Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (31)

حياة مالك بن نبي (31)

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

نشَر بن نبي بين 1964 و 1968 كمّاًّ كبيراً من المقالات في أسبوعية Révolution africaine . وكان رفقة الدكتور خالدي يُمثل قطباً في مواجهة القطب الثاني المتأثر بالفكر الماركسي. كان واعياً بأن الجزائر بدأت تتخذ مساراً خاطئا، فحاول أن يُحذّر النُّخب السياسية والثقافية من “خطر الاستسلام للإيديولوجيات الحديثة في وقت وصلتْ فيه تلك الإيديولوجيات إلى الإفلاس في البلدان الغربية”.

خصص سلسلة من المقالات للمسائل الإيديولوجية والسياسية، وهي: “الاستقلال من وجهة النظر الاجتماعية” Sociologie de l’indépendance ، (أسبوعية Révafعدد26 سبتمبر1964)، و “السياسة والأخلاقيات” Politique et éthique (نفس المرجع) و “السياسة والحكمة الشعبية” Politique et sagesse populaire (نفس المرجع) و “السياسة والبوليتيك” Politique et Boulitique (نفس المرجع) و “السياسة والإيديولوجيا” Politique et idéologie (أسبوعية Révafعدد29 اكتوبر 1965)، و “السياسة والثقافة” Politique et culture ، (أسبوعية Révafعدد16 اكتوبر 1965)، و “تغيير الإنسان” Changer l’homme ، (أسبوعية Révafعدد14 ماي 1967).

وكانت مسائل التطور والبناء هي المواضيع الغالبة على مُداخلاته. ومن أمثلة ذلك مقال تحت عنوان: ” شروط ديناميكية اجتماعية Les conditions d’une dynamique sociale”، (أسبوعية Révafعدد 28 ماي 1967 )، وآخر تحت عنوان: ” العمل والاستثمار Travail et investissement “،(أسبوعية Révafعدد 04 جوان 1967 )، و ” الأفكار والبناء الاجتماعي Les idées et l’édification sociale ” (أسبوعية Révafعدد 11 جوان 1967 )، و ” اقتصاد الاقتيات واقتصاد التنمية Economie de subsistance et économie de développement ” (أسبوعية Révafعدد 20 ديسمبر 1967 ) ، و ” العامل الديموغرافي والتخلف Le facteur démographique et le sous-développement “(أسبوعية Révafعدد27 ديسمبر 1967)، و ” نشتري أمْ نصنع؟ Acheter ou faire ” (أسبوعية Révafعدد 14 فيفري 1968 )، و ” التخطيط والتخطيط المُصغّر Planification et micro-planification ” (أسبوعية Révafعدد 20 مارس 1968).

كان يُتابع الأحداث الدولية بشغفٍ شديد، ومِن ذلك: الصراع الإسرائيلي العربي، القضيتان الفلسطينية والفيتنامية، حركات التحرر في إفريقيا… فهو مُتواجد على كلّ الجبهات. وقد خصّ بعض الشخصيات البارزة في عصره بمقالات، ومنها: مقال حول كاسترو Fidel Castro تحت عنوان ” الأخلاق والثورة Morale et révolution ” (أسبوعية Révafعدد 13مارس 1968 ) ، وآخر حول شي جيفارا Che Guevara (أسبوعية Révafعدد23 اكتوبر1967 )، ، ومقال حول مُصدّق تحت عنوان ” وصية مُصدّق Le testament de Mossadegh ” (أسبوعية Révafعدد 02 أفريل 1967).

وبعد الاعتداء الإسرائيلي على البلدان العربية في جوان 1967 أراد أن يُلفِتَ انتباه القادة العرب إلى الأسباب “الحضارية” التي تقف وراء النكسة، واقترح فتح ورشة لإنشاء سوق عربية مشتركة، كما اقترح العمل على تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية بين بلدان المغرب.

