بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
لم يقِف بن نبي في برجه العاجي مُتفرجاً من مكان شاهق على المعركة الإيديولوجية التي نشبت في الجزائر غداة الاستقلال، بل خاض المعركة عن قرب. بدأ بالتعبير عن قبوله بـ “برنامج طرابلس” لأنه كان يرى ” في التدابير المُتّخذة في مجال الإصلاح الزراعي وإعادة التشجير والتنقيب عن المعادن نيّةً لطرح مشكلة الأرض”. بل إنه يرى في كل ذلك “شوطاً مِن أشواط الحضارة” قد بدأت مسيرته. وعبّر عن ذلك في نص معنون “مشكلة الحضارة” الذي أنهى تأليفه في ديسمبر 1963 قائلاً: “إنّ التركيبة المتكونة من الإنسان والأرض والزمن في طريقها إلى التحقُّقِ رغم الصعوبات المُلازمة لكل تحوُّلٍ اجتماعي في بداية مساره”.
كان بن نبي في تلك المرحلة مُحفَّزاً مُتفائلاً ومتطوِّعاً. وكان يرى أنّ بإمكانه أن يؤثر في التوجّه الإيديولوجي لبلاده. كان كُلّهُ رغبة في مساعدة وطنه على بناء أفكاره، وبُناه الذهنية التحتية، ونظرته إلى المعركة ضدّ التخلف. وهو يكشف في كتاباته عن وجهته البيداغوجية العامة: فالحضارة ليست رُكاماً من الأشياء المُنتَجة، والثقافة ليست برنامجاً للترفيه، والتخلف ليس نقصاً في الوسائل، بل هو نقص في الأفكار… وهو يُحاول أن يجذب السلطات العمومية إلى مذهبه القائل بـ”جعل الإنسان فعالاً، والزمن مُفيداً، والأرض مُرْبِحَةً”.
كان بن نبي مُتحمساً ومندفعاً. فها هو يُعلِن في نص اخر عنوانه “مشكلة الثقافة”: ” يجب أن تتحول حياتُنا كلُّها إلى لوحة فنّية جميلة، ونشيدٍ أغنٍّ، وقصيدة شعرية حماسية، وحركة مُتسقة ، ورائحة جذابة… والجزائر يجب أن تتحول إلى ورشة ثقافية كبيرة، وإلى مدرسة يتعلم فيها الناس ويُعلِّمون جميعاً، وإلى مخبر يتمّ فيه إعداد القيم الثقافية التي تستجيب لمقتضيات التطوّر، وملتقى يُناقش فيه الشعب مسائل الحقيقة والجمال، والفاعلية والإفادة…”. وهي كلمات شديدة الشبه بما قاله فرحات عباس في “وصيته” سنة 1945: ” كان طموحي الوحيد، قبل أن أموت، هو أن أرى الفلاح الجزائري ينام على سرير في فراش نظيف بعد أن يكون قد تناول عشاءه وقرأ جريدته”.
ولم يكتف بن نبي بالكتابة والنشر، بل راح يُسْمِعُ صوته في سلسلة من المحاضرات ألقاها في قاعة Les Actes بين جانفي وفيفري سنة 1964 حول مواضيع الحضارة والثقافة و الإيديولوجيا. وهذه المُحاضرات هي التي ستُجمع في قُصاصة بعنوان ” آفاق جزائرية” ( Perspectives algériennes) (1)، والتي كتب مقدمتها الدكتور خالدي.
نُشِر “ميثاق الجزائر”، وهو الوثيقة المرجعية للاشتراكية الجزائرية، في شهر مارس 1964. وقد تضمّن التمهيد نقداً مُوَجّهاً إلى بن نبي بالتلميح إلى “التضليل في مُصطلح القابلية للاستعمار”. ولنا أن نتصوّر عمق الجُرح الذي أُصيب به مفكّرُنا: فالمفهوم الذي وضعه تمّ إدراجه لا شعورياًّ كـ”قبول للوضع الاستعماري”. وكان العتاب الذي وجهه إليه المثقفون “التقدّميون” أكثر عنفاً وتجريحاً من العتاب الذي يوجهونه إلى الاستعمار نفسه لأنّ بن نبي استطاع أن يكتشف في الجزائري ” مُسلِمي ما بعد المُوَحِّدين”، وأماطَ عنه قناع الضحية الذي كان يتستّرُ به، وعرّاه ووضعهُ أمام مسؤولياته التاريخية التي تحمّلها أخيراً عندما حقق حُريته. ولا يزال هذا المفهوم مرفوضاً في العالم العربيّ الإسلاميّ. ففي ملتقى دولي نُظِّمَ في جامعة لوفان Louvain ببلجيكا سنة 1972 حول “النهضة العربية” عندما تحدّثَ المُحاضر الفرنسي أ. سيكار E. Sicard عن “القابلية للاستعمار” مُستشهداً ببن نبي، شعر المُشاركون بغضبٍ شديد.
