Home مقالاتقسم “السكير”

قسم “السكير”

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

حَكَمَ الجزائرَ منذ استقلالها سبعة رؤساء لم يفارق أيّ منهم منصبه في ظروف طبيعية‎.‎

فقد أطيح بن بلة بانقلاب، وتوفي بومدين بمرض غامض، واغتيل بوضياف من قبل حارسه على الهواء ‏مباشرة، ودُفعَ الشاذلي وزروال إلى الاستقالة، وطُردَ بوتفليقة لبيته بعد ثورة شعبية، أما مصير آخر ‏رئيس حتى الآن وهو تبون فيبقى مجهولا بُعَيدَ سنة من تولّيه الحكم‎.‎

في مقال يعود إلى 2011 (“لعنة الدستور”)، كنت قد أطلقت أطروحةً سعيتُ من خلالها لتفسير النهاية ‏التعيسة والمتشابهة للرؤساء الخمسة الذين كانوا قد تداولوا على رئاسة البلاد قبل نشر المقال. ومنذ ذلك ‏الحين تناوب رئيسان آخران على السلطة وواجها تقريبا نفس المصير غير المتوقع الذي طال من ‏سبقهم.‏

هذه الأطروحة التي تأكدت في سبع حالات من أصل سبعة، أي بنسبة صحة 100٪؛ تستند إلى عدم ‏شرعية هؤلاء الرؤساء وإلى التلاعب الذي مارسه جميعهم بالدستور لتعديله وفقًا لما يناسب مقاييسهم، ‏وهو ما جلب عليهم آجلاً ما يشبه الثأر الالهي الذي عاقبهم بنهاية بائسة أو مؤلمة، كلٌّ حسب الحالة. ففي ‏غياب الشعب عن المعادلة السياسية، وفي غياب ضمير وطني للمواطنة، لم يكن يتبقى للجزائر من أمل ‏سوى في تدخل القوة الربانية.‏

ما يميز الرئيس الذي يتولى السلطة في الوقت الحالي، على الأقل رسميا حيث لم يره أو يسمعه أحد منذ ‏شهر ونصف، هو أنه لم يَكَد يقترحُ مشروع دستوره لاستفتاء الشعب حتى وجد نفسه في مستشفىً ‏ألماني، تاركاً ورائه دولةً معلقةً بين دستورين: القديم الذي لم يُلغَ بَعد، والجديد الذي لم يُصدَر بَعدُ. ‏

هذا وتجدر الملاحظة هنا أنّ باستثناء الرئيس الأول أحمد بن بلة الذي ترك السلطة مكرهاً بعد سنتين ‏ونصف من تولّيها، فإن جميع الرؤساء الآخرين قد سافروا للعلاج في الخارج من مرض أو آخر.‏

لعنة الدستور حلّت على تبون أسرع من سابقيه ربما بسبب فكرته الوخيمة باختيار الأول من نوفمبر – ‏وهو التاريخ المقدس فوق كلّ آخر في نظر الجزائريين – من أجل إجراء “استفتاء تبييض” أفشله ‏الشعب بنسبة 80٪، بين نسبة المقاطعة والأصوات الرافضة وتلك الملغاة.‏

هذه السرعة الخاطفة دفعتني لأن أُراجع نظرتي إلى الموضوع ولأتفحص مليّا آليات هذه الظاهرة ‏القَدَريَّة التي لم تتجلى عدة مرات فحسب، لكنها ضربت بصفة آلية، في كل مرة، ومع الجميع. حينها ‏تجلّى النور أمام عينيّ‎.‎

‎في اللغة الفرنسية تُستخدَمُ عبارة “يمين السكّير” أو “قَسَمُ السكّير”، للإشارة إلى أولئك الذين يتعهدون ‏بوعود جميلة وكبيرة وهم سكارى، ثم لا يتذكرون منها شيئًا في اليوم الموالي. “حاشى” شرف رؤساء ‏الجزائر الذين لم يكُن أيٌّ منهم سكّيرًا، لكنهم رغم ذلك حلفوا جميعهم ب “يمين السكّير” عندما أقسموا ‏بالله و أمام الشعب ويدهم على القرآن، بأنهم سيحترمون الدستور و ذكرى الشهداء وسيادة الشعب، بينما ‏قاموا جميعًا بانتهاكها كلٌّ حسب ما يلاءمحساباته السياسية و احتياجاته الشخصية.

