Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (24)‏

حياة مالك بن نبي (24)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

هنا يتوقف مُسلسل العلاقات المُضطربة بين هاتين الشخصيتين العجيبتين: مالك بن نبي ولويس ‏ماسينيون. فمَن يكون هذا الرجل المُبجل في أوساط الدارسين المختصين بالإسلام باعتباره أيقونة، والذي ‏يُحمِّلُهُ بن نبي مسؤولية كل الاضطهاد الذي سُلِّط عليه منذ وصوله إلى فرنسا؟

وُلِدَ ماسنيون في نوجان سور مارن ‏Nogent-sur-Marne‏ في ناحية باريس سنة 1883. أصبح ‏مُشتركاً في نشرية “لجنة إفريقيا الفرنسية” (‏Comité de l’Afrique française)‎‏ منذ الثانية عشرة ‏من عمره، والتي صار فيها عضواً حتى سنة 1940. تعرّف في سن السابعة عشرة بأحد أصدقاء والده، ‏وهو جورج شارل هويسمان ‏Georges Charles Huysmans‏ (1)، الكاتب “المنحرف” الذي أُعيدَ ‏إلى طريق الإيمان على يد قس “شيطاني”، وهو رئيس الدير ج. ب . بولان ‏J.B Boullan‏ من مدينة ‏ليون. وبعد إنهاء دراساته الفلسفية والرياضية شرع في دراسة اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية ‏بباريس.‏

وفي سنة 1905، وهي سنة ميلاد بن نبي، شارك ماسنيون في مؤتمر المستشرقين المنعقد بالجزائر. ‏وسافر في السنة نفسها إلى مصر حيث، وبحسب ما قاله بنفسه، “وجد وجهته في مجال الاحتكاك ‏الروحي بين المسيحية والإسلام”. وهناك تعرّف على شاب إسبانيّ اسمه لويس دي كوادرا ‏Luis de ‎Cuadra‏ الذي كان أول مَنْ مكّنه من اكتشاف المتصوّف الفارسي الحلاّج (857-922). وسيعيش ‏برفقة هذا الإسباني ما أسماه بـ “فصل في الجحيم”. والأمر يتعلق هنا بِمِثليته، ولسنا ندري أكانت فيه ‏هذه الهِنة من قبلُ، أم أنها حالة جديدة عنده.‏

انتقل إلى المغرب سنة 1906 في إطار إعداده لشهادةٍ حول المؤرخ المغاربي الوزاني المُلقب ‏Léon ‎l’Africain‏ الذي أُدخِل إلى الكاثوليكية عُنوَةً بعد القبض عليه. وهناك اكتشف أعمال المُبشِّر الغريب ‏الأطوار شارل دوفوكو‎ ‎‏ ‏Charles de Foucauld‏ الذي قُتِلَ سنة 1916 في الجنوب الجزائري بسبب لعبه ‏المزدوج (2).‏
انتقل سنة 1907 إلى العراق في إطار مهمة “أثرية” ‏‎« archéologique » ‎، وارتبط بأحد الشبان ‏المرافقين للقوافل. وهو الذي رافقه في صحراء أخيدير. وسيُطلِق على تلك المرحلة نعت “لعنة كربلاء”. ‏ألقى عليه الأتراك القبض بتهمة التجسس. وكان يعيش حالة من التمزّق بين إغراءات “النار الإلهية التي ‏قضت على سودوم”، والذي دفعه إلى التفكير في الانتحار وفي التوبة، حتى جاء يوم 03 أو 04 ماي ‏‏1908 الذي، وحسب ما يقول هو، تلقى فيه من العناية الإلهية إشارة: “زيارة الغريب”. وقد أحدث هذا ‏التّجلّي الإلهي انقلاباً عظيماً في حياته.‏

رجع ماسينيون إلى فرنسا وكانت رغبته في أن يصير قُساًّ، وعاد إلى مراسلاته مع شارل دوفوكو ليلتقي ‏به مراراً في باريس. وفي سنة 1912 رحل ثانية إلى مصر حيث راح يُقدِّمُ دروسا في جامعة القاهرة، ‏وكان من طلبته طه حسين ورشيد رضا ومصطفى عبد الرازق. وكان زواجه في سنة 1914.‏

جُنِّدَ في الحرب العالمية الأولى في جبهة الدردنيل ثُمّ نُقِلَ إلى بعثة سايكس – بيكو. وصار، بين 1917 و ‏‏1919، نائب ضابط لدى المحافظ السامي لفرنسا في سوريا وفلسطين، وحلّ في القدس برفقة لاورانس ‏العرب ‏Lawrence d’Arabie‏. وعُيِّنَ كلاهما نائباً للأمير فيصل (1883-1933) أثناء ثورة عرب ‏الجزيرة الشهيرة.‏

