بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح
يَدينُ الجزائريون بوجودهم كشعب ذي سيادة ودولة مستقلة إلى “استفتاء تقرير المصير” للأول من جويلية 1962، الذي كان آخر السُّبُل لإنهاء حرب التحرير بين الاستعمار الفرنسي وإرادة الشعب الجزائري وتوقه إلى الحرية منذ أول نوفمبر 1954.
أمّا أول نوفمبر 2020 فيشهد دفن حرية المواطنة والسيادة الشعبية ويضع الجزائر فيما يشبه العهدة الخامسة، وذلك رغم أن نتائج الاستفتاء قد أعطت لسلطة الواقع التي أسس لها قايد صالح قبل وفاته فرصةَ للشروع في مسار إنهاء الصراع الذي بدأ في فبراير 2019 بين الشعب ونظام سياسي انقلابي ديكتاتوري غير كفء وفاسد منذ بداياته.
في نهاية الأمر إذاً، لم يقم الجيش “بمرافقة حراك الشعب” إلا ليخنقه بهذا الاستفتاء. ولم يسمح في الواقع هو وتبون للشعب بأن يخرج رأسه من الماء إلّا ليتنفس لحظةً وجيزةً قبل أن يعاد إغراقه مرة أخرى. بينما كان يكفيهم أن يستخلصوا الدروس الواضحة، التي أفرزتها نتائج في منتهى الصراحة والبلاغة: نسبة مشاركة ب 23.7٪، أي مقاطعة ب 76.3٪؛ وأكثر من 21 مليون “لا” مقابل 3،3 مليون “نعم”.
كان يكفيهم أن يعلنوا عن قرارهم باحترام إرادة الشعب الناتجة عن ممارسة الحق السيادي بالاستفتاء المعترف به بموجب الدستور منذ عام 1963، حتى يفقد “الحراك” (“المبارك” قولاً لكن “الملعون” فعلاً في أعين السلطة) سبب وجوده الوحيد، وحتى يتسنى للجزائر أن تفتتح عهداً جديداً. إنّ هذه الفرصة الضائعة تسدي ظلاماً حالكا على الطريق المؤدي إلى المستقبل.
في هذا الظرف بالذات لم يظهر على السلطة أيّ استخدام للذكاء، بل هي اكتفت باللعب على المعنى القانوني لكلمة “استفتاء” الذي حاولت تكييفه كمجرد اقتراع لا يختلف عن غيره من الانتخابات، بينما الاستفتاء في الحقيقة أداةٌ لممارسة “الديمقراطية المباشرة”، تتميّز عن أدوات ”الديمقراطية التمثيلية” التي هي الانتخابات وتفوقها أهميةً بشكل بارز.
ففي الاستفتاء يكون الامتناع عن التصويت أكثر تعبيراً من المشاركة، كما لا يمكن ل 3،3 مليون صوت ب “نعم” أن تكون أكثر حسمًا من 21 مليون من أصوات المقاطعة و1.6 مليون من أصوات “لا” و0.6 مليون من الأصوات الملغاة.
العقل السليم والفطرة البشرية والمنطق البسيط يُظهرون بأنه عندما يتعلق الأمر بمسائل أساسية في مجال السياسة العليا أو بكبرى الخيارات الإستراتيجية، فإنه يجب التفكير والتصرّف بشكل مختلف عمّا يكون عليه الأمر عندما يتعلق بالمناصب الانتخابية أو البرامج الحزبية أو العهدات الرئاسية.
ولاستحالة أن ننتظر من الله أن يُظهر هو لنا حقيقة عملية الاحتيال هذه قبل أن تُقَفل علينا تمامًا، فلنلجأ إلى استحضار شهادة التاريخ القريب الذي لا يزال في الأذهان، و لنتخيل أن نسبة المشاركة في “استفتاء تقرير المصير” لأول جويلية 1962 كانت فقط ب 23.7٪.
هل كانت منظمة الأمم المتحدة ستستنتج بأن الشعب الجزائري يريد فعلاً الاستقلال؟ هل كان ديغول سيظل في السلطة بعد نتيجة كهذه؟ هل كانت ثورة التحرير لتنتهي؟
من الواضح أننا مررنا من استفتاء الحرية في 1 من جويلية 1962 إلى استفتاء الاستبداد في أول نوفمبر 2020. ولو أنّي شخصياً، وعلى خلاف البعض من دعاة رفضه، لا أعترض على الكثير في مشروع الدستور الجديد الذي أوافق عليه على وجه الخصوص فيما يتعلّق بالمواد التي تسمح بإرسال وحدات الجيش إلى الخارج، وحرية ممارسة العبادات و دسترة اللغة الأمازيغية.
بين سبتمبر 2017 وجانفي 2018، دعوت إلى ثورة مواطنة سلمية حاولت أن أرسم ملامحها في ندائي هذا. وفي فبراير 2019 اندلع “حراك” بقوة العاصفة الرعدية العظيمة، لكن قوى طبيعيةً أخرى أدّت به إلى العجز شبه التام، أذكر من بينها الطابع “الطوايشي” الذي اتّسم به شبابٌ وكهولٌ ممّن كانوا داخله، وكذلك بعض من الشعارات غير الواقعية. فثورةُ المواطنة تتطلب في الواقع رؤيةً واضحةً وطريقة عمل براغماتية بالإضافةً إلى الشحنة العاطفية التي لا يستغنى عنها.
و سنوات قبل ذلك تخيلت في مقال بعنوان “حلم” (“Le Soir d’Algérie « 30 ماي 2011) سيناريو لما يمكن أن تكون عليه ثورةٌ كهذه. وقبل ذلك أيضا وبزمن طويل، أنهيت مقالي ”عبقرية الشعوب” (المجاهد 8 أكتوبر 1979) بهذه المقولة: “سعيدٌ هو الشعب الذي ارتجفت روحه وأعاد تكوين نفسه من نفس طينه! للملائكة الذين يحملون عرش الله، إنه لصباح للاحتفال ذلك الذي يستيقظ فيه شعب”.
كل هذه الكتابات متوفرة على صفحتي في الفيسبوك.
أما اليوم فلم يبقى لي ما أعوّل عليه غير “لعنة الدستور” وشهداء ثورة 1 نوفمبر 1954، وذلك أفيَد من انتظار الأَحياء في 1 نوفمبر 2020، الذين يعتقدون بأنّ الأرجل التي تستطيع المشي أهمّ من العقول التي تنتج الأفكار والأفعال. وإن كان كلاهما من متطلبات أيّ ثورة، فإن ”الحراك” كانت تنقصه الأخيرة.
لهذا فنحن اليوم في العهدة الخامسة، برئيس يعالَجُ في الخارج كما لو كان الجزائري الوحيد الذي ضربه فيروس كورونا، ودستور تأسس خارج إطار الشعب وضد رأي الأغلبية منه.
صفحة فايسبوك ن.ب: 03 نوفمبر 2020
