Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (26)‏

حياة مالك بن نبي (26)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

انعقدت الندوة الثانية للبلدان الأفروآسيوية في القاهرة شهر ديسمبر سنة 1957. وكان بن نبي يظن مُحِقاًّ ‏أن مسؤولي “جبهة التحرير” بالقاهرة سيوفدونه لتمثيل الجزائر بالنظر إلى كفاءته في هذا المجال. لكن ‏ظنه سيخيب بعد وقت وجيز.‏
في 12 جانفي، وكرد فعلٍ على ذلك كتب لهم رسالة انتقامية ليُعْلِمَهم أنه قد شارك في أشغال الندوة رغماً ‏عنهم، لا كجزائريّ، وهذا ما تأسف له، بل كضيف شخصيّ لرئيس الدورة، وهو أنور السادات. ومما ‏جاء في تلك الرسالة: “هكذا إذاً، أيّها السادة ممثلي “جبهة التحرير” في الخارج، أعجبكُمْ ألاَّ يُمثِّلَ مُؤلِّف ‏‏”النزعة الأفروآسيوية” الجزائر في أي نقاش. لم تُفكِّروا حتى في أخذ رأيه الاحترافيّ حول تحرير ‏العرض الذي قرأتموه في الجمعية العامة والخاص بالوضعية في الجزائر… لقد فعلتم ما كان بوسعكم ‏لتُبعِدوا مؤلف “النزعة الأفروآسيوية” من محفل الشعوب الأفروآسيوية… أرجوكم أنْ توقِفوا صرفَ ‏الإعانة الشهرية التي تفضلتم بإرسالها لي إلى حدّ الآن: فأنا لا أريد أن تكون في أعينكم دليلاً على تلبّسي ‏معكم أو مُحاباتي لكم في وضعية تبدو لي غير‎ ‎عادية”. ‏
وبعد بضعة أيام أرسل له أنور السادات نسخة من مقال مُوجّه إلى المجلة السوفياتية “أنترناشونال ‏أفيرز” ‏International Affairs ‎، وفيه تقييم لنتائج الندوة، وتعظيم لبن نبي بنبرة تدُلّ على مدى ‏تطابق أفكار السادات مع أطروحاته. لكن نظام جمال عبد الناصر سيشرع في العمل على إطفاء شعلة ‏كتاب وإبعاد كاتبه عن كل عمل أو تظاهرة ذات علاقة بهذا الموضوع. وكانت قيادة “جبهة التحرير” ‏سائرة على نفس النهج.‏
وبتاريخ 8 فيفري 1958 نشرت يومية “الأهرام” برقية لتُعلِن عن تعيين مالك بن نبي كمستشار في ‏أمانة المؤتمر الإسلاميّ. والواقع أنّ تلك الوظيفة التي راتبُها الشهري هو 47 ليرة لم تكن إلاّ وظيفة ‏شرَفية. وكان أنور السادات على رأس هذه المؤسسة التي تضمّ أشهر العلماء وأبرز الشخصيات ‏السياسية المصرية. لكن بن نبي لم يكن يرى فيها إلاّ “وسائل مُسخّرة بدون هدف، ورجالاً بدون مهمة”.‏
ونظراً لشدة انتباهه لما يحدث على الساحة العالمية، فقد كان بن نبي متأكِّداً، عندما كتب في ملاحظة في ‏‏2 مارس، مِن أنّ “مسار التطور سيتجه إلى وجهة لن تبقى فيها المواجهة بين الشيوعية والرأسمالية ‏على محور واشنطن – موسكو، كما لن يبقى أثر للاستعمار والقابلية للاستعمار على محور طنجة – ‏جاكرتا. وفي هذا الإطار كتب في 15 أفريل رسالة مفتوحة إلى رئيسي القوتين العُظمييْن، إيزنهَوَرْ ‏وخروتشاف. ولمّا كان جمال عبد الناصر يستعدّ للقيام بزيارة رسمية إلى موسكو كتب له بن نبي رسالة ‏في 15 ماي يطلب فيها تدخله لدى الكرملينKremlin ‎‏ من أجل الحصول على مساندة للثورة ‏الجزائرية.‏
أمّا من الناحية النفسية فلمْ يكن مُرتاحاً، وسجل ذلك في ملاحظة واردة في دفاتره: “إني أختنق في مصر ‏كما كُنتُ في الجزائر سنة 1951… إنّ الرسول (ص) وجد في المدينة بعد الهجرة مساعدة وعوناً ‏ليُواصل معركته الفكرية. أما أنا فقد لجأتُ إلى بلدٍ إسلاميّ لأجد نفسي منزوع السلاح وعاجزاً عن ‏مواصلة المعركة… فمنذ أنْ حللْتُ بمصر لم أشعر بأرضية صلبة تحت قدميّ، ومع كل خطوة أخطوها ‏ينتابني إحساس بأنها ستتهاوى بي”. وفي اليوم الـ 20 من شهر ماي طلب منه أنور السادات إعدادَ ‏دراسةٍ مقارنة بين الإسلام والبوذية والمسيحية.‏
وكان شعوره بالعجز يُضعِفُ صبره ويجعله سريع الغضب. من الناحية الفكرية كان يشعر بأنه منبوذ من ‏جهتين: فهو محكوم عليه بالعيش في منطقة وسطى ‏no man’s land ‎‏ بين الشرق والغرب، من دون ‏أية إمكانية للذوبان في أيٍّ منهما. وقد سجل هذه الملاحظة المؤرخة في 28 جوان: “إنني أرى نفسي في ‏الحدود بين عالمين وبين حضارتين”. وفي 12 ماي طلبتْ منه مجلة ‏Présence africaine ‎‏ السماح ‏لها بنشر مقتطفات من كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، كما طلبتْ منه إعداد رسالة إلى مؤتمر الكُتاب ‏السّود الذي كان من المزمع عقده في روما شهر سبتمبر. ‏