عاش طيلة حياته بحُرقة”‏‎ ‎سرِّهِ النّاريّ”‏‎ ‎‏. لكنه أقبل بنهمٍ على التصوّف، وكان جلّ اهتمامه بأولئك الذين ‏أذنبوا لكنهم يصْبُون إلى أعلى درجات القداسة. وشهدتْ سنة 1921 انتحار صديقه الإسباني بعد اعتناقه ‏الإسلام.‏

ناقش ماسينيون سنة 1922 أطروحة دكتوراه حول ” شغف الحلاّج” (‏‎ Passion d’al-Hallaj‏) الذي ‏كان يرى فيه “الشهيد الصوفي في الإسلام”. وقد أهدى أطروحته لشارل دو فوكو. والحلاج متصوف ‏فارسي ادّعى جهاراً أنه مِن طبيعة إلهية، وأنّه يجب أنْ يُقتل كي ينجو بنفسه من حياة البشر ويلتحق ‏بالملإ الأعلى. وكان يؤكد كذلك أنّ الله يتكلم من فمه. ‏

وكان ماسينيون يعتقد أن في موقف الحلاج سعياً إلى نيل الشهادة على طريقة المسيحيين الأوائل، وحاول ‏في أطروحته أن يُثبِتَ وجود تطابقات بين “شغف الحلاج” و “شغف المسيح”. أمّا بوسوي ‏Bossuet‏ ‏فكان يقول عن المسيحيين الأوائل الذين يُضحون بأنفسهم بين أيدي الرومان أنّهم كانوا تحت تأثير ‏‏”الشغف بالتضحية”. وهذا ما كان ماسينيون يعتقد أنه استشفّه مِن تضرّع الحلاج إلى مُعاصريه كي ‏يضعوا حداًّ لحياته. ‏

و صرّح في سنة 1924 بأمنيته في أنْ ينال “لعنة المُذنبين الأبدية”. وكتب “ملاحظاتي حول توبتي” ‏‏(‏Notes sur ma conversion ‎‏) حيث يتصادم “السِّرّ” والإيمان في عالم غير مرئيّ، ذلك الإيمان ‏الذي يُصرّح بأن الفضل يعود إلى الحلاج في عودته إليه (فلا فضل في ذلك لهويسمان ولا لـ دو فوكو). ‏وهذا أمرٌ غريب للغاية. وهو يقول إنّ عودته إلى الإيمان كانت “مِن أغوار الهوّة التي كنتُ أحيا فيها بلا ‏كرامة”. ‏
كان يشعر بقربه من الحلاج لأنّهُ شخصٌ “مَوْصوم” وأنه “راغبٌ في الوصم وباحث عن الشهادة”. ‏وواقع الحال أنّ الحلاّج لم يقع في الغواية التي طالما اكتوى ماسينيون بنيرانها (3). ‏

عُيِّنَ سنة 1926 أستاذاً مُحاضراً للسوسيولوجيا الإسلامية (علم الاجتماع الاسلامي) في الكوليج دو ‏فرانس ليُعَوِّضَ الرائد ألفرد لو شاتوليي ‏Alfred Le Chatelier‏ الذي يصفه بأنه “مُبدع ورقلة الذي ‏أنشأ كرسي السوسيولوجيا الإسلامية في الكوليج دوفرانس، والذي عوّضتُهُ فيه لمدة ثلاثين سنة. وهو ‏الذي كان يُنظّمُ دخولنا إلى المغرب بتحقيقات كنتُ أشارك فيها، مثل تحقيقات حول “قضايا الأنديجان” ‏التي أدخلتُ عليها تحسينات حتى صارت تتّسم بالشّدّة” (4).‏

ويُضيف في نصٍّ آخر قائلاً:”دفعني إلى القيام ببعض التحاليل النفسية وإعداد إحصائيات القبائل ورسم ‏بعض المخططات لقِمَمٍ عسكرية، مِن قبيل “الهاندبوك أوف أرابيا” التي كان يُعِدُّها مكتب الشؤون ‏العربية في القاهرة، والذي تولّى تسليح لاورانس العرب وألهمني في بداية مسيرتي لإنجاز “دليل العالم ‏الإسلامي” (5). في سنة 1933، أصبح مدير دراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا و شغل ‏هذين المنصبين الى غاية 1954.‏

وبعد لقائه مع البابا سنة ‏‎1949‎‏ سُمِحَ له بإنشاء تنظيم لطقمٍ يوناني كاثوليكي مُوحّد في روما، وبأداء ‏صلوات باللغة العربية. وفي سنة 1950 كُلِّفَ سِرِّياً بمهمة قس في كنيسة سانت ماري دو لابي ‏Sainte-Marie-de-la-Paix‏ بالقاهرة. ثُمّ أنشأ‎ ‎‏ في 1953 “لجنة الوفاق بين فرنسا والإسلام” ‏‏(‏Comité d’Entente France-Islam ‎‏) التي انتمى إليها بن نبي لمدة قصيرة، ثُمّ “لجنة فرنسا ‏والمغرب”‏‎ ‎‏(‏Comité France-Maghreb‏). وأقام علاقة مع الكاردينال جان دانييلو ‏Jean ‎Daniélou‏ الذي لقي حتفه سنة 1974 في ظروف هزّت مشاعر الرأي العام الفرنسي.‏