وكان بن نبي يُسافر إلى الخارج في إطار مهامه كمدير للتعليم العالي، لكنه كان يُستقبلُ كمُفكِّر أكثر مما كان يُستقبل كمسؤول سياسي. وهكذا زار كلاًّ من الاتحاد السوفياتي وأندونيسيا وكندا وأوروبا، وكذا عددا من البلدان العربية. كما زار الصين على رأس وفد رسميّ كان الدكتور خالدي من بين أعضائه، واستُقبِلَ من طرف الوزير الأول شو آن لاي والرئيس ماو تسي تونغ الذي حكى له حيثيات المسيرة الكبرى، وأسرّ له قائلاً: “كان عددنا في بداية المسيرة 300000 رجل، وعند وصولنا لم يبق مِنّا إلاّ 20000 رجلاً. ولم يكن أعداؤنا وحدهم هم الذين تسببوا في هزائمنا، بل أخطاؤنا نحن”.
افتتح بن نبي “مركز التوجيه” رغم أنّ المرسوم الذي يسمح بذلك لم يصدُرْ بعدُ (2). وكان يستقبل فيه أيام السبت طلبة مُفرنسين، ثُمّ خصص أيام الأحد للطلبة المُعرّبين ابتداءً من سنة 1969. وهكذا أتيح لكثير من الطلبة (ومن بينهم كاتب هذه السطور) والأساتذة أن يحضروا إلى مقر إقامته، بالإضافة إلى شخصيات ثقافية وسياسية بارزة مثل ياسر عرفات، بينوا ميشان، بيار روسي، بيار بيرنار، هوبار نيسان، لوسيان بيترلان، لويس جاردي، وجاك بيرك… وكان الدكتور خالدي شديد النشاط في تلك الأيام، إذ نشر عدة مقالات في الصحافة اضافة الى دوره كمُكلّفاً بعلاقات بن نبي.
وفي فيفري 1965 عُيِّنا معاً من طرف الحكومة لتمثيل الجزائر في الفاتيكان بمناسبة تنصيب مجموعة من الكاردينالات، ومن بينهم الكاردينال دوفال رئيس أساقفة الجزائر (3). وفي شهر مارس كُلِّفَ برئاسة الوفد الجزائري في المؤتمر الإسلامي الأفروآسيوي الذي انعقد في باندونغ، وألقى بن نبي خطابا على المؤتمرين باسم الجزائر. وقد أُتيح لنا أن نطّلع على نص ذلك الخطاب، وكذا مُسوّدة “تقرير الوفد الجزائريّ حول المؤتمر الإسلامي الأفروآسيوي المنعقد في باندونغ”. والوثيقة مكتوبة بخط يده.
انعقد المؤتمر تحت رئاسة الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو. وقد تضمّن النص الذي تلاه بن نبي من المنصة الرسمية أفكاره الشخصية، وبعض الصيغ التي لا نجدها إلاّ نادراً في اللغة الديبلوماسية. وهو يرى في العالم الإسلامي تلك “الأُمّة التي شاء الله أنْ يَخُصَّها، من دون سائر أمم البشرية، بواجب الشهادة”. ولمّا استشهد بالآية القرآنية التي تنص على ذلك الواجب علّق عليها قائلاً: ” لو أننا اكتفينا في قياس موضوع هذا المؤتمر بالنظر إلى البُعد المعنوي الذي تحمله هذه الآية وحدها، وإلى تداعياتها الاجتماعية، فإن الموضوع سيبدو لنا قيِّماً بشكلٍ لا نظير له، سواء أكان ذلك على الصعيد التاريخي أم على الصعيد التقني”.
