Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (30)‏

حياة مالك بن نبي (30)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

لم يقِف بن نبي في برجه العاجي مُتفرجاً من مكان شاهق على المعركة الإيديولوجية التي نشبت في ‏الجزائر غداة الاستقلال، بل خاض المعركة عن قرب. بدأ بالتعبير عن قبوله بـ “برنامج طرابلس” لأنه ‏كان يرى ” في التدابير المُتّخذة في مجال الإصلاح الزراعي وإعادة التشجير والتنقيب عن المعادن نيّةً ‏لطرح مشكلة الأرض”. بل إنه يرى في كل ذلك “شوطاً مِن أشواط الحضارة” قد بدأت مسيرته. وعبّر ‏عن ذلك في نص معنون “مشكلة الحضارة” الذي أنهى تأليفه في ديسمبر 1963 قائلاً: “إنّ التركيبة ‏المتكونة من الإنسان والأرض والزمن في طريقها إلى التحقُّقِ رغم الصعوبات المُلازمة لكل تحوُّلٍ ‏اجتماعي في بداية مساره”. ‏

كان بن نبي في تلك المرحلة مُحفَّزاً مُتفائلاً ومتطوِّعاً. وكان يرى أنّ بإمكانه أن يؤثر في التوجّه ‏الإيديولوجي لبلاده. كان كُلّهُ رغبة في مساعدة وطنه على بناء أفكاره، وبُناه الذهنية التحتية، ونظرته إلى ‏المعركة ضدّ التخلف. وهو يكشف في كتاباته عن وجهته البيداغوجية العامة: فالحضارة ليست رُكاماً من ‏الأشياء المُنتَجة، والثقافة ليست برنامجاً للترفيه، والتخلف ليس نقصاً في الوسائل، بل هو نقص في ‏الأفكار… وهو يُحاول أن يجذب السلطات العمومية إلى مذهبه القائل بـ”جعل الإنسان فعالاً، والزمن ‏مُفيداً، والأرض مُرْبِحَةً”. ‏

كان بن نبي مُتحمساً ومندفعاً. فها هو يُعلِن في نص اخر عنوانه “مشكلة الثقافة”: ” يجب أن تتحول ‏حياتُنا كلُّها إلى لوحة فنّية جميلة، ونشيدٍ أغنٍّ، وقصيدة شعرية حماسية، وحركة مُتسقة ، ورائحة ‏جذابة… والجزائر يجب أن تتحول إلى ورشة ثقافية كبيرة، وإلى مدرسة يتعلم فيها الناس ويُعلِّمون ‏جميعاً، وإلى مخبر يتمّ فيه إعداد القيم الثقافية التي تستجيب لمقتضيات التطوّر، وملتقى يُناقش فيه ‏الشعب مسائل الحقيقة والجمال، والفاعلية والإفادة…”. وهي كلمات شديدة الشبه بما قاله فرحات عباس ‏في “وصيته” سنة 1945: ” كان طموحي الوحيد، قبل أن أموت، هو أن أرى الفلاح الجزائري ينام ‏على سرير في فراش نظيف بعد أن يكون قد تناول عشاءه وقرأ جريدته”.‏

ولم يكتف بن نبي بالكتابة والنشر، بل راح يُسْمِعُ صوته في سلسلة من المحاضرات ألقاها في قاعة ‏Les ‎Actes‏ بين جانفي وفيفري سنة 1964 حول مواضيع الحضارة والثقافة و الإيديولوجيا. وهذه ‏المُحاضرات هي التي ستُجمع في قُصاصة بعنوان ” آفاق جزائرية” ( ‏Perspectives ‎algériennes‏) (1)، والتي كتب مقدمتها الدكتور خالدي.‏