وقد لعب لويس ماسينيون من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى موته دوراً هاماًّ، وغامضاً كذلك، في ‏السياسة الفرنسية بالبلدان الإسلامية. كان عضواً في “المخابرات الخاصة” (‏services spéciaux ‎‏) ‏وكذا في عدة لجان وزارية مشتركة، ومِن بينها تلك اللجنة المكلفة بالشؤون الجزائرية أثناء الحقبة ‏الاستعمارية (الإعداد للاحتفال بالذكرى المئوية للجزائر، والقانون الجزائري سنة 1947…) (6).‏

ويبدو أن ماسينيون كان وراء تدبير”الظهير البربري” في المغرب سنة 1930 (7). وغداة الأحداث ‏التي عاشتها مدينة الدار البيضاء في المغرب‎ (‎بعد اغتيال فرحات حشاد (1953) أنشأ يقول: “سيكون ‏لزاماً علينا أن نتّخذ العربية كلغة وطنية ثانية في الجزائر إذا أردنا أن نبقى وكأننا في ديارنا عند ‏المتكلمين بها، وأن نبني معهم مستقبلاً مشتركاً” (8).‏

وهذا ما يُبيِّنُ أنه بقي ثابتاً على موقفه الفكري منذ أنْ قال في سنة 1939:”إذا أرادت فرنسا أن تبقى ‏على قيد الحياة فعلينا أنْ نفهم العالم الإسلامي بِرُمّته. والمشكلة الإسلامية تُمثل عندنا شأناً أعظم ممّا هو ‏عند بريطانيا العظمى التي تعتبره مشكلة خارجية أمبريالية اقتصادية تتلخص في: السيطرة على الهند ‏وطرق الهند. أمّا بالنسبة لفرنسا فهي مشكلة اجتماعية داخلية ذات بنية وطنية تتلخص في: كيف نُدمج ‏مواطنينا المسلمين الجزائريين في البيت الوطني. وبالإضافة إلى ذلك فهذا هو الشرط الوحيد الكفيل ‏بحفظ مستقبل المُعمِّرين بني جلدتنا الذين لا يمثلون في الجزائر إلاّ نخبة تُقدّر بـ 18 ‏‎%‎‏ من مجموع عدد ‏السكان” (9).‏

وبمُجرّد أن اندلعت الثورة الجزائرية عُيِّن فانسان مونتاي ‏Vincent Monteil‏ الذي كان من طلبة ‏ماسينيون، وهو بدوره مستشرق مُعرّب، كرئيس للديوان العسكري لدى جاك سوستال ‏Jacques ‎Soustelle‏ الحاكم العام للجزائر، كي يستطلع الأوضاع. وفي شهر فيفري 1955 قام فانسان مونتاي ‏بزيارة إلى سجن بربروس (سركاجي)، حيث كان بن خدة وكيوان، وهما عضوان في “اللجنة المركزية” ‏لحركة “انتصار الحريات الديمقراطية”، وقد سُجِنا من بين مَنْ سُجِنَ بسبب شُبهة المشاركة في تفجير ‏الثورة المسلحة، وهذا ما لم يكن مُطابقاً للواقع. ولأجل ذلك عمل على إطلاق سراحهما.‏

وبعد ذلك انتقل مونتاي إلى تونس حيثُ يوجد مصطفى بن بو العيد سجيناً منذ 11 فيفري. وبعد ‏المحادثات التي أجراها معه تمّ نقل مصطفى بن بو العيد إلى سجن قسنطينة الذي فرّ منه، ثُمّ قُتِلَ بعد ذلك ‏بأشهر معدودة بواسطة طردٍ بريدي مُفخخ مِن صنع المخابرات السريّة الفرنسية. وفانسان مونتاي هو ‏الذي توسّط لأحمد فرنسيس كي يُستقبَلَ من طرف الحاكم العام. وأحمد فرنسيس كان مُقرّباً لدى فرحات ‏عباس والشيخ خير الدين (عضو “جمعية العلماء”)، كما كان مُقرّباً من مصالي ومُمثِّلاً لـ”المركزيين”، ‏فكانت زيارة الحاكم العام بغرض تقصّي الوضع الجديد الذي صار يُواجه فرنسا الاستعمارية.‏

