Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (25)‏

حياة مالك بن نبي (25)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

أين كان بن نبي في نوفمبر 1954، ذلك المنعرج الحاسم في تاريخ الجزائر الذي شهد أهمّ ثورة ‏تحريرية عرفها القرن العشرون؟ إنّ ما نعرفُهُ هو أنه كان بحوزته تذكرة سفر بحراً في شهر جوان ‏‏1954، وأنه كان يستعدّ للسفر إلى مصر التي وصل إليها بالفعل في أواخر شهر جوان.‏

وفي كتاب “وجهة العالم الاسلامي” ملاحظة في أسفل الصفحة يذكر فيها “سفره في الآونة الأخيرة إلى ‏المشرق”. ويحكي في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” أنه حضر الاستعراض العسكري الذي أقيم بتاريخ ‏‏02 جويلية 1954 بالقاهرة.‏

وأخيراً فإنّ هناك صورة يعود تاريخها إلى نفس الشهر، يظهر فيها بن نبي بجانب محمد نجيب وجمال ‏عبد الناصر والسادات. وتلك هي المؤشرات الوحيدة الصادرة عنه، لأنّ الدفاتر التي سجل فيها أنشطته ‏في الفترة الممتدة من جوان 1954 إلى ديسمبر 1957 قد اختفت وهو على قيد الحياة (1).‏

ومع ذلك فقد بذلْتُ ما بوسعي لإعادة تجميع شتات المعلومات الواردة حول تلك الفترة، إذ عثرْتُ في ‏أرشيف بن نبي على بعض الرسائل التي تبادلها مع صالح بن ساعي والعربي التبسي وعبد الرحمن ‏شيبان والشيخ خير الدين، وهي كلّها تدلُّ على أنه كان في لوات كليري بفرنسا خلال شهر نوفمبر ‏‏1954.‏

ويُستفادُ من النسخة الفرنسية غير المنشورة لكتاب “الصراع الفكري” أنّ بن نبي، وقبل سفره إلى ‏مصر، قد اتصل بسفارة الهند ليطلب حق اللّجوء إلى هذا البلد بغرض استكمال عمله الفكري.‏

وكان آخر مقال له في العهد الاستعماري هو ذلك الذي نشره في جريدة ‏La République ‎algérienne ‎‏ بتاريخ 11 فيفري 1955 تحت عنوان “رسالة مفتوحة إلى بورجو”، قبل سقوط حكومة ‏منداس فرانس بأسبوع واحد. وبن نبي في هذا المقال يذُمُّ بورجو الذي كان من أقوى أعمدة النظام ‏الاستعماري، وهو من أشد المُعارضين لسياسة منديس فرانس المتفتحة، كما أنه الرأس المُدبّر لسقوط ‏حكومته. وجدير بالذكر أن بن نبي قد نشر بعض أعماله في أسبوعية “‏L’Action‏” التونسية ما بين ‏سنتي 1954 و 1955.‏

ويُستفادُ مِن أرشيف بن نبي أنه أرسل برسالة إلى جمال عبد الناصر في أواخر سنة 1956، أي بعد ‏فترة وجيزة من صدور كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، وفيها يذكر أنه كان في القاهرة خلال شهر أفريل ‏من سنة 1955 “مِن أجل جمع المادة الضرورية لتأليف ذلك الكتاب”. وهذا يعني أنه سافر إلى مصر ‏للمرة الثانية خلال مطلع سنة 1955.‏

لمّا عاد إلى باريس تلقّى دعوةً من جامعة لندن للمشاركة في إعداد عمل موسوعيّ حول العالم الإسلاميّ، ‏لكنه لم يستجب للدعوة لأنه رأى فيها محاولة لصرفه عن إنجاز عمله حول “النزعة الأفروآسيوية”. ‏وهذا موظّفٌ سامي من الجامعة العربية (وقد ذكر اسمه) يقترح عليه إعداد كتاب حول الحضارة العربية، ‏لكنه رفض الاقتراح لذات الأسباب (2).‏

يبقى أنّ المعلومات المتعلّقة باستقرار بن نبي في مصر يشوبها نوع من الغموض. ففي شهر فيفري من ‏سنة 1956 التقى الدكتور خالدي وبن نبي بـ كلود بوردي ‏Claude Bourdet‏ في مقرّ مجلّة ‏France ‎Observateur ‎، حيث أخبرهما بأنّ رئيس الحكومة الفرنسي يُريد التفاوض، لكن ليس مع الثوار.‏

وهنا تعود إلى الذاكرة ملاحظة سجلها بن نبي في مذكراته مفادُها أنه أُغْرِيَ باحتلال منصب في الحكومة ‏العامة في أواخر الأربعينيات. فهل هذه محاولة ثانية لدفعه إلى التعاون مع الاستعمار بالانضمام إلى ما ‏سُمِّي بـ “القوّة الثالثة؟” ‏

وعلى أية حال، فلا وجود لأي دليل على اقتراح من هذا النوع في أرشيف بن نبي. لكنه من جانب آخر ‏قد ندد جهارا بسياسة ” المفوضين المعتمدين” (‏‎ interlocuteurs valables‏)، كما انتقد بشدة تلك ‏المفاوضات المبكّرة بين ممثلي جبهة التحرير والسلطات الفرنسية.‏

ويُستفاد من وثيقة عنوانها “ملاحظة حول حياة مالك بن نبي” كتبها صالح بن ساعي أنّ بن نبي كان ‏يُراسل باندي نهرو ‏Pandit Nehru‏ باستمرار، وقد وجه إليه هذا الأخير دعوةً سنة 1955 للمجيء ‏إلى الهند من أجل تقديم كتابه “النزعة الأفروآسيوية”. ومما جاء بقلم صالح بن ساعي في هذا الشأن: ” ‏في افريل 1956 قرر بن نبي أن يُلبي الدعوة ويُسافر إلى الهند، وطلب مني مُرافقته. فانتقلنا إلى ‏القاهرة، وهي المحطة الأولى في تلك الرحلة… ثُمّ طرأت بعض الظروف التي أدت إلى إلغاء الرحلة ‏إلى الهند، وقرر بن نبي أن يُقيم في القاهرة بصفة مؤقتة”.‏‎ ‎

