Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (29)‏

حياة مالك بن نبي (29)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

كان بن نبي متردّدا في العودة إلى الجزائر بعد إعلان الاستقلال نظراً لتلك الصراعات على السلطة، ‏والتي تحولت إلى مواجهات مُسلّحة. وبما أنّ السلطة لم تكن من اهتماماته على الإطلاق، فإنه لم يُساند ‏أيّ طرفٍ، لكنه لم يمتنع عن التعبير عن رأيه كتابياًّ كعادته، وذلك من أجل التنديد بالانزلاقات أَياًّ كانَ ‏مُرتكِبُها. وإذا لم يتمكّن بن نبي مِنْ أن يكون طرفاً فاعلاً في الثورة الجزائرية، فإنه كان شاهداً يقظاً وبلا ‏مُجاملة. ‏

ومع أنّ بعض أحكامه تتّسمُ بالمُبالغة والإفراط، فإنّ الحُرّية التي جسّدها دوماً في نبرته جديرة بأنّ تكون ‏مصدر إلهام لمن يُريدُ أن يسلك سبيل كتابة تاريخ ثورة التحرير بعيداً عن الأوهام. كان حريصاً على ‏الحياد، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة عليه، مُعبِّراً عن نيته في غرس ثقافة الحوار في ‏السياسة الجزائرية التي يميل معظم فاعليها إلى الاستبداد، إذ كانوا يرفضون كلّ دعوة إلى مراجعة ‏الوضع ولا يترددون في اتهام كلّ مُعارضة بالخيانة. ولقد تعرّض بن نبي إلى ألوانٍ من الاضطهاد ‏الهادف إلى إسكاته إلى الأبد، لأنه فرض حقه في التعبير بحرية عن وجهة نظره.‏

كان بن نبي في بنغازي (ليبيا) خلال شهر نوفمبر سنة 1962 من أجل إلقاء بعض المحاضرات. وفي ‏ديسمبر من نفس السنة أوقف “المؤتمر الإسلامي” صرف المرتب الذي كان يتقاضاه. وهذه هي الكلمات ‏النارية التي أتت في ملاحظة كتبها في الثالث عشر من ديسمبر 1962: ” كُلّما أصدرْتُ كتاباً أو قُمتُ ‏بجولة من المحاضرات يُسارع القادة المُسلمون بالتضييق عليّ مادّياًّ: فتلك هي جائزة نوبل الإسلامية”. ‏وكانت آخر ملاحظة سجّلها سنة 1962 مُتعلقة بالشيوعية التي قال عنها إنّها وصلتْ إلى “ساعة ‏صِفّين”. وتلا ذلك انقطاع في سردية سيرته الذاتية، وامتدّ ذلك الانقطاع من جانفي إلى جوان 1963.‏

دراسة غير منشورة تحت عنوان “الثورة والثورات المزعومة في العالم الإسلامي”.‏

في الثالث من جانفي سنة 1963 أنهى بن نبي إعداد دراسة تحمل العنوان الوارد أعلاه، وجاءت في 24 ‏صفحة مكتوبة بخط اليد. ومعروف أن كلمة “ثورة” في ذلك الوقت كانت كلمة ساحرة، وهي تُبلْوِرُ ‏تطلُّعات الشعوب المُستعمرة أو المتأخرة إلى الاستقلال والرقي الاقتصاديّ والعدالة الاجتماعية. وكانت ‏كلّ الأنظمة “التّقدّميّة” تُعلِن عن نزعتها الثورية.‏

وقد وضع بن نبي هذا المفهوم على مِحكّ التحليل كي يُميِّزه عن الثورات المزعومة التي لا تهدف تحديداً ‏إلاّ إلى التنبُّؤ بالثورات الحقيقيّة. وهو يقول في ذلك: ” لا بُدّ من وجود علمٍ ثوريّ كفيلٍ بوضع المقياس ‏العام الذي يسمح بإدراج كلّ الثورات ضمن مُخطط عام يسمح بالتمييز منذ البدء بين الثورة والثورة ‏المزعومة، وبالتعرف على اللحظة التي يمكن للثورة أن تنحرف فيها وتُصبح ثورة مزعومة بفعل ‏عوامل مُحددة. وهذا المقياس يسمح خاصة بسبْرِ عمق الفعل الثوري ومعرفة ما إذا كان ينتمي فعلاً إلى ‏مسار الثورة أو إلى ثورة مزعومة بسيطة أو حتى إلى ثورة مُضادّة مُمَوّهة بالمظاهر”. ‏