نُشِر “ميثاق الجزائر”، وهو الوثيقة المرجعية للاشتراكية الجزائرية، في شهر مارس 1964. وقد ‏تضمّن التمهيد نقداً مُوَجّهاً إلى بن نبي بالتلميح إلى “التضليل في مُصطلح القابلية للاستعمار”. ولنا أن ‏نتصوّر عمق الجُرح الذي أُصيب به مفكّرُنا: فالمفهوم الذي وضعه تمّ إدراجه لا شعورياًّ كـ”قبول للوضع ‏الاستعماري”. وكان العتاب الذي وجهه إليه المثقفون “التقدّميون” أكثر عنفاً وتجريحاً من العتاب الذي ‏يوجهونه إلى الاستعمار نفسه لأنّ بن نبي استطاع أن يكتشف في الجزائري ” مُسلِمي ما بعد المُوَحِّدين”، ‏وأماطَ عنه قناع الضحية الذي كان يتستّرُ به، وعرّاه ووضعهُ أمام مسؤولياته التاريخية التي تحمّلها ‏أخيراً عندما حقق حُريته. ولا يزال هذا المفهوم مرفوضاً في العالم العربيّ الإسلاميّ. ففي ملتقى دولي ‏نُظِّمَ في جامعة لوفان ‏Louvain‏ ببلجيكا سنة 1972 حول “النهضة العربية” عندما تحدّثَ المُحاضر ‏الفرنسي أ. سيكار ‏E. Sicard‏ عن “القابلية للاستعمار” مُستشهداً ببن نبي، شعر المُشاركون بغضبٍ ‏شديد.‏

وكان بن نبي يُسافر إلى الخارج في إطار مهامه كمدير للتعليم العالي، لكنه كان يُستقبلُ كمُفكِّر أكثر مما ‏كان يُستقبل كمسؤول سياسي. وهكذا زار كلاًّ من الاتحاد السوفياتي وأندونيسيا وكندا وأوروبا، وكذا عددا ‏من البلدان العربية. كما زار الصين على رأس وفد رسميّ كان الدكتور خالدي من بين أعضائه، واستُقبِلَ ‏من طرف الوزير الأول شو آن لاي والرئيس ماو تسي تونغ الذي حكى له حيثيات المسيرة الكبرى، ‏وأسرّ له قائلاً: “كان عددنا في بداية المسيرة 300000 رجل، وعند وصولنا لم يبق مِنّا إلاّ 20000 ‏رجلاً. ولم يكن أعداؤنا وحدهم هم الذين تسببوا في هزائمنا، بل أخطاؤنا نحن”.‏
افتتح بن نبي “مركز التوجيه” رغم أنّ المرسوم الذي يسمح بذلك لم يصدُرْ بعدُ (2). وكان يستقبل فيه ‏أيام السبت طلبة مُفرنسين، ثُمّ خصص أيام الأحد للطلبة المُعرّبين ابتداءً من سنة 1969. وهكذا أتيح ‏لكثير من الطلبة (ومن بينهم كاتب هذه السطور) والأساتذة أن يحضروا إلى مقر إقامته، بالإضافة إلى ‏شخصيات ثقافية وسياسية بارزة مثل ياسر عرفات، بينوا ميشان، بيار روسي، بيار بيرنار، هوبار ‏نيسان، لوسيان بيترلان، لويس جاردي، وجاك بيرك… وكان الدكتور خالدي شديد النشاط في تلك الأيام، ‏إذ نشر عدة مقالات في الصحافة اضافة الى دوره كمُكلّفاً بعلاقات بن نبي.‏
وفي فيفري 1965 عُيِّنا معاً من طرف الحكومة لتمثيل الجزائر في الفاتيكان بمناسبة تنصيب مجموعة ‏من الكاردينالات، ومن بينهم الكاردينال دوفال رئيس أساقفة الجزائر (3). وفي شهر مارس كُلِّفَ برئاسة ‏الوفد الجزائري في المؤتمر الإسلامي الأفروآسيوي الذي انعقد في باندونغ، وألقى بن نبي خطابا على ‏المؤتمرين باسم الجزائر. وقد أُتيح لنا أن نطّلع على نص ذلك الخطاب، وكذا مُسوّدة “تقرير الوفد ‏الجزائريّ حول المؤتمر الإسلامي الأفروآسيوي المنعقد في باندونغ”. والوثيقة مكتوبة بخط يده.‏

