بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح
المقارنة التي يلمح اليها العنوان بين الرئيس بوتين والشخصية التاريخية “أتيلا الهوني” الذي يقالُ عنه بأنّ ” العشب لا ينبت حيثما يمرّ”، تستند إلى ثلاث نقاط: نفس مسرح العمليات (أوروبا الوسطى)، ونفس الإصرار على فرض التبعية على شعوب ترفض وصايتهما (الإمبراطورية الهونية والإمبراطورية الروسية)، وكذلك نفس انعدام الحساسية تجاه أي اعتبار إنساني. الفرق الجوهري بين الاثنين هو أن «أتيلا” الذي كان يلقب ب “آفة الله” عاش في القرن الخامس أي في حقبة غاية في الهمجية، بينما يعيش بوتين فيما يُفترض أنه أكثر العصور تحظراً في التاريخ.
عندما يهدّد علناً كما فعل لتوه باستخدام أسلحته الإستراتيجية والنووية إذا ما لم يُسمح له بالمضي قدما في مذابحه بأوكرانيا، فإن الرئيس الروسي يضع العالم بأسره أمام احتمال تدميره الكامل، فذلك هو ما سيحدث عندما يأتي الرد الغربي المحتوم. كل هذا فقط لألّا يضطر إلى الاعتراف بأنه اندفع في مغامرة لم يعد يدري كيف يخرج منها، مثله كمثل شخص تسلّق أعلى شجرة ثم صار لا يعرف كيف سينزل منها.
إن إمكانية نهاية العالم نتيجةً لحرب عالمية ثالثة ستكون حتماً الأخيرة (بسبب السلاح النووي على وجه التحديد) موجودةٌ في تفكير البشرية منذ الاستخدام الأول للسلاح النووي من قبل الأمريكان عام 1945 في ضربتين ضد اليابان، لكن مع تمكّن روسيا من هذه الوسيلة، راجت فكرة أنه قد حدث “توازن في الرعب”، وأنّ ذلك سيُبقى على إمكانية ظهور معتوه يشنّ ضربة نووية استباقية كاحتمال لا يَرد إلا في سيناريو سينمائي.
لكننا نكتشف الآن وقد أمر بوتين قيادة أركان جيشه بالتحضير لاستخدام ترسانة “الردع” الروسية، بأن مُنظّري حضارة المايا البائدة ربما لم يخطئوا سوى بعشر سنوات في التنبؤ بتاريخ نهاية العالم، وأنها ستكون في 2022 بدلاً من 2012.
بانغماسه في هذه اللعبة الخطرة، يعتقد بوتين أنه في لعبة شطرنج أبطالها بيادق جامدة وخصمه فيها كيانٌ مجرّد (الناتو)، بينما هي تتعلق في الحقيقة بمعركة بقاء بالنسبة للشعب الأوكراني، وبمسألة مصير الإنسانية والكوكب أجمع على نطاق أوسع. ربما يكون بوتين قد نسي في خضم الأخطاء المتتالية التي يواصل ارتكابها بأن بلاده قد تحولت، حالًمَا تفوه بتهديده، إلى هدف صوّبت نحوه الصواريخ النووية الأوروبية والأمريكية ومن مختلف الجنسيات الأخرى.
المقارنة التي يقيمها معلّقو الأخبار بين الوضع الحالي وقضية الصواريخ السوفيتية في كوبا في 1962 ليست، رغم تشابه الأحداث، صورةً طبق الأصل، لأن الأمريكان كانوا في ذلك الوقت يتعاملون مع سلطة جماعية يمثلها المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وليس مع سلطة غير محدودة في يد حاكم مستبد يرتعدُ أمامهُ كبار المسئولين المدنيين والعسكريين. فروسيا اليوم لا يحكمها حزب أو نظام أو طغمة عسكرية، بل يحكمها رجل أصبح مصابًا بالتوحد ودماغه صار يرفض استيعاب الحقائق الموضوعية بحيث لا ينظر إلا لتلك التي تصنعها ذاتيته.
الغطرسة التي كان بوتين يظهر بها قبل مهاجمته أوكرانيا ثم خلال الأيام الأولى للغزو هي بمثابة الدليل القاطع على تيقّنه من أن “الحرب الخاطفة” التي أعدّ لها العدّة منذ فترة طويلة لن تتجاوز بضعة أيام. كان يعطى الأوامر، ليس فقط لجنرالاته، بل للجنرالات الأوكرانيين أيضاً والذين دعاهم للإطاحة بحكومة بلادهم قبل أن يأتوه للتفاوض على التبعية التي سيفرضها عليهم.