وهناك وثيقة مكتوبة بخط بن نبي تكشف لنا أنه كان في البدء ينوي الصعود إلى الجبل ثائراً في ناحية ‏تبسة: “لكنْ يبدو أن الاستعمار شعر بنواياي وأراد أن يصرفني عنها، إذ جاءتني رسالة من مُراسل ‏مجهول من بلدية مسكيانة المختلطة… فكان عليّ أن أختار مسارا مُغايراً لحياتي. وكان ذلك من أسباب ‏مجيئي إلى القاهرة” (3).‏

ومهما يكُن من أمْرٍ، فقد وصل هذان الصديقان إلى القاهرة في مطلع شهر ماي من سنة 1956، بضعة ‏أسابيع بعد وصول فرحات عباس وأحمد فرنسيس وأحمد توفيق المدني إليها. أما البشير الإبراهيمي فقد ‏كان مستقرا في القاهرة حيث كانت “جمعية العلماء” تمتلك مقراًّ تمثيلياًّ. وقد أعلنت الجمعية عن ‏مساندتها للثورة في جانفي سنة 1956، كما طلب الشيخ العربي التبسي الذي كان يرأسها منذ انتقال ‏الإبراهيمي إلى القاهرة في مارس 1952، من مناضلي الجمعية أن ينضمّوا إلى الكفاح المُسلّح.‏

لما زار بن نبي مقر “البعثة الخارجية‎ ‎‏”(‏‎ la Délégation extérieure‏) لـ”جبهة التحرير” بالقاهرة ‏استقبله بن بلة ومحمد خيدر بحفاوة، أما لمين دباغين فقد أعرض عنه. وكان بن بلة و خيدر مُقيمين في ‏القاهرة منذ سنة 1952، حيث قاما رفقة آيت أحمد والشادلي مكي بتأسيس ” البعثة الخارجية‎ ‎‏” لـ”حزب ‏الشعب”، أما لمين دباغين فقد عيّنه عبان رمضان مؤخراً على رأس ذلك الوفد.‏

ولمّا اقتُرِح عليه العمل في لجنة التحرير التابعة لإذاعة “صوت العرب” قبِلَ بذلك، لكنه، وبسبب ‏خلافاته مع أعضاء ” البعثة الخارجية‎ ‎‏”، تخلّى عن العمل معهم. وإذا صحّ أنه كان في علاقة طيبة مع ‏بعض الأعضاء، فإن ذلك لا ينطبق على علاقته بالبعض الآخر ممّن كان يُريد إخضاعه لإرادتهم بشكل ‏يتعارض مع ذهنية بن نبي الذي كان يرى أن من حقه أن يُعبر عن رأيه بحُرية المُثقف الذي هو ليس ‏بحاجة إلى إثبات جدارته.‏

ولن يمضي زمن طويل حتى نجد بن نبي يكتب رسالة إلى صالح بن ساعي، يشكو له فيها “تلك الإرادة ‏الصّماء والمتعنتة الهادفة إلى إبعادي كُلِّياً عن كل ما له صلة بالثورة، وكأنّها تُريدُ أنْ تضعَ حجاباً فاصلاً ‏بين الأفكار التي ناضلْتُ من أجلها وبين الضمير الجزائريّ”.‏

ويُستفاد من أرشيفه أنه أقْدَمَ على فعلٍ غريب شهر جوان سنة 1956، إذ توجّه إلى سفارة الاتحاد ‏السوفياتي وطلب حق اللّجوء. ولمّا لم يأته أيُّ ردٍّ اتّصل بالأمين العام للحزب الشيوعيّ السوفياتي، نيكيتا ‏كروتشاف بتاريخ 8 أكتوبر 1957، مُبرِّرراً طلبه برغبته في “وضع أفكاره في مكانٍ آمنٍ”. وفي هذه ‏الرسالة جملة رهيبة يقول فيها: “إنّ الذي يستنجد بالعدالة الشيوعية للحصول على حق اللّجوء، ولو في ‏سجنٍ من سجون الاتحاد السوفياتي، هو رجلٌ مُنهَك القوى”. وسيُجدد طلبه مراراً ويُراسل هذا القائد ‏السوفياتي أكثر من مرة، لكنه لم يتلقّ أيّ ردٍّ أو رخصة لدخول الاتحاد السوفياتي، حتى ولو تذرّع لذلك ‏بأسباب صحّيّة، كما فعل في شهر ماي 1962. ‏

وخلال شهر جوان سنة 1956 نشرتْ مجلة “روز اليوسف” مقالاً حول أعمال مالك بن نبي، وأدّى ذلك ‏إلى اتصال عدة مثقفين به ليصيروا بعد ذلك من تلاميذه، ومنهم المغربي “الهرّاس”، واللبناني ‏‏”مسقاوي” وآخرون. وقد سعِدَ بن نبي بأنّ الجيل الجديد من المثقفين المسلمين بدأ يهتمّ بأفكاره ويفهمها.‏

