Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (28)‏

حياة مالك بن نبي (28)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

كتب بن نبي عشية استقلال الجزائر نصاًّ في أعلى درجات الجرأة عنوانه ” شهادة من أجل مليون ‏شهيد” ليطعن جملةً واحدةً في “الحكومة المؤقتة” وقيادة الأركان وجيش الحدود الذين كانوا في غمرة ‏التطاحن على السلطة. كان ذلك بتاريخ 11 فيفري 1962. ونظراً لما فيه من نبرة عنيفة فلن يُنشر إلاّ ‏سنة 2000 عندما أورده الرائد لخضر بورقعة في ملحق مذكراته المنشورة على حسابه (1). ‏

كان هذا النص مُوجَّهاً إلى “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” ‏CNRA‏ (‏Conseil National de la ‎Révolution Algérienne ‎‏ ) المزمع عقده في طرابلس (ليبيا) شهر ماي 1962، لكن “الزعيم” الذي ‏سلّمه إياه، وهو بن بلّة فضّل أنْ يحتفظ به لنفسه. ولمّا تنبّه إلى ذلك سلّم نسخة ثانية من النص لعمار ‏طالبي الذي كان طالبا في القاهرة طالباً منه أن يوصِلَهُ للدكتور خالدي لينشره في الجزائر.‏

كان المأمول من اجتماع “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” في العاصمة الليبية أنْ يُعِدّ العُدّة كي تستلم ‏الدولة الجزائرية السلطة من الدولة الفرنسية، وأن يُناقش نقطتين أساسيتين مُسجلتين في جدول الأعمال، ‏وهما: مشروع برنامج الحكومة، وتعيين مكتب سياسي. وهكذا تمخض عن الاجتماع ما يُسمى بـ “ميثاق ‏طرابلس” الذي ينصّ على تبنّي اختيارين، هما: سياسة الحزب الواحد والخيار الاشتراكي. وتمت ‏المُصادقة على هذا الميثاق بالإجماع. أمّا النقطة الثانية والمتعلقة ببنية السلطة الواجب تأسيسها، فقد ‏اقترح بن بلّة وخيدر تعويض “الحكومة المؤقتة” ب”مكتب سياسيّ” مُتكوّن منهما إضافة إلى آيت أحمد ‏وبوضياف وبيطاط ومحمدي السعيد.‏

وقد أدلى سعد دحلبSaad Dahlab ‎، وهو من المُشاركين في المناقشات التي دارت في اجتماع ‏طرابلس، بالشهادة الآتية: “كانت الشرارة التي أضرمت النار في البارود، إذ ساد الاندفاع والنزعة ‏العاطفية حول هذه النقطة وحدها لأنها كانت تعني السلطة. كما نزع بن بلة وخيدر قناعيْهما، إذ اتّضح ‏أنهما لم يكونا يرغبان في بقاء أيّ شخص من الفريق القديم…” (2).‏

وبعد عشرة أيام من المناقشات، لم يتمكن أعضاء “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” من الاتفاق على ‏رأيٍ واحدٍ. وقد رفض كلٌّ من بوضياف وآيت أحمد أنْ ينضمّا إلى بن بلّة وخيدر اللّذيْن كانا يحْظَيان ‏بدعم من قيادة الأركان العسكرية. أمّا بن خدّة فقد غادر طرابلس وعاد إلى تونس.‏

قرّرت الحكومة في 30 جوان أن تُنهي مهام أعضاء قيادة الأركان، وفي الفاتح من جويلية جرى ‏الاستفتاء عبر التراب الوطني. وفي الثالث منه عاد جيش الحدود إلى الجزائر. وفي 06 جويلية عبّر ‏فرحات عباس عن مُعارضته لإنهاء مهام قيادة الأركان. في الـ 11 دخل بن بلة إلى الجزائر من مغنية ‏ليُعلِن في تلمسان عن تشكيل “المكتب السياسي” في الـ 22 من الشهر ذاته (ويتشكل من القائمة المقترحة ‏في اجتماع طرابلس باستثناء آيت أحمد وبوضياف). أمّا فرحات عباس فقد ساند بن بلّة والتحق به في ‏تلمسان. وبذلك انفجرت “الحكومة المؤقتة” على نفسها، إذ أن 5 من أعضائها أصبحوا ينتمون إلى ‏‏”المكتب السياسي”، وهم بن بلّة، بيطاط، بوضياف، خيدر، ومحمدي السعيد. بالإضافة إلى استقالة اثنين ‏من أعضائها مُنسحبيْن إلى جنيف، وهما آيت أحمد وسعد دحلب، كما بقي اثنان آخران في تونس، وهما ‏بوصوف وبن طوبال. أمّا كريم بلقاسم فقد لاذ ببلاد القبائل.‏
وفي الثاني من أوت تمّ التّوصُّلُ أخيراً إلى تسوية تُرضي كل الأطراف، وتتمثل في الاتفاق على تنظيم ‏انتخابات من أجل تعيين “مجلس تأسيسيّ”. وهكذا عاد بوضياف إلى” المكتب السياسيّ” الذي حلّ ‏بالجزائر العاصمة في الثالث من الشهر ذاته. وأعلنت “جمعية العلماء” من جهتها مُساندتها لبن بلّة، ‏وتبعها “الحزب الشيوعيّ الجزائريّ”. أمّا الولايات فقد انقسمت إلى صفّين، أحدهما يُساند “الحكومة ‏المؤقتة”، والآخر يساند “المكتب السياسي”. ومن نتائج ذلك نشوب مُواجهات بينها أسفرتْ عن سقوط ‏المئات من القتلى. وأجريت انتخابات “المجلس التأسيسي الوطني ” في تاريخ 20 سبتمبر، وبعد ذلك ‏بأسبوعٍ واحد (27 سبتمبر) بادر بن بلة بتشكيل حكومته.‏

أمّا بن نبي فقد أعلن في “شهادته” عن إرادته في إفادة الشعب الجزائري بما يعرفه عن الثورة وقادتها. ‏وبدأ شهادته بالتعجب مِن أنّ أشخاصا كانوا مُقرّبين من الإدارة الاستعمارية ثُمّ وجدوا أنفسهم في إذاعة ‏‏”صوت الجزائر”، أو مسؤولين عن مالية الثورة، ذاكراً أسماء أولئك الأشخاص. وهو يؤكِّد على ‏ضرورة إعلام الشعب حول سلوك كل فردٍ ومسؤولياته قبل تنظيم استفتاء تقرير المصير. ثُمّ يقترح على ‏‏”المجلس الوطنيّ للثورة الجزائرية” أن يعقد “مؤتمراً استثنائياًّ للشعب الجزائري” في الجزائر ‏العاصمة، ويتولى المؤتمر تشكيل لجان مُكلفة بالتحقيق حول جملة من القضايا، وذلك قبل تنظيم أيّة ‏عملية انتخابية في البلاد. وهو يُحصي تلك القضايا فيما يأتي:‏

‏1 ـ الظروف التي أحاطتْ بإنشاء إدارة مُستقلة تحت اسم “منطقة الجزائر المستقلة”‏‎ ZAA‏ (‏zone ‎autonome d’Alger‏)، في أفريل سنة 1955.‏

‏2 ـ الظروف التي أحاطت بموت كلّ من مصطفى بن بولعيد، وعباس لغرور، وزيغود يوسف، وعبد ‏الحيّ، ومصطفى لكحل، وبن مهيدي، وعميروش… ذلك أنه كان يشتمّ رائحة الخيانة في تلك الأحداث، ‏ويُحمِّلُ المسؤولية للقيادة التي نصّبت نفسها بنفسها سنة 1955 عندما كانت الحكومة الفرنسية تسعى إلى ‏إيجاد ” المفوضين المعتمدين” مِن خارج صفوف “جيش التحرير” من أجل التفاوض معهم. وكان بن ‏نبي يرى أنّه حتى تحويل الطائرة الذي أفضى إلى اعتقال “الخمسة” سنة 1956 كان نتيجة لخيانة.‏