وهو يرى أنّ المسار الثوري يمكن أن يولد منذ أول يومٍ في صورة ثورة مُضادّة مُتمظهرة بمظاهر ‏الثورة، كما يمكن أن يولد في صورة ثورة حقيقية ثُمّ تبدأ بترك مكانها تدريجيًّا لثورة مُضادّة تستولي على ‏اسمها وخصائصها الظاهرية ووسائلها، وتأخذ مكانها على هذا المنوال. وهو يستشهد بالجزائر واليمن ‏وباكستان والسودان كأمثلة، إضافة إلى تجارب سالازار الذي ” قام بثورة مزعومة في البرتغال” ‏وفرانكو الذي “قام بثورة مُضادة في إسبانيا” (1).‏

غادر بن نبي القاهرة في 8 جويلية 62 باتجاه طرابلس (ليبيا)، واتخذ لنفسه إقامةً في مزرعة كانت ‏وحدة من “جيش التحرير” متواجدة فيها منذ عام. ومما جاء في مذكراته بتاريخ 29 جويلية: ” أنا بين ‏القاهرة التي كان عليّ أنْ أُغادرها، وبين الجزائر التي لم أصِلْ إليها بعدُ، فأنا أعيش حالة قفزة بين ‏نقطتين، أو أنا في فراغ، وليس لديّ ما أتشبّث به، لا إلى القاهرة التي تخليتُ فيها عن كلّ شيء كي أقفز ‏بعيداً، ولا إلى أي شيءٍ آخر، إذ أن قفزتي لم تُحقق شيئاً بعدُ”.‏

كان بن نبي في تلك المزرعة المتدهورة في ضواحي طرابلس، يتأمل في حياته، ويُناجي الله والمستقبل ‏وهو متكئ إلى جذع شجرة، كما كان يفعل بوذا في الماضي البعيد… كان يُتابع مجرى الأحداث في ‏الجزائر عبر الإذاعة. كانت حالته أشبه ما تكون بحالة قابيل في رواية “أسطورة القرون”( ‏La ‎légende des siècles ‎‏) لفيكتور هيجو، وهو هائم على وجهه وقد فقد الأمن والراحة أينما حلّ.‏