بتاريخ 12 جويلية نشرتْ “روز اليوسف” محاورة صحفية مع بن نبي. وفي 18 جويلية كتب رسالة ‏إلى “السادة أعضاء “جبهة التحرير” و “جيش التحرير” في المغرب”، وممّا جاء فيها: “لا بدّ عليّ أنْ ‏أوضِّح فكرة قد توقِعُكُمْ في خطإٍ: فأنا لستُ مُرشّحاً لأيّة مهمة رسمية في الدولة الجزائرية مستقبلاً”. ‏ويبدو أنه لم يكن مرتاحاً لما آلاتْ إليه كتبُهُ، وذلك من خلال هذه الملاحظة المؤرخة في 04 أوت: “منذ ‏أنْ دخل كتاب “الظاهرة القرآنية” في مرحلة الطبع صرْتُ أشعر بأني سأتعرض للأذى فور صدوره. ‏فعند صدور كتاب “وجهة العالم الاسلامي” سارعتْ “جمعية العلماء” بإيقاف المساعدة المالية الشهرية ‏التي كنتُ أستفيد منها، وهي 10.000 فرنك. وعند صدور “النجدة للجزائر” سارعتْ “جبهة التحرير” ‏بإيقاف منحة 25 جنيه مصري التي كنتُ أستفيد منها بصفتي لاجئاً”. ‏

لمْ تَرَ قيادة الثورة أية فائدة من إيفاد مالك بن نبي لتمثيل الجزائر في مؤتمر الكُتّاب الأفروآسيويين الذي ‏افتتح أشغاله في طاشقند (بالاتحاد السوفياتي) في الفاتح من أكتوبر، وأوفدَتْ بعثةً لا يوجد من بين ‏أعضائها أيّ كاتب. وكان لذلك وقع قاسٍ عليه. ولمّا انعقد مؤتمر الشباب الأفروآسيوي في القاهرة شهرَ ‏فيفري 1959 بحضور جمال عبد الناصر لم يكُن كذلك من المدعويين. ولقد تزامن ذلك مع قراءته ‏لكتاب سيرج برومبرغرSerge Bromberger ‎‏”المُتمردون الجزائريون “(‏Les rebelles ‎algériens ‎‏) ووجد فيه تأكيداً لبعض آرائه حول الثورة.‏

