بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
أين كان بن نبي في نوفمبر 1954، ذلك المنعرج الحاسم في تاريخ الجزائر الذي شهد أهمّ ثورة تحريرية عرفها القرن العشرون؟ إنّ ما نعرفُهُ هو أنه كان بحوزته تذكرة سفر بحراً في شهر جوان 1954، وأنه كان يستعدّ للسفر إلى مصر التي وصل إليها بالفعل في أواخر شهر جوان.
وفي كتاب “وجهة العالم الاسلامي” ملاحظة في أسفل الصفحة يذكر فيها “سفره في الآونة الأخيرة إلى المشرق”. ويحكي في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” أنه حضر الاستعراض العسكري الذي أقيم بتاريخ 02 جويلية 1954 بالقاهرة.
وأخيراً فإنّ هناك صورة يعود تاريخها إلى نفس الشهر، يظهر فيها بن نبي بجانب محمد نجيب وجمال عبد الناصر والسادات. وتلك هي المؤشرات الوحيدة الصادرة عنه، لأنّ الدفاتر التي سجل فيها أنشطته في الفترة الممتدة من جوان 1954 إلى ديسمبر 1957 قد اختفت وهو على قيد الحياة (1).
ومع ذلك فقد بذلْتُ ما بوسعي لإعادة تجميع شتات المعلومات الواردة حول تلك الفترة، إذ عثرْتُ في أرشيف بن نبي على بعض الرسائل التي تبادلها مع صالح بن ساعي والعربي التبسي وعبد الرحمن شيبان والشيخ خير الدين، وهي كلّها تدلُّ على أنه كان في لوات كليري بفرنسا خلال شهر نوفمبر 1954.
ويُستفادُ من النسخة الفرنسية غير المنشورة لكتاب “الصراع الفكري” أنّ بن نبي، وقبل سفره إلى مصر، قد اتصل بسفارة الهند ليطلب حق اللّجوء إلى هذا البلد بغرض استكمال عمله الفكري.
وكان آخر مقال له في العهد الاستعماري هو ذلك الذي نشره في جريدة La République algérienne بتاريخ 11 فيفري 1955 تحت عنوان “رسالة مفتوحة إلى بورجو”، قبل سقوط حكومة منداس فرانس بأسبوع واحد. وبن نبي في هذا المقال يذُمُّ بورجو الذي كان من أقوى أعمدة النظام الاستعماري، وهو من أشد المُعارضين لسياسة منديس فرانس المتفتحة، كما أنه الرأس المُدبّر لسقوط حكومته. وجدير بالذكر أن بن نبي قد نشر بعض أعماله في أسبوعية “L’Action” التونسية ما بين سنتي 1954 و 1955.
ويُستفادُ مِن أرشيف بن نبي أنه أرسل برسالة إلى جمال عبد الناصر في أواخر سنة 1956، أي بعد فترة وجيزة من صدور كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، وفيها يذكر أنه كان في القاهرة خلال شهر أفريل من سنة 1955 “مِن أجل جمع المادة الضرورية لتأليف ذلك الكتاب”. وهذا يعني أنه سافر إلى مصر للمرة الثانية خلال مطلع سنة 1955.
لمّا عاد إلى باريس تلقّى دعوةً من جامعة لندن للمشاركة في إعداد عمل موسوعيّ حول العالم الإسلاميّ، لكنه لم يستجب للدعوة لأنه رأى فيها محاولة لصرفه عن إنجاز عمله حول “النزعة الأفروآسيوية”. وهذا موظّفٌ سامي من الجامعة العربية (وقد ذكر اسمه) يقترح عليه إعداد كتاب حول الحضارة العربية، لكنه رفض الاقتراح لذات الأسباب (2).
يبقى أنّ المعلومات المتعلّقة باستقرار بن نبي في مصر يشوبها نوع من الغموض. ففي شهر فيفري من سنة 1956 التقى الدكتور خالدي وبن نبي بـ كلود بوردي Claude Bourdet في مقرّ مجلّة France Observateur ، حيث أخبرهما بأنّ رئيس الحكومة الفرنسي يُريد التفاوض، لكن ليس مع الثوار.
وهنا تعود إلى الذاكرة ملاحظة سجلها بن نبي في مذكراته مفادُها أنه أُغْرِيَ باحتلال منصب في الحكومة العامة في أواخر الأربعينيات. فهل هذه محاولة ثانية لدفعه إلى التعاون مع الاستعمار بالانضمام إلى ما سُمِّي بـ “القوّة الثالثة؟”
وعلى أية حال، فلا وجود لأي دليل على اقتراح من هذا النوع في أرشيف بن نبي. لكنه من جانب آخر قد ندد جهارا بسياسة ” المفوضين المعتمدين” ( interlocuteurs valables)، كما انتقد بشدة تلك المفاوضات المبكّرة بين ممثلي جبهة التحرير والسلطات الفرنسية.
ويُستفاد من وثيقة عنوانها “ملاحظة حول حياة مالك بن نبي” كتبها صالح بن ساعي أنّ بن نبي كان يُراسل باندي نهرو Pandit Nehru باستمرار، وقد وجه إليه هذا الأخير دعوةً سنة 1955 للمجيء إلى الهند من أجل تقديم كتابه “النزعة الأفروآسيوية”. ومما جاء بقلم صالح بن ساعي في هذا الشأن: ” في افريل 1956 قرر بن نبي أن يُلبي الدعوة ويُسافر إلى الهند، وطلب مني مُرافقته. فانتقلنا إلى القاهرة، وهي المحطة الأولى في تلك الرحلة… ثُمّ طرأت بعض الظروف التي أدت إلى إلغاء الرحلة إلى الهند، وقرر بن نبي أن يُقيم في القاهرة بصفة مؤقتة”.