دخل بن نبي إلى الجزائر بتاريخ 18 أوت 1963 عبر مركز بوشبكة الحدودي، وهو قادمٌ من ليبيا. ‏وبعد قضاء يومين في تبسة توجه إلى قسنطينة، ومنها إلى أم البواقي (في الشرق الجزائري) حيث ‏صديقه قالي الطيب ليقضي عنده أربعة أيام. ثُمّ عاد إلى قسنطينة حيثُ استُقبِل مِن طرف آل بن شيكو. ‏وهناك أطْلعتْهُ مصالح الشرطة بالمدينة أنّ بن بلّة يُريد أن يلقاه في الجزائر. سافر على متن القطار ‏بتاريخ 29 أوت ليجد الدكتور خالدي في انتظاره بمحطة القطار.‏
إن بن نبي الذي عاد إلى مسقط رأسه بعد سبع سنوات من المنفى صار رجُلاً مُتكامل الشخصية، يقظاً، ‏على دراية بأحداث الماضي، ومُطّلعاً على كل شاردة وواردة في الحاضر. وكان الظرف السياسيّ في ‏قمة التشنّج. ‏
ومع أنّ “المجلس التأسيسي” قد تمّ انتخابُه منذ سنةٍ بغرض إعداد دستور للبلاد، فإنّ بن بلّة بادر فجأةً ‏بتكليف الحزب الواحد بأداء تلك المهمة. وتبعاً لذلك جاءت استقالة رئيس المجلس، فرحات عباس، في ‏أوت 1963 تعبيراً عن تذمُّرِهِ من ذلك التصرّف، مُندِّداً بانزلاقات النظام الجديد في قوله: ” إنّ هيمنة يدٍ ‏واحدة على كل السلطات ضرْبٌ من الهذيان… فلا وجود للديمقراطية، والشعب غائب، أمّا مُمَثِّلوه فقد ‏قُزِّموا حتى صاروا مُجرد واجهة. إنّ رئيس الدولة الذي يشغل في الوقت نفسه مهام رئيس الحكومة ليس ‏بمقدوره أن يقوم بكل شيء… ومثل هذا النظام سيؤول به الأمر إلى خلق أنشطة مُدمِّرة وانقلابات ‏ومؤامرات… لقد استَقَلْتُ من رئاسة المجلس لأنني لم أرْضَ أن أخرج من النظام الاستعماري لأجد نفسي ‏تحت نير الديكتاتورية وأتحمّل وِزْرَ رجلٍ بِقدْرِ بُعْدِهِ عن حصافة الرأي فتصرفاته تُنِمّ عن انعدام الوعي ‏عنده…” ‏
أمّا أصدقاؤه القُدامي، مثل أحمد بومنجل وأحمد فرنسيس اللذين كانا من أعضاء حكومة بن بلّة، فقد ‏خذلوه وتخلَّوْا عنه، لكنهم في آخر المَطاف سيُفصَلون من مهامهم على يد بن بلّة نفسه. تمّ اعتقال فرحات ‏عباس في شهر جويلية 1964، وأُغلِقتْ صيدليتُه. وسيلتحق في السجن بعبد الرحمن فارس وإبراهيم ‏مزهودي وغيرهما مِنْ مُعارِضي بن بلّة. ولن يُطلق سراح فرحات عباس إلاّ في الثامن جوان 1965. ‏وفي التاسع عشر من نفس الشهر كان الانقلاب الذي سُجِن بعده بن بلّة خمس عشرة سنة كاملة. ‏
استُقبِلَ بن نبي والدكتور خالدي في الثالث من سبتمبر سنة 1963 من طرف بن بلّة، ودعاهما إلى مأدبة ‏غداء. وكان له لقاء آخر ببن بلة في الحادي عشر من ذات الشهر. ذلك أنّ بن بلّة كان يُحبّ أن يُحاط ‏بمُثقفين مثل بن نبي والدكتور خالدي، وكذلك محمد الشريف ساحلي ومصطفى لشرف. وجدير بالذكر أنّ ‏بن نبي لم يكُنْ مُنْسجِما مع هذا الأخير لكونه ذا وجهة شيوعية.‏
انتُخِبَ بن بلّة رئيساً للجمهورية في الخامس عشر سبتمبر. وفي العاشر من أكتوبر أنهى بن نبي تحرير ‏دراسة حول “الإيديولوجيا”، وقدّمها لبن بلة الذي سبق له أن قال في إحدى خُطبِه: “لدينا برنامج، لكن ‏ليس لدينا إيديولوجيا”. ‏
في الوقت الذي شرعتْ فيه الجزائر في البناء وقَفَ بن نبي على حقيقة أنّها تسير بغير رؤية صحيحة ‏كان يمكن أن تكون هي ضمان نجاح العمل المنشود. وكان يُريد أن يُقدم علاجاً لهذا النقص بإثبات أن ‏المشاكل مُتّصِلٌ بعضها بالبعض الآخر: الاقتصاد مع العوامل النفسية، والسياسة مع الأخلاقيات، والثقافة ‏مع العمل. وهو يرى أن السياسة ليست وظيفة بل هي مهمة، وملمح رجل السياسة ينبغي أن يكون أقرب ‏إلى ملمح الرسول منه إلى ملمح الموظف البسيط. كما يرى أنّ السياسة لا معنى لها إن لم تُؤَدِّ إلى ‏الحضارة. ومما كتبه في دفاتره بتاريخ 25 أكتوبر 1963: “كل نشاط بشريّ خارج هذا الإطار تضييع ‏للوقت: فالسياسة تصير كذبة، والاقتصاد شأناً خاص ببعض الأفراد، والثقافة زينة تزدان بها بعض ‏العقول المتميِّزة…”‏
ولمّا طلب منه بن بلة وجهة نظره حول الأوضاع العامة في البلاد أعدّ مذكرة وقدّمها له في شهر نوفمبر ‏سنة 1963، وممّا جاء فيها: ” إن واجب المثقف ليس أنْ يقول ما يُعجبه أو ما يُعجب الآخرين، بل ما ‏يبدو له أنه الواقع. ولا شك أنّ ذلك هو السبب الذي دفعكم إلى مُساءلتي حول انطباعاتي أثناء المُحادثة ‏الأولى التي تشرّفتُ بإجرائها معكم”. ويلي ذلك تحليل يصف فيه تفاصيل الاعوجاجات التي تبدو له ‏كفيلة بأن تؤدي إلى فشل السياسة المُزمع اتباعها. ‏
وهو ينطلق من التسليم بأنّ نظام ما بعد الاستعمار قد يجد نفسه في مواجهة وضعيتين: أن يتعرض ‏لعوامل هدم خارجية (وهذا ما يستبعده بن نبي)، أو أنْ “يتعفن” من الداخل. وهو ينبئ بأنّ التعفن يحدث ‏في الحالات الآتية: ‏