انعقد المؤتمر تحت رئاسة الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو. وقد تضمّن النص الذي تلاه بن نبي من ‏المنصة الرسمية أفكاره الشخصية، وبعض الصيغ التي لا نجدها إلاّ نادراً في اللغة الديبلوماسية. وهو ‏يرى في العالم الإسلامي تلك “الأُمّة التي شاء الله أنْ يَخُصَّها، من دون سائر أمم البشرية، بواجب ‏الشهادة”. ولمّا استشهد بالآية القرآنية التي تنص على ذلك الواجب علّق عليها قائلاً: ” لو أننا اكتفينا في ‏قياس موضوع هذا المؤتمر بالنظر إلى البُعد المعنوي الذي تحمله هذه الآية وحدها، وإلى تداعياتها ‏الاجتماعية، فإن الموضوع سيبدو لنا قيِّماً بشكلٍ لا نظير له، سواء أكان ذلك على الصعيد التاريخي أم ‏على الصعيد التقني”.‏

لم يكُن خطاب بن نبي مُناسباتياًّ، بل جاء في شكل شذرات من فكره طرحها على مجمعٍ يضُمّ مُمثلي ‏العالم الإسلاميّ كُلِّه: “إذا أردنا أن نجعل الواجب الأخلاقي وسلوك المُسلم الاجتماعي مُتماشيين مع ما ‏تقتضيه هذه الآية، فعلينا اليوم أنْ نُجري في نفسية المسلم تحوّلات جديرة بأن تجتهد فيها صفوة الجيل ‏الحالي عند المسلمين”. فكلّ تحوُّلٍ مطلوبٍ كشرط ضروري لاسترجاع المسلم لِبُعْدٍ واحدٍ مِن أبعاده ـ ‏وهو واجب الشهادة ـ يطرح علينا مشكلة تقنية من الناحية النفسية والاجتماعية، بل وحتى الاقتصادية. ‏وجاء التقرير الذي حرره عند عودته مِثالياًّ، إذ صيغ على ضوء خُطة واضحة ودقيقة: ‏

ـ الاستعدادات للمهمة (في ثماني فقرات مُرقمة).‏
‏- الاستقبال في جاكرتا
‏- افتتاح أشغال المؤتمر (مُلخص لخطاب الرئيس سوكارنو).‏
‏- مُجريات أشغال المؤتمر (مُلخص عن تدخلات الممثلين، وتقسيم العمل إلى لجان، توجّهات المؤتمر، ‏وبعض الأحداث الجانبية…).‏
‏- أنشطة الوفد الجزائري.‏
‏- تحليل أشغال المؤتمر + خاتمة.‏