وهناك وثيقة مكتوبة بخط بن نبي تكشف لنا أنه كان في البدء ينوي الصعود إلى الجبل ثائراً في ناحية تبسة: “لكنْ يبدو أن الاستعمار شعر بنواياي وأراد أن يصرفني عنها، إذ جاءتني رسالة من مُراسل مجهول من بلدية مسكيانة المختلطة… فكان عليّ أن أختار مسارا مُغايراً لحياتي. وكان ذلك من أسباب مجيئي إلى القاهرة” (3).
ومهما يكُن من أمْرٍ، فقد وصل هذان الصديقان إلى القاهرة في مطلع شهر ماي من سنة 1956، بضعة أسابيع بعد وصول فرحات عباس وأحمد فرنسيس وأحمد توفيق المدني إليها. أما البشير الإبراهيمي فقد كان مستقرا في القاهرة حيث كانت “جمعية العلماء” تمتلك مقراًّ تمثيلياًّ. وقد أعلنت الجمعية عن مساندتها للثورة في جانفي سنة 1956، كما طلب الشيخ العربي التبسي الذي كان يرأسها منذ انتقال الإبراهيمي إلى القاهرة في مارس 1952، من مناضلي الجمعية أن ينضمّوا إلى الكفاح المُسلّح.
لما زار بن نبي مقر “البعثة الخارجية ”( la Délégation extérieure) لـ”جبهة التحرير” بالقاهرة استقبله بن بلة ومحمد خيدر بحفاوة، أما لمين دباغين فقد أعرض عنه. وكان بن بلة و خيدر مُقيمين في القاهرة منذ سنة 1952، حيث قاما رفقة آيت أحمد والشادلي مكي بتأسيس ” البعثة الخارجية ” لـ”حزب الشعب”، أما لمين دباغين فقد عيّنه عبان رمضان مؤخراً على رأس ذلك الوفد.
ولمّا اقتُرِح عليه العمل في لجنة التحرير التابعة لإذاعة “صوت العرب” قبِلَ بذلك، لكنه، وبسبب خلافاته مع أعضاء ” البعثة الخارجية ”، تخلّى عن العمل معهم. وإذا صحّ أنه كان في علاقة طيبة مع بعض الأعضاء، فإن ذلك لا ينطبق على علاقته بالبعض الآخر ممّن كان يُريد إخضاعه لإرادتهم بشكل يتعارض مع ذهنية بن نبي الذي كان يرى أن من حقه أن يُعبر عن رأيه بحُرية المُثقف الذي هو ليس بحاجة إلى إثبات جدارته.
ولن يمضي زمن طويل حتى نجد بن نبي يكتب رسالة إلى صالح بن ساعي، يشكو له فيها “تلك الإرادة الصّماء والمتعنتة الهادفة إلى إبعادي كُلِّياً عن كل ما له صلة بالثورة، وكأنّها تُريدُ أنْ تضعَ حجاباً فاصلاً بين الأفكار التي ناضلْتُ من أجلها وبين الضمير الجزائريّ”.
ويُستفاد من أرشيفه أنه أقْدَمَ على فعلٍ غريب شهر جوان سنة 1956، إذ توجّه إلى سفارة الاتحاد السوفياتي وطلب حق اللّجوء. ولمّا لم يأته أيُّ ردٍّ اتّصل بالأمين العام للحزب الشيوعيّ السوفياتي، نيكيتا كروتشاف بتاريخ 8 أكتوبر 1957، مُبرِّرراً طلبه برغبته في “وضع أفكاره في مكانٍ آمنٍ”. وفي هذه الرسالة جملة رهيبة يقول فيها: “إنّ الذي يستنجد بالعدالة الشيوعية للحصول على حق اللّجوء، ولو في سجنٍ من سجون الاتحاد السوفياتي، هو رجلٌ مُنهَك القوى”. وسيُجدد طلبه مراراً ويُراسل هذا القائد السوفياتي أكثر من مرة، لكنه لم يتلقّ أيّ ردٍّ أو رخصة لدخول الاتحاد السوفياتي، حتى ولو تذرّع لذلك بأسباب صحّيّة، كما فعل في شهر ماي 1962.
وخلال شهر جوان سنة 1956 نشرتْ مجلة “روز اليوسف” مقالاً حول أعمال مالك بن نبي، وأدّى ذلك إلى اتصال عدة مثقفين به ليصيروا بعد ذلك من تلاميذه، ومنهم المغربي “الهرّاس”، واللبناني ”مسقاوي” وآخرون. وقد سعِدَ بن نبي بأنّ الجيل الجديد من المثقفين المسلمين بدأ يهتمّ بأفكاره ويفهمها.