‏3 ـ سلوكيات القادة الذين تمخض عنهم مؤتمر الصومام تُجاه إقامة “خط موريس”، والتي لم يحدث أنْ ‏عُرقِلتْ أو أُخِّرَتْ، بل تزامنت مع فترة من الهدوء على الجبهة الداخلية. وهو يرى أنّ “مؤتمر ‏الصومام” تلته فترة تناقص في حدّة القتال، ونقل مُتعمَّدٍ للوحدات القتالية نحو الحدود الشرقية والغربية، ‏وذلك مِن أجل إتاحة استراحة للقوات الفرنسية إرهاصا للشروع في المُفاوضات (3). وهو يرى أنّ تلك ‏القوات حُوِّلت إلى وحدات استعراضية بين أيدي “الزعماء”.‏

‏4 ـ الظروف التي أحاطت بالتحاق الفارّين من الجيش الفرنسي بوحدات جيش التحرير، وأسباب تعيينهم ‏في مهام حساسة داخل الجيش.‏
‏5 ـ اغتيال علاّوة عميرات في مقر الحكومة المؤقتة بالقاهرة بعد أن اتّهم الحكومة المؤقتة بإجراء ‏اتصالات سرّيّة مع فرنسا (4)‏

‏6 ـ موقف أعضاء “الحكومة المؤقتة” تُجاه الطلبة الجزائريين في الخارج.‏

‏7 ـ التسيير المالي في الحكومة المؤقتة، وكيفية استعمال الأموال، مع إجراء مقارنة بين المصاريف ‏المُخصصة لجيش التحرير، وتلك المخصصة لتسيير شؤون الحكومة المؤقتة، مع ذكر التعويضات التي ‏تُصرف لأعضائها (5). ‏

‏8 ـ التدابير الخاصة بتشكيل “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” ومدى تمثيله.‏

‏9 ـ مُبادرة إقحام الجزائر في مُحادثات حول موضوع “المغرب الكبير” مِن دون استشارة الشعب.‏

وطلب بن نبي في رسالة مُرفقة بـ “شهادة لمليون شهيد” أرسلها إلى بن بلة في 18 جوان 1962، أنْ ‏ينعقد مؤتمر “كالذي انعقد سنة 1936” تلتقي فيه “جبهة التحرير” وجيشها و”العلماء” و”اتحاد البيان” ‏UDMA‏ و”الحزب الشيوعي الجزائري”، بل وحتى “الحركة الوطنية الجزائرية” التي يرأسها ‏مصالي الحاج. لكنّ الفكرة لمْ تَرُقْ للمتحكمين في زمام السلطة لأنهم قرروا الأخذ بخيار الحزب الواحد.‏

ومما يُستنتج من رسالة بن نبي أنه كان يصبو إلى جزائر ذات نظام ديمقراطيّ مؤسس على التعددية ‏السياسية. ويؤكِّدُ في خاتمة شهادته أنه لا يمكن الشروع في تنظيم انتخابات دون أن يعرف الشعب كلّ ‏الحقيقة حول الثورة، ويقول حانقاً: ” إنّ الأيام الكئيبة والبائسة التي مرّت على الشعب الجزائري كانت ‏أجمل الأيام عند “الزعماء”، فكانت حياتهم كحياة أمراء البترول في قصور ألف ليلة وليلة”‏‎.‎

وهو يتألم مِنْ ألاّ أحدَ مِن “العلماء” المثقفين نَبَسَ بكلمة واحدةٍ للتنديد بما حدث أو لإخبار الشعب. وكان ‏هذا المستوى في حرية الرأي كفيلاً بتعريض حياته للخطر بالنظر إلى التقاليد السياسية المعمول بها ‏آنذاك. وإذا كانت هذه الرسالة قد بقيت مغمورة ولم يطّلع عليها إلاّ جمهور محدود سنة 2000، فإنّ أهمّ ‏ما جاء في مضمونها قد ورد في “آفاق جزائرية” و في ” مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”. ‏

هكذا كانت حياة بن نبي: فهو لا يسكت إطلاقاً، ولا يتنازل عن حرية رأيه وتعبيره. فالمسائل التي أثارها ‏كانت في أعلى درجات الخطورة، ويتبيّنُ من خلالها أنّ الثورة قد أُبْعِدَتْ عن مسارها أشهراً قليلة بعد ‏اندلاعها. وكان اقتناعه بذلك لا يَشُوبُه أيُّ غموض.‏

مؤتمر الصومام

بعد مرور أقلّ من سنتين على اندلاع الثورة، اتفق كريم بلقاسم والعربي بن مهيدي وعبان رمضان على ‏عقد مؤتمر من أجل إرساء قواعد النظام في الثورة، وتعيين قيادة، وصياغة برنامج. وانعقد هذا المؤتمر ‏بالفعل في قرية من قرى بلاد القبائل، ودامت أشغاله مدة عشرين يوماً. ‏

ومِن النتائج التي حققها مؤتمر الصومام أنه وقف على حصيلة الثورة، وقرر إعادة تنظيم “جيش ‏التحرير” حسب نموذج الجيوش التقليدية، وقسم التراب الوطني إلى ستّ ولايات، وجعل من الجزائر ‏العاصمة “منطقة مستقلة”، وصادق على أرضية سياسية (قام بتحرير أهمّ فقراتها عُمر أوزقان، وهو من ‏قدماء المسؤولين في “الحزب الشيوعي الجزائري”)، كما تولّى تعيين قيادة متكونة من هيئة تنفيذية بـ 5 ‏أعضاء (“لجنة التنسيق والتنفيذ ‏le Comité de Coordination et d’Exécution- CCE‏”) وتعيين هيئة ‏سياسية تشريعية متكونة من 34 عضواً (وهو “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” ‏CNRA le ‎Conseil National de la Révolution Algérienne -‎‏). ‏

ولمّا تلقّى أعضاء “البعثة الخارجية” لـ”جبهة التحرير الوطني” محاضر المؤتمر ومُقرراته تبيّن لهم ‏أنهم أُقصَوْا من قيادة الثورة. وكان ردّ فعلهم توجيه تهمة ضعف التمثيل في المؤتمر و” التراجُع عن ‏الطابع الإسلامي للمؤسسات السياسية القادمة”، ثُمّ رفضوا الاعتراف بمقرراته. أما فيما يتعلق بتشكيلة ‏‏”لجنة التنسيق والتنفيذ” فقد رفضت “البعثة الخارجية” تعيين بن خدة وسعد دحلب لأنهما كانا من ‏‏”المركزيين”. وقد وُجِّه أشدّ الانتقاد لعبان رمضان الذي هو مُنظِّم المؤتمر. وهو مُتّهم بالاستيلاء على ‏السلطة وإبعاد “التاريخيين” والقادة المتواجدين في الخارج.‏

وقد أُلْغِيَتْ مُقررات مؤتمر الصومام في اجتماع “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” الذي انعقد في ‏القاهرة في شهر أوت 1957، كما تمّ تعيين “لجنة” جديدة “للتنسيق والتنفيذ”، متكونة من 9 أعضاء، ‏وتمّ تهميش عبان رمضان وتكليفه بإدارة جريدة “المجاهد”.‏