لم يكُن خطاب بن نبي مُناسباتياًّ، بل جاء في شكل شذرات من فكره طرحها على مجمعٍ يضُمّ مُمثلي العالم الإسلاميّ كُلِّه: “إذا أردنا أن نجعل الواجب الأخلاقي وسلوك المُسلم الاجتماعي مُتماشيين مع ما تقتضيه هذه الآية، فعلينا اليوم أنْ نُجري في نفسية المسلم تحوّلات جديرة بأن تجتهد فيها صفوة الجيل الحالي عند المسلمين”. فكلّ تحوُّلٍ مطلوبٍ كشرط ضروري لاسترجاع المسلم لِبُعْدٍ واحدٍ مِن أبعاده ـ وهو واجب الشهادة ـ يطرح علينا مشكلة تقنية من الناحية النفسية والاجتماعية، بل وحتى الاقتصادية. وجاء التقرير الذي حرره عند عودته مِثالياًّ، إذ صيغ على ضوء خُطة واضحة ودقيقة:
ـ الاستعدادات للمهمة (في ثماني فقرات مُرقمة).
- الاستقبال في جاكرتا
- افتتاح أشغال المؤتمر (مُلخص لخطاب الرئيس سوكارنو).
- مُجريات أشغال المؤتمر (مُلخص عن تدخلات الممثلين، وتقسيم العمل إلى لجان، توجّهات المؤتمر، وبعض الأحداث الجانبية…).
- أنشطة الوفد الجزائري.
- تحليل أشغال المؤتمر + خاتمة.
وفي أفريل 1965 قام الماريشال تيتو بزيارة رسمية للجزائر، فقررت الحكومة أن تُكرمه بدكتوراه شرفية. وكان بن نبي هو الذي ألقى خطاب الاستقبال، وهو الذي سلّم الشهادة لتيتو بحضور بن بلّة. ورغم تلك الأنشطة الكثيفة التي كان يقوم بها، فإن بن نبي لم يتخلّ عن التأليف. فها هو ذا يُخبرنا في دفاتره أنه خلال شهر جوان 1965 بأنه وصل إلى الصفحة 103 من مخطوط ” مُذكرات شاهد على القرن”، في جزئه الأول.
وغداة انقلاب 19 جوان 1965 سجل بن نبي هذه الملاحظة في دفاتره: “علِمْتُ بسقوط نظام بن بلّة، وأنّ الجيش أخذ السلطة… ويبدو أنّ السلطة الجديدة تُريد أن تكتسب شرعيتها بالاستمرارية. ففي الوقت الذي تنتظر بلادنا شيئا جديداً، يُقال لها إننا نُواصل بالقديم: وبالاشتراكية خاصةً. وذلك هو أول خطإٍ يرتكبه النظام”. وفي الـ 20 جوان بعث برسالة إلى “مجلس الثورة”. ومما جاء في ملاحظة مؤرخة في 27 جوان: ” أنهيتُ في هذه اللحظة تحرير الجزء الأول من مذكراتي التي أنوي نشرها في كُتبٍ منفردة مُطابقة للمراحل الثلاثة من حياتي” (الطفل، الطالب، الكاتب).
عُيِّنَ أحمد طالب الإبراهيمي وزيراً للتربية في النظام الجديد. واستدعى الوزير مالك بن نبي الذي سجل هذه الملاحظة في دفاتره: “كان الموعد على الساعة العاشرة. ولمّا دخلتُ بقي طالب أحمد وراء مكتبه. إن طريقة استقباله تختلف عن طريقة سلفه، فهو يستقبل “بطريقة رسمية”. فهل يعود ذلك إلى تعطّشه إلى السلطة؟ أم إلى خُيلائه و سخفه؟”.
والجديد الآن هو أنّ الوزير لم يعُدْ يمنحه فرصة التدخُّل أثناء اجتماعه بمديري التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، كما صار يُناوشه ولا يُفوِّتُ أية فرصة لإهانته. لم يَكُنْ يُعامله ككاتب أو مُفكِّر يكبره سناًّ، بل كموظّفٍ وتابعٍ يعمل تحت سلطته. ومِن أمثلة الغدر التي نالت بن نبي على يد أحمد طالب الإبراهيمي أنه كلّفه يوماً بتمثيله في تدشين شارة تذكارية تكريما لـ جان عمروش Jean Amrouche. وقد سجل ذلك في هذه الملاحظة المؤرخة في 23 أوت 1965: “وكأنهم يُريدون أن يُشرِّفوا مؤلف “الظاهرة القرآنية” برثاء كافر. وقد وجدتُ لنفسي مخرجاً بإثارة هذه المشكلة في إطار التظاهرة التي نُظِّمَتْ على شرف الشهداء. وهكذا أجبتُ عن الغدر بالغدر”. وفي شهر سبتمبر أمَرَ الوزير بسحب سيارة الخدمة منه.
