ذلك، إنه قطعة من الوطن الجزائري اضطرتها عدالة البشر إلى الهجرة وأعادتها عدالة الله إلى وطنها…”
وعلي الحمامي هو مؤلف رواية شهيرة تحت عنون “إدريس”، كتبها سنة 1942 في العراق، ونُشِرَتْ في القاهرة سنة 1948، وجاءت مُقدمتها بقلم علال الفاسي.
ولقد كرّمه بن نبي في عدة مناسبات، كما خصص له مقالاً بعنوان “الأفكار والرجال” نُشر في جريدة Révolution africaine بتاريخ 17 أفريل 1967. أما الدكتور خالدي فقد كرّمه بهذا الإهداء للطبعة الثانية لكتابه سنة 1965: “إلى الرجل الذي أبلى بالسيف وبالقلم”. وفي سنة 1968 كان بن نبي والدكتور خالدي مِن المُشاركين في الأسبوع الثقافي الذي نُظّم في تيارت تكريماً لروح علي الحمامي. وقد خصص له الصحفي عمار بلخوجة كتاباً تحت عنوان”علي الحمامي وتنامي النزعة الوطنية الجزائرية”، وقد سبق ذكر هذا المرجع.
4) منشورات الدحلب الجزائر العاصمة 1989
5) سُلِّمتْ لي هذه القُصاصة، وكذا بعض المُراسلات، من طرف المرحوم السيد عبد الوهاب حمودة.
6) الجمهورية الجزائرية عدد 8 ديسمبر 1950