وفي أفريل 1965 قام الماريشال تيتو بزيارة رسمية للجزائر، فقررت الحكومة أن تُكرمه بدكتوراه ‏شرفية. وكان بن نبي هو الذي ألقى خطاب الاستقبال، وهو الذي سلّم الشهادة لتيتو بحضور بن بلّة. ‏ورغم تلك الأنشطة الكثيفة التي كان يقوم بها، فإن بن نبي لم يتخلّ عن التأليف. فها هو ذا يُخبرنا في ‏دفاتره أنه خلال شهر جوان 1965 بأنه وصل إلى الصفحة 103 من مخطوط ” مُذكرات شاهد على ‏القرن”، في جزئه الأول.‏
وغداة انقلاب 19 جوان 1965 سجل بن نبي هذه الملاحظة في دفاتره: “علِمْتُ بسقوط نظام بن بلّة، ‏وأنّ الجيش أخذ السلطة… ويبدو أنّ السلطة الجديدة تُريد أن تكتسب شرعيتها بالاستمرارية. ففي الوقت ‏الذي تنتظر بلادنا شيئا جديداً، يُقال لها إننا نُواصل بالقديم: وبالاشتراكية خاصةً. وذلك هو أول خطإٍ ‏يرتكبه النظام”. وفي الـ 20 جوان بعث برسالة إلى “مجلس الثورة”. ومما جاء في ملاحظة مؤرخة في ‏‏27 جوان: ” أنهيتُ في هذه اللحظة تحرير الجزء الأول من مذكراتي التي أنوي نشرها في كُتبٍ منفردة ‏مُطابقة للمراحل الثلاثة من حياتي” (الطفل، الطالب، الكاتب).‏
عُيِّنَ أحمد طالب الإبراهيمي وزيراً للتربية في النظام الجديد. واستدعى الوزير مالك بن نبي الذي سجل ‏هذه الملاحظة في دفاتره: “كان الموعد على الساعة العاشرة. ولمّا دخلتُ بقي طالب أحمد وراء مكتبه. ‏إن طريقة استقباله تختلف عن طريقة سلفه، فهو يستقبل “بطريقة رسمية”. فهل يعود ذلك إلى تعطّشه ‏إلى السلطة؟ أم إلى خُيلائه و سخفه؟”.‏
والجديد الآن هو أنّ الوزير لم يعُدْ يمنحه فرصة التدخُّل أثناء اجتماعه بمديري التعليم الابتدائي والثانوي ‏والعالي، كما صار يُناوشه ولا يُفوِّتُ أية فرصة لإهانته. لم يَكُنْ يُعامله ككاتب أو مُفكِّر يكبره سناًّ، بل ‏كموظّفٍ وتابعٍ يعمل تحت سلطته. ومِن أمثلة الغدر التي نالت بن نبي على يد أحمد طالب الإبراهيمي ‏أنه كلّفه يوماً بتمثيله في تدشين شارة تذكارية تكريما لـ جان عمروش‎ Jean Amrouche‏. وقد سجل ذلك ‏في هذه الملاحظة المؤرخة في 23 أوت 1965: “وكأنهم يُريدون أن يُشرِّفوا مؤلف “الظاهرة القرآنية” ‏برثاء كافر. وقد وجدتُ لنفسي مخرجاً بإثارة هذه المشكلة في إطار التظاهرة التي نُظِّمَتْ على شرف ‏الشهداء. وهكذا أجبتُ عن الغدر بالغدر”. وفي شهر سبتمبر أمَرَ الوزير بسحب سيارة الخدمة منه.‏
وعلاوة على الأنشطة المتنوعة التي كان يقوم بها بن نبي، بدأ يُشارك بمقالاته في مجلة ‏Révolution ‎africaine ‎، لكن كتاباته لم تكُن تُنشر كلّها. وكان واعياً بالقيود المفروضة على حرية تعبيره، ويُسجل ‏ذلك في ملاحظة مؤرخة في 18 سبتمبر: “عندما كُنتُ أكتب في عهد بن بلّة كُنتُ أضطرّ إلى جعل ‏بعض الأفكار التي أريد غرسها في الوسط الجزائري تحت رعايته. وأكاد أكون مُضطراًّ للتصريح بأن ‏بن بلّة هو صاحب تلك الأفكار. إنها الغرامة التي يجب دفعها لـ “الزعيم” في مجال الأفكار ببلدٍ لا يمكن ‏لنا التعبير فيه عن أفكارنا، حتى ولو دفعنا تلك الغرامة. وعلى أية حال، كُنتُ أدفع تلك الغرامة حتى في ‏القاهرة عندما كُنتُ أضطرّ لأن أقول أني استلهمتُ أفكاري كلّها من “زعيم الزعماء” جمال عبد الناصر. ‏واليوم أنا مُضطر في كل واحد من مقالاتي التي أنشرها حاليا في ‏Révolution africaine ‎‏ أنْ أذكر ‏التاسع عشر جوان… ومع ذلك، ورغم هذا الثمن الذي أدفعه فإن أفكاري لا تمرّ كلّها. فكُلّما صار النقدُ ‏جاداًّ، وضروريا مُفيداً بالتالي، تُسدّ الطريق في وجهه…”. ‏
صدر الكتاب الأول من “مًذكرات شاهد على القرن: الطفل” في شهر نوفمبر سنة 1965. وفي جانفي ‏‏1966 أخبره أحمد طالب الإبراهيمي عن نيته في تنحيته من منصبه كمدير للتعليم العالي. فسجّل بن ‏نبي هذه الملاحظة بتاريخ 19 جانفي 1966: ” إن بن نبي، في نظر طالب أحمد “المينوس هابنس”، ‏شأنُهُ عالي، فلا بُدّ من إنزاله”. ووصفه ب”المنحرف فكرياًّ” (‏intellectomane‏) وبأوصاف أخرى ‏ارتأَيْنا عدم ذكرها.‏