وقد اتّخذ ماسنيون مواقف مُعادية للاستعمار أثناء ثورة التحرير، لكنه لم يكن من دعاة الاستقلال. فهو ‏يتحدّث في نص له مؤرخ سنة 1956 عن “إرهابَيْنِ مُتخاصميْن جعلا من الجزائر أرضاً محروقة”. ‏وغداة مظاهرات 11 ديسمبر 1960 (وكان يُسمّيها أحداث شغب)، تلاَ صلاةً “من أجل سلامٍ وسكينة ‏بين المسيحيين والمسلمين. ويبقى أن نُقنِعهم بقبول بناء مستقبل جديد والعيش فيه معاً” (10). وقبل ‏موته ببضعة أسابيع كتب ماسينيون رسالة كوصية لماري كحيل ‏Mary Kahil‏ وهي ناسكة موصومة ‏أخرى: “لقد قبلتُ أن تلحقني لعنة مُستحقة زاهداً في كلّ شيء، لأنني أعرف أنّي بهذه النيران الرهيبة ‏التي أصلاها الآن أكون قد رشقْتُ قلبي بنظرة حنان وعتاب من عين الصديق المصلوب على يديَّ أنا ‏شخصياًّ…”. فهل يقصد صديقه الإسباني الذي انتحر؟ وقد توفي ماسنيون يوم 31 أكتوبر سنة 1962، ‏وتشاء الصُّدف أن يُتوفى بن نبي بعده بإحدى عشرة سنة في نفس التاريخ.‏

ويمكن اعتبار ماسينيون هو مؤسس مدرسة الاستشراق الفرنسية في القرن 20، والأب الروحي لعدة ‏وجوهٍ تخرّجتْ من تلك المدرسة. ومن بين أصدقائه وتلاميذه: طه حسين ومحمد إقبال ورشيد رضا ‏ومصطفى عبد الرازق وعلي شريعاتي، إلخ. كما كان له تأثير في معظم المستشرقين الفرنسيين، من ‏أمثال: هنري كوربان ‏Henry Corbin، ومكسيم رودنسن ‏Maxime Rodinson، وفانسان مونتاي ‏Vincent Monteil، وهنري لاوست ‏Henri Laoust، ولويس جاردي ‏Louis Gardet، وجاك ‏بيرك‎ Jacques Berque، وجان بول شارناي ‏Jean-Paul Charnay‏ ، وجان ديجو ‏Jean ‎Déjeux‏…‏

وجدير بالذكر أنّ أكبر تلامذته، وهو فانسان مونتاي، قد أسْلَمَ سنة 1977 في موريطانيا، وهذا ما تسبب ‏في تحوُّلِهِ مِن رجلٍ يحظى بتكريم دُور النشر ووسائل الإعلام والجامعات، إلى شخصٍ منبوذٍ، وأغلِقتْ ‏في وجهه كلُّ الصحف ودور النشر (11). وقد اختار اسم “منصور” بعد إسلامه، اقتداءً بالحلاج. عندما ‏زرتُ فانسان مونتاي سنة 1978 في بيته- المتحدث كاتب هذه الاسطر- أعطاني نسخة من كتاب ‏أصدره منذ وقت قصير وفيه إهداء بقلمه، وقد نشره على حسابه الخاص، وكان سببا في تعرّضه للتهديد ‏بالقتل (12). فصار يعيش مُتخفِّيا في بيته خوفاً من الاغتيال. وقد سبقه إلى هذه التجربة المُرّة كلّ من ‏جارودي ‏Garaudy‏ (13)، وإيفا دو فيتراي مييروفيتش ‏Eva de Vitray-Meyerovitch‏ ، ‏وجينون ‏Guénon‏ ، وديني‎ Dinet‏ ، وشيرفيس‎ Cherfils‏ ، وكورتلمان ‏Courtellement‏ وآخرون ‏ممن تعرّضوا لهذا النبذ مثله.‏

عاش ماسينيون حياة متعددة الوجوه، وصدرت منه سلوكات مختلفة فيما بينها غاية الاختلاف، ونطق ‏بألوانٍ عدة من الكلام. وكان يحب أن يقول عن نفسه أنه “مسيحيّ يُفكِّرُ بالعربية، وهو مُتنكِّر في صورة ‏عربيٍّ”. وقد أنشأ يقول: ” كان بالإمكان أنْ أُقْتَلَ مرات عديدة كجاسوس في أرضِ الإسلام لولا أنّ مبدأ ‏الأمان حماني وأنقذني” (14).‏

وهو أشبه ما يكون في التعددية القطبية لشخصيته بالشخصية التي اجتمع فيها كلّ من الدكتور جيكيل ‏Dr. Jekyll‏ والسيد هايد ‏Mr. Hyde ‎‏: فهو المنحرف والورِع، وهو القُسّ بلا لباس كنسيّ، وهو رجل ‏الكنيسة واللائكيّ، وهو الجاسوس والفيلسوف، وهو العالم والعسكريّ… كان صديقاً للقديسين ولأتباع ‏الشيطان، للجلاّد وللضحية، للمُعمِّرِ وللأنديجان. وقد تجسّدت فيه فكرة الاستشراق في خدمة الاستعمار، ‏وهو الذي شخّص فرنسا الأمبريالية، الاستعمارية والتبشيرية، وهيمن على الإسلامولوجيا (الاستشراق) ‏التي أراد أن يضعها في خدمة الوجود الفرنسي في العالم الإسلامي.‏