التقى بن نبي بابن بلّة على انفرادٍ بتاريخ 04 جويلية 1956، وكرر له رغبته في خدمة الثورة بالفعل. ‏ولمّا لمْ يحظ طلبه بأي صدى بعث في 14 اوت برسالة إلى “السادة أعضاء بعثة جبهة التحرير”، مُعلناً ‏لهم: “لقد قدِمْتُ إلى القاهرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر لأداء مهمة مزدوجة. وتتعلق الأولى بكتاب سيدلكم ‏عنوانه (“النزعة الأفروآسيوية”) على طبيعة الموضوع المطروح وتداعياته على القضية الجزائرية في ‏صلتها بالعلاقات الدولية. وقد أدّيتُ هذه المهمّة الأولى لكونها مُتعلقة بي شخصياًّ. أما الباقي، وأعني نشر ‏الكتاب، فهو يتعلق بظروف مستقلة عن إرادتي. أمّا مهمتي الثانية فهي التي أريد أن أخاطبكم حولها في ‏هذا المقام: إنها تتعلق بالمثقف الذي سجل موقفه منذ زمن بعيد في الصراع ضد الاستعمار، والذي يعتقد ‏اليوم أن من واجبه أن يلتحق بشكل أكثر استعجالاً بمعركة التحرير التي يخوضها الشعب الجزائري.‏

وهو يُشير إلى أنه يرجو أنْ يخدم الثورة كممرِّضٍ في ناحية النمامشة (في الشرق الجزائري)، ويشرح ‏أسباب ذلك قائلاً: “إنّ حضوري في الأدغال سيتيح لي التشبع بذلك الجوّ الخاص وسط المعركة، حيث ‏سيكون ذلك مصدر إلهام للشروع في كتابة “تاريخ الثورة الجزائرية”. لكن طلبه لم يحظَ برضا قادة ‏‏”جبهة التحرير”، ممّا دفعه إلى الاعتقاد بضرورة الاتصال بـ جي مولي ‏Guy Mollet‏ رئيس الحكومة ‏الفرنسية، برسالة مفتوحة “كي أعطي لموقفي دلالته السياسية مع تبيين الأسباب المعنوية والإنسانية ‏التي تبرره” (4). وكانت نبرة بن نبي الحُرّة في التعبير، وطريقة تفكيره في الانضمام إلى الثورة من ‏أسباب عزله وشلّ حركته على أيدي “الزعماء” الذين سيصطدم بهم بعد وقت قصير.‏

وبعث بن نبي في 20 جويلية 1956، برسالة إلى الأمين العام للمؤتمر الإسلامي، وهو أنور السادات، ‏رسالة جاء فيها: “اسمحوا لي بعد عبارات الاحترام بأن أقدم لكم وثيقتين لهما صلة بمعضلات العالم ‏الإسلامي. تتمثل الأولى في فصلٍ مُقتبس من كتاب عنوانه “النزعة الأفروآسيوية” كُنتُ خصّصته ‏للمشاكل التي طُرِحتْ في مؤتمر باندونغ من زاوية النظر السوسيولوجية. وقد ارتأيتُ في هذا الفصل، ‏تماشياً مع ضرورات الطرح، أنه من الضروري إبراز أحد أهم المظاهر المَرَضية في تطور العالم ‏الإسلامي حاضراً، مع التأكيد، منهجياًّ، على ضرورة الفصل بين “الروحي” و”الاجتماعي” في أية ‏دراسة، وذلك من أجل نظرة أكثر حريةً إلى ذلك المظهر من الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها العالم ‏الإسلامي حالياً. أمّا الوثيقة الثانية فتُمثل مُخطّطاً لدراسةٍ حول العالم الإسلامي إعداداً لتنظيمه في شكل ‏كومنويلث” (5). ‏

ولمّا لاحظ أنّ مسؤولي “جبهة التحرير” في القاهرة كانوا يُريدون أن يستغنوا عن خدماته، وأنهم غير ‏مهتمين بمصير كتابه، وجّهَ رسالة في 10 سبتمبر 1956 “إلى الشعب الجزائري” كان مطلعها: “لا ‏أعرف أين سأكون عندما يصل هذا النص المكتوب إلى علم أبناء بلدي… لقد أنهيتُ تأليف عملٍ تحت ‏عنوان “النزعة الأفروآسيوية”، وهو كفيل بأن يكون له تأثير فعليّ على توجُّهِ هذه الثورة خارج مدار ‏البلدان الغربية الذي توجد فيه قوى خفية بدأتُ أحسّ بقوتها، وهي تريد أن تجذب إليها هذه الثورة أو ‏تستعيدها…”‏

وموازاة مع ذلك، يُكاشفنا بن نبي في دفاتره قائلاً: “بمجرد أنِ انتشر خبر وجود كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية” بدأتُ أحسّ بالخطر يُحدّق بي. وكما سجّلْتُ ذلك بتاريخ 22 جوان 1956 في دفتري ‏اليومي، فقد صرْتُ أشعر بأني مثل حبّة غُبار بين قوى عظيمة…”‏

وكثيرا ما استخدم بن نبي صورة حبة الغبار أو الذرة في كتاباته المنشورة وغير المنشورة، كي يُبرِز ‏عدم توزن القوى بينه وبين الأحداث التي وقع في دوامتها، فوجوده على سطح الأرض لا يُسوِّغُهُ، في ‏نظره، إلاّ كونه “شاهداً”. يقول في أحد مقالاته: “الشاهد… قد يكون ذرّةً، لكنها ذرّة ضرورية لأنها تُمكّن ‏عجلة التاريخ الإنساني من مواصلة حركتها. فكلّ الموجودات وكلّ الأحداث هي قِطَعٌ أو ذرات فيما قُدِّر ‏لهذا العالم” (6).‏

أصبح اسم مالك بن نبي مشهوراً في الأوساط الجامعية العربية بفضل كتاب “الظاهرة القرآنية”، وكتاب ‏‏”شروط النهضة” وكتاب “وجهة الإسلام”، تلك الكتب التي أدى صدورها إلى إثارة مناقشات كثيرة إنْ ‏في الجزائر أو في فرنسا، واخترقتْ أصداءُ تلك النقاشات الآفاق لتصل إلى لبنان ومصر وسوريا ‏والمغرب وغيرها.‏