التقى بن نبي بابن بلّة على انفرادٍ بتاريخ 04 جويلية 1956، وكرر له رغبته في خدمة الثورة بالفعل. ولمّا لمْ يحظ طلبه بأي صدى بعث في 14 اوت برسالة إلى “السادة أعضاء بعثة جبهة التحرير”، مُعلناً لهم: “لقد قدِمْتُ إلى القاهرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر لأداء مهمة مزدوجة. وتتعلق الأولى بكتاب سيدلكم عنوانه (“النزعة الأفروآسيوية”) على طبيعة الموضوع المطروح وتداعياته على القضية الجزائرية في صلتها بالعلاقات الدولية. وقد أدّيتُ هذه المهمّة الأولى لكونها مُتعلقة بي شخصياًّ. أما الباقي، وأعني نشر الكتاب، فهو يتعلق بظروف مستقلة عن إرادتي. أمّا مهمتي الثانية فهي التي أريد أن أخاطبكم حولها في هذا المقام: إنها تتعلق بالمثقف الذي سجل موقفه منذ زمن بعيد في الصراع ضد الاستعمار، والذي يعتقد اليوم أن من واجبه أن يلتحق بشكل أكثر استعجالاً بمعركة التحرير التي يخوضها الشعب الجزائري.
وهو يُشير إلى أنه يرجو أنْ يخدم الثورة كممرِّضٍ في ناحية النمامشة (في الشرق الجزائري)، ويشرح أسباب ذلك قائلاً: “إنّ حضوري في الأدغال سيتيح لي التشبع بذلك الجوّ الخاص وسط المعركة، حيث سيكون ذلك مصدر إلهام للشروع في كتابة “تاريخ الثورة الجزائرية”. لكن طلبه لم يحظَ برضا قادة ”جبهة التحرير”، ممّا دفعه إلى الاعتقاد بضرورة الاتصال بـ جي مولي Guy Mollet رئيس الحكومة الفرنسية، برسالة مفتوحة “كي أعطي لموقفي دلالته السياسية مع تبيين الأسباب المعنوية والإنسانية التي تبرره” (4). وكانت نبرة بن نبي الحُرّة في التعبير، وطريقة تفكيره في الانضمام إلى الثورة من أسباب عزله وشلّ حركته على أيدي “الزعماء” الذين سيصطدم بهم بعد وقت قصير.
وبعث بن نبي في 20 جويلية 1956، برسالة إلى الأمين العام للمؤتمر الإسلامي، وهو أنور السادات، رسالة جاء فيها: “اسمحوا لي بعد عبارات الاحترام بأن أقدم لكم وثيقتين لهما صلة بمعضلات العالم الإسلامي. تتمثل الأولى في فصلٍ مُقتبس من كتاب عنوانه “النزعة الأفروآسيوية” كُنتُ خصّصته للمشاكل التي طُرِحتْ في مؤتمر باندونغ من زاوية النظر السوسيولوجية. وقد ارتأيتُ في هذا الفصل، تماشياً مع ضرورات الطرح، أنه من الضروري إبراز أحد أهم المظاهر المَرَضية في تطور العالم الإسلامي حاضراً، مع التأكيد، منهجياًّ، على ضرورة الفصل بين “الروحي” و”الاجتماعي” في أية دراسة، وذلك من أجل نظرة أكثر حريةً إلى ذلك المظهر من الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها العالم الإسلامي حالياً. أمّا الوثيقة الثانية فتُمثل مُخطّطاً لدراسةٍ حول العالم الإسلامي إعداداً لتنظيمه في شكل كومنويلث” (5).
ولمّا لاحظ أنّ مسؤولي “جبهة التحرير” في القاهرة كانوا يُريدون أن يستغنوا عن خدماته، وأنهم غير مهتمين بمصير كتابه، وجّهَ رسالة في 10 سبتمبر 1956 “إلى الشعب الجزائري” كان مطلعها: “لا أعرف أين سأكون عندما يصل هذا النص المكتوب إلى علم أبناء بلدي… لقد أنهيتُ تأليف عملٍ تحت عنوان “النزعة الأفروآسيوية”، وهو كفيل بأن يكون له تأثير فعليّ على توجُّهِ هذه الثورة خارج مدار البلدان الغربية الذي توجد فيه قوى خفية بدأتُ أحسّ بقوتها، وهي تريد أن تجذب إليها هذه الثورة أو تستعيدها…”
وموازاة مع ذلك، يُكاشفنا بن نبي في دفاتره قائلاً: “بمجرد أنِ انتشر خبر وجود كتاب “النزعة الأفروآسيوية” بدأتُ أحسّ بالخطر يُحدّق بي. وكما سجّلْتُ ذلك بتاريخ 22 جوان 1956 في دفتري اليومي، فقد صرْتُ أشعر بأني مثل حبّة غُبار بين قوى عظيمة…”
وكثيرا ما استخدم بن نبي صورة حبة الغبار أو الذرة في كتاباته المنشورة وغير المنشورة، كي يُبرِز عدم توزن القوى بينه وبين الأحداث التي وقع في دوامتها، فوجوده على سطح الأرض لا يُسوِّغُهُ، في نظره، إلاّ كونه “شاهداً”. يقول في أحد مقالاته: “الشاهد… قد يكون ذرّةً، لكنها ذرّة ضرورية لأنها تُمكّن عجلة التاريخ الإنساني من مواصلة حركتها. فكلّ الموجودات وكلّ الأحداث هي قِطَعٌ أو ذرات فيما قُدِّر لهذا العالم” (6).
أصبح اسم مالك بن نبي مشهوراً في الأوساط الجامعية العربية بفضل كتاب “الظاهرة القرآنية”، وكتاب ”شروط النهضة” وكتاب “وجهة الإسلام”، تلك الكتب التي أدى صدورها إلى إثارة مناقشات كثيرة إنْ في الجزائر أو في فرنسا، واخترقتْ أصداءُ تلك النقاشات الآفاق لتصل إلى لبنان ومصر وسوريا والمغرب وغيرها.