وفي آخر الشهر سافر ثانيةً إلى أندونيسيا في مهمة، واستُقبِل من طرف سوكارنو. وعند عودته شرع في ‏تحرير الكتاب الثاني من مذكراته تحت عنوان “الطالب”. وفي شهر مارس أخبره شريف بلقاسم أنّ ‏بومدين ينوي تعيينه سفيراً في الفاتيكان، فأجابه بن نبي بأن هذا التعيين لا يستهويه (4).‏
في شهر ماي كان في بيروت حيث لقِيَ مسقاوي والدكتور عبد المجيد الذي كان قد أنهى ترجمة الكتاب ‏الأول من “مذكرات شاهد على القرن” إلى اللغة العربية. ومن بيروت توجه إلى العراق حيث زار كثيرا ‏من المواقع ذات البُعد العميق في تاريخ الإسلام، مثل الكوفة والنجف وكربلاء… وعند عودته من العراق ‏سجّل هذه الملاحظة المؤرخة في 19 أوت 1966: ” أخبرني الأمين العام بأن السيد طالب أحمد ينوي ‏استخلافه على رأس مديرية التعليم العالي، وبأنه يقترح علي منصب مستشار تقني كبديل”. والذي حدث ‏فعلاً أنّ بن نبي تلقّى رسالة من الوزير فيها إشعار بإنهاء مهامِّهِ كمدير للتعليم العالي.‏
ولقد رفض بن نبي ذلك التعيين الجديد وبعث برسالة إلى رئيس الدولة، وهذا نصّها: “صدر مرسوم ‏يتضمن إنهاء مهامّي في مديرية التعليم العالي. إنّ غياب إمضائكم واستبداله بإمضاء وزير ليس بالشذوذ ‏البسيط في هذا النص الذي بإمكانكم أن تطّلعوا عليه في الجريدة الرسمية. وفي جميع الأحوال لديّ شعور ‏عميق بأني مثّلْتُ الجامعة الجزائرية كما ينبغي في محافل عالمية ستبقى مُسجلة في تاريخ جامعتنا وفي ‏حياتي الخاصة. ووفاءً لتقاليد جامعتنا فإني لا أعتقد أن من واجبي القبول بالمهام الجديدة التي لن يكون ‏بإمكاني أداءها في الظروف التي عُيّنْتُ فيها. تفضّلوا بقبول…” (5).‏
ونظراً لحرمانه من سيارة الخدمة بعد إنهاء مهامه فقد أصبح يتنقل في الحافلة. وفي العشرين أوت ‏يُخبرنا بأنه بصدد تحرير الصفحة 149 من الكتاب الثاني الخاص بمذكراته. وكان بمفرده في البيت في ‏تلك الأيام، فراح يتأمّلُ في وضعيته: فحرمانه من منصبه قد يؤدي إلى حرمانه حتى من مُرتّبه الشهري ‏ومِن مسكنه، وكان ذلك سبباً في انشغاله العميق خوفاً على مصير بناته اللواتي لا زلن في سن الطفولة. ‏وقد سجّل ذلك بنبرة حزينة في دفاتره: ” ثلاثون سنة مضتْ وأنا أعيش مأساة بلا نهاية. إنني في هذه ‏اللحظات أمام نافذة حجرة نومي أعيش الحالة التي عشتُها داخل زنزانتي في شارتر ‏Chartres، أو في ‏غرفة بشارع عبد الله سعود بالقاهرة، أو تحت شجرة التين بمزرعة جيش التحرير في طرابلس ليبيا، ‏أسابيع قليلة قبل عودتي إلى الجزائر. وفي الوقت الذي أمرّرُ فيه حبّات سبحتي بأصابعي، كانت تمرُّ ‏بعقلي صُوَرُ التناقضات التي عرفتُها في حياتي تباعاً. فخلال الثلاثين سنة التي عشتُها بعد إنهاء دراستي ‏، كان الاستعمار هو الذي أراد أن يُحطّم ما بداخلي من براعم فكرية. ولم ينجح في ذلك، بدليل أن ‏أفكاري اليوم تسري في العالم الإسلامي مثل بذور الغد (التسطير بيد المؤلف). لقد طلبتُ الموت بنفسي ‏وبكل ما أوتيتُ من قوة ذاتية كي أتحرر من عبءٍ طالما أثقل كاهلي. لكنني لم أُفْلِحْ في ذلك، إذ يبدو لي ‏أني أعيش في هذه اللحظة أقسى مراحل حياتي لأنني لم أَعُدْ أرى مخرجاً من هذا الجحيم غير الموت. ‏لكن الموت لا يريد أن يأخذني. ولهذا فإنني أشعر بتعبٍ لا يوصف، وأشعُر أني استنفدْتُ كلّ قٌوايَ… آه! ‏أيها الموت الذي هو مصير الفانين! لو أنك زرتني الليلة!”‏
كان كالذي يعيش داخل ساندويش، إذ يقع مسكنه في عمارة ثلاثية الطوابق، وهو يتوسطها، ومِن فوقه ‏ومن تحته جيران مُزعجون جداًّ. ولم تُجْدِ الشكاوى التي قدمها على الشغب الليلي والضجيج الدائم أيّ ‏نفع. وإضافة إلى ذلك فكثيراً ما كان الماء يُقطع عنه، وكذا الهاتف والكهرباء. فصار يعتقد أنهم يُريدون ‏حرمانه من النوم ومن ضرورات الحياة كي يمنعوه من استكمال بنائه الفكريّ ونشره بين الطلبة الذين ‏كانوا يأتون إلى ملتقياته.‏‎ ‎