استقرّ بن نبي في شقة صغيرة واقعة في حي المَعادي حيث أقام لأول مرة منفرداً. وكان العالم الإسلامي ‏يمرّ بمرحلة اضطرابات، إذ شهد عدة ثورات وانقلابات في كلٍّ من باكستان والسودان والعراق… وممّا ‏جاء في ملاحظة سجّلها بتاريخ 13 ديسمبر 1958: “إنّ العالم الإسلاميّ يمرّ بمرحلة ثورية لكنه ثار ‏قبل أن يُبْدِع نظرية ثورية مثلما حدث في العالم الشيوعيّ. فالثائر المُسلم، مبدئياًّ، لا يضبط الوسائل ‏المتاحة له، ولا الطريق الواجب اتباعها، ولا حتى هدفه بوضوحٍ كافٍ، بل يكتفي بالتعلّق بمثَلٍ أعلى. أما ‏الزعيم الثوري فلا يُفكِّرُ في تزويد الثورة بمُحرِّكها المُتمثل في قناعات المناضل، بل يكتفي بالوعود التي ‏يوعَدُ بها: فهذه آلية سياسية كاذبة ومُضلِّلة في جوهرها. والأحرى بالسياسة التي تصبو إلى خلق مخزون ‏ثوري أنْ تكون، في آنٍ واحدٍ، ممارسة نفسية حريصة على وضع قناعات الفرد بعين الاعتبار، ‏وممارسة اجتماعية حريصة على وضع الظروف المُحيطة في الحسبان”.‏

في تلك الأثناء كان الروس والأمريكان يتنافسون بإرسال أقمار صناعية وصواريخ إلى الفضاء. وقد ‏خصص بن نبي ملاحظة لكل عمل عظيم ولكل إطلاق. وبينما كان الخبراء الاستراتيجيون يستنبطون ‏النتائج السياسية والعسكرية المنجرة من كل ذلك الأداء، انبرى بن نبي إلى استخراج العبرة المعنوية، ‏مثل ما ورد في ملاحظة مؤرخة في 05 جانفي 1959: “كُنتُ واحداً مِن أولئك الذين، كُلّما بدا لهم الكون ‏مثْخناً بالظلم والألم، يتمنون أن تمرّ يوماً مركبة فضائية تخترق هذا الأفق مُحمّلةً برسالة للمظلومين، ‏تتضمن مشروع حياة بشرية أفضل وأكثر تطوُّراً من حياتنا، كي تفرض عليها قانونها العادل. لكن هذا ‏الحلم قد انهار لأنّ مجموعتنا البشرية هي التي ستحمل رسالتها إلى الكواكب الأخرى… ويا لها مِنْ ‏رسالة ‏‎!‎‏”‏