وبتاريخ 22 أكتوبر 1956كان كل من بن بلة وآيت أحمد وبوضياف وخيدر على متن طائرة انطلقت من الرباط التي كانوا قد استُقبِلوا فيها من طرف الملك محمد الخامس، وهم متجهون إلى تونس حيثُ كانوا ينوون أن يستشيروا فيها الرئيس بورقيبة حول اللقاء المغاربي القادم، وكذا حول المفاوضات التي خُطِّطَ لها سرِّياًّ مع مبعوثين فرنسيين. لكن الطائرة تمّ تحويلُها إلى الجزائر من طرف السلطات الفرنسية وتمّ اعتقال كل من كان فيها. ولن يُطلق سراحهم إلاّ في شهر مارس سنة 1962.
أمّا بن نبي فكان مُنكباًّ على ترجمة كتبه إلى العربية مع مسقاوي الذي كان طالباً شاباًّ في جامعة القاهرة، ومع المصرييْن عبد الصبور شاهين ومحمود شاكر. وهكذا صدر كتاب “شروط النهضة” سنة 1957 بمقدمة جديدة وفصلٍ إضافيّ، كما صدر كتاب “الظاهرة القرآنية” في سبتمبر سنة 1958 بمقدمة حررها بن نبي ومقدمة أخرى بقلم محمود شاكر. أما كتاب “وجهة العالم الاسلامي” فسيصدر بدوره سنة 1959. وتمثلت حصيلة إصدارات بن نبي خلال الفترة التي قضاها في مصر، في مجموعة تتكون من ستة كتب جديدة.
أما من الناحية الاجتماعية فكانت حياته بسيطة جداًّ، حيث أقام مدة عامين في شقة كان يتقاسمها مع بعض الطلبة. فكل مداخيله تتمثل في منحة زهيدة كان يتلقاها من “جبهة التحرير” بصفة لاجىء سياسي. كان ينأى بنفسه عن تلك الصراعات الدائرة بين “الداخل” و “الخارج”، وبين “السياسيين” و “العسكريين”. فهو يرى تلك الوجوه والتيارات السياسية التي عرفها في الجزائر وانتقدها قد عادت إلى الظهور بنفس الوضعيات في القاهرة ومعها تلك الأحكام المسبقة تُجاهه. ومِن جهته هو، لم يكُنْ يُهادنُهم، بل كان ينعتهم بنعوت مُذِلة مثل “الزعماء الحقيرون” (zaïmillons) و “شرذمة الأشرار”(sinistre bande ).
وبمجرد وصوله إلى القاهرة شعر بن نبي بأنه مُتابع ومُراقب ومُحاصَر. وهو يسجل ذلك في دفاتره قائلاً: “وهذا ما دفعني إلى إهداء كتاب “النزعة الأفروآسيوية” لجمال عبد الناصر كي أجعله تحت رعايته المعنوية السامية مع مؤلفه. لكن جمال عبد الناصر لم يُجبْني”. وعاوده الإحساس بأنه رهين فخ بين “الاستعمار العلمي” و”القابلية للاستعمار الجاهلة”.
ثُمّ إنّه علاوةً على المُعاناة المعنوية التي ارتوى من مرارتها بفعل سوء الفهم المحيط به، وبفعل الصعوبات التي واجهها في نشر أعماله، وإبعاده من إدارة شؤون الثورة، علاوة على كل ذلك كان بن نبي يعيش على وقع تأنيب ضميره على أبيه الضرير المتروك في تبسة وأختيه اللاّجئتين إلى تونس بدون أي مصدر للعيش. ويبلغ ذلك التأنيب مداه عندما يذكر زوجته المريضة التي تركها وحيدة في لوات كليري بفرنسا. كانوا كلّهم يستنجدون به، لكنه لم يكن يملك ما يكفي من الإمكانات ليستجيب لهم إلاّ بتلك المبالغ المالية التي كان يرسلها لهم كُلّما أمكنه ذلك. وكان ناقماً على الحكومة المصرية التي منعت انتشار كتاب “النزعة الأفروآسيوية” وإشعاعه، وعلى المسؤولين الجزائريين في القاهرة، والذين تجاهلوه تماماً.
في جانفي 1957 طلب من لمين دباغين أن يُساعده على استقدام زوجته إلى القاهرة، لكن هذا الأخير تهرّب منه. ثُمّ راسله في شهر مارس ليُعبِّرَ له عن رغبته في القيام بجولة في البلدان الأفروآسيوية بغية التعريف بكتابه. لكنه لم يلقَ إلاّ الرفض. وإزاء كلّ هذا الانسداد أطلق بن نبي العنان لغضبه في رسالة وجهها إليه بتاريخ 13 مارس 1957 ووصفه، كما وصف زملاءه في إدارة الجبهة بأنهم “مِن السادة الذين يُفضِّلون خدمة الثورة مُدلّلين مُنعّمين. ففي الماضي كانوا في الجمعية الجزائرية، واليوم في فنادق فخمة”.