هذا الإثم جعل منهم حانثين لليمين في نظر الدين ومذنبين في نظر القانون. وإن كانوا قد تمكنوا من ‏الإفلات من عقاب الأخير، فلا حيلة لهم في مواجهة… “لعنة الدستور”، حيث لا يوجد فعليّا تفسير آخر ‏لما حدث لهم والذي شابه إلى حد كبير العدالة الإلهية.‏

القسم الرئاسي أنشئ في الجزائر بموجب دستور 1963 في المادة 40 منه، وجاء كما يلي: (وفاء ‏لمبادئ ثورتنا ولأرواح شهدائنا، أقسم بالله العظيم ان أحترم الدستور وأدافع عليه وأحافظ على سلامة ‏الوطن واستقلال البلاد ووحدتها، وأن أبذل كل جهدي لرعاية مصالح الشعب و الجمهورية الديمقراطية ‏الشعبية). ‏

خضعت هذه الصيغة لعدة تغييرات طوال التاريخ الدستوري للبلاد قبل أن يعطيها دستور 1996 شكلها ‏الحالي‎:‎‏ ( وفاء للتّضحيات الكبرى، ولأرواح شهدائنا الأبرار، وقـيّم ثورة نوفمبر الخالدة، أقسم باللّه العلي ‏العظيم، أن أحترم الدّين الإسلامي وأمجّده، وأدافع عن الدّستور، وأسهر على استمرارية الدّولة، وأعمل ‏على توفير الشّروط اللاّزمة للسّير العادي للمؤسسات والنظّام الدّستوري، وأسعى من أجل تدعيم المسار ‏الدّيمقراطي، وأحترم حرّية اختيار الشّعب، ومؤسسات الجمهورية وقوانينها، وأحافظ على سلامة التّراب ‏الوطني، ووحدة الشعب والأمة، وأحمي الحرّيات والحقوق الأساسية للإنسان والمواطن، وأعمل بدون ‏هوادة من أجل تطوّر الشعب وازدهاره، وأسعى بكل قواي في سبيل تحقيق المثل العليا للعدالة والحرّية ‏والسّلم في العالم‎.‎واللّه على ما أقول شهيد.)‏

رغم بعض التخفيف التي طالَه، لا يزال المحتوى ثقيلًا وصعب الأداء مقارنةً بالقسم الرئاسي في دول ‏أخرى مثل تلك التي يؤديها الرئيس الأمريكي أثناء تنصيبه (دون إلزامية حلفه على كتاب مقدس حتى و ‏إن أصبحت هذه الممارسة معتادة)‏‎:‎‏ ‏‎” ‎أقسم (أو أقر) بأنني سوف أقوم بتنفيذ متطلبات منصب رئيس ‏الولايات المتحدة بكل أمانة، وبكل ما أستطيع سأدافع وأحافظ وأحمي دستور الولايات المتحدة الأمريكية، ‏و ليساعدني الله على ذلك‎.”‎

لم يدرك الرؤساء الجزائريون الذين تعاقبوا على أداء اليمين الدستوري أن ما كانوا يردّدونه ليس مجرد ‏صيغة مناسباتية تشكل جزئاً من روعة ديكور حفل التنصيب، بل أنّه قسَمٌ شخصيٌ مقدسٌ أخلاقيًا وملزمٌ ‏قانونياً‎.‎

حالما تنتهي مراسم تنصيبهم، وبمجرد أن يتحلّوا بالبذلة الرئاسية، ويبدأ الثمل بنشوة السلطة في إحداث ‏آثاره كانوا ينسون الوعود التي تنتج تلقائيا عن أداء اليمين الدستورية كما لو كانت لا تختلف عن باقي ‏الشكليات البروتوكولية. لم يدركوا في وقت أداء اليمين ولا طوال باقي عهدتهم أن خيانة هذا القسم تعني ‏خيانة الله وذكرى الشهداء والشعب والدستور والالتزام بالعهد. وهذا هو بالضبط سبب ما نزل عليهم من ‏العقاب.‏