وقد قرر “بيان أول نوفمبر54” أنّ أول هدف يجب على الثورة السعي إلى تحقيقه، هو “إعادة بناء ‏الدولة الجزائرية المستقلة، الديمقراطية والاجتماعية في إطار المبادىء الإسلامية”. أمّا في “أرضية ‏الصومام” فنجد “دولة جزائرية في صورة جمهورية ديمقراطية واجتماعية، وليس إعادة بناء مملكة أو ‏حُكم تيوقراطي بالي”.‏

وبعد شهرين من انعقاد المؤتمر تمّ اعتقال أربعة من أعضاء” البعثة الخارجية” بعد تحويل طائرتهم. ‏ولمّا علمَ بن نبي بتلك ” الفروق ‏nuances‏ ” و “المصادفات” رأى أنّها في أبعد ما تكون عن البراءة. ‏فقد تراءى له من ذلك مخطط مدروس بإحكام لإفراغ الثورة من قِيَمِها. وقد ثار ضدّ التغيير الذي طرأ ‏على تنظيم الثورة التي لم تَعُدْ “نظاماً”، وضدّ إسناد رُتَبٍ عسكرية لـ “مُجاهدين”، وضد ” التحفيزات ‏المادية”، ويقصد بها الرواتب.‏

ومهما يكُن مِن أمْرِ أعمال بن نبي المنشورة، فإنّ مذكراته غير المنشورة ودفاتره هي التي نجد فيها ‏مشاعره الحقيقية وأفكاره. فقد كانت تلك الثورة في نظره بمثابة “زئير أسد، وكلمة الالتحام عند رفقاء بن ‏بولعيد، أبطال الفاتح من نوفمبر 1954. إنها الصرخة التي أرعبت الاستعمار لأنه انتبه إلى أنه ما دامت ‏صرخة “الله أكبر” مُدوِّيةً فإنّ روح الثورة باقية”.‏