ـ1 إذا تُرِكَتْ مبادرات وقرارات السلطة الثورية مُعلّقةً، أوْ شُوِّهَتْ بشكل تُصبح معه غير مفهومة أو ‏غير مقبولة في أعين الشعب، ممّا يؤدي إلى انطفاء شعلة حماسه.‏
ـ2إذا أُثْقِلَ كاهل الجهاز الإداري بأكثر من احتياجاته، حتى تُصبح تدابير التسيير بيروقراطية، مما يؤدي ‏إلى إيقاف مسار الثورة.‏
ـ3 إذا جُعِل هذا الجهاز عُرضةً للشبهات من وجهة النظر المعنوية والتقنية، وذلك بإدخال حدٍّ أقصى من ‏انعدام الكفاءة وانعدام الأخلاق وانعدام الانسجام.‏
ـ 4إذا عُكِّرَت الحياة اليومية بمختلف الوسائل، وذلك بفرض كمٍّ هائل من التفاصيل التي لا فائدة منها ‏غير تعويد الروح الشعبية على الفوضى وانعدام التنظيم من جهة، وتحميل السلطة الثورية تبعات تلك ‏الفوضى في نظر أهل الرأي الصائب.‏
ـ 5 إذا فُتِح المجال للأشخاص المشكوك فيهم كي يُسيطروا على جهاز الأمن بشكل مباشر، أو يغرسوا ‏أفراداً يتصرفون فيهم داخل ذلك الجهاز بشكل يؤدي إلى تجريد النظام السياسي من كل وسائل الرقابة ‏على سير سياسته، بالإضافة إلى إحلال جهاز الأمن مكانة أولوية الأولويات. وقد يؤدي هذا حتى إلى ‏إحداث دولة داخل الدولة.‏
ـ 6إن الأوساط المُعادية للثورة، وبغرض إعطاء الوقت الكافي للأسباب السابقة كي تُحدِث آثارها ‏المُزعزِعة، قد تلجأ إلى إشعال نار الفتنة داخل البلاد أو في أماكن مُحاذية لحدودها كي تصرف انتباه ‏السلطة عن المشاكل الحقيقية. ‏
وقد أرسل بن نبي بهذه الوثيقة لبومدين كذلك في ديسمبر 1969 على أمل أنْ يأخذ منها العِبَر المُفيدة، ‏كما ضمّن مُراسلته كلاماً عن “استفحال التّعفّن منذ سنة 1965”. كما أرسلها إلى القذافي سنة 1970 مع ‏بعض التعديلات من أجل مُلاءمة الوضع في ليبيا. وجاءت خاتمة هذه الوثيقة بهذه الصيغة: ‏
‏” إنّ تسيير بلادٍ ليس كتسيير مطعم أو متجر، أو حتى مصنع. فكلّ الأنشطة التجارية حصيلتُها بسيطة ‏لأنها تُعَدّ بعمليتين يتبيّن بعدهما على الفور ما إذا كان النشاط مُربِحاً أم مُفلِساً. أمّا ميزان الدولة فهو في ‏أعلى درجات التعقيد. ويمكن القول أنه لا توجد آلة باستطاعتها أن تقوم بهذه المهمة، والتاريخ وحده هو ‏الذي يتكفل بذلك. والتاريخ مُحاسب لا يرحم ولا يهمل أدنى التفاصيل. وهو يُقدّم أحياناً فواتير مُثقلة ‏تتضمن حسابات كُنا نسيناها، أو أخطاء لم نُصححها، أو خطايا لم نُصلِحها، أو فضائح سكتنا عنها أو ‏أسكتناها. ولا عجب في أن نرى دُوَلاً ميزانها التجاري فيه فوائد لكنها تنهار فجأةً بسبب أبسط هزةٍ من ‏الخارج أو من الداخل. وهي دولٌ لم تضع في حسابها حسابات التاريخ وتصرّفتْ في شؤونها كما ‏يتصرف صاحب المتجر في متجره. فقُبيل الغزو الماغولي في أواخر القرن 12 كانت أقوى دولة ‏إسلامية هي خوارزم، لكنها انهارت تحت ضربات جنكيز خان وفرّ الشاه محمد الخوارزمي بنفسه ولجأ ‏إلى جزيرة في بحر القرم حيث مات. مِن المُفيد التذكير بتلك المآسي التاريخية في زمن بدأت تطغى فيه ‏النزعة الاقتصادية المُفرطة على السياسة، وأصبحنا نظن أن كل المشاكل يمكن مُعالجتها بحلول ‏اقتصادية. ففي الوقت الذي تنكب الثورة الليبية على إعداد حصيلتها الأولى، لا بُدّ من التفكير في أشياء ‏تتجاوز ميزان المدفوعات المُعبر عنه بالدولار أو الجنيه الإسترليني”.‏
وسيُعلِن بن نبي عن أهم ما جاء في تلك الوثيقة (دون ذكرها بالفعل) في محاضرة ألقاها في جانفي ‏‏1970 بالجزائر العاصمة، تحت عنوان “معنى المرحلة”، وكاتب هذه السطور كان من الحاضرين. ‏وتبرز في هذا النص حصافة آراء بن نبي وشجاعته، ووعيه بالدور الذي بإمكانه أن يلعبه، وهو الدور ‏الذي يصبو إليه المفكرون في كل زمان: أن يكون مُستشاراً للأمير أو لرجل السياسة أو صاحب الحل ‏والعَقْد. وهذا ما لم يكُن من نصيب بن نبي إلاّ لفترة قصيرة عند أنور السادات عندما كان يُشرف على ‏المؤتمر الإسلاميّ، وفترة أخرى عند شريف بلقاسم في وزارة التوجيه، وأخرى عند القذافي.‏
وكيف يمكن أن يكون ملمح “مستشار الأمير”؟ إنّ سيرته الذاتية التي سلّمَها لبن بلّة كفيلة بإطْلاعِ القارئ ‏على الكيفية التي قدّم بها بن نبي نفسه: مولود في 1 جانفي 1905. اعتُقِلَ في 18 أوت 1944، وأُطْلِق ‏سراحه في 16 أفريل 1945، ثُمّ اعتُقِل ثانية في 10 أكتوبر 1945، وأُطلِق سراحُه في 10 ماي ‏‏1946.‏
وهو لا يذكر رواية “لبيك” من بين مؤلفاته، ويُشير في خانة تحت عنوان ” كُتب لم تُنشر” إلى: ” ‏الإسلام واليابان في آسيا”، و “العالم الإسلامي والحرب العالمية الثالثة”، والأرجح أنه يقصد “وجهة ‏العالم الإسلامي2” و “مذكرات جيل”، والأرجح أنه يقصد ” العفن” ‏Pourritures‏. وختاماً يذكر في ‏خانة تحت عنوان “كتب قيد الإعداد” كُلاًّ من “مشكلة الأفكار”، و”التاريخ النقدي للثورة الجزائرية”، و ‏‏”ميلاد المجتمع الإسلامي”. ‏