وأكثر من هذا كُلِّهِ فقد علِمَ بأنّ مسكنه قد مُنِح لشخص آخر. فنَفِدَ صبرُهُ وبعث برسالة تهديد ووعيد ‏للرئيس بومدين. وممّا جاء فيها: ” إنّ المناورات التي اصطدمْتُ بها منذ عودتي إلى الجزائر، ‏والإجراءات التي نالتْني آتيةٌ من الخارج. وأخصّ بالذكر تجربتي الطويلة في مجال الصراع الفكري ‏والتي أعتقد أنها فريدة من نوعها في الجزائر، فهي تجربة كفيلة بألاّ تدع مجالاً للعجب لو أنّ التحقيقات ‏التي طلبْتُها قد أُجْرِيتْ بالفعل: وما كان بإمكانها أنْ تجري… فمنذ سنتين، بل منذ سنة واحدة، ارتُكِبتْ ‏جرائم لمْ أُعْلِمْ الجهات المختصة بها. وآخر تلك الجرائم أنّ مصلحة الإسكان التي سمحَتْ منذ خمس ‏سنوات بفتح بيت للأعمال المُخِلة بالأخلاق تحت شُقّتي تلبيةً لطلب اليهودي سيدني ناتان، تُشعِرُني الآن ‏بأنها منحت شُقتي لمُؤَجِّرٍ آخر…”. ‏