وبتاريخ 22 أكتوبر 1956كان كل من بن بلة وآيت أحمد وبوضياف وخيدر على متن طائرة انطلقت ‏من الرباط التي كانوا قد استُقبِلوا فيها من طرف الملك محمد الخامس، وهم متجهون إلى تونس حيثُ ‏كانوا ينوون أن يستشيروا فيها الرئيس بورقيبة حول اللقاء المغاربي القادم، وكذا حول المفاوضات التي ‏خُطِّطَ لها سرِّياًّ مع مبعوثين فرنسيين. لكن الطائرة تمّ تحويلُها إلى الجزائر من طرف السلطات الفرنسية ‏وتمّ اعتقال كل من كان فيها. ولن يُطلق سراحهم إلاّ في شهر مارس سنة 1962.‏

أمّا بن نبي فكان مُنكباًّ على ترجمة كتبه إلى العربية مع مسقاوي الذي كان طالباً شاباًّ في جامعة القاهرة، ‏ومع المصرييْن عبد الصبور شاهين ومحمود شاكر. وهكذا صدر كتاب “شروط النهضة” سنة 1957 ‏بمقدمة جديدة وفصلٍ إضافيّ، كما صدر كتاب “الظاهرة القرآنية” في سبتمبر سنة 1958 بمقدمة حررها ‏بن نبي ومقدمة أخرى بقلم محمود شاكر. أما كتاب “وجهة العالم الاسلامي” فسيصدر بدوره سنة 1959. ‏وتمثلت حصيلة إصدارات بن نبي خلال الفترة التي قضاها في مصر، في مجموعة تتكون من ستة كتب ‏جديدة. ‏

أما من الناحية الاجتماعية فكانت حياته بسيطة جداًّ، حيث أقام مدة عامين في شقة كان يتقاسمها مع بعض ‏الطلبة. فكل مداخيله تتمثل في منحة زهيدة كان يتلقاها من “جبهة التحرير” بصفة لاجىء سياسي. كان ‏ينأى بنفسه عن تلك الصراعات الدائرة بين “الداخل” و “الخارج”، وبين “السياسيين” و “العسكريين”. ‏فهو يرى تلك الوجوه والتيارات السياسية التي عرفها في الجزائر وانتقدها قد عادت إلى الظهور بنفس ‏الوضعيات في القاهرة ومعها تلك الأحكام المسبقة تُجاهه. ومِن جهته هو، لم يكُنْ يُهادنُهم، بل كان ينعتهم ‏بنعوت مُذِلة مثل “الزعماء الحقيرون” (‏zaïmillons‏) و “شرذمة الأشرار”(‏sinistre bande ‎‏). ‏

وبمجرد وصوله إلى القاهرة شعر بن نبي بأنه مُتابع ومُراقب ومُحاصَر. وهو يسجل ذلك في دفاتره ‏قائلاً: “وهذا ما دفعني إلى إهداء كتاب “النزعة الأفروآسيوية” لجمال عبد الناصر كي أجعله تحت ‏رعايته المعنوية السامية مع مؤلفه. لكن جمال عبد الناصر لم يُجبْني”. وعاوده الإحساس بأنه رهين فخ ‏بين “الاستعمار العلمي” و”القابلية للاستعمار الجاهلة”. ‏

ثُمّ إنّه علاوةً على المُعاناة المعنوية التي ارتوى من مرارتها بفعل سوء الفهم المحيط به، وبفعل ‏الصعوبات التي واجهها في نشر أعماله، وإبعاده من إدارة شؤون الثورة، علاوة على كل ذلك كان بن ‏نبي يعيش على وقع تأنيب ضميره على أبيه الضرير المتروك في تبسة وأختيه اللاّجئتين إلى تونس ‏بدون أي مصدر للعيش. ويبلغ ذلك التأنيب مداه عندما يذكر زوجته المريضة التي تركها وحيدة في لوات ‏كليري بفرنسا. كانوا كلّهم يستنجدون به، لكنه لم يكن يملك ما يكفي من الإمكانات ليستجيب لهم إلاّ بتلك ‏المبالغ المالية التي كان يرسلها لهم كُلّما أمكنه ذلك. وكان ناقماً على الحكومة المصرية التي منعت انتشار ‏كتاب “النزعة الأفروآسيوية” وإشعاعه، وعلى المسؤولين الجزائريين في القاهرة، والذين تجاهلوه تماماً.‏

في جانفي 1957 طلب من لمين دباغين أن يُساعده على استقدام زوجته إلى القاهرة، لكن هذا الأخير ‏تهرّب منه. ثُمّ راسله في شهر مارس ليُعبِّرَ له عن رغبته في القيام بجولة في البلدان الأفروآسيوية بغية ‏التعريف بكتابه. لكنه لم يلقَ إلاّ الرفض. وإزاء كلّ هذا الانسداد أطلق بن نبي العنان لغضبه في رسالة ‏وجهها إليه بتاريخ 13 مارس 1957 ووصفه، كما وصف زملاءه في إدارة الجبهة بأنهم “مِن السادة ‏الذين يُفضِّلون خدمة الثورة مُدلّلين مُنعّمين. ففي الماضي كانوا في الجمعية الجزائرية، واليوم في فنادق ‏فخمة”.‏