إذا كانت الفكرة ومعها حامِلُوها في البلدان الإسلامية، لا تحظى بأية قيمة، فإن الأمر يختلف في البلدان ‏ذات الحضارة الراقية، إذ بالإضافة إلى الحظوة التي يتمتع بها رجل الفكر، فإن القادة يلتمسون خدمته، ‏خاصة في ظروف الأزمة. ودون أنْ نرجع إلى غابر التاريخ الذي نجد فيه مثال الجزائري فرونتون ‏سيرتا ‏Fronton de Cirta‏ الذي كان هو مُعلِّم الأمبراطور مارك أوريلMaec Aurèle، ومثال ‏أرسطو الذي تتلمذ الإسكندر الأكبر على يده، بإمكاننا أن نذكر مثال تونبيToynbee‏ الذي كان في ‏الأصل أستاذاً للتاريخ اليوناني والبيزنطي في جامعة لندن. ولقد نالت كتاباته وفكره من الشهرة ما جعل ‏الحكومة البريطانية تُوظِّفُهُ خلال الحربين العالميتين. كما أنه عضو في الوفد البريطاني المشارك في ‏مؤتمرات السلام بباريس، وعُيِّنَ مديراً للمعهد الملَكي للشؤون الدولية. ‏
وإثر اعتداءات سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة بادرت أعلى السلطات الأمريكية باستشارة بيرنار ‏لويس، وهو باحث من أصول بريطانية مختص في العالم الإسلامي. إنّ كيسنجر وبرزيزنسكي ‏وهونتيغتون وكوندوليزا رايس، وغيرهم من “مُستشاري الأمير” جاؤوا كلّهم من عالم الأفكار، ومن عالم ‏الفكر، من الجامعة، وليس من المدارس الحربية أو أجهزة الأمن. أما ماسينيون فكان يتراوح بين ‏المُخابرات والفكر. إنّ الفكرة أعلى من القوة ومن الأسلحة والمُخابرات. ولقد أتيح لنا أن نرى في ‏أحداث الساعة كيف أن المُخابرات دحضتْها “الفكرة”. أما أن تكون الفكرة صحيحة أو خاطئة، إيجابية أو ‏سلبية، فتلك مسألة أخرى.‏
إن “الأمير” في العصر الحاضر يستعين برجل الفكر، وبصاحب النظرة الاستشرافية لأنه يفهم أهمية ‏الأفكار، ولأنّ رجل الفكر قادر على تبيُّنِ الخطر وهو في المرحلة اليَرَقِيّة، قبل أن تنتبه أجهزة ‏المُخابرات وقيادات الأركان بزمن طويل. يقول ماكيافل، وهو تحت تأثير حبه لوطنه فلورانس: “لقد ‏شاءت لي الأقدار أن أُحْرَمَ مِن إتقان فن صناعة الحرير أو الصوف، وأن أكون جاهلاً بحساب الأرباح ‏والخسائر، فلا بُدّ لي أن أسكت أو أفكّر في شؤون الدولة” (رسالة إلى فيتوري، 1513 ‏Lettre à ‎Vettori‏).‏
وأسبوعاً بعد تسليمه للرئيس بن بلة عرضاً حول الحالة العامة في البلاد، قدّم له اقتراحاً كتابياًّ يتضمن ‏الْتِمَاس إنشاء “مركز للتوجيه الثقافي” يكون بمثابة “مخبر حقيقي تتمّ فيه بلْورة صيغة ثقافة وطنية ‏تستجيب لكل متطلبات المرحلة التاريخية الراهنة”. وهو يريد أن يكون هذا المركز تحت رعاية الرئاسة ‏والجامعة.‏
وفي شهر ديسمبر 1963 وضعَتْ رئاسة الجمهورية تحت تصرّفه شُقّة في 50، شارع روزفلت ليُوظّفها ‏كمقرّ ل”مركز التوجيه الثقافي” وكمسكن له. كما عُيِّنَ مُستشاراً تقنياًّ في وزارة التوجيه التي كان على ‏رأسها شريف بلقاسم. وكُلِّلَتْ هذه النجاحات بميلاد طفلته الثالثة في نفس الشهر، وسمّاها “رحمة” عرفانا ‏منه بفضل الله عليه.‏
اقتُرِحَ عليه منصب مدير للتعليم العالي في شهر أوت سنة 1964. وقد قبل بهذا المنصب على أمل ‏التمكن من توجيه تكوين النُّخَب إلى الوجهة التي كان يرجوها. لكنه كان على علمٍ بالصعوبات التي ‏تنتظره في تلك المهمة، وهو يقول عن ذلك: “إنّ حياتنا العامة بكاملها قائمة على قاعدة لا مكان فيها ‏للثقافة، وذلك ما يؤدي إلى جعل كلّ مساعينا مُشوّهة وعقيمة. وقد وُلِدتْ فينا الروح الوطنية أيام الثورة ‏على نفس الأرضية، وكان مصالي أحسن مُمثِّلٍ لها… وقِسْ على ذلك بطولاتنا التي انطلقت هي بدورها ‏من فراغ ثقافي، والتي لم يكن بمقدورها أن تتجاوز عتبة الاستقلال كحدٍّ أقصى للأهداف المرجوّة….”‏
وبخصوص ” الممتلكات الشاغرة؟”‏‎ ‎‏(‏Biens vacants ‎‏) التي تخلى عنها الفرنسيون عند فرارهم من ‏الجزائر، والتي أصبح الجزائريون يتناحرون عليها، يقول بن نبي بنبرة حزينة: ” إنها قرحة جديدة في ‏جسد الجزائر. فلقد ولّى عهد الاستعمار الذي كُنّا نُخفي وراءة كلّ جمودنا الاجتماعي والأخلاقي ‏والسياسي، لكنه ترك لنا أملاكه التي كدّسها على مدى قرن من الزمان. وهذه الأملاك الفارغة أصبحت ‏اليوم سبباً في آفةٍ أخلاقية واجتماعية وسياسية أشدّ فتكاً من الاستعمار ذاته… صرنا نعيش كذُريةٍ هائمة ‏والِدُها عاش شحيحاً، ولمّا مات ترك لهم إرثاً ضخماً… إنّنا نعيش على رأس مال جُمِع بطريقة غير ‏شرعية، والمثل القديم يقول: “لا فائدة من مِلك غير شرعيّ”. وتلك هي حال الممتلكات الشاغرة “.‏