ولذلك كان مُنشغلاً بأمر بن بلة أولاً وبعده عبان رمضان لمّا اقْتَرَحَا على المؤتمرين في الصومام تحويل ‏الثورة إلى منظمة كلاسيكية وتقليدية. وسيزداد انشغاله عندما يرى “مرضى الفكر” ‏intellectomanes‏ ‏‏- ذاكرا إياهم بأسمائهم – وهُمْ يتسللون إلى أعلى هرم سلطة الثورة. ومما كتبه في دفاتره بتاريخ 7 جانفي ‏‏1959: ” لقد فقدت الثورة روحها وماتت، لأنّ “الزعماء” جعلوا مِن المُجاهدين مُجرّد‎ ‎‏ أفراد “قناصة ‏tirailleurs‏.‏‎ ‎لم يبق من الستة التاريخيين حياًّ وطليقاً إلاّ كريم بلقاسم، إذ استشهد كل من ديدوش مراد ‏ومصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي، أمّا بوضياف وبيطاط فكانا في السِّجن.‏
نحن نعرف أنّ حياة بن نبي كلّها كانت شهادة على وجود قوى خفية لها وزنها في توجيه الأحداث ‏والأفكار والأشياء. فأنّى له أن يغفل عن أنّ الذين قُتِلوا فجأةً والذين اعتُقِلوا بسهولة لم يكونوا إلاّ حلقات ‏في مخطط موضوع مُسبقا لتوجيه الثورة إلى وجهة غير وجهتها الصحيحة ؟ وبناءً عليه فقد كان من ‏الطبيعيّ أن ينتمي بن نبي إلى أولئك الذين يرون أنّ عبان رمضان لم يكُنْ “صافياً”.‏
فهو يتحدث عنه في كتاب ” مشكلة الأفكار” كأنه شخص أدى دوراً كارثياً في الثورة. وفي الوقت الذي ‏كان فيه بن نبي يشتغل بتحرير كتابه هذا كان الفاعلون المباشرون في تلك الأحداث (عباس، لبجاوي، ‏دحلب، بن خدّة، ياسف سعدي، علي كافي)، وكذا الشهود المُقرّبون، لائذين بالصمت ولم يؤلفوا كتبهم ‏المعروفة إلاّ بعد فوات الأوان. أمّا المؤرخون مثل حربي فلم يكشفوا عن أرشيف الثورة آنذاك، ولا ‏الإدارة العسكرية الفرنسية عن أرشيفها.‏
لكنْ، هل كان بإمكان بن نبي أن يؤمن بتحاليل غير تحاليله التي سُكّتْ في سياق مُهلْوِسٍ، والتي تعتمد ‏أساساً على اعتبارات إيديولوجية وأخلاقية؟ فعبان رمضان كان ذا أفكار ماركسية ولائكية، ولم يكُنْ ‏يُخفي ذلك. لكنْ، هل يكفي ذلك لاعتباره خائناً؟ ويجب ألاّ ننسى أنه كان ذا مزاج صعب وعنيف، وذا ‏ميول تسلّطية، كما كان مُحتقراً لخصومه. وتلك حقائق أكّدها كلّ مَنْ كتب عنه (6).‏
ويروي خلفة معمري كل التفاصيل المتعلقة بعلاقات عبان رمضان المتدهورة مع معظم القادة، بدءاً بذلك ‏الرجل الذي أدخله إلى “حزب الشعب”، وهو عمر أوصديق، وكذا القائد الذي عيّنه على رأس “منطقة ‏الجزائر المستقلة”، وهو كريم بلقاسم “الذي وصفه يوماً بـ أغيول‎ ) ‎أي الحمار‎(‎‏ على مرأى ومسمع من ‏الجميع”، بالإضافة إلى أعضاء ” البعثة الخارجية “، وخاصة منهم بن بلة الذي اتّهمه بالخيانة، وعُقداء ‏الثورة “مثل بوصوف، وبومدين، وبن طوبال، وعميروش، إذ حدث أنْ وصفهم بأنهم “صعاليك”.‏
كان عبان رمضان يرى أنه الأجدر بقيادة الثورة، وهذا ما ولّد عند الطامحين الآخرين حذراً وتوجُّساً ‏شديديْن تُجاهه. وقد خصّهُ خلفة معمري بكتاب ثري بالتوثيق مُتحلِّيا بحيادٍ مثاليّ، إذْ لم يتردّدْ في الوقوف ‏مُطوَّلاً عند النقاط المُظلمة من حياته، والتي كانت مصدراً للتهمة الكبيرة التي أُلصِقَتْ به (7). ‏
أمّا سعد دحلب الذي كان مِن أقرب المٌقربين لدى عبان، كما كان مديناً له بالارتقاء في سُلّم السياسة، فقد ‏أنشأ يقول: “كان كثيراً ما يضعُنا أمام الأمر الواقع… وكان أشدّ ما يُثير حُنق كريم بلقاسم والعربي بن ‏مهيدي أن يرياه يتصرف وكأنه القائد”.‏
وُلِدَ عبان رمضان في بلاد القبائل سنة ‏‎1920‎، وتابع دراسته الابتدائية في مسقط رأسه، ثٌمّ في البليدة، ‏حيث نال شهادة البكالوريا، شعبة الرياضيات سنة 1942. وقد تابع كلٌّ مِن لمين دباغين وبن يوسف بن ‏خدّة وسعد دحلب دراستهم في نفس المؤسسة التي كان فيها عبان، وهُم الذين عيّنهم بعد ذلك في مناصب ‏حساسة: الأول على رأس ” البعثة الخارجية ” لـ”جبهة التحرير”، والثاني والثالث كعضوين في “لجنة ‏التنسيق والتنفيذ”. وقبل ذلك بسنوات كانوا جميعاً في “حزب الشعب”، حيث اكتشفوا النضال في ذلك ‏الحزب. ‏
وكانت الحرب العالمية الثانية، وكذا الأوضاع الاقتصادية المتردية في عائلته، ممّا منعه من متابعة ‏دراسته الجامعية. وقد جُنِّدَ في الجيش الفرنسي وأدى خدمته العسكرية في فور ناسيونال (الأربعاء ناث ‏إيراثن حاليا) غير بعيد عن قريته، ثُمّ في ” القناصة الجزائريين” (‏Tirailleurs algériens‏) في ‏البليدة، ولم يحصل له أن شارك في جبهات القتال، لكنه لم يُغادر الجيش الفرنسي إلاّ سنة 1946.‏
وعمر أوصديق (عضو في قيادة “حزب الشعب”) هو الذي أدخله إلى الحزب في الأربعاء ناث إيراثن. ‏ثُمّ تمّ توظيفه في بلدية شلغوم العيد المختلطة بين سنة 1946 وسنة 1947، وقد استقال من منصبه ‏‏(مثلما جرى لبن نبي عشرين سنة قبل ذلك، وفي نفس البلدية).‏
صار عضواً دائماً في حزب الشعب بمدينة سطيف، ودخلت حياته في إطار اللاّشرعية. كان عضواً في ‏المنظمة الخاصة التي أسست سنة 1947، لكن الشك يبقى قائماً حول انتمائه بالفعل إلى هذا التنظيم. ‏وفي سنة 1949 عُيِّن مسؤولاً على مستوى الولاية، ولم يتمكن خلفة معمري من تحديد الولاية التي عُيِّن ‏فيها وبقي مترددا بين سطيف وعنابة ومنطقة وهران. وهو يقول في ذلك: ” إن تعيين عبان رمضان ‏على رأس ولاية يطرح علينا إشكالاً نظير الإشكال الذي يطرحه انتماؤه إلى المنظمة الخاصة. تمّ اعتقاله ‏في ماي 1950، ولا يزال الشك دائرا حول مكان اعتقاله. ويسجل خلفة معمري ذلك قائلاً: ” إمّا أن ‏يكون في عين تموشنت أو في مستغانم، إذ لم يتم الفصل في أيِّهما”. ‏
ويُتابع المؤلف قائلاً: ” هناك عنصر يستحق الإشارة إليه. فأقاربه يُفيدُونَنَا بأنّ والده كان يتلقى إعانة ‏مالية مُقدرة بـ 15000 فرنك قديم… فهل هذا معقول؟ وليس من السهل الفصل في الأمر خاصة إذا أخذنا ‏بعين الاعتبار أن عبان لم يكن يتقاضى إلاّ خمسة إلى ستة آلاف فرنك كعضو دائم في حزب الشعب، ‏لكنه يُحتمل أن يكون راتبه قد ارتفع إلى ما بين 15 إلى 20 ألف فرنك عندما صار قائد ولاية”.‏
تمّ اكتشاف أمر المنظمة الخاصة في مارس 1950، واعتُقِلَ عبان في شهر ماي وأودِع سجن بجاية، ‏حيث صادق حارس يهودي اسمه أتلان ‏Atlan‏ (8) ” وكان يُعامل سجينه أحسن معاملة”، حسب ما ‏يقول خلفة معمري. وقد استُنطِق عبان على يد مُحافظي الشرطة الثلاثة الرئيسيين في الجزائر، وهم ‏محافظ وهران، ومحافظ قسنطينة ومحافظ الجزائر الذي يُدعى كوست ‏Costes‏ والذي قال في آخر ‏الاستنطاق” إنّ سجينه ذو ملمح قيادي، وقد يُصبح شخصية مرموقة”. وكان عبد الرحمن كيوان مُحاميه، ‏وهو صديق بن خدّة.‏
تمّت مُحاكمة عبان في شهر جويلية سنة 1951 وحُكِمَ عليه بخمس سنوات سجناً، وعشر سنوات منعاً ‏مِن الإقامة، وعشر سنوات حرماناً من الحقوق المدنية، وغرامة مالية مقدارها 500 ألف فرنك. ولمّا ‏حدثت حركة تمرّدية داخل السجن نُقِل إلى سجن بربروس. وفي مطلع سنة 1952 حُوِّل إلى فرنسا ‏حيث وجد نفسه وحيداً في سجن الألزاس. وعند ذلك دخل في إضراب عن الطعام لمدة 33 يوماً، وتمكّن ‏من تسريب رسالة من السجن مُوجّهة إلى رفقائه في النضال. وتضمنت الرسالة فضحاً لظروف حبسه، ‏حيث يقول: ” لا شيء يدعوكم إلى الشعور بالخجل بسببنا. إننا لم نُفرِّط في واجبنا أبداً. وهدفنا الوحيد ‏هو الخروج ومواصلة المعركة التي ستكون أشدّ مرارةً مِنْ أيِّ وقتٍ مضى”.‏
وبعد نشر هذه الرسالة في وسائل الإعلام أُنْهِيَتْ مهامّ مدير السجن، وحُوِّلَ عبان إلى جنوب فرنسا ‏بصفته معتقلاً سياسياًّ. كان يتلقى كل البريد الذي يُفيده بكلّ ما يجري داخل حزب الشعب الذي كان يمرّ ‏بأزمة حادّة. وفي خريف سنة 1954، بينما كانت الثورة قد اندلعت منذ مدة قصيرة، أُعيدَ إلى الجزائر ‏‏(الحراش).‏
تمّ إطلاق سراحه في جانفي 1955 قبل نهاية المدة التي حُكِمَ عليه بقضائها في السجن بخمسة اشهر. وقد ‏أنشأ خلفة معمري يقول في ذلك: ” كيف لا نُفاجأ بهذا الإفراج الذي أتي في وقت كانت فيه الجزائر آخذةً ‏في الاشتعال…؟ ولم تمنعه الإقامة الجبرية التي تفرِض عليه الحضور إلى ثكنة الدرك في الأربعاء ناث ‏إيراثن، مِنْ الالتحاق هو كذلك بمعركة التحرير التي كان يتمنى المشاركة فيها منذ زمن بعيد، لكن ‏الفرصة لم تُتَحْ له”.‏
عاد عبان إلى مسقط رأسه “عزوزة”. وبعد ذلك بأسبوع واحد اتصل به سليمان دهيلس وعمار ‏أوعمران، وهما اللذان سيكونان من عقداء الثورة مستقبلاً، فقد كلّفهما كريم بلقاسم بإعلام عبان بأنه ‏يقترح عليه أن يتولى منصب نائب لرابح بيطاط، مُكلّف بالإعلام والدعاية في ناحية الجزائر العاصمة.‏
وهكذا التحق عبان رمضان بالجزائر في أوائل مارس من سنة 1955، وصار مُقيماً عند بعض ‏المناضلين. وقد تمّ اعتقال بيطاط في ذات الشهر، كما كاد أن يُعتقل هو وكريم في نفس الوقت مع ‏بيطاط، ذلك أنهم جميعا كانوا ضحية خائن استدرجهم إلى فخّ نصبته لهم الشرطة. ولحسن حظ كريم ‏وعبان أنهما لم يحضرا للموعد الذي ضُرِبَ لهما في القصبة.‏
وعن كل هذا يقول خلفة معمري: ” وجد عبان نفسه، بضربة حظ وبدافع الضرورة، مُقدّراً عليه أن ‏يتحمل عبء المسؤولية الكبرى. وقد كثُرَ اللغط حول الظروف التي أحاطتْ بهذه الترقية. فهل كان راغباً ‏فيها، وهل فرض نفسه، وهل تمّ فرضُه، وماذا كان سيحدث لو لم يُعتقَل بيطاط؟ وهل كان هناك مُرشّح ‏آخر لخلافة بيطاط، مثل سويداني بوجمعة الذي كان نائباً له؟ هي أسئلة كثيرة قد تخطر بالبال، لكنها ‏ليست ذات أهمية في أيامنا هذه لأنّ الجزائر العاصمة منذ اعتقال بيطاط صارت بين يدي رجُلٍ قلّ أن ‏نجد لوزنه نظيرا”.‏
ولم يكُنْ عبان موافقاً على العمل المسلح في الجزائر العاصمة، إذ كان شديد الحذر حيال المجموعات ‏التي شكّلها ياسف سعدي ومختار بوشفة. وقد تقلّد رتبة ” مندوب وطني لجبهة التحرير”، وانبرى يعمل ‏على لمّ شمل كل القوى السياسية ( المركزيون، والعلماء، وأنصار فرحات عباس، والشيوعيون…). كما ‏كان وراء انطلاق عملية تأسيس المنظمات الوطنية الكبرى ( التجار، العمال، الطلبة…)، وطلب من ‏مفدي زكرياء أن يكتب النشيد الوطني الجزائري.‏
وهذا ما أدّى إلى انتقاده، خاصة من قِبَل العقيد علي كافي ـ الذي سيكون عضواً في المجلس الأعلى ‏للدولة بين 1992 و 1994 والذي سيتهمه في مذكراته بأنه ساعد على احتلال أنصار فرحات عباس ‏والمركزيين أماكن في أعلى هرم الثورة، وأنه غيّر روح الثورة من أجل الاستعداد لمفاوضة فرنسا. ‏وحسب ما جاء في هذه المذكرات، فإنّ العقيد عميروش قد أثبت بالدليل أن عبان كان على اتصال سري ‏مع فرنسا (9).‏
لكن خلفة معمري يردّ على علي كافي قائلاً: ” إنّ جمع القوى الوطنية لإشراكها في معركة التحرير لم ‏يكن أمراً سهلاً. فقد جرى على خلفية أزمة لم يسبق لها نظير، ولم تحصل تسويتها، كما أنه جرى في ‏خضم تمزقات وقطيعات بين مختلف التشكيلات السياسية. فالمناوشة كانت في أبعد ما تكون عن نهايتها. ‏وكثير من الجزائريين الذين شهدوا تلك الفترة، لا يزالون يجدون صعوبة في تقبل فكرة إدخال إطارات ‏ومناضلين منتمين إلى تنظيمات تقليدية، وبصفة فردية، إلى صفوف جبهة التحرير أيام الحرب. فكلامهم ‏يدلّ على أن الثورة قد عُرقلت مسيرتها على أيدي العناصر المعتدلة التي لم تكن تؤمن بالثورة. وأكثر ‏من ذلك، فإن تلك العناصر قد حاربت الثورة بشكل غير مباشر، أو أخّرتْها، أو أضعفتْها بإقناع السلطات ‏الفرنسية بأن هناك إمكانية لإيجاد حلّ مِن قبيل “القوة الثالثة”… فإنّ التحاق تلك العناصر بالثورة في ‏وقت متأخر كان على الدوام مصدراً للشك عند أولئك الذين لا يُخفون عداءهم للتجميع الذي حصل… لقد ‏كان يكفيهم أن تُمنح لهم فرصة الالتحاق بالثورة، فذلك بحد ذاته شيء كثير. أمّا أن يصيروا قادة، فذلك ‏عين الخيانة في حق تلك الثورة… وهذا ما عوتِبَ به عبان رمضان”. وبن نبي كان مِن أولئك المُعاتِبين.‏
ويروي خلفة معمري أن عبان قال لفرحات عباس عندما التقى به في فيفري 1956: ” إن جبهة التحرير ‏ليست ملكاً لأحد، فهي ملك للشعب الذي يُقاتل. والفريق الذي فجّر الثورة لا يحق له أن يدّعي ملكيتها بأي ‏شكل من الأشكال. ولو أن الثورة لم يُشارك فيها الجميع فإنها ستفشل بلا شك… ولا يحق لأحدٍ أن ‏يُقاضيكُمْ. فهناك مُتّسع لكل واحد في هذه الثورة التحريرية… وإنّ انضمامكم إلى جبهة التحرير سيُعطي ‏دفعا قوياًّ للقوى الشعبية”.‏