وإذا كان بن نبي لم يُشارك في مؤتمر باندونغ، فقد شارك في مؤتمر القاهرة الذي بدا له فيه أنه ” لا ‏جدوى من السعي إلى تحقيق وحدة اقتصادية داخل جمعية غير مُتجانسة الأعضاء”. وكانت تلك أول ‏ثغرة في حُلمه الأفروآسيوي، ممّا حَداه للعودة إلى مُخططه “لدراسة العالم الإسلامي بغية تنظيمه في شكل ‏كومنويلث”. وجاءت هذه الدراسة التي تضمنت خمسين صفحة وألّفها بين السابع والثامن عشر أكتوبر ‏‏1958، في صورة مقدمة لعملٍ يأمل أن يتكفل به مركز من مراكز البحث. ‏
ويقول بن نبي في الرسالة المرفقة التي بعث بها إلى أنور السادات في جويلية سنة 1956: ” أعتقد أنه ‏لو أُنْجِزتْ هذه الدراسة بكاملها وتمت مُتابعة نشرها خطوةً بخطوة، فإنها ستكون أحسن دليل للجيل ‏الحاضر وأحسن دواء للاضطراب المُهيمن علي ضميره في الوقت الحالي. وإنني أرى أنّ التعريف ‏بالكومنويلث الإسلامي سيُمكِّنُ المؤتمر الإسلاميّ من تزويد الجيل الإسلامي الحالي بمعنى مهمته ‏التاريخية، ومن تفادي الكوارث التي تُعشِّشُ في ضميره. واستكمالاً لفكرتي لا بُدّ أنْ أُضيف أني أخشى ‏فوات الأوان بعد عشر سنوات”. (هو من قام بالتسطير).‏‎ ‎
وتتضمن هذه الدراسة تلك الحبكة التي سيعرضها بتفصيل في كتاب “مشكلة الثقافة”، وفي كتاب “مشكلة ‏الأفكار في المجتمع الإسلامي”. وبن نبي يُقدّم فيها خُلاصة حول ذلك “الكومنويلث” الذي يمكن أن يكون ‏‏”اتحادية لـ “العوالم الإسلامية”، وهي: العالم الإسلامي العربي، العالم الإسلامي الإيراني، العالم ‏الإسلامي الماليزي، العالم الإسلامي الصيني المنغولي، والعالم الإسلامي الأسْوَد. وعلى هذه العوالم أن ‏تبحث عن مركز الاهتمام المشترك الذي تتجه نحوه معاً، فهذا أفضل من تصوّر ديناميكية إدماج شبه ‏مستحيلة تنطلق من بعض البلدان، أو من عالم من تلك العوالم. وليكن العنصر المُوحّد ضرباً من “مؤتمر ‏إسلامي”.‏
لكن بن نبي اكتفى بتبيين بعض السبل مُبتعداً عن تقديم اقتراحات ينبغي أن تُترك كسرٍّ من أسرار الدول. ‏ويختتم الكتاب بهذا التحذير “ونحن هنا في سنة 1958!”: ” يجب أن تحدث ثورة من الداخل، وإلاّ فإنها ‏ستأتي من الخارج. فهناك إذاً خطر مُحدق خلال العشرين سنة القادمة”. ويقول حول هذه المسألة-‏المُعضلة ‏question-dilemme:‎‏ ” هل بإمكان العالم الإسلامي أن يقوم بثورته في إطار مسار مُحدد مُسبقاً ‏يأخذ بعين الاعتبار المُكوّنات النفسية والعوامل الاجتماعية الخاصة بالمجتمع الإسلامي الحالي؟ أمْ أنّه، ‏وبسبب غياب التوجيه الرشيد، وفي إطار مُخطط مُحدد مُسبقاً، سيجد نفسه مُستسلماً لضرورات تكيُّفه مع ‏التطوُّرِ العالمي الذي لا يزداد إلاّ سرعةً في كل يومٍ، ليقوم بثورة هو عاجز عن مراقبتها؟”‏‎.‎‏ ‏
ولمّا أُطْلقَ سراح مصالي الحاج بتاريخ 14 جانفي 1959 علّق بن نبي على ذلك الحدث بهذه العبارات: ‏‏” إنها لحظة مأساوية على هذا “الزعيم” الذي يرى بأمّ عينه أولئك “الزعماء الحقيرين” (‏zaïmillons‏) ‏الذين تسبّب هو نفسه في إيجادهم، وهم يُنزِلونه من العرش الذي كان يظنّ أنه ملكه إلى الأبد”. أمّا بن ‏خدة الذي عايش كل مراحل الثورة في مراكز القيادة منذ سنة 1955، فقد وافق بن نبي في رأيه، لكن ‏بعد فوات الأوان، إذ يقول: ” إنّ ما أودى به هو “الأنا” الذي يٌوَلِّدُ التعنُّتَ والتّسلُّط، ذلك المرض الذي ‏ابتُلِيَ به “زعماؤنا” فأصمّهُمْ عن سماع أية منازعة وأوقعهم في منزلق “التفرعُن” دون أن يشعروا بذلك. ‏وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما أظهروه من رداءةٍ ومِن انعدام كفاءة، فلا بُدّ أنْ نتوقع كل داهية” (1). ‏‎ ‎
لكن بن خدة، قبل أن يكتب هذه السطور (لما كان رئيساً “للحكومة المؤقتة” ‏GPRA‏)، لم يُقِمْ لبن نبي ‏أيَّ وزنٍ، بل أهمله إهمالاً تاماًّ لمّا كان مُقيماً في القاهرة، وأبْعَدَهُ عن كلّ ما كان يتعلق بشؤون الثورة ‏‏(2). وهكذا يتبيّن لنا أن مشكلة “الأنا” مِنْ أعراض الأزمة الشاملة في العالم الإسلاميّ.‏