وكانت الجزائر خلال السنوات الأولى للاستقلال ميدانا واسعا لمعركة ثقافية وسياسية حول رهانها ‏الأكبر المتمثل في الوجهة الإيديولوجية الواجب اختيارها. وأصبحت الجزائر العاصمة مُكتظّةً ‏بالمتعاونين الأجانب والمستشارين في مختلف التخصصات.‏

وُجِّهتْ دعوة إلى المُستشرق المُسلم جاك بيرك في أوائل سنة 1964 ليُلقي مُحاضرة في الجزائر. وكان ‏في استقباله وزير التوجيه، كما كان بن نبي والدكتور خالدي حاضريْن في المناسبة. وفي آخر المحادثة ‏التي جرتْ بين الوزير والأستاذ المُحاضر، قال بيرك للوزير: ” إن الجزائر لا زالت فتيّة، وهي في ‏بداية الطريق. فلا بُدّ من تنشيط حياتها الفكرية. وفي هذا الإطار أنصحُكُمْ بتنويع هذه الدعوات. وروجي ‏جاروديٌRoger Garaudy ‎‏ جدير بأن تدعوه، مِن بين آخرين غيره”. وعند سماع هذه الكلمات شعر ‏بن نبي بهزة تَشِي بامتعاضه. أمّا الدكتور خالدي، فلمّا التقى ببن نبي لخّص تلك المفارقة بقوله: ” إنّ ‏السيد بيرك شخصية ثقافية عظيمة، وهو سليل أحد أكبر المتصرفين الإداريين، إذ كان أبوه سكرتيراً ‏لشؤون “الأنديجان” في بداية الحرب العالمية الثانية. فلماذا ينصحنا، وهو ابن الجناح اليميني في سُلّم ‏التصنيف الاجتماعي الفرنسي، بدعوة جارودي، المُفكر الشيوعي الشهير، وعضو المكتب السياسي ‏للحزب الشيوعي الفرنسي، ومدير معهد الدراسات الماركسية بباريس، ممّا يجعل منه يسارياًّ بحقّ ؟‎ ‎‏”‏