ولمّا التقى عبان بفرحات عباس ثانية بعد شهرين، في وقت كان فيه هذا الأخير يستعد للسفر إلى مصر ـ ‏وعمره آنذاك 57 سنة، بينما كان عبان في 37 من عمره ـ واجهه عبان بهذا الكلام الذي هو نظير ‏توجّهات مالك بن نبي بالتمام والكمال: ” يجب ألاّ نسمح لأيٍّ كان أن يشعر بأنه هو الثورة أو أن ‏يُشخّصها بنفسه. فالثورة يجب أن تبقى من إنجازات الشعب السيّد. وإلاّ فإنّ هذا الشعب سينتقل من ‏استعمار إلى استعمار آخر، ومن عبودية إلى عبودية أخرى”.‏
ماذا يجب أن نفهم من هذه الكلمات؟ أهو الشعور بالأضرار الجسيمة التي يمكن أن تنجم عن طغيان ‏نزعة الزعامة، أم أنها مناورة هادفة لنزع الثقة من “الموجودين في الخارج” ؟ إنّ الفصل في ذلك قد ‏يوقعنا في مغبة الأحكام المُغرِضة.‏
كان عبان مِن جهته يؤاخذ البعثة الخارجية ـ قبل أن يُجري عليها تعديله ـ على عدم تزويد الجبهة ‏الداخلية بالأسلحة، ويؤاخذ أعضاء البعثة على أنهم لاذوا بتأمين أنفسهم بعد أن (أشعلوا الفتيل). لكنه هو ‏نفسه، وكذا بقية أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ، لن يمرّ عليهم زمن طويل حتى يجدوا أنفسهم قد غادروا ‏الجبهة الداخلية وفرّوا إلى الخارج بعد اعتقال العربي بن مهيدي. وهم بذلك يكونون قد خرقوا مقررات ‏مؤتمر الصومام التي أعطت الأولوية للداخل على الخارج.‏
شعر ياسف سعدي بامتعاض شديد عندما علم بأن أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ اتّخذوا قرار مُغادرة ‏التراب الوطني، وهو الذي كان يُنكِرُ أنْ يكون لتلك اللجنة أيُّ دورٍ في “معركة الجزائر”. ويقول في ‏ذلك: ” لقد اختاروا الفرار من ساحة القتال في خضمّ الإضراب العام، أو بسببه. لقد فقَدَتْ لجنة التنسيق ‏والتنفيذ الإشعاع الذي جاءت به من مؤتمر الصومام، وغادرت الساحة مُطأطأة الرأس. وسيكون من ‏نتائج هذه السابقة: أوّلاً، إنّ الآلاف من الجزائريين الفارين من الحرب لن يجدوا أية ضرورة لتبرير ‏سلوكهم لدى جبهة التحرير في الداخل… وستكون مُحاولة تشكيل ما يُسمّى بجيش الحدود من صفوة ‏أولئك الفارين وهم مُحتمون بالحدود التونسية. ثانياً، يُعدّ عبان رمضان أكبر الخاسرين من هذا الفرار ‏المتسرع، إذ تدحرج من منصب رئيس حكومة ثورية، وهو يتمتع بكل الصلاحيات لتوجيه الثورة إلى ‏شاطىء الأمان، إلى مستوى مدير جريدة” (10).‏
وسيعترف أحد أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ ، وهو بن خدة، أربعين سنة بعد ذلك بأن أكبر خطإ ارتُكِب ‏في الثورة هو تحويل قيادتها إلى الخارج. ويقول عن ذلك: ” تشكلت تبعاً لذلك بيروقراطية سياسية ‏وعسكرية مقطوعة عن الداخل وحيثياته اليومية. وهذا ما فتح المجال للوصولية والانتهازية ومُحاباة ‏الأقارب. وكل ذلك يعود في الأصل إلى خروج لجنة التنسيق والتنفيذ سنة 1957. فكان ذلك القرار ذا ‏نتائج وخيمة. وذلك الجهاز الذي تشكل في الخارج هو الذي سيستولي على السلطة سنة 1962 ويُصادر ‏الثورة لصالحه. وكانت قيادة الأركان المقيمة في الخارج أضلّ وأكثر زيغاً من الحكومة المؤقتة. فلقد ‏انقسم جيش التحرير إلى قسمين: جيش الحدود الغربية والشرقية، وجيش الداخل، وكان خط موريس ‏فاصلاً بينهما (11).‏
استُدرِجَ عبان رمضان بتاريخ 27 ديسمبر 1957 إلى أحد الأماكن في تيطوان المغربية، واغتيل على ‏أيدي زملائه في لجنة التنسيق والتنفيذ. وسيعزو فرحات عباس في وقتٍ لاحقٍ هذا الاغتيال إلى ” الحقد ‏الذي كان يُكِنُّهُ الأُمِّيون لمن يُحسن القراءة والكتابة. فالغيرة والحسد هما المرضان اللذان كانا ينهشان ‏جسد الثورة الجزائرية… وبلاد المغرب كانت في كل مراحل تاريخها تقطع رأس المجتمع بالقضاء على ‏نُخبه من أجل العودة إلى نقطة البداية. وهذا هو السبب في أن بلادنا بقيت راكدة ولم تتطور أبداً” (12).‏
ويبدو أنّ عبان قد حوكِمَ غيابياًّ قبل أنْ يُقْتَلَ، وهذا بالاستناد إلى شهادة كريم بلقاسم. كما يبدو أنّ التهمة ‏التي أُلْصِقَتْ به هي انكبابُهُ على عمل يهدف إلى التفرقة، وكذا التآمُر مع رائدٍ من جيش التحرير مِن ‏أجل الإطاحة بلجنة التنسيق والتنفيذ الجديدة (13)‏
المفاوضات:‏
كثيراً ما أوخِذَ عبان رمضان على أنه أراد أن يتفاوض مع الفرنسيين في وقتٍ مبكّر. وكما هي الحال في ‏كلّ الصراعات، فإن التفاوض رغبة مشتركة بين طرفي الصراع، ولا مجال للاختلاف إلاّ في السوابق ‏والشروط. ومبدأ التفاوض وموضوعه قد طُرِحا بوضوحٍ حتى قبل اندلاع المعركة المُسلّحة، وذلك في ‏وثيقة بيان أول نوفمبر 1954. ‏
وفي هذا الإطار التقى فانسان مونتاي، رئيس الديوان العسكري للحاكم العام جاك سوستال، بمصطفى بن ‏بولعيد في زنزانته بعد اعتقاله منذ بضعة أيام، كما التقى بكلّ من كيوان وبن خدة في سجن بربروس. ‏وفي شهر جوان من نفس السنة اقترح فرحات عباس على عبان رمضان، بحضور العقيد أوعمران، أن ‏يُجري اتصالات في باريس التي هو مسافر إليها من أجل ” محاولة إيقاف هذه الحرب التي ستكون ‏كارثية على الجميع. فهل تسمحون لي بالاتصال بمسؤولين فرنسيين من أجل مفاوضات محتملة؟”. ‏فأجابه عبان: ” نحن موافقون، شرط أن يمرّ هذا التفاوض على جبهة التحرير”.‏
التقى فرحات عباس في باريس بكلّ أطياف السياسة الفرنسية (بورجو، منداس فرانس، ميشلي، هامون، ‏بينو، الماريشال جوان، الرئيس رينو، بليفن، فيولات، شومان، دوبري، سوستال، فور، بورجاس ‏مونوري، ميتران… إلخ)، لكنه لم يتبيّن أية إرادة سلمية من الجانب الفرنسي، بل على عكس ذلك، كان ‏الجميع يستعد للحرب الشاملة.‏
وبعد ذلك بشهرين اندلعت أحداث 20 أوت في سكيكدة، وأسفرت عن مقتل 72 أوروبياًّ وتقتيل 12000 ‏جزائري. وقد بادر بن جلول بإصدار (مذكرة) باسم 61 مُنتخباً جزائرياًّ، وذلك بعد مقتل أخيه على أيدي ‏المُعمرين في واد زناتي (بالشرق الجزائري). وهي المذكرة التي جاءت مُنددة بالقمع الفرنسي، ومُعبِّرة ‏عن نية المنتخبين في التخلي عن دورهم كسندٍ لسياسة الإدماج. وهكذا لم يبق لفرنسا أي طرف تعتمد ‏عليه، إذ صار الجزائريون كلُّهم ضدّها. أمّا في الجزائر العاصمة فقد التقى محمد لبجاوي بجاك شوفاليي، ‏رئيس بلدية الجزائر (14)، في سرِّيّة. وفي أواخر نوفمبر 1955 أسَرّ سوستال لماسينيون بما يأتي: ” ‏إنّ مصالي هو ورقتي الأخيرة” (15).‏
تشكلت الحكومة الفرنسية الجديدة تحت رئاسة جي مولي في شهر فيفري 1956. ولمّا زار رئيسها ‏الجزائر اقتنع بأنّ فرنسيي الجزائر كانوا في أبعد ما يكونون عن السعي إلى تحقيق السلم. تمّت المُصادقة ‏على “الصلاحيات الخاصة (‏pouvoirs spéciaux‏)‏‎ ‎‏” في شهر مارس من أجل “سحق التمرُّد”. وفي ‏تلك الأثناء جرى اللقاء الثاني بين عبان رمضان وفرحات عباس الذي كان برفقته بومنجل. وقد طلب ‏منهما عبان حلّ حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والالتحاق بالوفد الخارجي لجبهة التحرير ‏في القاهرة.‏
في شهر أفريل قام الحزب الاشتراكي الفرنسي (‏SFIO‏) الذي كان في الحُكم، بإيفاد جورج جورس إلى ‏القاهرة من أجل الاتصال بمحمد خيدر، ثُمّ إيفاد بيار كومان إلى سويسرا من أجل الالتقاء بعبد الحفيظ ‏بوصوف. أمّا في الجزائر العاصمة فقد استقبل عبان وبن خدة المُحامي شارل فيرني، وهو من المقرّبين ‏من منداس فرانس. وجرى اللقاء بحضور أندري مندوز. كما جرت لقاءات أخرى من جويلية إلى ‏سبتمبر في بلغراد وفي روما بين مبعوثين جزائريين وفرنسيين، لكنها لقاءات لم تُكلَّلْ بأي نجاح. ثُمّ ‏توقفت الاتصالات بين طرفي النزاع بعد تحويل الطائرة التي كان على متنها الزعماء الجزائريون ‏المعروفون في شهر أكتوبر سنة 1956 (16).‏
ومرّ عام كامل قبل أن تعود تلك الاتصالات بواسطة جاك شوفاليي، جان عمروش، أوليفيي قيشار، عبد ‏الرحمن فارس وفرحات عباس، لكنها لم تؤثر في مجرى الأحداث (17). وسيصرّح بن بلة في وقت ‏لاحقٍ لكاتب سيرته، روبار ميرل قائلاً: ” كُنّا قد أجرينا اتصالات مع حكومة الرئيس جي مولي منذ ‏عام، مُحاولةً منّا لوضع حدٍّ لحرب الجزائر باتفاقية مبنية على التفاوض. وفي هذا الإطار جرت خمس ‏لقاءات: لقاء واحد في القاهرة، ولقاءان في بلغراد، ولقاءان في روما. وقد استغرق اللقاء الأخير جزءاً ‏كبيرا من شهر سبتمبر 1956″ (18).‏
ولمّا دُعِي الجنرال ديغول للعودة إلى العمل السياسي في جوان 1958 شرع في فتح باب التفاوض ‏بطريقة سرِّيّة، لكن دون أن يُهمِل المجهود الحربيّ. وكان مبعوثوه ووسطاؤه الذين يثق فيهم هم: جورج ‏بومبيدو، إيدموند ميشلي، روبار بورون، روني برويي، عبد الرحمن فارس وجان عمروش. لكن ‏الشروط التي اشترطها لنجاح المفاوضات كانت غير مقبولة لدى الجزائريين.‏
ومِن الأفكار التي حاول نشرها فكرة “سلم الشجعان”. لكن الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها فرحات ‏عباس رفضت الاقتراح. وفي تلك الأثناء لم تتوقف الحكومة الفرنسية عن السعي إلى إيجاد “قوة ثالثة” ‏للالتفاف حول جبهة التحرير وجيشها. ومضى عام كامل من المعارك الطاحنة ثُمّ أعلن ديغول بتاريخ ‏‏16 سبتمبر 1959 عن نيته في تنظيم استفتاء حول تقرير المصير للجزائر، لكن الصحراء مُستثناة.‏
ونتيجة لذلك نشبت مواجهات عنيفة في الجزائر وفي فرنسا، وقد تسبب فيها أنصار الجزائر الفرنسية. ‏هذا بالإضافة إلى أصوات غاضبة داخل الجيش الفرنسي. أما الحكومة المؤقتة فردّت عن ذلك بتاريخ ‏‏29 سبتمبر انطلاقاً من تونس، بأنّ الاستفتاء يجب أن يجري بعد جلاء الجيش الفرنسي، وبأنّ الصحراء ‏جزء لا يتجزّأ من الجزائر التي لا تصبو إلاّ إلى الاستقلال. وبتاريخ 14 جوان 1960 توجّه ديغول ‏لأول مرة مباشرة إلى “قادة الثورة” مُعلناً: ” إننا ننتظرهم هنا من أجل إيجاد نهاية مُشرِّفة للمعارك”.‏
قبلت الحكومة المؤقتة هذا المُقترح وأوفدت أحمد بومنجل ومحمد بن يحي إلى مولان ‏Melun‏. وكان ‏لقاؤهما مع الجنرال روبار دو جاستين، والعقيد ماهون، وروجي موريس. وبعد بضعة أيام من المناقشات ‏قررت فرنسا إيقاف التفاوض لأنها فشلت في تمرير شروطها المسبقة على الوفد الجزائري(خاصة ما ‏تعلّق بإيداع الأسلحة).‏
وفي آخر تلك السنة وقعت مظاهرات، بتاريخ 10 و 11 ديسمبر، حيث انهمرت الجماهير الجزائرية ‏على الشوارع بغرض توجيه رسالة واضحة إلى دوغول الذي كان في جولة عبر مختلف مدن الجزائر. ‏وقد أدى القمع إلى مقتل مئات الجزائريين على أيدي عناصر الجيش الفرنسي في عدة مدن. لكن ديغول ‏كان قد فهم أخيراً أنه لن يستطيع فعل أي شيء لإبقاء فرنسا في الجزائر.‏
صادقت الجمعية العامة لهيئة الأمم على لائحة مؤيدة لحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره. وفي ‏الثامن جانفي 1961 جرى في فرنسا ذلك الاستفتاء الذي كان أمنيةً عند البعض، لكنه كان كابوساً عند ‏البعض الآخر. وقد صوّتت أغلبية فرنسيي فرنسا لصالح تقرير المصير، بينما صوتت نسبة 72‏‎%‎‏ من ‏فرنسيي الجزائر ضدّه. ‏
في شهر فيفري 1961 جرى لقاء آخر بين بومنجل وبولحروف من جهة، وجورج بومبيدو من جهة ‏أخرى. وقد سُجِّل تقدُّم إيجابي في المفاوضات لأول مرة. ولهذا قرر ديغول هدنةً أحادية الطرف. وأثناء ‏ذلك ظهرتْ منظمة إرهابية، وهي ‏l’OAS، لترتكب سلسلة من الأعمال الإرهابية المجانية في فرنسا ‏وفي الجزائر. وكان على رأسها جنرالات فرنسيون. وفي شهر ماي انطلق شوط جديد من المفاوضات ‏في إيفيان التي سرعان ما اغتيل رئيس بلديتها كاميل بلان ‏Camille Blanc‏ من طرف ‏l’OAS‏.‏
كان كريم بلقاسم يرأس الوفد الجزائري المتكوّن مِن أحمد فرنسيس، أحمد بومنجل، وضابطيْن من جيش ‏التحرير. وبعد ثلاثة أسابيع من الأخذ والرّد بقيت المفاوضات تتعثر بسبب مسألة وحدة التراب الوطني ‏الجزائريّ، لكنها انطلقت ثانيةً في أواخر جويلية في لوقران ‏Lugrin‏.‏
في شهر اوت وقد جرى تعديل في تشكيلة الحكومة المؤقتة، إذ عُوِّض فرحات عباس بابن خدة. وفي ‏شهر أكتوبر أعلن ديغول أنه يقبل بشروط الجزائريين، وهي: تقرير المصير، الاستقلال، وحدة التراب ‏الوطني. وعُقِدَتْ اللقاءات مُجدداً في فيفري 1962 في ليروس ‏Rousses، وكُلِّلتْ باتفاقيات إيفيان ‏الشهيرة في الثامن عشر من شهر مارس سنة 1962.‏
دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في التاسع عشر مارس. وتشكلت “هيئة تنفيذية انتقالية” بتاريخ 08 ‏أفريل في بومرداس. وفي الثامن أفريل تمت المصادقة على الاتفاقيات بالاستفتاء العام. وفي 03 جويلية ‏أُعْلِنَ عن استقلال الجزائر، ورُفِع العلم الجزائري، بينما عاد العلم الفرنسي إلى بلاده. ‏
‏(يُتبع).‏
المراجع:‏