كان رجل التمويه والتحوُّل. ولا شك أنّ مخالطته لـ لاورانس العرب في مرحلة شبابه قد تركت بصمة لا ‏تمّحي في شخصيته. فلاورانس كان مُعرّباً جاسوساً كاتباً و”منحرفاً” حسب ما يُستفاد من بعض ‏المصادر. إلاّ أنّ التأثيرات التي اعترف بها ماسينيون هي تلك التي تركها فيه ضابطان فرنسيان كُتِبَ ‏لهما أنْ يعودا إلى المسيحية ـ دين أجدادهما ـ بفضل الإسلام، إنهما إرنست بسيشاري ‏Ernest ‎Psichari ‎‏(1883-1914) وشارل دوفوكو ‏Charles de Foucauld‏. ‏

فهذان الضابطان ومعهما الرائد لوشاتوليي ‏Le Chatelier‏ قد حملوا السلاح ضد مسلمي شمال إفريقيا ‏قبل أن يقصدوا إخضاعهم للعقيدة الكاثوليكية. ومما كتبه عن ذلك في وقت لاحق: “ذلك أنّ جيشنا، ‏وللأسف، لم يكن يُقاتل إلاّ من أجل مصالح مادية، بينما هُمْ كانوا يُقاتلون إكراماً لله الأحد، الله أكبر، ‏وسلاحهم العقيدة الراسخة التي لم نعُدْ نحن نعرفها. لكنْ لا ‏‎!‎‏ فبعضُنا قد وجدها ثانيةً، وفي المسيح الجريح ‏المتألم، عندما احتكوا بأولئك المهزومين” (15). وقد يكون من المفيد أنْ نضيف لهؤلاء الثلاثة اسم ‏البروفيسور روبار مونتاني ‏Robert Montagne، وهو ضابط قديم وأستاذ في السوسيولوجيا ‏الإسلامية في الكوليج دوفرانس، وهو الذي أنشأ سنة 1936 “مركز الدراسات والإدارة الإسلامية”، وقد ‏انتقده بن نبي بشدة في مقال له بعد تصريحات جارحة للمسلمين (16).‏

ترك ماسينيون عدة آثار مكتوبة، وهي دراسات جُمِعَ مُعظمُها في كتابين، هما: “أوبيرا مينورا ‏Opéra‏)‏‎ ‎Minora ‎‏) بألفين وخمسمائة صفحة ‏‎!‎‏ و”وعدٌ مقطوع ” (‏Parole donnée ‎‏). وهي آثار مُجرّدة من ‏الروح والعاطفة، وأسلوبها نظير أسلوب البرقيات أو حتى “نشريات الإعلام اليومي (‏bulletin de ‎renseignement quotidien‏ ـ ‏BRQ‏ ـ ) المُستخدمة في أجهزة المخابرات.‏

ولا مكان للبراءة والمجانية في تلك الآثار. فكل شيء متعلّق بغايات سياسية أو إيديولوجية أو ‏استراتيجية. وقد جاءت غالباً في شكل ملاحظات أو تقارير أو لمحات عامة أو بطاقات فردية أو مُشفّرة. ‏وجاءت النصوص ذات البعد الروحي مُجاورة للنصوص السياسية في هذا العمل الضخم الفياض ‏والمُتشابك، حيث يبدو ماسينيون ذا ثقافة غير محدودة وذا علمٍ مُتشعبٍ تشعُّبا منقطع النظير. لكن كل ‏شيء جاء مفروماً مُجزّءاً ومُتناثراً. ‏

ويبدو ماسينيون من خلال آثاره مُختصاًّ هادئاً لا يتزعزع له وجدان، مُعبِّراً بأسلوب جافٍّ مُجرّدٍ من ‏الجمال الجذاب وصعب التعاطي. فلا مكان لميول العواطف، ولا للمبالغة في الإطراء، ولا أثر ‏لـ”العقيدة”. ونادراً ما يُصرّح الكاتب بما يشعر به لأنه حريص على كبت كل مشاعره. ونظراً لغموضه ‏العام، فهو لا يُصرِّح برأيه بل يلتزم بسلوك العامل الوفي المحترم لحدود التكتُّم. وكأنّه لا يستعمل عينيه ‏في النظر إلى الأشخاص الذين يتعامل معهم، بل يتتبع خُطاهم بعدسة كاميرا مُركبة على رأس إنسان ‏يلتقط ردود أفعالهم ويسبُر أغوارهم كي يتّخذ القرار المناسب بخصوص حياتهم المهنية.‏