لم يَكُنْ ذلك في نظر هذين الصديقيْن إلاّ خدعة مِن خدع الصراع الفكري: فالفاعلون في تلك المعركة ‏حريصون على منع تكوين أيّ تيار فكري منسجم وأصيل في البلدان الإسلامية. ولتحقيق ذلك فلا بُدّ من ‏خلق مواجهة بين القوى ومنع توجيه الرأي العام إلى وجهة مُحددة، وإضعاف “الضغط” الذي قاد الشعب ‏الجزائري إلى الاستقلال.‏

والحاصل أنّ المُحاضرين الأجانب، خاصة منهم الشيوعيين أو المُستشرقين “الخارجين عن الإسلام ‏désislamisants‏” سيتوافدون على الجزائر بوتيرة سريعة، ومنهم: جارودي، ماكسيم رودنسون، ‏فانسان مونتاي… وهذا ما جعل المثقفين الجزائريين يعيشون حالة من التذبذب والاضطراب. وقد اختتم ‏جارودي، الذي كان شيوعياًّ في تلك الأيام، مُحاضرته بهذه الكلمات: ” ليس هناك تناقض بين الإسلام ‏والماركسية… فالروح الإنسانية الإسلامية قد لعبت دوراً كبيراً في ميلاد الروح الإنسانية الماركسية” ‏‏(2). ‏