وكان لمين دباغين و بن خدة وتوفيق المدني من المُتحاملين الأكثر إصراراً على إبعاده عن قضايا الثورة. وهو يبوح لنا في دفاتره بما يأتي: “أنا مُنذ سنتين مِثل رصيدٍ مشلول في حساب بنكيّ مُجمّد”. وحتى الدكتور خالدي وصالح بن ساعي لمْ يُراسلاه منذ عامٍ كامل. فالأول كان قد شارك جنباً إلى جنب مع ألبير كامو Albert Camus وفرحات عباس في التجمع الذي نُظِّمَ من أجل” الهدنة المدنية” في نادي الترقّي ثُمّ غادر الجزائر بصفة غير شرعية ليصبح لاجئاً في المغرب وصار طبيباً رئيسيا في مستشفى “جبهة التحرير”. أمّا الثاني فقد صار مستثمراً صناعياًّ في نفس البلد، كما جعل ثروته في خدمة الثورة. في حين كان حمودة بن ساعي يعيش معيشة ضنكاً في باتنة.
على الساحة الدولية سُجِّلت القضية الجزائرية في جدول أعمال هيئة الأمم المتحدة لتُناقَش بتاريخ 30 جانفي 1957. وكان مؤتمر باندونغ هو الهيئة الدولية الأولى التي اعتُرِفَ فيها بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره منذ شهر أفريل سنة 1955. وجاءت الخطوة الثانية في مسار تدويل القضية الجزائرية بالتصويت الذي وقع في هيئة الأمم بتاريخ 30 سبتمبر سنة 1955 لتخرج تلك القضية من إطار الشأن الداخلي الفرنسي.
أما في الجزائر فقد قررت “جبهة التحرير” أن تُقدِّمَ للعالم دليلاً ساطعا على الْتفاف الشعب الجزائري حولها، وذلك بتوجيه نداء للقيام بإضرابٍ عام لمدة ثمانية أيام باسم لجنة التنسيق والتنفيذ. وكان القمع وحشياًّ، لكن الهدف قد تحقّق. أمّا الزعيم صاحب فكرة الإضراب العام، وهو العربي بن مهيدي، فقد ألقي عليه القبض وقُتِلَ تحت التعذيب. وفي 08 أفريل 1957 تمّ اختطاف العربي التبسي في الجزائر العاصمة على يد منظمة إرهابية تُسمى “اليد الحمراء”، وهي تابعة للمخابرات الفرنسية، وهي التي قتلته وأخفتْ جُثمانه. وقد سارعت الصحافة الفرنسية باتهام “جبهة التحرير” باقتراف هذه الجريمة مُدّعية أنه مُتهم بالخيانة.
ردّ بن نبي على هذا الادّعاء بتكذيبه في 10 أفريل، مُبْدِياً تعجُّبه مِن أن قيادة الثورة لم يأتِ منها أي ردِّ فعلٍ. وقد ذكَرَ تلك الجريمة في نداء أصدره بعد شهرين تحت عنوان “النجدة للجزائر” SOS Algérie)، كما ذكرها في التمهيد لكتاب “الصراع الفكري” والذي صدر سنة 1960. وأهدى كتابه ”الإسلام والديمقراطية” لذلك الشيخ الجليل سنة 1968 قائلاً: “على ذكرى الشيخ العربي التبسي الذي كان طيلة حياته وعمله الإصلاحي بالجزائر يسير على حَدْوِ رغبته المزدَوَجة في السعي إلى الحقيقة والعدالة الاجتماعية. أرجو أن يكون هذا التكريم كفيلاً بتذكير الجيل الجديد بهذا الرجل الذي سيُحْرَمُ أبناؤه حتى من قراءة اسمه على نصب قبره، لأن قوى الشر كانت تريد أن تمحو ذكراه كما أخفتْ جسده”.
كان الشيخ العربي التبسي شديد المُعارضة للسلطة الاستعمارية. وقد نجا من الإعدام بأعجوبة أثناء الحرب العالمية الثانية كما مرّ علينا. وممّا صرّح به في ندوة نظمها في وهران شهر فيفري سنة 1954: ”سيأتي يوم تُضطرّ فيه فرنسا للرحيل… وعلى كلّ المسلمين أنْ يتّحدوا من أجل تحقيق هذا الهدف”. وفي أكتوبر سنة 1955 طلب من بن جلول أن يَكُفّ نهائياًّ عن أي تعامل مع فرنسا. كما صرح في ندوة نُظمت في فيفري سنة 1956 قائلاً: “على فرنسا أن تقبل بمبدإ جزائر مستقلة مباشرة مع قادة جبهة التحرير” (7).
ويروي فرحات عباس في مذكراته أنّ العربي التبسي زاره قبل مغادرة الجزائر، واستودعه الله بهذه الكلمات: “لستُ أدري إنْ كُتِبَ لنا أن نلتقي لاحقاً. ولذلك فأنا أنصحك بألاّ تنسى أبداً أنّ الجزائر مسلمة. فالجزائريون يُقاتلون باسم الإسلام ويموتون راضين بذلك. ولا تَعُدْ إلى هذه الأرض إلاّ بعد تحريرها. وإذا دقّت ساعة إعادة البناء في ميقات الله، عليكم بوضع الإسلام في مركز بنائكم لتنالوا عون الله” (8).
وجّه بن نبي رسالة إلى جيش التحرير بتاريخ 24 أفريل سنة 1957 ليُذكِّر برغبته في أن يكون هو مؤرخ الثورة، مُشتكياً من أنّ “البعثة الخارجية لجبهة التحرير” لا تريد استغلال خدماته، ومُذكرا بماضيه النضاليّ وما عاناه من أجل ذلك من عواقب وخيمة سُلِّطتْ على عائلته. وفي تلك الأثناء كانت نيران الحرب مشتعلة داخل الجزائر.