‏1)‏ ‏”شاهد على اغتيالات الثورة”، دار النشر الأمة، الجزائر، 2000.‏
‏2)‏ سعد دحلب :” الواجب المؤدى”، منشورات دحلب، الجزائر العاصمة 1990‏
‏3)‏ يذكر بن يامين ستورة و ز. داود في كتابهما المشترك تقريراً للمخابرات العامة الفرنسية بتاريخ 18 ديسمبر ‏‏1956، حيث نقرأ: “هناك جماعة آخذةٌ في البروز شيئاً فشيئاً في “جبهة التحرير” بفرنسا. وهي تتضمن مجموعة ‏من المثقفين الذين كانوا أعضاء في “اتحاد البيان” ‏UDMA، ثُمّ اقتدوا بفرحات عباس الذي التحق ب”جبهة ‏التحرير” في القاهرة. وعلى رأس هذه الجماعة بومنجل، وهو محامي في باريس ومستشار للاتحاد الفرنسي، إلى ‏جانب يعلاوي، موظف في التأمينات، وكذا بعض الفرنسيين المسلمين من الأطباء والصيادلة، وعاملين في حقل ‏التعليم، وهم حديثو عهد بالمجيء من الجزائر. ولهذه الجماعة اتصال بجماعة أخرى بواسطة الطلبة الذين أقام معهم ‏علاقات حميمية فكرية، ومن الطبيعي أن تكون كذلك، لكن القادة الحقيقيين لفيدرالية “جبهة التحرير” بفرنسا ‏يتحرّون الحيطة والحذر تُجاه هذه الجماعة لأنّ أعضاءها كانوا ينتمون بالأمس القريب إلى حزب معروف بمُجاملته ‏للإدارة”. المرجع نفسه.‏
‏4)‏ استُقبِلَ علاوة عميرات في مقر “الحكومة المؤقتة ” بالقاهرة، وهو عضو في “مُمثلية جبهة التحرير” بلبنان. كان ‏مُتّهماً بأنه أدلى بتصريحات جارحة في حق بعض أعضاء “الحكومة المؤقتة”، فنشبت بينه وبين فرحات عباس ‏مناوشة كلامية حتى صفعه هذا الأخير. وبعد 48 ساعة وُجِدَ مقتولاً أمام مقر “الحكومة المؤقتة.” وأثناء التحقيق ‏الذي أجرتْهُ الحكومة المصرية وُجِدت في محفظته وثائق ـ “موضوعة بين صفحات كتابي “النزعة ‏الأفروآسيوية””، حسب ما جاء في دفاتر بن نبي ـ فصادَرَتْها.‏
‏5)‏ نَشَر بن خدّة الحسابات الآتية والخاصة بالفترة التي كان فيها يشغل منصبي رئيس الحكومة المؤقتة ووزير المالية: ‏
‏” صبّت “الحكومة المؤقتة” في الفترة ما بين 24 سبتمبر 1961 و 30 جوان 1962 لمختلف أقسام “جبهة ‏التحرير” و”جيش التحرير” مبلغاً قدره 12 مليار تقريباً. وقد وُزِّع هذا المبلغ حسب النّسب الآتية:‏
قيادة الأركان العامة: ‏‎45,81%‎
وزارة التسليح والعلاقات العامة ‏MALG‏: ‏‎25%‎
وزارة الداخلية: ‏‎16%‎
الولايات: 7.3‏‎%‎
وزارة الشؤون الخارجية: ‏‎1,95%‎
وزارة الإعلام: ‏‎0,80%‎
رئاسة الحكومة المؤقتة: ‏‎0,20%‎
وفيما يتعلق بما يُسمى بـ “خزينة جبهة التحرير”، يقول بن خدة: “عندما جاء “المكتب السياسي” خلَفاً ل”لحكومة ‏المؤقتة “في أوت سنة 1962، كانت المالية تحت مسؤولية الأمين العام ومسؤول الخزينة ب”جبهة التحرير”، وهو ‏محمد خيدر، وذلك بناءً على أمْرٍ أصْدرتُهُ بنفسي لمختلف المؤسسات البنكية المتكفلة بالعمليات المالية لل”حكومة ‏المؤقتة”. وعند ذلك صارت بين يدي خيدر كل الأرصدة المودعة في البنوك السويسرية وغيرها، وقيمتها ستة ‏ملايير فرنك، من بينها ‏‎4,7‎‏ مليار بالعملة الصعبة”.‏
‏(ارجع الى بن يوسف بن خدة “: الجزائر بعد الاستقلال: أزمة 1962″، منشورات دحلب، الجزائر العاصمة ‏‏1997)‏
وقد أُعْدِم خيدر بتاريخ 3 جانفي 1967 في مدريد.‏