وقد خصّص عدة مقالات للنكسة العربية أمام إسرائيل، ومنها: “ثمن الوحدة العربية Le prix de l’union arabe ” (أسبوعية Révafعدد 18 جوان 1967 )، و ” لحظة الومضة Le moment du flash ” (أسبوعية Révafعدد 25 جوان 1967 ) ، و ” وقت التفكير Le moment de réflexion” (أسبوعية Révafعدد 02 جويلية 1967 )، و ” المفاوضات حول موضوع البترول Le pétrole round ” (أسبوعية Révafعدد 09 جويلية 1967 )، و “هيئة الأمم تُدين الشعب الفلسطيني L’ONU condamne le peuple palestinien ” (أسبوعية Révafعدد 23 جويلية 1967).

وجدير بالذكر أنّ بن نبي بعث ببرقية إلى سفير مصر بالجزائر ليُخبره بأنه متطوع لخدمة مصر، وذلك أسبوعيْن قبل حرب جوان 1967.

كتاب “الإسلام والديمقراطية” (1)

صدرت هذه القصاصة المتكونة من أربعين صفحة سنة 1967 بمقدمة حررها صالح بن ساعي الذي أخبرنا بأنها في الأصل مُحاضرة كان يُفترض أن يُلقيَها بن نبي في هانوفرHanovre تلبية لدعوة من الطلبة المسلمين في أوروبا، لكنه لم يتمكن من الانتقال لإلقائها بسبب وعكة صحية ألزمته المستشفى في الجزائر العاصمة.

وممّا جاء في مقدمة صالح بن ساعي: ” إنّ بن نبي، بتجريده الديمقراطية من كلّ هالةٍ تاريخية، قد خلّص – لأول مرة في دراسةٍ من هذا النوع، فيما أعلم – دلالتَها الأساسية من اعتبارات الزمان والمكان. كما حرّرنا كذلك من تلك النزعة المعيارية السخيفة التي تُخضِعُ كلّ مجهود لتجسيد الديمقراطية في عمل مؤسساتي إلى نموذج أو معيار. فلا وجود لديمقراطية في غياب مسار ديمقراطي… وبن نبي يطرح لنا هذه البرهنة في وقتٍ صارت أفكار شبابنا تبدو مُشوّشة بخصوص كثير من المواضيع والشؤون… لكن أهمّ نتيجة حققها هذا التحليل الصارم من وجهة النظر السياسية هي: أنّ الديمقراطية ليست شيئاً يُستورد في شكل دساتير ومؤسسات جاهزة. ليس باستطاعتنا شراءها كما نشتري سيارات من طراز مُعيّن. بل لا بُدّ من صُنعها في عين المكان، في ذهنية الفرد وفي عادات المجتمع، وذلك باستعمال الوسائل المُلائمة للقضاء على التوجّهات التي تُنتِجُ العبدَ والمُستبِدّ”.

إنها تنبؤات دقيقة ككلّ التحذيرات المُسبقة التي عُرِف بها بن نبي، والتي كان بإمكانها أنْ تُفيد البلدان العربية في حينها لو أن القادة العرب أخذوها بعين الاعتبار.

كتاب ” أعمال المستشرقين و أثره على الفكر الإسلامي الحديث”

إنّ فكرة كتابة هذه الدراسة عنّتْ لبن نبي عندما علِمَ أنّ مُنظِّمي مؤتمر العمال الجزائريين في باريس وجّهوا دعوةً للكاتبة الألمانية سيجريد هونكة Sigrid Hunke كي تٌقدِّم كتابها “شمس الله تُشرق على الغرب”، وذلك مُباشرة بعد توزيع قُصاصته المُعَنْوَنَة بـ “الإسلام والديمقراطية” على المؤتمرين، وذلك مِن أجل ” صرف انتباه المُشاركين عن المسائل الشائكة في الحاضر ليهتموا بمآثر الماضي ومظاهر البذخ فيه”. إنّه فصل من فصول الصراع الفكري في نظر بن نبي.