وكان لمين دباغين و بن خدة وتوفيق المدني من المُتحاملين الأكثر إصراراً على إبعاده عن قضايا ‏الثورة. وهو يبوح لنا في دفاتره بما يأتي: “أنا مُنذ سنتين مِثل رصيدٍ مشلول في حساب بنكيّ مُجمّد”. ‏وحتى الدكتور خالدي وصالح بن ساعي لمْ يُراسلاه منذ عامٍ كامل. فالأول كان قد شارك جنباً إلى جنب ‏مع ألبير كامو ‏Albert Camus‏ وفرحات عباس في التجمع الذي نُظِّمَ من أجل”‏‎ ‎الهدنة المدنية” في ‏نادي الترقّي ثُمّ غادر الجزائر بصفة غير شرعية ليصبح لاجئاً في المغرب وصار طبيباً رئيسيا في ‏مستشفى “جبهة التحرير”. أمّا الثاني فقد صار مستثمراً صناعياًّ في نفس البلد، كما جعل ثروته في خدمة ‏الثورة. في حين كان حمودة بن ساعي يعيش معيشة ضنكاً في باتنة.‏

على الساحة الدولية سُجِّلت القضية الجزائرية في جدول أعمال هيئة الأمم المتحدة لتُناقَش بتاريخ 30 ‏جانفي 1957. وكان مؤتمر باندونغ هو الهيئة الدولية الأولى التي اعتُرِفَ فيها بحق الشعب الجزائري ‏في تقرير مصيره منذ شهر أفريل سنة 1955. وجاءت الخطوة الثانية في مسار تدويل القضية ‏الجزائرية بالتصويت الذي وقع في هيئة الأمم بتاريخ 30 سبتمبر سنة 1955 لتخرج تلك القضية من ‏إطار الشأن الداخلي الفرنسي. ‏

أما في الجزائر فقد قررت “جبهة التحرير” أن تُقدِّمَ للعالم دليلاً ساطعا على الْتفاف الشعب الجزائري ‏حولها، وذلك بتوجيه نداء للقيام بإضرابٍ عام لمدة ثمانية أيام باسم لجنة التنسيق والتنفيذ. وكان القمع ‏وحشياًّ، لكن الهدف قد تحقّق. أمّا الزعيم صاحب فكرة الإضراب العام، وهو العربي بن مهيدي، فقد ألقي ‏عليه القبض وقُتِلَ تحت التعذيب. وفي 08 أفريل 1957 تمّ اختطاف العربي التبسي في الجزائر ‏العاصمة على يد منظمة إرهابية تُسمى “اليد الحمراء”، وهي تابعة للمخابرات الفرنسية، وهي التي قتلته ‏وأخفتْ جُثمانه. وقد سارعت الصحافة الفرنسية باتهام “جبهة التحرير” باقتراف هذه الجريمة مُدّعية أنه ‏مُتهم بالخيانة.‏

ردّ بن نبي على هذا الادّعاء بتكذيبه في 10 أفريل، مُبْدِياً تعجُّبه مِن أن قيادة الثورة لم يأتِ منها أي ردِّ ‏فعلٍ. وقد ذكَرَ تلك الجريمة في نداء أصدره بعد شهرين تحت عنوان “النجدة للجزائر” ‏SOS ‎Algérie‏)، كما ذكرها في التمهيد لكتاب “الصراع الفكري” والذي صدر سنة 1960. وأهدى كتابه ‏‏”الإسلام والديمقراطية” لذلك الشيخ الجليل سنة 1968 قائلاً: “على ذكرى الشيخ العربي التبسي الذي ‏كان طيلة حياته وعمله الإصلاحي بالجزائر يسير على حَدْوِ رغبته المزدَوَجة في السعي إلى الحقيقة ‏والعدالة الاجتماعية. أرجو أن يكون هذا التكريم كفيلاً بتذكير الجيل الجديد بهذا الرجل الذي سيُحْرَمُ ‏أبناؤه حتى من قراءة اسمه على نصب قبره، لأن قوى الشر كانت تريد أن تمحو ذكراه كما أخفتْ ‏جسده”. ‏

كان الشيخ العربي التبسي شديد المُعارضة للسلطة الاستعمارية. وقد نجا من الإعدام بأعجوبة أثناء ‏الحرب العالمية الثانية كما مرّ علينا. وممّا صرّح به في ندوة نظمها في وهران شهر فيفري سنة 1954: ‏‏”سيأتي يوم تُضطرّ فيه فرنسا للرحيل… وعلى كلّ المسلمين أنْ يتّحدوا من أجل تحقيق هذا الهدف”. ‏وفي أكتوبر سنة 1955 طلب من بن جلول أن يَكُفّ نهائياًّ عن أي تعامل مع فرنسا. كما صرح في ندوة ‏نُظمت في فيفري سنة 1956 قائلاً: “على فرنسا أن تقبل بمبدإ جزائر مستقلة مباشرة مع قادة جبهة ‏التحرير” (7).‏

ويروي فرحات عباس في مذكراته أنّ العربي التبسي زاره قبل مغادرة الجزائر، واستودعه الله بهذه ‏الكلمات: “لستُ أدري إنْ كُتِبَ لنا أن نلتقي لاحقاً. ولذلك فأنا أنصحك بألاّ تنسى أبداً أنّ الجزائر مسلمة. ‏فالجزائريون يُقاتلون باسم الإسلام ويموتون راضين بذلك. ولا تَعُدْ إلى هذه الأرض إلاّ بعد تحريرها. ‏وإذا دقّت ساعة إعادة البناء في ميقات الله، عليكم بوضع الإسلام في مركز بنائكم لتنالوا عون الله” (8).‏
وجّه بن نبي رسالة إلى جيش التحرير بتاريخ 24 أفريل سنة 1957 ليُذكِّر برغبته في أن يكون هو ‏مؤرخ الثورة، مُشتكياً من أنّ “البعثة الخارجية لجبهة التحرير” لا تريد استغلال خدماته، ومُذكرا ‏بماضيه النضاليّ وما عاناه من أجل ذلك من عواقب وخيمة سُلِّطتْ على عائلته. وفي تلك الأثناء كانت ‏نيران الحرب مشتعلة داخل الجزائر.‏