وقد أتيح لبن نبي عادةً أن يُلاحظ في اجتماعات المؤتمر الإسلامي الآثار الوخيمة ” لمُصادمات الأنا ‏‏(‏télescopage des moi‏). وكتب في الفاتح افريل 1959عن ذلك قائلاً: ” إنّ العالم الإسلامي هو ‏ضحية إفراطٍ مُنقطع النظير في “الأنا”، وفي كل خطوة يخطوها تحدث كارثة. وإذا التقى أصحاب ‏‏”الأنا” في اجتماع فإنهم ينسفون المشاكل حتى تختفيَ تماماً، لأنهم ينشغلون بكل ما يتعلق بحب الذات ‏والمصالح الشخصية. تلك هي صورة العالم الإسلاميّ في سنة 1959: عالم مريض وعاجز عن الحركة ‏لأنّ كلّ حركة تقتضي فكرة رائدة ووسيلة تنفيذ. لكن الفكرة والوسيلة لهما علاقة متبادلة مع المعادلة ‏الشخصية، أيْ مع “الأنا”.‏

وكان كلٌّ مِن الدكتور دباغين، وإبراهيم مزهودي وعمارة بوقلاز، وكثيرون غيرُهُم، يزورونه عادةً. ‏وكانوا يشتكون من زملائهم في “الحكومة المؤقتة” مُتّهمين إياهم بالسعي فُرادى إلى خلق مناطق نفوذ ‏وتأثير في الداخل، بدلاً من التفرُّغِ لمُحاربة الاستعمار. كما كان يزوره كثير من الجزائريين الآخرين، ‏مثل المُجاهدَيْن الوردي وبوقصّة…‏

وفي كلّ جُمُعة كان يزور السيدة معادي، وهي مُثقفة عَلِمَ منها يوماً بإنشاء مركز للدراسات الأفروآسيوية ‏في تل أبيب. وهو الخبر الذي أوحى له بهذه المُلاحظة: ” إنّ بن غوريون، ليس كغيره، يعرف أنّ قوى ‏هاتين القارتين التي اجتمعت بفضل مؤتمر باندونغ لا يمكن لها أن تُشكِّلَ قوةً مُوَحّدة بالخطابات السياسية ‏وحدها، أو بإقامة صروح في القاهرة أو غيرها، بل بإلإيديولوجيا الأفروآسيوية التي لم تجد، إلى حدّ هذه ‏الساعة، أحسن تعبير عنها إلاّ في كتابي… وأعتقد أنه (أي بن غوريون) جدير بالإعجاب، فهو رجلٌ ‏حقاًّ”. ‏

إنّك، وأنت تقرأ بعض الملاحظات المتشائمة التي كتبها بن نبي، يُخيّلُ إليك أنّ صاحبها يمرّ بلحظات ‏الاحتضار. فشتان ما بين كاتب “العفن” والدفاتر، وبين كاتب بقية الأعمال الفكرية التي خلّفها بن نبي. ‏فهو في هذه الأخيرة يبدو في صورة إنسان في أعلى درجات السكينة، مُتحلّياً بموضوعية لا مِراء فيها ‏وبتحفُّظٍ لا يتزعزع.‏

