Home مقالاتالقضايا الدولية2024-2020غصن الزيتون و بندقية المقاوم

غصن الزيتون و بندقية المقاوم

by admin

تتميز الحلقة الحالية من الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين عن سابقاتها بالجرأة التي أبدتها المقاومة الفلسطينية في تصور وتنفيذ عمليات 7 أكتوبر، والحجم غير المتوقع للخسائر البشرية والسياسية والنفسية التي لحقت بدولة إسرائيل خلال ساعات قليلة.

و بغض النظر عن درجة وحشية الرد الإسرائيلي، وحجم الضرر الذي سيلحق بمدينة غزة وسكانها، أو مدى الدعم الغربي لدولة إسرائيل، فإن القضية الفلسطينية خرجت منتصرة بالفعل.

أيّ معنا إذن يمكن أن نعطيه لكلمات نتنياهو المذهول التي يكررها باستمرار: “سوف ننتصر في هذه الحرب”؟ لقد خسرها بلا شك، وما سيفعله لن يكون نتاج فنيات عسكرية، بل رد فعل غير عقلاني لحيوان مصاب. لن تكون حرباً، بل انتقاماً أعمى وقاسياً وغير إنساني، تعود آثاره الإعلامية ضده وضد حكومته المتطرفة.

حتى لو بقي رجل فلسطيني واحد وامرأة فلسطينية واحدة فقط على قيد الحياة بعد الرد المروّع الذي توعّد به المسؤولون الإسرائيليون، فإن القضية الفلسطينية سوف تنهض من رمادها، وتنمو من تحت أنقاض يوم” نهاية العالم”، وتعيد تشكيل نفسها كما فعلت بعد كل حروبها… الأخيرة، ما قبل الأخيرة، التي سبقتها وأمام كل مواجهاتها منذ سنة 1947.

ولكن ما لاحظه العالم بعد كل حلقة من الحرب الإسرائيلية الفلسطينية هو أن المقاومة الفلسطينية تتعلم من تجاربها وإخفاقاتها كي تعود إلى الهجوم بشكل أفضل تنظيماً وأكثر تجهيزاً. وهذا ما فعلته في 7 أكتوبر، وستفعله مرات أخرى بشكل دوري، لأن أهدافها الحربية ليست إبادة الإسرائيليين كما يتمناه نتنياهو للفلسطينيين، بل الحصول على حقوقهم التاريخية المصادق عليها من طرف القانون الدولي في شكل قرارات أممية واتفاقيات ثنائية.

في 13 نوفمبر 1974 أخذ ياسر عرفات لأوّل مرة الكلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك برئاسة الجزائر. وبعد تذكير موجز بتاريخ فلسطين بين عام 1917 (وعد بلفور) وعام 1947 (لائحة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين)، تلفظ جملته الشهيرة أمام “المجتمع الدولي”: “لقد جئتكم بغصن الزيتون في يدي وبندقية الثائر في اليد الأخرى. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.

كما اعترف ياسر عرفات في هذا الخطاب للمرة الأولى بحق الشعبين في التعايش معا في دولة واحدة ديمقراطية وعلمانية.

من وقعا (ياسر عرفات و اسحاق رابين)، مع مرور الزمن، على اتفاقات أوسلو (1993-1995) التي رسمت حدود الدولتين، اغتالتهم إسرائيل تباعا، في حين لم يعتن “المجتمع الدولي” و”القانون الدولي” ألاّ بمصالح إسرائيل.

في هذه الأثناء، كان من بين الفلسطينيين من يتطرفون حول “بندقية المحارب” في غزة، و منهم في رام الله من سالم و سلم نفسه لزراعة “الغصن الأخضر” بنفس الطريقة التي يزرع بها القنب، المسموح به هنا والمحظور هناك.

و كانت الأراضي التي منحتها لهم اتفاقيات أوسلو تتقلص يوما بعد يوم، فيما تضاعفت الغطرسة والاستفزازات الإسرائيلية تحت أنظار “المجتمع الدولي” المتواطئ .

إن الاعتقاد المفضل لدى اليمين المتطرف الإسرائيلي بأن القوة تتفوق على الإيمان في قضية مشروعة وعادلة قد تم ضحده مرة أخرى في هذه الأرض التوراتية أين انتصر داوود الضعيف ذات يوم في معركته ضد جالوت. لقد فقدت القوة العسكرية، التي استخدمها ديفيد بن غوريون وخلفاؤه لحرمان الفلسطينيين حقوقهم، مصداقيتها إلى الأبد.

إذا أراد الإسرائيليون أن ينتصروا حقا في الحرب ضد الفلسطينيين إلى الأبد، فإن أمامهم الاختيار بين حلين: ابادتهم عن آخرهم أو الاتفاق معهم على استئناف عملية السلام التي تميزت بقرارات الأمم المتحدة واتفاقات أوسلو. فإن كان الأول مستحيلا، لا يزال الثاني متاحا لهم.

لكن قد يقدم الفلسطينيون حلا ثالثا للصراع: جعل النوم والحياة مستحيلة بالنسبة للإسرائيليين في فلسطين. إن المسار الجديد الذي سلكه التاريخ في الأيام الأخيرة يجعل مثل هذا السيناريو معقولا، ساعتئذ سيغادرون بمفردهم.

ويبقى أن المذنب الحقيقي في القضية الفلسطينية، والمسؤول عن المأزق الحالي والدماء التي تسيل يوميا في فلسطين وإسرائيل، هو التطرف الصهيوني الذي تعززه عقدة “المسادا” وجبن “المجتمع الدولي” الذي نكث التزاماته لم يحترم كلمته و تخلى عن توقيعه.

وهذا ما يفسر، في هذا الملف وغيره، سبب تزايد سعي الدول غير الغربية إلى إيجاد حلول لمشاكلها على أمل بلورة “مجتمع دولي جديد” و” نظام دولي” جديد يستخدمه الجميع، على عكس تلك القوانين التي طورها الغرب ليستخدمها لمصلحته، والتي تقول، على سبيل المثال “نعم” للأوكرانيين و “لا” للفلسطينيين حول نفس الموضوع.

رغم أن ما أنقذ أوكرانيا حتى الآن لم يكن “القانون الدولي” بقدر ما كان الأموال والمعدات التي وفرها الغرب لها دون قيد أو شرط.

You may also like

Leave a Comment