ويفتتح هذه الدراسة بالتمييز بين جيلين من المستشرقين: القدماء والمحدثين، وبين صنفين منهم: الدُّعاة المُرغّبين، والطاعنين القادحين في الحضارة الإسلامية، ثُمّ يُعلِنُ أنه لا يهتمّ إلاّ بالدعاة المُرغِّبين الذين يؤثرون في الفكر الإسلامي الحديث ويسعون إلى تخديره.

إنّ الدعوة التي يقوم بها هذا الصنف من المستشرقين مُطابقة للغايات التي تسعى الصراع الفكري إلى تحقيقه. وهو في هذه الدراسة يُحيِّي سيديو Sedillot وجوستاف لوبون Gustave Le Bon آسين بالاسيوس Asin Palacios، وينتقد ماكسيم رودنسن Maxime Rodinson، ويختتم دراسته بالحديث عن ضرورة استرجاع العالم الإسلامي لاستقلاله في مجال الأفكار كما في مجال الاقتصاد والسياسة.

اقترح بن نبي على السلطات تنظيم ملتقى سنوي دولي للفكر الإسلامي في الجزائر. وقد قُبِلَ الاقتراح ونُظِّمَ أوّل ملتقى في ديسمبر سنة 1968 في ثانوية عمارة رشيد. وكانت تلك هي المناسبة التي رأيتُ فيها بن نبي واستمعتُ إليه لأول مرّة.

أنهى تحرير الكتاب الثاني من مذكراته باللغة الفرنسية بتاريخ 21 جويلية 1967. وفي شهر أوت كتب مقالاً تحت عنوان ” عودة إلى الأصول “( Retour aux sources ). ثُمّ سافر إلى موسكو لحضور الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، وكان شريف بلقاسم هو الذي عيّنه بصفته كاتباً. وقضى ثلاثة أسابيع في الاتحاد السوفياتي شاهَدَ خلالها مسرحية “إسميرالدا” في قاعة البولشويْ Bolchoï.

وُجّهت له دعوات لإلقاء مُحاضرات في كلٍّ من ألمانيا وأنجلتيرا في شهر ديسمبر. وعند عودته من تلك الجولة بعث برسالة إلى مسؤول الحزب آنذاك، وهو قايد أحمد، وتضمنت تلك الرسالة هذه الأسطر الاستفزازية: ” إنني، وبصفتي مُثقفاً بسيطاً، لا أؤيِّدُ ولا أُعارض فكرة الحزب الواحد. فأنا براجماتي موضوعي. لكن، وبصفتي مُواطناً مُنضبطاً، أحترم كلّ صيغة تختارها بلادي. أحترمها طالما حافظتْ على استحقاق الاحترام. لكنني عندما أتساءل بصدقٍ عمّا إذا كانت الجزائر بلاداً بحزب واحد، فأنا أتردد في الإجابة عن ذلك… وعلى غرار ذلك ينتابني شعور بوجود سلطة مُوازية تَشُلُّ السلطة الرسمية وتقضي عليها، وهي تستعمل خواتمها وإمضاءاتها كما أشرْتُ إلى ذلك في رسالتي الثانية الموجهة إلى سي بومدين”.

حَظِيَ بن نبي باستقبال خاص عند الرئيس بومدين بتاريخ 1 فيفري 1968. وفي السادس عشر من ذات الشهر تلقى استدعاء للمثول أمام الغرفة الإدارية في 22 فيفري بطلب من مواطن فرنسي مُكلّف بقضايا الحجز القضائي من طرف شركة تأمينات تعمل في باريس.