‏6)‏ ومنهم بصفة خاصة:‏
سعد دحلب: مرجع مذكور آنفاً.‏
بن يوسف بن خدة: مرجع مذكور آنفاً.‏
فرحات عباس: مرجع مذكور آنفاً.‏
ب. ستوره، و ز. داود: مرجع مذكور آنفاً.‏
عمار حمداني: ” كريم بلقاسم، أسد الجبال” منشوارات بالان ، باريس 1973.‏
ياسف سعدي: ” معركة الجزائر”، 3 أجزاء). منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1997.‏
‏7)‏ ارجع الى “عبان رمضان، حياة من أجل الجزائر”، منشورات خلفة معمري، الجزائر العاصمة 1996‏
‏8)‏ هل توجد علاقة بين هذا الرجل ورسام قسنطينة الذي يحمل نفس اسم، والذي عاشره بن نبي وبن ساعي في باريس ‏خلال الثلاثينيات؟ فهذا الرسام، واسمه جان ميشال أتلان (1913-1960) كان معروفا باهتمامه بالغيبيات التي ‏انعكست على أعماله الفنية.‏
‏9)‏ ‏”مُذكرات الرئيس علي كافي”، القصبة، الجزائر، 1999.‏
‏10)‏ ارجع الى ياسف سعدي:” معركة الجزائر” المجلد 3 منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1997‏
‏11)‏ ‏” أزمة 1962″ المذكورة انفا‏
‏12)‏ فرحات عباس:” الاستقلال المصادر”‏
‏13)‏ ارجع الى عمار حمداني:” كريم بلقاسم، أسد الجبال” المذكور انفا
‏14)‏ ارجع الى محمد لبجاوي ” حقائق حول الثورة الجزائرية” منشورات غاليمار، باريس 1970‏