هذا ما يستعصي تصديقه وشرحه في هذه الرواية النفسية. فلولا أنّ بن نبي اعترف بالصدمات النفسية ‏العديدة التي مرّت به طيلة حياته لما أمكن لنا العلم بحدوثها، إذ عادة ما نجده ينتقل فجأةً من الحديث عن ‏فكرة قاتمة ومتشائمة إلى حديثٍ كلُّهُ حيوية وعزم. ومثال ذلك هذه الملاحظة الواردة تحت عنوان ‏‏”المظهر والجوهر” والمؤرخة في 10 ماي 1959: “منذ حينٍ، ولمّا كُنتُ منهمكاً في ارتداء ملابسي، ‏ساوَرَتْني الرغبة في ترك المشجب الذي أخذتُ منه ثيابي على السرير، بِحُجّة أنني سأنزع ثيابي بعد ‏ربع ساعة أو نصف ساعة. والواضح أن ذلك لم يكُنْ في الظاهر إلاّ اقتصاداً تافهاً للوقت، أمّا في الجوهر ‏فهو الكسل بعينه. لكنني تداركْتُ الأمْر كأنني كُنتُ مُقبلاً على ارتكاب خطإٍ جسيم. شعرْتُ أنّ ترك ‏المشجب على السرير بحُجة أن الأمر هيِّن قد يدفعُني إلى ترك خُفَّيَّ أمام السرير بنفس الحُجّة. لكن ‏الوضعية التي تمثلت لي في عقلي كحوصلة لتلك الحُجج المُثبِّطة هي بالضبط وضعية الكائن غير ‏المُتحضِّر وحالة الحياة بلا حضارة. فهِمْتُ أنني لو استسلمتُ لحُجة واحدة من تلك الحجج سيُفضي بي ‏الأمرُ إلى تغيير وجه حياتي كلّها ثُمّ أسلوب عيشي. أنا أُدْرِكُ خطورة “إنّ الأمر هيِّن” على رُقيّ النفس ‏والمجتمع، لأنّ هذه الحُجة تبدو هيّنةً هي كذلك” (نحن من قمنا بالتسطير). ويُضيف بعد ذلك بأسطُرٍ ‏قليلة: ” سجّلتُ خاطرةً حول تُفاحة نيوتن”. كما يمكن أن نجد مُلاحظة مؤرخة في 30 ماي فيها خلاصة ‏لمقالٍ كان ينوي كتابته بعد ذلك، وهي: ” المُسلِمُ ومشكلة الإنسان”، وقد أوردها دفعةً واحدة (3).‏

إنّ هذه الملاحظة المؤرخة في 10 ماي 1959 جديرة بأن تأخذ مكانها في الكتب المدرسية في البلدان ‏المتأخرة عموما، والبلدان الإسلامية خصوصاً. فمع أنّ هذا النص القصير يبدو بريئا وبسيطا، علينا أنْ ‏نعترف بأنه يُلخص كل الأسباب التي أدت إلى تأخر تلك البلدان سواء قبل الاستعمار أو بعده لدحض ‏ادعاءات المُتذرِّعين بالاحتلال الأجنبي.‏

إنّ الموقف بإزاء ما يظهر تافهاً هو الذي يُميِّزُ عادةً بين الإنسان المتحضِّر والإنسان غير المتحضّر. ذلك ‏أنّ كلّ شيء قابع في نفسية الإنسان. أوَليس في هذا خلاصة لفكر بن نبي؟ فهذا النص هو أحسن درسٍ ‏تطبيقيّ كان بإمكان بن نبي أن يُقدِّمه حول الحضارة. وهو هنا مُبتعد عن لغة التجريد مثلما هي الحال في ‏الكيمياء أو الجبر: (إنسان + أرض+ زمن، يتحركون بفعل فكرة)، أو ( ح = إ + أ + ز)، بل استعمل ‏أكثر المستويات اللغوية قابلية للفهم. ‏

إنّ الإنسان المتحضّر الذي نشأ على فكرة أنه يجب ألاّ نُهمِلَ حتى ولو حبة رمل، إنسانٌ يؤمِنُ بأنّ لكل ‏التفاصيل أهميتها في الحياة عموما، والحياة الاجتماعية خصوصاً، لأنّ هذه الحياة الاجتماعية لا يمكن أن ‏تستقيم وتخلو من الأخطار إلاّ إذا خلتْ من كل الأعطاب وكل أشكال الخروج عن القانون وعن التقاليد ‏وحُسن الذوق. وهكذا فإنّ قولنا “هذا أمر تافه” تارةً، و” هذا أمرٌ هيِّنٌ” تارة أخرى، سيوقِعُنا في خراب ‏النظام الاجتماعي.‏