فهذا نصٌّ مؤرخ في سنة (17) 1952، سجّلَ فيه ماسينيون رأي شخصيتين فيه، وهما من الشخصيات ‏المذكورة في عملنا هذا. إنهما حمودة بن ساعي والشيخ البشير الإبراهيمي، فيقول: “يرى رئيس العلماء ‏الإصلاحيين في الجزائر في جريدة “البصائر” أنني قضيتُ خمساً وعشرين سنة لأنسج لنفسي قناعاً، ‏وأنني كُنتُ أفظع عضو في الطابور الخامس، وأن الطابور الاستعماري الخامس، طبعاً، هو الذي يشتغل ‏من خلال قناعي الروحاني. وجاءني نقد بمستوى أعمق، وبوقعٍ نفسيٍّ أقسى، مِن مسلمٍ جزائريّ آخر، إنه ‏محمد بن ساعي من باتنة، وهو الرئيس الأسبق لـ”طلبة شمال إفريقيا الوطنيين” بباريس. إنه رجلٌ يُفكِّرُ ‏بجدّ، يعيش مُنزوياً، لكنه من رؤوس المُعارضة لمشروع فرنسة الجزائر. كان مريضاً في يومٍ من الأيام ‏بباريس، حيث أشرفتُ عليه لإعداد شهادة في الدراسات العليا في السوربون، إذ كتب لي قائلاً: “لنْ ‏أُسامح نفسي على أنني أحببتكم، لأنكم جرّدتموني من سلاحي. كُنتُمْ أفظع مِن أولئك الذين أحرقوا ديارنا ‏وتعدّوا على حرمات بناتنا وخنقوا بالدخان شيوخنا. جرّدتموني من السلاح طيلة سنوات عديدة من حياتي ‏باستدراجي إلى الاعتقاد بوجود إمكانية للتصالح والوفاق بين الفرنسي الذي هو مسيحي والعربي الذي ‏هو مسلم” (18). ‏

وإجابة عن تلك الاتهامات أنشأ ماسينيون يقول: “لقد فَقَدَ المسلمون بعد الاحتكاك بنا روح الكرم البطولية ‏التي مورستْ حتى مع العدو”. ويحكي في نص آخر كتبه بعد ذلك بعامين قائلاً: “كُنتُ في القاهرة سنة ‏‏1946، استجابة لدعوة المشاركة في الدورة السنوية لمعجم مجمع اللغة العربية، فدلّني السفير (الفرنسي) ‏على أربعة أعمدة في جريدة “الدستور” في طبعتها المؤرخة في 16 نوفمبر 1946 ، وجاءت تحت ‏عنوان “أسرار الاستعمار الفرنسي في المغرب: قسّ جاسوس في خدمة الاستعمار”.جاء هذا المقال تبعاً ‏لمقال آخر مؤرخ في 31 أكتوبر تضمنت نقلاً لرسالة موجهة من طالب جزائري مسلم إلى أحد أساتذته ‏في باريس (وهي الرسالة التي بعثها لي حمودة بن ساعي)… توجّهتُ إلى الكاتب، فاكتشفتُ أنه السيد ‏لطفي جمعة، وهو أحد أصدقائي الذين درسوا الحقوق في باريس” (19). ‏

وفي نفس السياق الفكري يذْكُر ماسينيون أحد المثقفين السوريين، وهو الدكتور عمر فروخ، أستاذ في ‏الجامعة الأمريكية ببيروت، وهو الذي طرح هذا السؤال في أحد مؤلفاته: ” لماذا انكبّ هذا المستشرق، ‏مؤرخ العلوم الروحانية، على الاشتغال بالسياسة؟”.‏
فأجابه ماسينيون بتهكّم لاذع: “يبدو أنني فشلْتُ مع هؤلاء الأشخاص الثلاثة. لكنني أرجو أن أكون أكثر ‏تفهُّماً وأكثر إقناعاً أمامكم. وبالفعل، فالأمر يتعلّق بموقف روحاني حاولتُ إسقاطه في مجال دراسة ‏الظواهر السياسية… وقد يقول مُعارضٌ: ما الجانب “الذهني” و “الروحاني” الذي وجدتموه في أزمة ‏البترول في المشرق؟… إنّ الرئيس نوري باشا سعيد رجلٌ أعرفه حق المعرفة منذ أنْ كُنّا ضابطين في ‏الفصيل العربي سنة 1917. ولقد بقي في خدمة أنجلتيرا بأساليب تكشف عن حسن تَأَتِّيهِ للأمور. فقد ‏نجح نجاحاً باهراً بافتكاك مكسبٍ رَفَضَ الأنجليزُ مَنْحَهُ لمُصدّق. إذ حصل على ثروات بترولية لم تُلحِقْ ‏ضرراً كبيراً بالميزانية الأنجليزية لكنّها ضاعفت من حجم الميزانية العراقية… وفي الوقت الحاضر لا ‏يزال العراقيون يطلبون منّا أنْ نُمكِّنهم من اجتياز امتحانات الدكتوراه في الحقوق، وقد اشتغلْتُ شخصياًّ ‏مدة خمس عشرة سنة باستقبال طلبتهم المستفيدين من مِنَحٍ في باريس. فهل أكون بهذا قد ساعدْتُ ‏الاستعمار من الناحية الفكرية؟… وما دام بلدي مُتشبِّثاً بأولوية الشأن الثقافيّ فإنني سأبقى مهتماًّ بمثل تلك ‏الطلبات. وليس ذلك بدافع الوطنية الكامنة الهادفة إلى إيجاد وقعٍ سياسيّ تجاوَزَهُ الزمن، أو بدافع توسّعي ‏من قِبَل الغرب، فهذا موقف غير أخلاقي من الناحية الاقتصادية، بل لأنني أُدافع عن شرف آبائنا في ‏وجه إخواننا، أي: وجهة فرنسا الدولية العليا…” (20).‏