وكانت معركة الجزائر العاصمة المجيدة على أشدها بين شبكات المجاهدين التي شكّلها ياسف سعدي وقوات النخبة من الجيش الفرنسي، واستمرّت عدة شهور. وكان بن نبي، ككلّ الجزائريين، في حالة اضطراب شديد. وقد بادر بنشر قُصاصة باللغتين العربية والفرنسية شهر جوان تحت عنوان “النجدة للجزائر” SOS Algérie) ندّد فيها بممارسة التعذيب وتقتيل الجزائريين، وذكر أنّ عدد القتلى بلغ نصف مليون، ووجّه خطابه لهيئة الأمم المتحدة ليُذكِّرها بمسؤولياتها إزاء المأساة الجزائرية، كما طلب إيفاد لجنة تحقيق دولية بهدف إيقاف سياسة الإبادة التي انتهجها الجيش الفرنسي. ثُمّ دعا إلى تنظيم مظاهرات منددة عبر العالم.
ومما جاء في تلك القصاصة: ” أؤمن بالحضارة إيماني بوجوب حماية الإنسان لأنّ الحضارة هي التي تضع حاجزاً بينه وبين التوحُّش. لكننا اليوم لا نرى أثراً لذلك الحاجز الفاصل بين الإنسان المتمدن والإنسان الفظ في السياسة الفرنسية… وبإزاء هذه المأساة الأخلاقية والإنسانية، لا يجوز للعالم المتحضِّرِ أنْ يلتزم الصمت، ولا يصحّ أن يبقى صوت باندونغ أخرس. على الضمائر أن تشتاط غيظاً وتذمُّراً، وعلى الأطفال والنساء والرجال ذوي الإرادة الطيبة أن يُنظموا مسيرات لإرغام المتحكمين في شؤون العالم على القيام بواجبهم. وعلى الإنسانية أن تُحِلّ نفسها محلّ الحارسة على القوانين التي تضمن احترام الشخصية الإنسانية. وبذلك يصبح بإمكانها أن تضع توقيعها في أسفل ميثاق الأمم كي تُعطيه معناه الحقيقي. وهي، بإنقاذها للشعب الجزائري على هذا النحو، تكون قد أنقذت شعبيْن: أولُهما مِن التقتيل، وثانيهما مِن جريمة يُريدُ الحُكامُ أنْ يُحمِّلوه تبعاتها التاريخية. وفي ذات الوقت تكون الإنسانية قد حققت المُصالحة بين هذين الشعبين”.
أمّا “البعثة الخارجية” لجبهة التحرير فقد منع مصالحه من نشر تلك القُصاصة بحُجة أنها ليست وثيقة ”رسمية”. ولم يتمالك بن نبي غيظه فبعث إلى لمين دباغين رسالة في جويلية سنة 1957 ختمها بقوله: ”إنّ نفس القوى التي قضت على بن بوالعيد وزيغود والشيخ العربي التبسي هي التي تعمل على إبعادي عن الثورة: فبعد الفشل في القضاء عليّ، ها هم ينجحون في إلغائي”.
وبعد صدور هذه القصاصة بوقت قصير، أي في شهر جوان سنة 1957، شرع بن نبي في تأليف كتاب تحت عنوان “الصراع الفكري “، وأنهاه في شهر سبتمبر. لكنه لن يُنشر إلاّ في شهر جويلية سنة 1960. وقد خطر بباله في وقتٍ ما أنْ يُصدره تحت هذا العنوان (“مذكرات مُجاهد في الجبهة الإيديولوجية”) حيث يُلخّصُ تجربته الشخصية في هذا المجال الذي كان بن نبي هو أول مَن خاض فيه. أمّا “الصراع الفكري” فالراجح أنها عبارة من تأليفه هو (9).
إنّ الأمر يتعلّق في هذا الصراع الفكري باستراتيجية للسيطرة على الشعوب بوسائل أخرى غير الأسلحة. وهي استراتيجية هادفة إلى تجريد الخصم من السلاح وإضعافه بإثبات أن أفكاره ودوافعه لا فائدة منها. وإذا تعلّق الأمر بفرد مُنتجٍ للأفكار فالواجب عزله عن محيطه الاجتماعي. وبن نبي يستشهد على وجود هذه المعركة فعلاً بعدة أحداث وقعت له شخصياًّ. وهي:
1) عندما حلّ بالقاهرة سنة 1956 توجّه إلى وزارة التوجيه ليقترح عليها نشر كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. فأخبره الموظف الذي استقبله بأنّ ممثل جريدة Le Monde ” في القاهرة قد زار الوزارة قبل أيامٍ وقدّم نفس الاقتراح الذي مفاده أنّ “هناك فيلسوفاً فرنسياًّ مستعداًّ لنشر كتاب حول مُقررات مؤتمر باندونغ”، وهو كتاب يتضمن طرحاً لإمكانية قيام حضارة أفروآسيوية بمساهمة غربية.
2) وفي تلك السنة نفسها تُرجِمَ كتاب “وجهة العالم الاسلامي” إلى العربية ونُشِر في لبنان باسم أستاذ من جامعة صيدا، اسمه شعبان بركات (10).
