بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة نورة بوزيدة
مضى قرن ونصف القرن على وفاة الأمير عبد القادر وقضى إلى الدار الأبدية ليرتاح في ربوع التاريخ، بعد أن عاش حياته في الدار الدنيا بين المعارك العسكرية والسعي الروحاني الميتافيزيقي. وفجأة، يخرج أحدهم من العدم الأزلي ليزج باسمه ورمزيته في مستنقع السياسة السياسوية الجزائرية وكأنه “رونان” (وهي كلمة يابانية يوصف بها “ساموراي” لا قضية له يخدمها)، وظن هذا “الرونان” الجزائري نفسه في مجال التاريخ، شيرلوك هولمس، وهي شخصية مفتش خيالية برع في مجال البحث البوليسي، وبقي اسمه لامعا إلى يومنا هذا.
لكن “رونان” الجزائر لم يلمع بل تفحم وهو يبحث ربما عن تعويض تمثال الأمير عبد القادر بتمثال ششناق المستورد أو المسروق، حسب المصريين والليبيين الذين اتهمونا باختطافه من صفحات تاريخهم.
وقام هذا الشخص، الغير مؤهل للخوض في موضوع لا يتحكم فيه لكنه غلط نفسه بنفسه لكونه يحوز على بعض المعلومات في التاريخ، قام باللعب بشخصية الأمير، ضاحكا ومبتهجا كالطفل الذي يلعب برشاش معبأ بالرصاص، وكان ملعبه قناة يسيرها شخص يدعى على ما أظن “هب ودب”، ومعروف عنه مهنة ليست الصحافة بل تنفيذ المهمات القذرة الخسيسة التي يحددها إياه النظام.
لكن الرصاصات التي أطلقها الطفل، وهو ينط فرحا ومرحا على اللوحة الزلجة التي أعدها له “هب ودب” لا يمكنها أن تخدش رجلا أصبح منذ زمن طويل أيقونه عالمية وقطبا روحيا.
لكنها أصابت شعبا يواجه أمواجا عاصفة عاتية، مقسما سياسيا وعن قريب جغرافيا بسبب عدم كفاءة حكامه الذين يعيشون فوق رؤوس الجميع ولا يشعرون بما يحدث تحت أقدامهم، شعب معرض لتجار الكوكاين التي رصدت كمية جديدة منها في ساحل أرزيو في الوقت الذي نشب فيه نار في ميناء الجزائر… هل خرج “البوشي” من السجن؟
لا سهم يمكن أن يمس الأمير حيث هو الآن، في أثير السماء حيث تحلق روحه، وفي قمم التاريخ حيث رسمت صورته الرائعة في أذهان العلماء والحكماء ورسخت في ضمائرهم وسكن في أعمالهم التي أرادوها تشريفا له. فلا يمكن أبدا أن يحكم عليه من “يخلط” في التاريخ لأهداف غوغائية دنيئة.
إن تاريخه وبطولاته وكتاباته لا تمت للتاريخ فقط بل لميتافيزيقة التاريخ. وهذا الأمر لا يمكن أبدا لعربيدين يقهقهان وينطان بينما لم يفعلا في الحقيقة سوى عرض أمام الملأ جهلهما العميق عمق المحيطات والبحار. لن تتغير كتب التاريخ ليفرحا بنزعتهما لكل ما هو “مثير”، ولن يطاح بأي تمثال للأمير في العالم. فلا تعد ”ضربتهما” سوى ضربة سيف في الماء. هذا ما كان.
لكن ومع كل ما كتبته، لا يجب أن يحاكم نورالدين آيت حمودة قضائيا لأنه لم يرتكب في رأيي مخالفة جنائية أو جريمة لأنه في علمي لا توجد أي مادة في قانون العقوبات يمكن الاستناد عليه لإدانته. يوجد فقط سوى استياء شعبي شرعي بعد تلفظه بالخلاصات والأحكام الخاطئة والمغلوطة التي أسسها على قراءاته الناقصة قصدا لأرشيف موجود حقيقة.
أيت حمودة ارتكب حماقة كبيرة، (“قد راسو” كما نقول بالعامية)، لكن يمكن الحكم عليها بألف طريقة أخرى غير السجن، ومن بين هذه الطرق النقاش والأجوبة الموثقة والشجب وحتى السكوت والاستعلاء. أما أن يدفع غرامة او يزج به في السجن، فهذا لن يغير قناعاته المبنية على الجهل والخفة، ولن تغسل شرف الأمير من الإساءة التي لم تمسه في الحقيقة لأنه بعيد بآلاف السنوات الضوئية عن المستنقع الذي أراد العربيدان جره إليه. يجب تحرير نورالدين آيت حمودة كما نفعل مع طفل غير راشد لا يسأل أمام القضاء وتركه يواجه الحكم العام.