وكانت معركة الجزائر العاصمة المجيدة على أشدها بين شبكات المجاهدين التي شكّلها ياسف سعدي ‏وقوات النخبة من الجيش الفرنسي، واستمرّت عدة شهور. وكان بن نبي، ككلّ الجزائريين، في حالة ‏اضطراب شديد. وقد بادر بنشر قُصاصة باللغتين العربية والفرنسية شهر جوان تحت عنوان “النجدة ‏للجزائر” ‏SOS Algérie‏) ندّد فيها بممارسة التعذيب وتقتيل الجزائريين، وذكر أنّ عدد القتلى بلغ ‏نصف مليون، ووجّه خطابه لهيئة الأمم المتحدة ليُذكِّرها بمسؤولياتها إزاء المأساة الجزائرية، كما طلب ‏إيفاد لجنة تحقيق دولية بهدف إيقاف سياسة الإبادة التي انتهجها الجيش الفرنسي. ثُمّ دعا إلى تنظيم ‏مظاهرات منددة عبر العالم. ‏

ومما جاء في تلك القصاصة: ” أؤمن بالحضارة إيماني بوجوب حماية الإنسان لأنّ الحضارة هي التي ‏تضع حاجزاً بينه وبين التوحُّش. لكننا اليوم لا نرى أثراً لذلك الحاجز الفاصل بين الإنسان المتمدن ‏والإنسان الفظ في السياسة الفرنسية… وبإزاء هذه المأساة الأخلاقية والإنسانية، لا يجوز للعالم المتحضِّرِ ‏أنْ يلتزم الصمت، ولا يصحّ أن يبقى صوت باندونغ أخرس. على الضمائر أن تشتاط غيظاً وتذمُّراً، ‏وعلى الأطفال والنساء والرجال ذوي الإرادة الطيبة أن يُنظموا مسيرات لإرغام المتحكمين في شؤون ‏العالم على القيام بواجبهم. وعلى الإنسانية أن تُحِلّ نفسها محلّ الحارسة على القوانين التي تضمن احترام ‏الشخصية الإنسانية. وبذلك يصبح بإمكانها أن تضع توقيعها في أسفل ميثاق الأمم كي تُعطيه معناه ‏الحقيقي. وهي، بإنقاذها للشعب الجزائري على هذا النحو، تكون قد أنقذت شعبيْن: أولُهما مِن التقتيل، ‏وثانيهما مِن جريمة يُريدُ الحُكامُ أنْ يُحمِّلوه تبعاتها التاريخية. وفي ذات الوقت تكون الإنسانية قد حققت ‏المُصالحة بين هذين الشعبين”.‏

أمّا “البعثة الخارجية” لجبهة التحرير فقد منع مصالحه من نشر تلك القُصاصة بحُجة أنها ليست وثيقة ‏‏”رسمية”. ولم يتمالك بن نبي غيظه فبعث إلى لمين دباغين رسالة في جويلية سنة 1957 ختمها بقوله: ‏‏”إنّ نفس القوى التي قضت على بن بوالعيد وزيغود والشيخ العربي التبسي هي التي تعمل على إبعادي ‏عن الثورة: فبعد الفشل في القضاء عليّ، ها هم ينجحون في إلغائي”. ‏

وبعد صدور هذه القصاصة بوقت قصير، أي في شهر جوان سنة 1957، شرع بن نبي في تأليف كتاب ‏تحت عنوان “الصراع الفكري “، وأنهاه في شهر سبتمبر. لكنه لن يُنشر إلاّ في شهر جويلية سنة ‏‏1960. وقد خطر بباله في وقتٍ ما أنْ يُصدره تحت هذا العنوان (“مذكرات مُجاهد في الجبهة ‏الإيديولوجية”) حيث يُلخّصُ تجربته الشخصية في هذا المجال الذي كان بن نبي هو أول مَن خاض فيه. ‏أمّا “الصراع الفكري” فالراجح أنها عبارة من تأليفه هو (9).‏

إنّ الأمر يتعلّق في هذا الصراع الفكري باستراتيجية للسيطرة على الشعوب بوسائل أخرى غير ‏الأسلحة. وهي استراتيجية هادفة إلى تجريد الخصم من السلاح وإضعافه بإثبات أن أفكاره ودوافعه لا ‏فائدة منها. وإذا تعلّق الأمر بفرد مُنتجٍ للأفكار فالواجب عزله عن محيطه الاجتماعي. وبن نبي يستشهد ‏على وجود هذه المعركة فعلاً بعدة أحداث وقعت له شخصياًّ. وهي:‏

‏1) عندما حلّ بالقاهرة سنة 1956 توجّه إلى وزارة التوجيه ليقترح عليها نشر كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية”. فأخبره الموظف الذي استقبله بأنّ ممثل جريدة ‏Le Monde ‎‏” في القاهرة قد زار ‏الوزارة قبل أيامٍ وقدّم نفس الاقتراح الذي مفاده أنّ “هناك فيلسوفاً فرنسياًّ مستعداًّ لنشر كتاب حول ‏مُقررات مؤتمر باندونغ”، وهو كتاب يتضمن طرحاً لإمكانية قيام حضارة أفروآسيوية بمساهمة غربية.‏

‏2) وفي تلك السنة نفسها تُرجِمَ كتاب “وجهة العالم الاسلامي” إلى العربية ونُشِر في لبنان باسم أستاذ من ‏جامعة صيدا، اسمه شعبان بركات (10).‏