‏15)‏ ذكر لدى كلود و فرانسيس جونسون “الجزائر خارج القانون”، منشورات سوي ، باريس 1955‏

‏16)‏ نشرت الجريدة الناطقة باسم جمعية العلماء بتاريخ 20 جانفي 1956 بياناً جاء فيه: ” تُهنِّىء جمعية العلماء ‏الجزائريين الشعبين المغربي والتونسي على قتالهما المُشرِّف ضدّ الاستعمار والأمبريالية، وتُعلن أنّ الوضع ‏الاستعماري هو المسؤول الوحيد عن الشرور التي تنهش جسد هذه البلاد منذ سنة 1830، وتُطالب باستقلال الجزائر ‏في إطار احترام مصالح الجميع والمحافظة على حقوق كلّ طرف، وتُلزِمُ الحكومة الفرنسية بالتفاوض مع ممثلي ‏الشعب الجزائري الحقيقيين من أجل تحقيق هذا المسعى”.‏
وبعد ذلك بمدة قصيرة توضح الجمعية موقفها أكثر: ” إن القتال لن يتوقف إلاّ إذا صارت الجزائر وطناً مُستقلاًّ بعد ‏أن تلتزم الحكومة الفرنسية باحترام تطلُّعات الشعب الجزائري إلى الكرامة والاستقلال. فيجب أن يبدأ الحوار مع ‏المُقاتلين الذين يتحملون كلّ الأعباء، أو مع ممثِّليهم الشرعيين. والكلمة الآن لأولئك المُقاتلين، وليست للذين يرتادون ‏الصالونات”. ونتيجة لذلك منعت السلطات الاستعمارية جريدة البصائر من الصدور ابتداءً من شهر أفريل من نفس ‏السنة. ‏

‏17)‏ كانت جيرمان تيون في الجزائر العاصمة خلال شهر جوان سنة 1957 في مهمة مساعي حميدة، واستُقبِلَت من ‏طرف ياسف سعدي وعلي لابوانت والزهرة ظريف. وقام ياسف سعدي بإخبار لجنة التنسيق والتنفيذ المتواجدة في ‏تونس بذلك اللقاء. لكن المبعوث الذي كلّفه بإيصال الخبر تمّ “تحويله” على يد المخابرات الفرنسية، ليصير ذلك ‏المبعوث، رفقة خائن آخر، سبباً في تفكيك شبكات المُقاومين في الجزائر العاصمة، وفي اعتقال ياسف سعدي ‏واستشهاد علي لابوانت وحسيبة بن بو علي، والطفل عمر، ورامل، وكثيرون غيرهم من أبطال “معركة الجزائر”.‏

‏18)‏ ارجع الى “أحمد بن بلة”، منشورات غاليمار، باريس 1965‏

You may also like

Leave a Comment