لا يليق أن نتحدث عن الأمير عبد القادر في قاعة المحكمة، وكأنها قضية من قضايا فساد أو سرقة أو قتل. هذا دنس وتدنيس. لماذا؟ لأن محامو نورالدين آيت حمودة سيتعبرون من حقهم تدنيس الأمير لتبرير أجرهم. إن الأمير لا يحتاج إلى طرف مدني يرفع قضايا للدفاع عنه. فهو ليس ملك أحفاده، او وزارة المجاهدين او الدولة الجزائرية ولا حتى الجزائر لأن الكثير من البلدان تبنته وجعلوه محل احترام شعوبها وإعجاب نخبها.
عبر تاريح الانسانية، برزت وجوه وقامات لم توقف اشعاعها حدود جغرافية وثقافية وزمانية، فنسي الناس أصولها وأصبحت معالم للبشرية، وإرثا مشتركا لها. نعم، الأمير عبد القادر ملك الانسانية وأحد كنوزها المعنوية والروحية، مثل ما هو القديس أغوسطين.
إذا تحدثنا عن “البارود”، فهو الأول والأكبر حيث حارب خلال سبعة عشر سنة والوحيد الذي يمكن مقارنته به هو الباي أحمد في قسنطينة ثم باتنة، وهو الرجل الذي أمحي اسمه من الذاكرة الجزائرية التي محت الكثير ونسيت الكثير وشتمت الكثير من خيرة أبنائها.
لم يكن الأمير “كولونيل” خلال الثورة التحريرية والحقيقة أن كل “كولونيلات” الثورة الجزائرية، لو اختاروا لفضلوا أن يكونوا بدل ذلك من بين جنوده والمجاهدين في صفوف جيشه بين 1930 و1847. ولاختاروا الموت تحت لوائه مرتين بدل الواحدة: مرة في سبيل الجزائر ومرة فداء له، ولكان عميروش، والد نورالدين آيت حمودة، أولهم.
أما في مجال الفكر والكتابات الروحية، فلم يبلغ درجته العلمية أي جزائري آخر. لكن هيهات. إن المثل الاعلى لنا هو فقط ” صاحب البارود” والذي لا يتعدى كونه في الغالب “مطلق نار” أو “ضابطا فارا من الجيش الفرنسي” في مهمة، بينما المثل الأعلى والقامة الأولى للأمم الحاملة لحضارات سامية هو المنظر والحامل لفكر ورؤية. ولا ننسى أن في الاسلام “مداد العلماء” له أكثر قيمة من “دم الشهداء”.
كان الأمير رجل دولة يعيش في محيط قبلي، ولذا لم يستطع التغلب لا على الاستعمار الفرنسي المستند إلى حضارة، ولم يتمكن من التغلب على القابلية للاستعمار المتجذرة في أعماق الانحطاط الجزائري.
كان يرقد بأمان في قبره القريب من قبر استاذه، القامة ابن العربي، عندما فكر بومدين إيقاظه ودفن رفاته من جديد في الجزائر لجعله مرجعا تاريخيا وفكريا للجزائريين.
ها هو اليوم يدنس في “الجزائر الجديدة” التي حملت معها كل المفارقات وكل البهدلات وضربات الجنون من كل الجهات… جزائر “جديدة” يتنافس عليها سلطة مقطوعة من الشعب، تفتخر بأن وضعت الأقلية على ظهر الأغلبية وتسيرها، سلطة تغلبت عليها “شيمة” عدم الكفاءة المدقعة التي جعلتها لا تعرف سوى لغة القمع والعنف.
ومن الجهة الأخرى، قرامطة خرجوا من عمق العصور الوسطى متلبسين بالديمقراطية المعاصرة والذين يعملون من الخارج على إسقاطها (أي السلطة) في بحر من الدم، تحت انظار القوات الأجنبية اليقظة لما يحدث عندنا.
إن الخيارات المستقبلية التي ستترك لأرض الأمير بعد نفاذ البترول قليلة جدا، بل هي اثنان فقط حيث أن المستقبل الجزائري يتأرجح بين أفغانستان طالبان وكولومبيا المخدرات بين يدي شيخي “البوشي” الذي سيطلق سراحه وسآخذ مكانه أنا في زنزانته بتهمة “المساس برموز الدولة”.
الفريقان (السلطة والقرامطة) سيتفاهمان جيدا، وسيكونان سمنا على عسل، لأن الطالبان لهم مهارة كبيرة في استعمال الافيون الديني وزراعة الافيون الحقيقي التي يستمدون منها أموالهم أساسا.
صفحة فايسبوك ن.ب:28/06/2021