‏3) ورد اسم بن نبي في كتاب صدر بلبنان سنة 1957، وهو يضمّ المقالات التي نُشِرت في “العروة ‏الوثقى”، المجلة التي أسسها الأفغاني ومحمد عبده بباريس سنة 1883، لكن الغريب أن بن نبي جاء ‏اسمه بين ليوبولد ويس (11) وجورج ريفوار (12) وقُدِّمَ على أنه “كاتب فرنسي دخل إلى الإسلام”. ‏وجاءت المقدمة بقلم أديب مصري كبير، وهو طه عبد الباقي سرور، وفيها يقول بكل برودة: “لقد أسْلَمَ ‏الكاتب الفرنسي مالك بن نبي لأنه عاش في شمال إفريقيا واستطاع أن يتكيف مع السكان الذين أحبّهم، ‏وقد تفرّغ لخدمة الإسلام وذاق الأمرّيْن من أجل ذلك”. ‏

أما بن نبي فكان يرى أنّ مثل هذه الأمور لم تحدث صدفة، بل بإرادة مُبيّتة تهدف إلى لف صورته ‏بالغموض وإفقاد أفكاره أهميتها في وقت كانت أعماله آخذةً في الانتشار عبر بلدان العالم العربي. ومِن ‏وجهة نظر مُعيّنة يمكن اعتبار هذا العمل تتمةً لسيرته الذاتية مُجرّدةً من ذكر الأسماء والتواريخ ‏والتفاصيل. إنه ضربٌ من التنظير لتجربته الخاصة التي يريد أن يستنبط منها قواعد اختصاص علمي ‏جديد هو “الصراع الفكري”، ذلك الصراع المرير والخفي الذي لا يجري في وضح النهار أبداً”.‏

وقد قدّم بن نبي في مذكراته تلك الحرب المُتسترة انطلاقاً من وضعيته كضحية. أمّا في هذا الكتاب ‏الجديد، فقد تقمص دور جهاز المخابرات لكي يُبيّن الطرق التي يستخدمها هذا الجهاز لكي يحقق أهدافه: ‏كيف يمكن منع فكرةٍ من الوصول إلى المجتمع، كيف نُقيمُ في وجهها مُنعكسات بافلوفية، وكيف نعزل ‏الفكرة عن العمل السياسي “بحيث تبقى الفكرة عقيمة والسياسة عمياء”.‏

ويمكن اعتبار هذا الكتاب إعادة (على مبيّضة) لمخطوطة مُذكراته التي عنوانها ” العفن”، كما يمكن ‏اعتباره رداًّ على المؤامرات المدسوسة ضده وألوان الاضطهاد الذي مورس في حقه. فهو يعود إلى ‏الضغوطات التي مارستها معه الشرطة الفرنسية، وإلى مواقف الأحزاب السياسية الجزائرية والعلماء ‏ضده أثناء الحقبة الاستعمارية، وإلى وابل النيران التي وُجهتْ إلى كتاب “شروط النهضة” عند صدوره ‏سنة 1949… وقد جرى كلّ هذا، كما يقول بن نبي، من أجل “المحافظة على استقلالِ فكري وقلمي”.‏

لكن بن نبي لم يستقِ أمثلته من تجربته وحدها، بل أخذها من الأحداث الدولية الحاضرة، ومن ‏المواجهات الجيوستراتيجية التي كانت تُميِّزُ عصره. ومِن أمثلة ذلك إنشاء دولة باكستان التي بقي يعتقد ‏أنها “سدّ يمنع الإسلام من الانتشار في الهند” (13).‏

أمّا من الناحية الفلسفية فقد تمكّن من تجاوز هَوَسِ الحرب العالمية الثالثة، إذ صار يعتقد أن المعركة ‏ستجري في ساحةٍ أخرى، وهي ساحة الأفكار، فيقول: “إنّ الحرب العالمية الثالثة التي انتظرناها طيلة ‏عشر سنوات صارت غير محتملة إطلاقاً. فالأمر لم يعُدْ مُتعلِّقاً بالانتصار في الحرب، بل بتحقيق السِّلْم”‏‎.‎