لماذا أفتح هذا الموضوع اليوم؟

‏1) لأني لو كنت قد استُشرتُ في سياق مراجعة الدستور الأخير لكنت قد اقترحت التفكير في هذا ‏الموضوع. فإنه من الممكن بالفعل لنصّ القسم الرئاسي، بعد إعادة تركيزه وكتابة مناسبة له، أن يصبح ‏مفتاح المشكلة التي تتخبّط فيها بلادنا منذ الاستقلال. يكفي استبدال “قسم السكّير” هذا الذي لا يمكن ‏تحقيق محتواه في الواقع (“تمجيد الإسلام”، “السلام العالمي”، “المُثُل العظيمة” التي لا تُلزمُ بأي شيء ‏ملموس)، بقسم عملي يُدرجُ التزامات واضحة ومستوحاة من التجارب السابقة، ويخضع لعقوبات جنائية ‏في حالة نقضه.‏

بدلاً من أن يلتزم رئيس الدولة أمام الله أو الشهداء أو التاريخ و أن يقدّم وعوداً بعيدة المنال بقدر استحالة ‏تحقيقها، سيكون أَفيَد وأكثر حكمة أن يلتزمَ بأفعال محددة و مضبوطة، مثل عدم المساس بالدستور الذي ‏يجب أن تُنزَعَ عن الرئيس صفةُ “الحامي” له، عدم الذهاب للعلاج في الخارج في حال مرضه أو إخفاء ‏حالته الصحية، الامتناع عن ممارسة المحسوبية أو التستر على الفساد، التعهد بالمحاسبة مدنيًا و جنائيًا ‏عند مخالفته القانون أو اليمين الرئاسي، إلخ. سيؤدي الإصلاح الشامل وإعادة توجيه القسم الدستوري ‏إلى استقرار دائم للدستور، وإلى فرض حرمة أحكامه الأساسية‎.‎

‏2) حيثُ أنَّ مشروعَ الدستور الجديد قد رُفضَ من قبل الشعب خلال استفتاء 1 نوفمبر 2020، وحيثُ ‏مصيرُ تبون كرئيس للجمهورية أصبح مجهولاً للغاية بسبب مرور ما يقارب الشهرين، ليس منذ مغادرته ‏الجزائر ولكن منذ تخلّيه عن وظائفه؛ فإن إجراء انتخابات رئاسية جديدة و طرحَ مشروع دستور جديد قد ‏أصبحا ممكنين، إن لم نقل لا مفرّ منهما‎.‎

وليصبح إجراء انتخابات رئاسية جديدة ممكنا يجب أن يستقيل الرئيس الحالي بسبب حالته الصحية، أو ‏أن يجري تفعيل المادة 102 التي أصبحت الآن مشهورة.‏

بما أن دستور تبون الجديد لم يصدر بعدُ فإن دستور 1996 هو الذي لا يزال ساري المفعول. والمادة ‏‏175 منه (التي أصبحت 220 في دستور تبون) تنصّ على أن ” يصــبح القــانون الــذي يتضــمن ‏مشــروع التعــديل الدســتوري لاغيــا، إذا رفضــه الشــعب‎. ‎ولا يمكن عرضه من جديد على الشعب ‏خلال الفترة التشريعية‎.‎‏ “. هل يشكّل هذا عقبة؟ لا، حيث أن مصطلح “الفترة التشريعية” يرتبط بعهدة ‏المجلس الشعبي الوطني‎ ‎الذي يمكن حلّه في أي وقت من قبل رئيس الدولة الحالي أو المستقبلي‎.‎

لكل مشكلة حلّ شرط أن يتم العثور عليه. لكن في بلادنا لا نبحث عن حلول للمشاكل بل نختلق مشاكل ‏مزيفة في وجه الحلول الجيدة

صفحة فايسبوك ن.ب(الترجمة)14 ديسمبر 2020

You may also like

Leave a Comment