أمّا النّصوص التي يكشف فيها ماسينيون عن توجهه الفكري الحقيقيّ فهي نادرة. لكنه يعترف في النص ‏الآتي قائلاً: “ليس بالإمكان معرفة كيفية تفكير الخصم في الحين، أوْ قُلْ: هذا الذي يضعه الاستعمار ‏أمامنا في موضع الخصم. وإنّ ظاهرة الاستعمار لا تتوقف حدودها عند البلدان التي يُطلق عليها رسمياًّ ‏اسم “المستعمرات”. فأنتم تعرفون أنه ظاهرة مُكمّلة للصراع الطبقيّ وهي تعلوه. فليس بالإمكان حصره ‏في مثل ذلك الصراع، كما تُحاول نظرية ماركس أن تفعل. ففي البلدان العربية مِن العجيب أن نرى أنه ‏بالإضافة إلى الصراع الطبقيّ يوجد مشكل العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر. وهذه العلاقة يجب أنْ ‏تُدرس من وجهة نظر التحليل النفسيّ… وأرى أنه لا يمكن أن نلمس تلك العلاقة إلاّ بمخاطبة المُستعمَر ‏بلغة المُستعمَر… فثقافة المُستعمَر موجودة، ونحن مضطرون لفهمها حتى ولو كُنّا نُريد تعويضها” (21). ‏التسطير بيد المؤلِّف.‏

ونتساءل بعد استكمالنا لسيرة ماسينيون عن مدى صحة تحميله مسؤولية الصعوبات والمُعاناة التي مرّ ‏بها بن نبي. فهل هناك مبالغة في تلك الاتهامات؟ وهل كان بن نبي ضحية لشكل من أشكال الذُّهان ‏الهذياني (البارانويا)؟ وهل كان فريسة لِما يُسمى في أيامنا بوسواس التآمر ‏complomania‏ أو نزعة ‏الشعور بالتواطؤ ‏conspirationnisme ‎؟ وهذا ما اعتقده البعض بخصوص بن نبي.‏

كُنتُ أنا شخصياًّ في حيرة من أمري بهذا الخصوص حتى مكّنتْني بحوثي واطلاعي على الأرشيف الذي ‏تركه بن نبي من استبعاد أيّ شكٍّ في موضوعيته المطلقة فيما يخصّ أحكامه على الرجال والأحداث التي ‏كانت لها علاقة بحياته الخاصة. فعناصر البحث المطروحة في هذا العمل، والتي تؤكد صحة أقواله، لم ‏تصدر عن بن نبي الذي كان يجهلها، لكنها – وكما لاحظنا – صادرة من كتابات ماسينيون نفسه، إذ يبدو ‏أنّ بن نبي لم يكن يعرف شيئاً عن حياة ماسينيون المزدوجة. وإذا صحّ أنه ذكر “أدلّة” تُثبت مسؤوليته ‏عن وجهة السياسة الاستعمارية، كما تُثبتُ أنه كان مُقرّباً لدى “المكتب الثاني”، فإنّه لم يختلق تلك الأدلة ‏من عنده.‏

ومع ذلك فعلينا أن نتذكر أن بن نبي كان ينوي نشر مذكراته المعنونة بـ “العفن”(‏Pourritures‏)، وأنه ‏احتساباً لما قد يتعرض له من اضطهاد، فقد حرص على هذا التوضيح منذ المقدمة: “كتابي شهادة بسيطة ‏أريد تركها للأجيال القادمة. لكنني كتبتُهُ بطريقة تسمح لجيلي بمعرفته ومناقشته ونقده. ذلك أنّ الشهادة لا ‏تكتسب شرعيتها إلاّ إذا روقبت من طرف مُعاصريها. وإلاّ، فإنها تبقى كذبة بعد الموت تركها مجنون ‏مُصاب بوسواس الاضطهاد، أو كتبها مَنْ يطمح إلى نيل تاج العظمة بعد الموت”.‏