وهكذا صار بن نبي يستعمل لغة المختصين في الجيوسياسة، إذ يتحدث عن الرهانات الجديدة وعن دور ‏الصراع الفكري في إطار الوضع الجديد: “إذا صحّ أن هناك مراقبة دولية لحركة الأسلحة والذخائر، ‏فنحن عموماً نجهل أن هناك كذلك مراقبة لحركة الأفكار. إننا لا نعرف أن في مختلف بقاع العالم مراصد ‏مختصة تُتابع حركة الأفكار باهتمام، وذلك بتسجيل ظهورها، ومسارها، وإشعاعها، وتغيُّر اتجاهاتها في ‏مختلف الأوساط. وتشتغل هذه المراصد كما تشتغل المراصد الفلكية التي تدرس حركة النجوم ‏والكواكب” (14).‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1-‏ عندما غادر بن نبي مصر سنة 1963 أوْدعَ دفاتره وبعض المخطوطات عند عمر مسقاوي الذي أعادها له بتاريخ ‏‏27 جوان 1969. ولمّا استلمها منه بن نبي كتب هذه الملاحظة بتاريخ 24 جوان 1969: “ألاحظ غياب ثلاثة أو ‏أربعة دفاتر ملاحظات. فبين يديّ ثلاثة من بين ستة أو سبعة كُنتُ أودعْتُها عنده. فمُذكراتي إذاً مبتورة في جزءٍ ‏منها. وينتابني إحساس بأن اليد التي قامت بذلك قد أحسنت الاختيار. ومع ذلك فإني متأكد من أن ذلك لم يحدث عند ‏مسقاوي”.‏
‏2-‏ عُثِرَ في أرشيف بن نبي على قصاصات من الصحف تدلّ على أنّ ذلك الموظف السامي قد تمّ اعتقاله على يد ‏المخابرات المصرية بعد ذلك بوقت قصير مُتلبِّساً بتهمة “التعاون مع العدو”.‏
‏3-‏ ارجع الى ” رسالة الى اعضاء البعثة الخارجية لجبهة التحرير” المؤرخة في 14 اوت 1956‏
‏4-‏ جاء عنوان الرسالة التي سلّمها بن نبي للدكتور لمين دباغين بتاريخ 5 نوفمبر 1956 في مقر “جمعية العلماء” ‏بالقاهرة بغرض قراءتها على أمواج الإذاعة بهذه الصيغة: “رسالة مفتوحة من مثقف جزائري إلى السيد جي مولي ‏Guy Mollet‏”.‏
‏5-‏ إن هذه المعلومة الأخيرة جديرة بالاهتمام. فهي ذات أهمية بالنسبة للمختص في فكر بن نبي، إذ بإمكانه أن يجد فيها ‏إجابة على هذا السؤال المُحْرِج: لماذا ألّف بن نبي فكرة “كومنويلث إسلامي” الذي يحبذ فيه اتحادا جهويا قاعدته ‏الاعتبارات الثقافية، وذلك عاميْن بعد إصداره لكتاب “النزعة الأفروآسيوية” سنة 1956 الذي حبّذ فيه النزعة ‏العالمية؟ إن الإجابة عن ذلك مُتضمّنة في هذه الوثيقة: فخُطّة “الكومنويلث” كانت جاهزة قبل نشر كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية”. ويجب أن نضيف إلى ذلك خيبة أمل بن نبي أمام المصير الذي لقيَهُ كتابه.‏
‏6-‏ المرجع ‏‎« A la veille d’une civilisation humaine ? 4 », la RA du 29 juin 1951‎‏. وهذه الخاطرة ‏التي عنّتْ لبن نبي شبيهة بخاطرة نابليون الذي قال عشية معركة روسيا: “أشعر بأني مُتّجه إلى هدف أجهله. وإذا ما ‏حققتُ هذا الهدف وصرْتُ شيئا زائداً، فستكفي ذرة واحدة لتحطيمي. لكن في انتظار ذلك الوقت، فإن كل قوى البشر ‏لن تستطيع أن تفعل شيئا ضدي”. كانت عزيمة هذين الرجلين واحدة. لكن أحدهما كان قائداً لأعظم جيش في زمانه، ‏بينما كان الثاني يتخبط بمفرده على جبهة الصراع الفكري التي يُصارع فيها الاستعمار وقابلية الاستعمار اللّذين ‏اتّحدا ضده.‏
‏7-‏ ارجع الى عمار هلال المرجع المذكور سابقا
‏8-‏ المذكور في “فرحات عباس، جزائر مختلفة” المذكور سابقا
‏9-‏ في محاضرة ألقاها في شهر ماي سنة 1973 بباتنة (ونُسختها المكتوبة موجودة) أعلن بن نبي قائلاً: “أظن أنني ‏أول مَن استعمل مفهوم “الصراع الفكري منذ خمس عشرة سنة”.‏
‏10-‏ علّق ابن نبي على تلك القرصنة بهذه العبارات: ” إنهم لا يُريدون أن يتركوا الأفكار تحت اسمٍ واحدٍ، فلا بُدّ من ‏تشتيتها. وهذا الأسلوب من طرق الحط من قيمة الأشياء. لقد أقْدَمَ المُسمّى شعبان بركات على فعلته بمساعدة دار ‏النشر ‏Seuil‏… وهذه المؤسسة هي الأكثر شيوعاً في الجزائر إلى يومنا” (ماي 1973).‏
‏11-‏ صار اسمه محمد أسد، وهو كاتب (الطريق إلى مكة) و (الإسلام في تقاطع الطرق). كما أنه هو الذي أنشأ يقول: ‏‏”مالك بن نبي مؤلف فرنسي دخل إلى الإسلام ودافع عنه بحماس”.‏
‏12-‏ حيدر بمات هو مؤلف كتاب “وجوه من الإسلام” الصادر سنة 1946، والذي أعيد نشره في الجزائر سنة 1991 ‏Ed. ENA‏ بمقدمة لأحمد طالب الإبراهيمي. ويقول عنه بن نبي في واحدة من أواخر مُداخلاته العامة (مُحاضرة ‏في ‏ENAC‏ بباتنة في 14 ماي 1973): “أتيح لي أن تعرفت به في المعهد الإسلامي بباريس. وقد أرسل لي كتابه ‏مُرتكباً حماقة تسجيل اسمه القديم بين قوسين على الغلاف، وهو: جورج ريفوار ‏Georges Rivoire‏…”. وكان بن ‏نبي يعتقد أنه كان عميلاً للأنجليز.‏
‏13-‏ ممّا جاء في ملاحظة كتبها ماسينيون سنة 1929 حول مُسلمي الهند: “إنّ هذه المجموعة في تطور واضحٍ منذ أزمة 1857، وهي ‏مُنضبطة بفضل مؤتمراتها السنوية. ومن جميع وجهات النظر فهي مجموعة تتمتع، بإزاء الأغلبية، بلغة واحدة، وهي اللغة الأوردية ‏التي قد تصير هي اللغة الرسمية في الهند، كما تتمتع بأبجدية كتابية واحدة وهي الحروف العربية. ومنذ سنة 1919 تمكن القادة ‏المسلمون في الهند من تنظيم مطالب موحدة مع الأغلبية الهندوسية مُشكِّلة بذلك كتلة مُتجانسة وصلبة في مواجهة السلطات البريطانية ‏التي عجزت لحد الآن عن تحطيمها”. وهذه النظرة التقديرية جاءت مصداقاً لرؤى ابن نبي حول تلك المسألة.‏
‏14-‏ ينص القانون الأمريكي المُسمّى باتريوت أكت ‏Patriot Act ‎‏ على حق أجهزة الأمن في استقاء كل المعلومات من ‏المكتبات حول قراءات أي شخص.‏

You may also like

Leave a Comment