وعلاوة على الأنشطة المتنوعة التي كان يقوم بها بن نبي، بدأ يُشارك بمقالاته في مجلة Révolution africaine ، لكن كتاباته لم تكُن تُنشر كلّها. وكان واعياً بالقيود المفروضة على حرية تعبيره، ويُسجل ذلك في ملاحظة مؤرخة في 18 سبتمبر: “عندما كُنتُ أكتب في عهد بن بلّة كُنتُ أضطرّ إلى جعل بعض الأفكار التي أريد غرسها في الوسط الجزائري تحت رعايته. وأكاد أكون مُضطراًّ للتصريح بأن بن بلّة هو صاحب تلك الأفكار. إنها الغرامة التي يجب دفعها لـ “الزعيم” في مجال الأفكار ببلدٍ لا يمكن لنا التعبير فيه عن أفكارنا، حتى ولو دفعنا تلك الغرامة. وعلى أية حال، كُنتُ أدفع تلك الغرامة حتى في القاهرة عندما كُنتُ أضطرّ لأن أقول أني استلهمتُ أفكاري كلّها من “زعيم الزعماء” جمال عبد الناصر. واليوم أنا مُضطر في كل واحد من مقالاتي التي أنشرها حاليا في Révolution africaine أنْ أذكر التاسع عشر جوان… ومع ذلك، ورغم هذا الثمن الذي أدفعه فإن أفكاري لا تمرّ كلّها. فكُلّما صار النقدُ جاداًّ، وضروريا مُفيداً بالتالي، تُسدّ الطريق في وجهه…”.
صدر الكتاب الأول من “مًذكرات شاهد على القرن: الطفل” في شهر نوفمبر سنة 1965. وفي جانفي 1966 أخبره أحمد طالب الإبراهيمي عن نيته في تنحيته من منصبه كمدير للتعليم العالي. فسجّل بن نبي هذه الملاحظة بتاريخ 19 جانفي 1966: ” إن بن نبي، في نظر طالب أحمد “المينوس هابنس”، شأنُهُ عالي، فلا بُدّ من إنزاله”. ووصفه ب”المنحرف فكرياًّ” (intellectomane) وبأوصاف أخرى ارتأَيْنا عدم ذكرها.
وفي آخر الشهر سافر ثانيةً إلى أندونيسيا في مهمة، واستُقبِل من طرف سوكارنو. وعند عودته شرع في تحرير الكتاب الثاني من مذكراته تحت عنوان “الطالب”. وفي شهر مارس أخبره شريف بلقاسم أنّ بومدين ينوي تعيينه سفيراً في الفاتيكان، فأجابه بن نبي بأن هذا التعيين لا يستهويه (4).
في شهر ماي كان في بيروت حيث لقِيَ مسقاوي والدكتور عبد المجيد الذي كان قد أنهى ترجمة الكتاب الأول من “مذكرات شاهد على القرن” إلى اللغة العربية. ومن بيروت توجه إلى العراق حيث زار كثيرا من المواقع ذات البُعد العميق في تاريخ الإسلام، مثل الكوفة والنجف وكربلاء… وعند عودته من العراق سجّل هذه الملاحظة المؤرخة في 19 أوت 1966: ” أخبرني الأمين العام بأن السيد طالب أحمد ينوي استخلافه على رأس مديرية التعليم العالي، وبأنه يقترح علي منصب مستشار تقني كبديل”. والذي حدث فعلاً أنّ بن نبي تلقّى رسالة من الوزير فيها إشعار بإنهاء مهامِّهِ كمدير للتعليم العالي.