وكان هذا الإجراء يهدف إلى طرده من مسكنه، فطلب بن نبي من رئيس المحكمة التدخل في القضية قائلاً: “سيادة الرئيس، عليّ في البدءِ أنْ أُعبِّرَ عن تعجبي من هذا الاستدعاء بالنظر إلى أنّ السيد جيرولي يعرف جيداً (أو يعرف منذ عامٍ عندما قاضاني تعسُّفاً في محكمة الجزائر في القضايا الاستعجالية) أني لا أشغُلُ الشُّقّة التي أسكنها حالياً بناءً على قرار استفادة لشخصي، فأنا إذاً لستُ طرفاً في القضية. فهذا القرار اتُّخِذَ بالفعل على يد رئاسة الجمهورية ووضعتْ الشُّقّة تحت تصرُّفي لأسبابٍ هي أجدر مني بشرحها… وأنا متعجب بالمثل مِن أنّ هذه الدعوى تستند إلى منشور من وزارة الداخلية “بصفة خاصة”، حسب ما جاء بصريح العبارة في هذه الدّعوى، بخصوص الشُّقّة التي أشغلها. وبناءً على ذلك، أطلبُ ـ قبل إصدار أي حكمٍ على ضوء القانون الجزائري الذي يبدو أن السيد جيرولي يُريد أن يتفاداه ـ من السيد الرئيس أنْ يُمكّنني من الاطّلاع على وثيقتين يدّعي المُدّعي امتلاكهما، وهما: 1) الشهادة التي تُثبت صفة المُكلف بشؤون “الحجز على بنايات شركة التأمينات” المُسماة La Paternelle والموجودة في باريس. 2) رسالة السيد والي الجزائر التي تُثبِتُ أن الشّقّة لم تخضع للجرد والتي تدعو شركة التأمينات إلى التوجّه إلى شاغلها من أجل قبض مُستحقات الكراء”.

ها هو بن نبي إذاً يتخبط في وضعية حرجة منذ أكثر من سنة، وهو مُضطرّ لأداء دور المُحامي في مُحاكمة تتجاوز حدّ المعقول. وبالإضافة للطلب الذي قدمه لرئيس المحكمة، قدم طلباً آخر لرئيس الجمهورية. وجاء في نسخة مُطابقة لأصل تلك الرسالة قوله: “ذات يومٍ في نادي الصنوبر كُنتُم تكلّمتم عن “الحركى” الذين تركهم الاستعمار بيننا قبل أن ينسحب. وقد لمّحْتُمْ إلى الأعمال التخريبية التي يقوم بها هؤلاء “الحركى” ضدّ الوطن في جميع المجالات. اسمحوا لي بإضافة هذين التوضيحين اللذيْن أتاحتْ لي تجربتي الشخصية اكتسابهما منذ عودتي إلى الجزائر. إنّ هؤلاء “الحركى” لا يُمثلون مُجرد مجموعة من الأفراد المنتشرين عبر القُطر أو في الدولة بصفة اعتباطية، بل إنهم يُمثلون نظاماً مؤطّراً تأطيراً مثالياًّ بفكرٍ رفيع آتٍ من الخارج، وهو يستعمل ذلك النظام في تنفيذ مهام دقيقة التخطيط. إنهم يُشكّلون سلطة موازية في البلاد بفضل ذلك الفكر القياديّ. وطبيعيّ أنني لستُ مُطّلِعاً على العمل الذي تقوم به هذه السلطة الموازية في شتى مجالات حياتنا الوطنية. لكن المؤكّد أني أوسع الناس علماً بالتقنية التي تستعملها في مجال العمل الفكري الذي هو مجال اختصاصي. وقد أكون المُثقف الجزائريّ الوحيد الذي فرضت عليه طبيعة عمله الوقوف على واقع تلك التقنية. وليس من السهل وصف هذا الواقع في بضع كلمات. لكن يبقى بالإمكان أن أقدم في هذا المقام مُخططاً بسيطاً بالصورة التي كشفتها لي تجربتي الشخصية:

أ) إن العامل في مجال الفكر مثل العامل اليدوي، بحاجة إلى الراحة ليلاً كي يتسنى له القيام بعمله نهاراً. والحال أنّ لياليّ كلّها مُنغَّصة بواسطة تقنية أنا أعرف أن أصلها من الخارج، أمّا وسائل التنفيذ فهي وحدها الجزائرية. وأضيف هنا هذا التفصيل: إنهم، من جهة، يُريدون أن يجعلوا عملي أمراً مُستحيلاً، ومن جهة أخرى ـ وبذريعة إنقاذي ـ يقترحون عليّ مسكناً في مكان آخر، وهذا ما سيؤدي فوراً إلى حرمان طلبتي من المجيء إلى ندواتي بسبب بُعد المسافة.

ب ) إنّ الهاتف الذي كان يمكن أن يُسعفني ليلاً عند الحاجة قد قُطِع عليّ. ج) قُطِع عليّ الماء ـ ودام الانقطاع شهراً ونصف في إحدى المرّات ـ مع أنّي أدفع مستحقات العمارة كلّها أحياناً. وقد تكرّمتم عليّ بالإبقاء على مُرتّبي بعد إنهاء مهامي في مديرية التعليم العالي، لكن 300 دج صارت تُخصم مني شهرياًّ (2) رغم أنّ مشاركتي في الحياة الثقافية الوطنية لم تنقص، بل ازدادت بمقالاتي المنشورة في أسبوعية Révolution Africaine، كما أنّ ندواتي صارت أسبوعية. د) واليوم، وقد يئسوا من إيقاف عملي الفكري بمختلف التدابير الاستثنائية، ها هم يأمرونني بإخلاء مسكني… وهل بإمكاني، سيادة الرئيس، أن أضيف أنّ هذه المناورة الأخيرة جاءت مُتزامنة مع ما نشرتُه في أسبوعية Révolution africaine حول الصراع الفكري وتداعياته على حياة الجامعة الجزائرية”.

وتُختتم هذه الرسالة العجيبة والمُلجِمة من مُثقف إلى رئيسه ـ وهو مُحاصَرٍ بظروف كفيلة بإحداث خلل عقليّ عند أيّ شخص ـ بهذه الأسطر: “سيادة الرئيس، إنني إذ أتوجه إليكم بهذه الكلمة لا أطرح عليكم مشكلة شخصية، بل وضعية ذات صلة بالصالح العام، وهي جديرة بأن تهتم بها حتى مصالح أمن الدولة. فالواضح انّ النظام الذي أواجهه لم يحط رحاله في بلادنا كي يهتمّ بي أنا شخصياًّ وفقط…” وماذا حدث بعد كل هذه المساعي؟ لا شيء (3).

سافر بن نبي رفقة الدكتور خالدي خلال شهر أفريل إلى بوسعادة، حيثُ ترحّما على إيتيان ديني أمام قبره. وفي شهر ماي تنقّل إلى غرداية لإلقاء مُحاضرات. عاد إلى الجزائر مُتعباً ومُنهاراً، وسجل ذلك في دفاتره بتاريخ 10 أوت: ” انتظرتُ الفرج منذ 32 سنة، أي منذ سنة 1936. فقد انتظرت شعلة الحرب حتى سنة 1939. جاءت الحرب وذهبت بآمالي، فأصبح الضباب كثيفا في أفق رؤيتي. وقد اعتقدتُ أني سأتمكن من إزالة الضباب بالدخول في عالم الكتابة بكتاب “الظاهرة القرآنية”، لكن الضباب لم يزددْ إلاّ كثافةً. وكانت الثورة عندي بمثابة علامة انعتاق. لكن الزوبعة التي رافقتها أودتْ بأوهامي وبآمال الشعب، إذ أفْضتْ إلى استقلال أكثر إحباطاً من العهد الاستعماري… وفي هذه اللوحة الداكنة تُعدّ مشكلتي الشخصية هي الأكثر سواداً لأني أدفع الثمن أكثر من غيري للاستعمار والصهيونية وللعملاء الذين أفضحهم. فأين الحلّ؟ لن يكون الحل بحرب عالمية جديدة ولا بثورة جديدة، ولا بهجرة جديدة. فلقد عشت كلّ ذلك دون أن أجد حلاًّ لمشكلتي”.