إِنّ ما يراه الإنسان غير المتحضر ” أمراً هيِّناً” يرى فيه الإنسان المتحضِّر كلَّ شيء. فمُخالفة القانون ‏تستتبع عقوبة صارمة عند هذا الأخير، بينما تحدث كوارث عند الثاني دون أن يُوَبّخ أحدٌ لأن تلك ‏الكوارث لم تحدث إلاّ بعد سلسلة من “الأمور التافهة” التي يتحمل الجميعُ مسؤوليتها. تلك الأمور التافهة ‏هي التي تتجمع فيها ضروب التّسيُّب والنقائص، وانعدام الكفاءة، والتخاذل، وكلّ ما يُميِّزُ ثقافة اللاّثقافة ‏وتطوّر التأخر. وإذا كانت تلك “الأمور التافهة” هي التي تقف وراء انعدام الفاعلية في البلدان المتأخرة، ‏فإنّ ” التفاصيل الصغيرة” أحياناً تكون هي أصل الإلهامات الكبرى والاكتشافات الخارقة في البلدان ‏المتحضرة. ‏

وقد جاء في مقدمة كتاب “مشكلة الثقافة” سنة 1972 عندما راح بن نبي يصف الثقافة بكونها ” ظاهرة ‏مُحيط”: «إنّ كلّ تفصيل يُسجل مع علامته الإيجابية أو السلبية في الحصيلة العامة للثقافة. فكل تفصيل ‏في المحيط الذي يعيش فيه الراعي والعالم، سواء أكان ذاك التفصيل مألوفاً أو مُدهشاً، يُخاطب الطفل ‏ويُقيمُ معه حواراً منذ ولادته، حواراً يتواصل بينهما إلى الشيخوخة، مُسجّلاً كل مُصطلحٍ في ذاتيته وفي ‏شخصيته، مُثْرِياً له أو مُعقِّما، بحسب علامته. فالأعمال الإلهامية الخلاّقة التي تُمثِّلُ اللحظات الحاسمة في ‏العبقرية الإنسانية مُرتبطة بتفاصيل غير ذات أهمية في ظاهرها. وأمثلة ذلك: المغطس بالنسبة ‏لأرخميدس، والتفاحة بالنسبة لنيوتن، والقِدْر بالنسبة لدونيس بابان ‏Denis Papin، ودفقة الماء بالنسبة ‏لـ ليزت ‏Liszt‏.”‏

‏ كتاب “مشكلة الثقافة”‏

أودِعَ هذا الكتاب في المطبعة في شهر مارس 1959، لكن الرقابة الرسمية لم تسمح بنشره إلاّ بعد ‏شهرين. وهو يتكوّن من مقدمة، وجزء أول (التحليل النفسي للثقافة)، وجزء ثانِ (التركيب النفسي ‏للثقافة)، وجزء ثالث ( الثقافة والنزعة الشمولية، أو العالمية). ولمّا صدر الكتاب في طبعته الثانية في ‏دمشق سنة 1972 أضاف له بن نبي جزءاً جديداً تحت عنوان: ” ضدُّ الثقافة ‏L’anti-culture ‎‏”، ‏‏(وهو إعادة للحاشية التي حرّرها في 1969 كملحق لـ” رسالة الى مؤتمر الكتاب الأفارقة” المنعقد في ‏مارس سنة 1959).‏

‏. أمّا الطبعة الفرنسية فهي تتضمن، بالإضافة إلى ذلك مُلحقاً أورد فيه بن نبي بعض المقالات التي تعود ‏إلى الستينيات، وعناوينها: “السياسة والثقافة”، “اللغة والثقافة”، ” نداء قسنطينة”، ” الرسالة ‏وحاشيتها”، وكذا ” خواطر منفردة حول الثقافة”. ولمّا صدر هذا الكتاب سنة 1959 أقْدَمتْ إدارة ‏الأوقاف على تعليق المنحة التي كانت تُرسلها لبن نبي، ومقدارها 20 جنيهاً شهرياًّ.‏

‏(يتبع)‏
المراجع:‏

‏1)‏ المرجع المذكور انفا
‏2)‏ امتنعنا طيلة فصول هذا الكتاب عن إيراد الأحكام القاسية التي أصدرها بن نبي في حق الشخصيات الوطنية والأجنبية التي تَصادم معها ‏في حياته.‏
‏3)‏ سيُنشَرُ في سلسلة ‏Que sais-je de I ’islam ‎‏ ماذا أعرف عن الإسلام؟، العدد 5، شهر نوفمبر 1971.‏

You may also like

Leave a Comment