ولقد رفض بن نبي ذلك التعيين الجديد وبعث برسالة إلى رئيس الدولة، وهذا نصّها: “صدر مرسوم يتضمن إنهاء مهامّي في مديرية التعليم العالي. إنّ غياب إمضائكم واستبداله بإمضاء وزير ليس بالشذوذ البسيط في هذا النص الذي بإمكانكم أن تطّلعوا عليه في الجريدة الرسمية. وفي جميع الأحوال لديّ شعور عميق بأني مثّلْتُ الجامعة الجزائرية كما ينبغي في محافل عالمية ستبقى مُسجلة في تاريخ جامعتنا وفي حياتي الخاصة. ووفاءً لتقاليد جامعتنا فإني لا أعتقد أن من واجبي القبول بالمهام الجديدة التي لن يكون بإمكاني أداءها في الظروف التي عُيّنْتُ فيها. تفضّلوا بقبول…” (5).
ونظراً لحرمانه من سيارة الخدمة بعد إنهاء مهامه فقد أصبح يتنقل في الحافلة. وفي العشرين أوت يُخبرنا بأنه بصدد تحرير الصفحة 149 من الكتاب الثاني الخاص بمذكراته. وكان بمفرده في البيت في تلك الأيام، فراح يتأمّلُ في وضعيته: فحرمانه من منصبه قد يؤدي إلى حرمانه حتى من مُرتّبه الشهري ومِن مسكنه، وكان ذلك سبباً في انشغاله العميق خوفاً على مصير بناته اللواتي لا زلن في سن الطفولة. وقد سجّل ذلك بنبرة حزينة في دفاتره: ” ثلاثون سنة مضتْ وأنا أعيش مأساة بلا نهاية. إنني في هذه اللحظات أمام نافذة حجرة نومي أعيش الحالة التي عشتُها داخل زنزانتي في شارتر Chartres، أو في غرفة بشارع عبد الله سعود بالقاهرة، أو تحت شجرة التين بمزرعة جيش التحرير في طرابلس ليبيا، أسابيع قليلة قبل عودتي إلى الجزائر. وفي الوقت الذي أمرّرُ فيه حبّات سبحتي بأصابعي، كانت تمرُّ بعقلي صُوَرُ التناقضات التي عرفتُها في حياتي تباعاً. فخلال الثلاثين سنة التي عشتُها بعد إنهاء دراستي ، كان الاستعمار هو الذي أراد أن يُحطّم ما بداخلي من براعم فكرية. ولم ينجح في ذلك، بدليل أن أفكاري اليوم تسري في العالم الإسلامي مثل بذور الغد (التسطير بيد المؤلف). لقد طلبتُ الموت بنفسي وبكل ما أوتيتُ من قوة ذاتية كي أتحرر من عبءٍ طالما أثقل كاهلي. لكنني لم أُفْلِحْ في ذلك، إذ يبدو لي أني أعيش في هذه اللحظة أقسى مراحل حياتي لأنني لم أَعُدْ أرى مخرجاً من هذا الجحيم غير الموت. لكن الموت لا يريد أن يأخذني. ولهذا فإنني أشعر بتعبٍ لا يوصف، وأشعُر أني استنفدْتُ كلّ قٌوايَ… آه! أيها الموت الذي هو مصير الفانين! لو أنك زرتني الليلة!”
كان كالذي يعيش داخل ساندويش، إذ يقع مسكنه في عمارة ثلاثية الطوابق، وهو يتوسطها، ومِن فوقه ومن تحته جيران مُزعجون جداًّ. ولم تُجْدِ الشكاوى التي قدمها على الشغب الليلي والضجيج الدائم أيّ نفع. وإضافة إلى ذلك فكثيراً ما كان الماء يُقطع عنه، وكذا الهاتف والكهرباء. فصار يعتقد أنهم يُريدون حرمانه من النوم ومن ضرورات الحياة كي يمنعوه من استكمال بنائه الفكريّ ونشره بين الطلبة الذين كانوا يأتون إلى ملتقياته.
وأكثر من هذا كُلِّهِ فقد علِمَ بأنّ مسكنه قد مُنِح لشخص آخر. فنَفِدَ صبرُهُ وبعث برسالة تهديد ووعيد للرئيس بومدين. وممّا جاء فيها: ” إنّ المناورات التي اصطدمْتُ بها منذ عودتي إلى الجزائر، والإجراءات التي نالتْني آتيةٌ من الخارج. وأخصّ بالذكر تجربتي الطويلة في مجال الصراع الفكري والتي أعتقد أنها فريدة من نوعها في الجزائر، فهي تجربة كفيلة بألاّ تدع مجالاً للعجب لو أنّ التحقيقات التي طلبْتُها قد أُجْرِيتْ بالفعل: وما كان بإمكانها أنْ تجري… فمنذ سنتين، بل منذ سنة واحدة، ارتُكِبتْ جرائم لمْ أُعْلِمْ الجهات المختصة بها. وآخر تلك الجرائم أنّ مصلحة الإسكان التي سمحَتْ منذ خمس سنوات بفتح بيت للأعمال المُخِلة بالأخلاق تحت شُقّتي تلبيةً لطلب اليهودي سيدني ناتان، تُشعِرُني الآن بأنها منحت شُقتي لمُؤَجِّرٍ آخر…”.