وبعدها أتيحَ له أن يقضي شهراً في جبال القبائل عند عبد الوهاب حموده في الفترة بين أواخر أوت وأواخر سبتمبر، ثمّ سافر إلى مصر تلبية لدعوة من جامعة الأزهر للمشاركة في ملتقى حول “الجهاد”. قدّم عرضاً حول الموضوع، كما سجل مُحاورات مع صحفيي الإذاعة والتلفزيون المصريين. ولما عاد إلى الجزائر في شهر رمضان نشّط عشر مُحاضرات في المؤسسات التعليمية والدينية.

أنهى بن نبي ترجمة كتاب “أعمال المستشرقين” إلى العربية في جانفي 1969 وذلك في إطار الاستعداد لمؤتمر الكُتاب المغاربة المُزمع عقده في طرابلس ليبيا. سافر إلى الخرطوم في شهر فيفري تلبية لدعوة المشاركة في مؤتمر للعلماء. وهناك قدّم خمس مُحاضرات وحَظِيَ باستقبال رئيس الدولة.

وتعرّف خلال هذه الرحلة بناشري دار الفكر من دمشق، وهي الدار التي ستتولى نشر كل كتبه الصادرة باللغة العربية.

وعند عودته إلى الجزائر قدّم مُحاضرة حول “تأثير المستشرقين” في قاعة Les Actes. وخلال هذا الشهر حُكِمَ على كريم بلقاسم غيابيا بالإعدام في “المحكمة الثورية الخاصة” بوهران، بتهمة “المساس بأمن الدولة”. ومما جاء في التقرير الخاص بهذا الحكم، والمنشور في جريدة La nouvelle république بتاريخ 8 أفريل 1969: ” يحِقّ لأيِّ جزائريّ واعٍ أن يكون مُلحقاً في خدمة العدالة بإعدام كريم بلقاسم” (4). وفي الثامن عشر أكتوبر 1970 عُثِرَ عليه مقتولاً خنقاً في فندق بفرانكفورت.

تمّ تدشين مسجد جامعة الجزائر بحضور بن نبي بتاريخ 27 ماي 1969. بعدها ألقى مُحاضرات في كل من المدرسة الوطنية للإدارة وفي المدرسة العليا للأساتذة. وتعليقاً على نزول مركبة أبوللو 10 على سطح القمر سجل هذه الملاحظة في دفاتره: ” إنّ لهذا الحدث دلالته عند كل فئة من الناس. وهو عندي دليل على أنه في الوقت الذي ينتظر فيه البعضُ على سطح الأرض أن يأتي الخلاص من السماء، هناك مَنْ يصعد بنفسه إلى السماء”.

وانعقد في الشهر ذاته “المهرجان الإفريقي للثقافة” في الجزائر. وبالمناسبة دعا طالب أحمد كل رؤساء الوفود إلى وجبة غداء، باستثناء بن نبي الذي سجل هذه الملاحظة في دفاتره بتاريخ 12 نوفمبر: ” الساعة تُشير إلى الحادية عشرة ليلاً، وقد أنهيتُ اللحظةَ، بعون الله، ترجمة الكتاب الثاني من “مذكرات شاهد على القرن”. وبعد ذلك بشهر سُلّمت النسخة إلى أحد مُقرّبيه، وهو مروان قنواتي الذي كان يُفترض أن يُقدمها للناشر السوري عدنان سالم.