وممّا يدُلّ على أنّ بن نبي قد فقدَ القدرة على التحمّل العصبي، هذه الكلمات المُدهشة: “وأنا في وعيٍ تامٍّ ‏بخطورة ما أنوي فعله وعظمته، أجد نفسي مُلتزماً ـ إنْ لم يتمّ سحب هذا الإجراء الحقير ـ بإعلان الجهاد ‏في كلّ مكان وفي كلّ الظروف التي يمكن لي القيام به حتى تتمكن الصهيونية من قتلي أو اعتقالي على ‏أيدي عملائها في الجزائر. تفضلوا بقبول…”. ‏

وفي الثاني والعشرين أوت 1966 بعث برسالةٍ إلى شريف بلقاسم جاء فيها: ” وقفْتُ على حقيقة أنه لا ‏سي بومدين ولا أنت تُدرِكان درجة التعفن في الإدارة، وحتى، بل وخاصةً، في جهاز الأمن”. وبتاريخ ‏‏10 سبتمبر سنة 1966 أُعدِمَ سيد قطب (1906-1966) شنقاً في القاهرة. وفي ذلك يقول بن نبي: ” لقد ‏مات ذلك الوجه النيّر من وجوه “الإخوان المسلمين”. إنّ جلاّديه لا يعرفون أنهم بذلك يكونون قد أطلقوا ‏العنان للريح التي ستتحوّل بعد حينٍ إلى عاصفة فوق رؤوسهم: إنها العاصفة التي ستُودِي بهم”.‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏

‏1)‏ منشورات النهضة الجزائر العاصمة 1964‏

‏2)‏ في مقال تحت عنوان “دفاعاً عن رأسمال الأفكار” الثورة الافريقية في 24 أفريل 1968 يُذكِّرُ بن نبي وهو في غاية ‏التضايق بأنه ” دُعِيَ من طرف الحكومة الجزائرية وهو في الخارج من أجل تأسيس مركز التوجيه الثقافي”، ويُضيف ‏قائلاً: ” ولقد أسّسْتُ بالفعل في هذا الركن الضيّق الذي أنا فيه. وهو يشتغل منذ أربع سنوات. وبرنامجه موجود في ملف ‏تقديم المرسوم المتضمن “تأسيس”، وهو ما لم يصدر في الجريدة الرسمية…”.‏

‏3)‏ عند وفاة بن نبي بعث الكاردينال دوفال رسالة إلى أرملته لِيُحيِّيَ “علوّ شأن أفكاره، ورقة قلبه وتفتحه الوجداني”، ويضيف قائلاً: “كان يؤمن ‏بالحوار بين المسلمين والمسيحيين إيماناً قوياًّ. ولن أنسى أبداً أنه جاء إلى روما كمبعوث للحكومة رفقة المرحوم الدكتور خالدي، بمناسبة ‏ترقيتي إلى صف كاردينال، وأنه في تلك المناسبة حظِي باستقبال بول السادس. وقد تجذّرت بيننا منذ ذلك الوقت قرابة روحية”. ‏

‏4)‏ وبالمُقابل نذكر أنه طلب أن يُعيّن سفيرا في أحد البلدان العربية، لكن بدون نتيجة.‏

‏5)‏ يقول في رسالة أخرى موجهة إلى الرئيس بومدين سنة 1969: ” لقد تمكّنت السلطة المُوازية من إنهاء مهامّي في ‏مديرية التعليم العالي لأنّ حضوري في تلك المديرية كان يُزعج مختلف المناورات الهادفة إلى منع ترقية الإطارات التي ‏تنتظرها البلاد”. إنّ هذه الإضاءات تُفنِّدُ قول القائلين بأن بن نبي قد استقال من مهامّه كمدير للتعليم العالي. ولن يتولّى ‏أية مسؤولية أخرى بعد ذلك. فالدولة الجزائرية لم تُوظّفه إلاّ لمدة أربع سنوات، لا أكثر.‏

You may also like

Leave a Comment