وممّا يدُلّ على أنّ بن نبي قد فقدَ القدرة على التحمّل العصبي، هذه الكلمات المُدهشة: “وأنا في وعيٍ تامٍّ بخطورة ما أنوي فعله وعظمته، أجد نفسي مُلتزماً ـ إنْ لم يتمّ سحب هذا الإجراء الحقير ـ بإعلان الجهاد في كلّ مكان وفي كلّ الظروف التي يمكن لي القيام به حتى تتمكن الصهيونية من قتلي أو اعتقالي على أيدي عملائها في الجزائر. تفضلوا بقبول…”.
وفي الثاني والعشرين أوت 1966 بعث برسالةٍ إلى شريف بلقاسم جاء فيها: ” وقفْتُ على حقيقة أنه لا سي بومدين ولا أنت تُدرِكان درجة التعفن في الإدارة، وحتى، بل وخاصةً، في جهاز الأمن”. وبتاريخ 10 سبتمبر سنة 1966 أُعدِمَ سيد قطب (1906-1966) شنقاً في القاهرة. وفي ذلك يقول بن نبي: ” لقد مات ذلك الوجه النيّر من وجوه “الإخوان المسلمين”. إنّ جلاّديه لا يعرفون أنهم بذلك يكونون قد أطلقوا العنان للريح التي ستتحوّل بعد حينٍ إلى عاصفة فوق رؤوسهم: إنها العاصفة التي ستُودِي بهم”.
(يتبع)
المراجع:
1) منشورات النهضة الجزائر العاصمة 1964
2) في مقال تحت عنوان “دفاعاً عن رأسمال الأفكار” الثورة الافريقية في 24 أفريل 1968 يُذكِّرُ بن نبي وهو في غاية التضايق بأنه ” دُعِيَ من طرف الحكومة الجزائرية وهو في الخارج من أجل تأسيس مركز التوجيه الثقافي”، ويُضيف قائلاً: ” ولقد أسّسْتُ بالفعل في هذا الركن الضيّق الذي أنا فيه. وهو يشتغل منذ أربع سنوات. وبرنامجه موجود في ملف تقديم المرسوم المتضمن “تأسيس”، وهو ما لم يصدر في الجريدة الرسمية…”.
3) عند وفاة بن نبي بعث الكاردينال دوفال رسالة إلى أرملته لِيُحيِّيَ “علوّ شأن أفكاره، ورقة قلبه وتفتحه الوجداني”، ويضيف قائلاً: “كان يؤمن بالحوار بين المسلمين والمسيحيين إيماناً قوياًّ. ولن أنسى أبداً أنه جاء إلى روما كمبعوث للحكومة رفقة المرحوم الدكتور خالدي، بمناسبة ترقيتي إلى صف كاردينال، وأنه في تلك المناسبة حظِي باستقبال بول السادس. وقد تجذّرت بيننا منذ ذلك الوقت قرابة روحية”.
4) وبالمُقابل نذكر أنه طلب أن يُعيّن سفيرا في أحد البلدان العربية، لكن بدون نتيجة.
5) يقول في رسالة أخرى موجهة إلى الرئيس بومدين سنة 1969: ” لقد تمكّنت السلطة المُوازية من إنهاء مهامّي في مديرية التعليم العالي لأنّ حضوري في تلك المديرية كان يُزعج مختلف المناورات الهادفة إلى منع ترقية الإطارات التي تنتظرها البلاد”. إنّ هذه الإضاءات تُفنِّدُ قول القائلين بأن بن نبي قد استقال من مهامّه كمدير للتعليم العالي. ولن يتولّى أية مسؤولية أخرى بعد ذلك. فالدولة الجزائرية لم تُوظّفه إلاّ لمدة أربع سنوات، لا أكثر.