انتقل بن نبي إلى القاهرة في شهر فيفري 1970 من أجل المشاركة في مؤتمر إسلاميّ. وهناك التقى بجمال عبد الناصر الذي أتى إليه من أجل التحية، وأخبره بأنه قرأ كلّ كتبه. وفي شهر ماي عينتْهُ الحكومة الجزائرية رفقة الدكتور خالدي لتمثيل الجزائر في الندوة العالمية للمسيحيين المُساندين لفلسطين، والمنعقدة في بيروت. وسجل بن نبي هذه الملاحظة: ” لديّ شعور بأن الضمير المسيحي على أبواب مرحلة جديدة من تاريخه الأرضي… فلقد تميزت هذه الندوة بمُداخلات مؤثّرة، وخاصة منها مُداخلة مونتارون Montaron، ومُداخلة القس بيار l’abbé Pierre”.

وفي تلك السنة شرع مسجد الجزائر في استنساخ أهمّ أعماله، وهي “الظاهرة القرآنية” و “شروط النهضة” و “وجهة العالم الاسلامي” و ” فكرة كومنزيلث إسلامي”. وبالموازاة مع ذلك شرعت في إصدار دورية بعنوان ” ماذا أعرف عن الإسلام؟ Que sais-je de l’islam ” التي شارك بن نبي في كل أعدادها بمقال أو أكثر.

صدر العدد الأول من هذه المجلة المُرتجلة وناقصة الشرعية في فيفري 1970. وجاء التمهيد بقلم بن نبي، ومعه مقالان: “ماذا أعرف عن الإسلام؟” الذي يذكر فيه مقولة ديغول الشهيرة: ” إننا نرى أن كل شيء مُتعلق بالوسط الإسلاميّ، وأنّ مشكلة المشاكل هي مستقبل الإسلام”، و ” الإسلام كعامل لتحرر العقل الإسلامي ومُعافاته”.

أما العدد الثاني فقد صدر في شهر أفريل 1970 بمقال لبن نبي عنوانه ” الإسلام ووهمُ القرن العشرين”. وصدر العدد الثالث في شهر ماي 1970، وفيه كتب بن نبي تحية ” لذكرى بن باديس”. أما العدد الرابع فصدر في شهر أكتوبر 1970 بمقال له تحت عنوان ” الأزهر و الصراع الفكري”. وصدر العدد الخامس في نوفمبر 1970 بمقال له تحت عنوان ” المُسلم ومشكلة الإنسان”. العدد السادس صدر في جوان 1972 وفيه افتتاحية لبن نبي حول “رمضان”. وصدر العدد السابع في ديسمبر 1973 بمقال له تحت عنوان “الحياة الروحية والوضع الاجتماعي الاقتصادي”. وصدر العدد الثامن في ماي 1973 كتَبَ بن نبي افتتاحيتها تحت عنوان “وعد الإسلام” إضافة إلى مقال تحت عنوان ” عدم انسجام المُسلم، وضرورة انسجامه في العالم الحديث”، وكذا تعليقه على مقولة لأبي بكر الصديق. صدر العدد التاسع في جوان 1973 وظهر فيه مقال لبن نبي تحت عنوان “الكتاب المحفوظ” يُندد فيه بالاعتداء الذي شنّه الطلبة الماركسيون على مسجد جامعة الجزائر وإحراقهم لبعض النسخ من القرآن. وفي العدد العاشر الذي صدر في أكتوبر 1973 نشر بن نبي آخر مقال له تحت عنوان “حقّ الفقير”.

(يتبع)

المراجع:

1) منشورات Révolution africaine. الثورة الافريقية الجزائر العاصمة ألقى بن نبي في دمشق سنة 1960 محاضرة تحت هذا العنوان، وهي واردة في كتاب “تأمّلات” الصادر سنة 1962.

2) كان مُرتّبه الشهري سنة 1968 بقيمة 1904 دج.

3) لم تُرسل هذه الرسالة في نهاية المطاف.

4) من كتاب علي هارون “صائفة الشِّقاق” ( L’été de la discorde ) دار النشر القصبة الجزائر العاصمة 2000 .

You may also like

Leave a Comment