أمّا رودنسون فكان موضوع مُحاضرته حول “الثورة الاقتصادية وتاريخ الإسلام”. وقد ألقاها في شهر ‏مارس سنة 1965 داخل قاعة “ابن خلدون” الكبيرة، وتضمّنت كالعادة سلسلة من الانتقادات المُجرّدة من ‏الاحترام في حق الرسول (ص). وجاء في الجريدة التي غطّت الحدث أنّ “القاعات العمومية يشغلها ‏ويُهيمن عليها مُحاضِرون مُلحدون، لكن اللّوم يجب ألاّ يُوجّهَ إلى هؤلاء المُحاضرين، بل إلى أولئك ‏الذين يَتَحَدّوْن ديننا الرسمي ولا يحترمون مشاعر شعبنا العميقة بدعوة أجانب مُعادين لله إلى الجزائر…” ‏‏(3).‏

ونُشِرَ ردٌّ رائع بقلم الدكتور خالدي في العدد الموالي من نفس الجريدة (ماي 1965) تحت عنوان: ‏‏”الأنديجانيون والثقافة” (‏Les indigénistes et la culture ‎‏). وممّا جاء في ذلك الرّدّ: ” يقول ‏الحديث الشريف: “اطلبوا العلم ولو كان في الصين”. والجزائريون في أيامنا ليس عليهم أن يُتعِبوا ‏أنفسهم كما كان يفعل أجدادهم، فالعلم أصبح هو الذي يأتي إليهم. وبالفعل، فإنه لا يمرّ علينا أسبوع دون ‏أنّ يحُطّ أحد جهابذة المُحاضرات رِحاله في عاصمتنا كي يُحدِّثنا، وبطريقة فنية في غاية الإتقان، عن ‏المشاكل التي تشغلنا. وبإزاء هذه الامتيازات غير المنتظرة، يجب علينا أن نطرح بعض التساؤلات: هل ‏أن العلم هو الذي عاد إلى وجهته العادية وصار مصدراً للحكمة والنور، أم أنه يجب علينا التعامل معه ‏باعتباره “عدواًّ مُمكِناً” حسب رأي ألْدوس هكسلي ‏Aldous Huxley ‎؟ إنّ تجربتنا مع الاستعمار ‏تدعونا إلى تبنّي التحفظات التي دعا إليها هذا الفيلسوف الأنجليزي الشهير، خاصة إذا تعلّق الأمر ‏بالعلوم الإنسانية وتطبيقها، أو قُلْ: تطويعها لتُناسب “الأنديجان”… إنّ مواقع الأستاذية في الاستشراق أو ‏التخصص في شؤون إفريقيا والصين والهندوس لم تكن إلاّ مخابر يتمّ فيها إعداد “الفِكْر” الهادف إلى ‏تشتيت الشعوب العربية والإفريقية والصينية والهندية وتضليلها وجعلها غبيةً من أجل تطويعها على ‏أحسن وجه… إن الغاية المنشودة هي منع الإنسان المُتحرّر مِن استرجاع أصالته والعودة إلى قيمه ‏الجوهرية التي رزحتْ تحت نير الاستعمار زمناً طويلاً. إنّ الذي يحدث هو مُحاولة لفرض التعددية من ‏أجل صرف الانتباه. وبذلك لن تكون هناك أية منافسة إيديولوجية. فصاحب الميول الأنديجانية يقترح ‏أسماء المُحاضرين الذين تُوجّه لهم الدعوة حتى ولو كانوا يدعون إلى أفكار مُعاكسة تماماً لأفكاره…” ‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ جاءت تلك الدراسة مُتضمنة لبعض العناصر ـ القابلة للنشر ـ التي استقاها بن نبي من مقال تحت عنوان ” سيرورة ‏الثورة” كان قد نشره في مجلة ‏Révolution Africaine ‎‏ بتاريخ 30 جويلية 1967، ومِن فصلٍ مُتضمّن في كتاب ‏‏”مشكلة الأفكار”، وعنوانه: ” الأفكار والسيرورة الثورية”.‏
‏2)‏ ارجع الى‎« Humanisme musulman » ‎‏ تيار فلسفي يضع الانسان المسلم مركز التاريخ عدد 4 افريل 1965، ‏الجزائر العاصمة
‏3)‏ المرجع السابق

You may also like

Leave a Comment