3) ورد اسم بن نبي في كتاب صدر بلبنان سنة 1957، وهو يضمّ المقالات التي نُشِرت في “العروة الوثقى”، المجلة التي أسسها الأفغاني ومحمد عبده بباريس سنة 1883، لكن الغريب أن بن نبي جاء اسمه بين ليوبولد ويس (11) وجورج ريفوار (12) وقُدِّمَ على أنه “كاتب فرنسي دخل إلى الإسلام”. وجاءت المقدمة بقلم أديب مصري كبير، وهو طه عبد الباقي سرور، وفيها يقول بكل برودة: “لقد أسْلَمَ الكاتب الفرنسي مالك بن نبي لأنه عاش في شمال إفريقيا واستطاع أن يتكيف مع السكان الذين أحبّهم، وقد تفرّغ لخدمة الإسلام وذاق الأمرّيْن من أجل ذلك”.
أما بن نبي فكان يرى أنّ مثل هذه الأمور لم تحدث صدفة، بل بإرادة مُبيّتة تهدف إلى لف صورته بالغموض وإفقاد أفكاره أهميتها في وقت كانت أعماله آخذةً في الانتشار عبر بلدان العالم العربي. ومِن وجهة نظر مُعيّنة يمكن اعتبار هذا العمل تتمةً لسيرته الذاتية مُجرّدةً من ذكر الأسماء والتواريخ والتفاصيل. إنه ضربٌ من التنظير لتجربته الخاصة التي يريد أن يستنبط منها قواعد اختصاص علمي جديد هو “الصراع الفكري”، ذلك الصراع المرير والخفي الذي لا يجري في وضح النهار أبداً”.
وقد قدّم بن نبي في مذكراته تلك الحرب المُتسترة انطلاقاً من وضعيته كضحية. أمّا في هذا الكتاب الجديد، فقد تقمص دور جهاز المخابرات لكي يُبيّن الطرق التي يستخدمها هذا الجهاز لكي يحقق أهدافه: كيف يمكن منع فكرةٍ من الوصول إلى المجتمع، كيف نُقيمُ في وجهها مُنعكسات بافلوفية، وكيف نعزل الفكرة عن العمل السياسي “بحيث تبقى الفكرة عقيمة والسياسة عمياء”.
ويمكن اعتبار هذا الكتاب إعادة (على مبيّضة) لمخطوطة مُذكراته التي عنوانها ” العفن”، كما يمكن اعتباره رداًّ على المؤامرات المدسوسة ضده وألوان الاضطهاد الذي مورس في حقه. فهو يعود إلى الضغوطات التي مارستها معه الشرطة الفرنسية، وإلى مواقف الأحزاب السياسية الجزائرية والعلماء ضده أثناء الحقبة الاستعمارية، وإلى وابل النيران التي وُجهتْ إلى كتاب “شروط النهضة” عند صدوره سنة 1949… وقد جرى كلّ هذا، كما يقول بن نبي، من أجل “المحافظة على استقلالِ فكري وقلمي”.
لكن بن نبي لم يستقِ أمثلته من تجربته وحدها، بل أخذها من الأحداث الدولية الحاضرة، ومن المواجهات الجيوستراتيجية التي كانت تُميِّزُ عصره. ومِن أمثلة ذلك إنشاء دولة باكستان التي بقي يعتقد أنها “سدّ يمنع الإسلام من الانتشار في الهند” (13).
أمّا من الناحية الفلسفية فقد تمكّن من تجاوز هَوَسِ الحرب العالمية الثالثة، إذ صار يعتقد أن المعركة ستجري في ساحةٍ أخرى، وهي ساحة الأفكار، فيقول: “إنّ الحرب العالمية الثالثة التي انتظرناها طيلة عشر سنوات صارت غير محتملة إطلاقاً. فالأمر لم يعُدْ مُتعلِّقاً بالانتصار في الحرب، بل بتحقيق السِّلْم”.
وهكذا صار بن نبي يستعمل لغة المختصين في الجيوسياسة، إذ يتحدث عن الرهانات الجديدة وعن دور الصراع الفكري في إطار الوضع الجديد: “إذا صحّ أن هناك مراقبة دولية لحركة الأسلحة والذخائر، فنحن عموماً نجهل أن هناك كذلك مراقبة لحركة الأفكار. إننا لا نعرف أن في مختلف بقاع العالم مراصد مختصة تُتابع حركة الأفكار باهتمام، وذلك بتسجيل ظهورها، ومسارها، وإشعاعها، وتغيُّر اتجاهاتها في مختلف الأوساط. وتشتغل هذه المراصد كما تشتغل المراصد الفلكية التي تدرس حركة النجوم والكواكب” (14).
(يتبع)
المراجع:
1- عندما غادر بن نبي مصر سنة 1963 أوْدعَ دفاتره وبعض المخطوطات عند عمر مسقاوي الذي أعادها له بتاريخ 27 جوان 1969. ولمّا استلمها منه بن نبي كتب هذه الملاحظة بتاريخ 24 جوان 1969: “ألاحظ غياب ثلاثة أو أربعة دفاتر ملاحظات. فبين يديّ ثلاثة من بين ستة أو سبعة كُنتُ أودعْتُها عنده. فمُذكراتي إذاً مبتورة في جزءٍ منها. وينتابني إحساس بأن اليد التي قامت بذلك قد أحسنت الاختيار. ومع ذلك فإني متأكد من أن ذلك لم يحدث عند مسقاوي”.
2- عُثِرَ في أرشيف بن نبي على قصاصات من الصحف تدلّ على أنّ ذلك الموظف السامي قد تمّ اعتقاله على يد المخابرات المصرية بعد ذلك بوقت قصير مُتلبِّساً بتهمة “التعاون مع العدو”.