مع ذلك لا تزال أوكرانيا واقفة في اليوم الخامس من القتال وقد تمكنت من إبطاء تقدم الدبابات الروسية، أحيانًا عن طريق الزجاجات الحارقة، بينما يقال إن عدد القتلى من الجنود الروس يُحسب بالآلاف. ماذا سيحدث بعد خمسة أسابيع أو خمسة أشهر إنّ لم تُحقّق المفاوضات التي بدأت صباح اليوم إلى انسحاب القوات الروسية؟
بوتين كان مقتنعاً بأن رحلة جيشه إلى أوكرانيا ستكون نزهة في الحديقة. كان على يقين أنّ الغربيين سيسمحون له بفعل ما يريد كما جرت العادة، بينما تتوضح الأمور شيئا فشيء بأنهم لم يتركوا الطريق مفتوحاً أمامه سوى ليحكموا إغلاق الفخ من حوله. وبعد أن فهمَ بوضوح بأن الأمور لم تسر على النحو الذي كان يأمل أن تسير عليه، فإنه يخشى الآن أن يتلقى الفشل والهزيمة والإذلال، وهو ما سيعني نهايته.
هل من الممكن أن يكون الغربيون قد تلاعبوا به، وهم الذين كانوا من قبل يحلفون بأغلظ الأًيمان أنهم لن يقاتلوا من أجل أوكرانيا؟ لقد كان يعتقد بأنهم مشتّتون غير قادرون على الاتفاق على سياسة خارجية أو دفاع مشتركين، فإذا بهم يتوحدون فجأة كأصابع اليد الواحدة ويتصرفون في انسجام ويضاعفون الإبداع كل يوم من أجل إفقار روسيا وإضعافها عبر عزلها عن العالم وعن الهيئات متعددة الأطراف والأنظمة المالية والتجارة العالمية والملاحة الجوية والمسابقات الرياضية والأحداث الثقافية والفنية …
إن المبادلات بين الدول هي بمثابة حركات الجهاز التنفسي، فالواردات والصادرات تعادلان الشهيق والزفير اللذين من دونهما يختنق المرء ثم يموت.
أعضاء الاتحاد الأوروبي أصبحوا يعاملون أوكرانيا كما لو كانت عضوًا في الاتحاد وحلف شمال الأطلسي. وقد منحوها بسخاء حق التمتع بامتيازات معاهدة روما والمادتين 4 و5 من معاهدة الناتو، وهو ما يعتبر طامة كبرى لبوتين الذي كان هدفه النهائي تجنّب حدوث ذلك تحديداً. فإذا بهم يتحولون فجأة إلى مقاتلين مصممين على نقل الأسلحة للمقاومة الأوكرانية على ظهور الحمير إن استلزم الأمر.
نعم! كلّ حرب جديدة تجلبُ تقنيات جديدة للنضال، والشعوب في كل مرة تبدع لابتكار وسائل مقاومة جديدة. وعندما لا تجد الجديد منها فإنها تعود إلى تلك التي كان الإنسان يستخدمها في عهد الماموث.
أمام السيل الجارف من العواقب التي لم يكن يتوقعها، لا بد أنّ عقل الرئيس بوتين قد اهتزّ. وها هو والريبة تنهكُه والشكوك التي لا تطاق تفترسه، حتى صار خائفًا من أن يخسر كل شيء في هذه القضية التي دخل فيها بوحشية هائلة وذكاء ضئيل، و ها هو يضطر لإبلاغ العالم بأنه لن يتردد في إشعال اللهب النووي مرهباً بكلامه هذا البشرية جمعاء و مضاعفاً عشرات المرات كرهها تجاهه.
هل سيقوم خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة بقصف أوكرانيا بقنابل نووية مصغرة حتى يُظهر بأنه لا يوهم فقط؟ هذا ليس مستبعداً لأنه يبدو وكأنه فقد الإحساس بالواقع. رغم أنه في الحقيقة كان فاقداً لذلك قبل الغزو بكثير، في مطلع إستراتيجيته التي بناها على الإيهام بأنه سيحتل أوكرانيا ويتمكن من سحقها دون إطلاق رصاصة واحدة أمام أعين الغرب الخائفة.
لابد أنه الآن يستشيط غيضاً في مكتبه ويصرخ في وجه جنرالاته مثلما كان يفعل هتلر عندما بدأت هزيمته تتجلى. لكن الفرق مع هذا الأخير أن ذلك لم يكن في اليوم الخامس من اندلاع الحرب العالمية الثانية بل بعد خمس سنوات من الحرب. وخصمه لم يكن بلداً صغيراً بحجم أوكرانيا بل تقريباً جيوش العالم بأسره.
إذا لم تجد روسيا طريقةً ما لتتخلص بسرعة من الورطة التي وضعها فيها بوتين، فإن عليها الاستعداد لتعيش في عالم بدونها، عالم ستكون قد أقصيت منه بغباء ومن أجل لا شيء، بسبب خطأ الحاكم المستبد قصير النظر الذي تهوّرت وأوكلت مصيرها إليه.
الشيء الإيجابي الوحيد الذي يُمكن أن يُنسب فضله إلى بوتين هو أنه نجح في جعل الناس تنسى جائحة كوفيد 19 ولو لفترة من الوقت.
صفحة فايسبوك ن.ب:01-03-2022