3- ارجع الى ” رسالة الى اعضاء البعثة الخارجية لجبهة التحرير” المؤرخة في 14 اوت 1956
4- جاء عنوان الرسالة التي سلّمها بن نبي للدكتور لمين دباغين بتاريخ 5 نوفمبر 1956 في مقر “جمعية العلماء” بالقاهرة بغرض قراءتها على أمواج الإذاعة بهذه الصيغة: “رسالة مفتوحة من مثقف جزائري إلى السيد جي مولي Guy Mollet”.
5- إن هذه المعلومة الأخيرة جديرة بالاهتمام. فهي ذات أهمية بالنسبة للمختص في فكر بن نبي، إذ بإمكانه أن يجد فيها إجابة على هذا السؤال المُحْرِج: لماذا ألّف بن نبي فكرة “كومنويلث إسلامي” الذي يحبذ فيه اتحادا جهويا قاعدته الاعتبارات الثقافية، وذلك عاميْن بعد إصداره لكتاب “النزعة الأفروآسيوية” سنة 1956 الذي حبّذ فيه النزعة العالمية؟ إن الإجابة عن ذلك مُتضمّنة في هذه الوثيقة: فخُطّة “الكومنويلث” كانت جاهزة قبل نشر كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. ويجب أن نضيف إلى ذلك خيبة أمل بن نبي أمام المصير الذي لقيَهُ كتابه.
6- المرجع « A la veille d’une civilisation humaine ? 4 », la RA du 29 juin 1951. وهذه الخاطرة التي عنّتْ لبن نبي شبيهة بخاطرة نابليون الذي قال عشية معركة روسيا: “أشعر بأني مُتّجه إلى هدف أجهله. وإذا ما حققتُ هذا الهدف وصرْتُ شيئا زائداً، فستكفي ذرة واحدة لتحطيمي. لكن في انتظار ذلك الوقت، فإن كل قوى البشر لن تستطيع أن تفعل شيئا ضدي”. كانت عزيمة هذين الرجلين واحدة. لكن أحدهما كان قائداً لأعظم جيش في زمانه، بينما كان الثاني يتخبط بمفرده على جبهة الصراع الفكري التي يُصارع فيها الاستعمار وقابلية الاستعمار اللّذين اتّحدا ضده.
7- ارجع الى عمار هلال المرجع المذكور سابقا
8- المذكور في “فرحات عباس، جزائر مختلفة” المذكور سابقا
9- في محاضرة ألقاها في شهر ماي سنة 1973 بباتنة (ونُسختها المكتوبة موجودة) أعلن بن نبي قائلاً: “أظن أنني أول مَن استعمل مفهوم “الصراع الفكري منذ خمس عشرة سنة”.
10- علّق ابن نبي على تلك القرصنة بهذه العبارات: ” إنهم لا يُريدون أن يتركوا الأفكار تحت اسمٍ واحدٍ، فلا بُدّ من تشتيتها. وهذا الأسلوب من طرق الحط من قيمة الأشياء. لقد أقْدَمَ المُسمّى شعبان بركات على فعلته بمساعدة دار النشر Seuil… وهذه المؤسسة هي الأكثر شيوعاً في الجزائر إلى يومنا” (ماي 1973).
11- صار اسمه محمد أسد، وهو كاتب (الطريق إلى مكة) و (الإسلام في تقاطع الطرق). كما أنه هو الذي أنشأ يقول: ”مالك بن نبي مؤلف فرنسي دخل إلى الإسلام ودافع عنه بحماس”.
12- حيدر بمات هو مؤلف كتاب “وجوه من الإسلام” الصادر سنة 1946، والذي أعيد نشره في الجزائر سنة 1991 Ed. ENA بمقدمة لأحمد طالب الإبراهيمي. ويقول عنه بن نبي في واحدة من أواخر مُداخلاته العامة (مُحاضرة في ENAC بباتنة في 14 ماي 1973): “أتيح لي أن تعرفت به في المعهد الإسلامي بباريس. وقد أرسل لي كتابه مُرتكباً حماقة تسجيل اسمه القديم بين قوسين على الغلاف، وهو: جورج ريفوار Georges Rivoire…”. وكان بن نبي يعتقد أنه كان عميلاً للأنجليز.
13- ممّا جاء في ملاحظة كتبها ماسينيون سنة 1929 حول مُسلمي الهند: “إنّ هذه المجموعة في تطور واضحٍ منذ أزمة 1857، وهي مُنضبطة بفضل مؤتمراتها السنوية. ومن جميع وجهات النظر فهي مجموعة تتمتع، بإزاء الأغلبية، بلغة واحدة، وهي اللغة الأوردية التي قد تصير هي اللغة الرسمية في الهند، كما تتمتع بأبجدية كتابية واحدة وهي الحروف العربية. ومنذ سنة 1919 تمكن القادة المسلمون في الهند من تنظيم مطالب موحدة مع الأغلبية الهندوسية مُشكِّلة بذلك كتلة مُتجانسة وصلبة في مواجهة السلطات البريطانية التي عجزت لحد الآن عن تحطيمها”. وهذه النظرة التقديرية جاءت مصداقاً لرؤى ابن نبي حول تلك المسألة.
14- ينص القانون الأمريكي المُسمّى باتريوت أكت Patriot Act على حق أجهزة الأمن في استقاء كل المعلومات من المكتبات حول قراءات أي شخص.