إنها جُمَلٌ لا يُعقَلُ أنْ تصْدُر مِن منافق أو مختل عقلياًّ، بل هي عبارات نطق بها رجل واعٍ بأنّ الأحداث ‏التي سيرويها منقطعة النظير إلى حدٍّ قد يجعل منها عرضةً للتشكيك في صحتها. ولنتذكر كذلك أن في ‏ثنايا كتابته ذكْرٌ مباشر أو بالتلميح (22) لمعظم تلك الأحداث التي تبقى قابلة للتحقق من صحتها: ‏فزوجته بولات فيليبون، والأخوان بن ساعي، والدكتور خالدي جميعهم كانوا شهوداً مُباشرين. لكن هذه ‏الشهادات قد لا تكفي بالنظر للعلاقات التي كانت تربط أصحابها ببن نبي. فكان لا بُدّ من البحث عن ‏تأكيدات في مواضع أخرى.‏

وعلى ذكر تلك التأكيدات، فهذا صدى من أصداء ما رواه بن نبي، إذ أنّ المؤرخ الفرنسي المتشبع ‏بحقائق الأوضاع في تلك الفترة، وذو الاطلاع الواسع على الممارسات الاستعمارية، شارل أندري ‏جوليان ‏Charles-André Julien، وكأنّي به أراد أنْ يتنبّأ بما سيحدث لبن نبي، وهو مصدوم، حسب ‏تعبيره، من “قذارة تنظيمنا السياسي في الجزائر” (23) ـ والقذارة هو نفس المصطلح الوارد في عنوان ‏مذكرات بن نبي غير المنشورة(العفن) ـ ‏

يقول ‏André Julien ‎في مقال له سنة 1935: “إنّ الأنديجان المتعلّم يُفلِتُ من قبضة الإدارة ‏والمُعمِّرين، وهذا ما يدفعه إلى الاحتجاج على الإجراءات الجائرة المسلطة عليه. وعند ذلك يُصنّفُ في ‏خانة “عدوّ فرنسا” ويُعلَنُ عن أنه “عميل لألمانيا”، ذلك أنه من الصعب قبول تجرّئه على إبداء رأيه في ‏‏”إنجازات الحضارة”. أمّا المُعمّر، فمهما كان فظاًّ، يبقى دوماً هو ممثل “الجنس المتفوق” الذي يحق له ‏أنْ يحتقر “البيكو”‏‎« bicot »‎‏ ‏‎ ‎حتى ولو كان هذا الأخير محامياً أو أستاذاً أو طبيباً… لكن هيهات أن ‏يرضخ المثقف الأنديجان لهذا التعالي الذي يجده حتى عند أكثر “فرنسيي الجزائر” رفقاً وعطفاً. ولهذا ‏فإنّ أحسن ما يُعجبه في “فرنسيي فرنسا”، والذين يحرص على تمييزهم عن الآخرين، هو ذلك الطبع ‏الفطري والحميميّ في التعامل بالمساواة، وهذا ما يُشعِرُهُ بأنه على قدم المساواة مع مُخاطِبِهِ… ثُمّ إنّ ‏تشجيعات الإدارة (الاستعمارية) لا يُتكرّمُ بها على المثقفين الذين تَحْذَرُهُمْ، بل على (البني وي وي) مثل: ‏الباشاغوات، والأغوات، والقيّاد الذين يتلقون الأوامر من قصر الحكومة” (24).‏

ولمْ ينسَ هذا المؤرِّخ الفرنسي أنْ يُشهِّرَ في مقالاته، ولو عَرَضاً، بـ “مكتب شارع لوكونت ‏rue ‎Lecomte‏ للتجسس على سكان شمال إفريقيا، الذي هو وكالة للفساد السياسي مثل مغارة علي بابا”، ‏والذي تحدّثنا عنه في هذا العمل. وقد صرّح مصالي الحاج في هذا السياق، وهو يُخاطب المؤتمر ‏الإسلامي بتاريخ 02 أوت 1936، قائلاً بخصوص ذلك المكتب: “إذا كُنّا اضطُرِرْنا إلى الفرار من ‏بلادنا سعياً وراء الرزق والحرية اللّذين حُرِمْنا منهما في بلدنا، فلقد وجدنا في باريس نظير البلدية ‏المختلطة وعلى رأسها قايد رفقة شاويشاته”. وتأكيداً لما جاء على لسان ش.أ. جوليان وبن نبي، أضاف ‏مصالي قائلاً: “اتُّهِمْنا مراراً بكوننا شيوعيين، ووهابيين، وعملاء لألمانيا أو لموسكو…” (25).‏

فأول جريمة يكون بن نبي قد ارتكبها في نظر الاستعمار هو رفضه أن يكون أنديجاناً. والثانية أنه ينوي ‏أن يُجاهِرَ بذلك وأنه يملك الإمكانيات الكافية لذلك. وبالفعل، فإن بن نبي لم يشعر لحظةً واحدة طيلة ‏حياته بأنه ينتمي إلى هذه الشريحة من الناحية القانونية والاجتماعية والسياسية التي اختلقها الاستعمار، ‏إذ كان يشعر منذ طفولته بأنه إنسان ينتمي إلى حضارة، حتى ولو كانت تلك الحضارة في طور الانهيار. ‏فكان لا بُدّ أن يظهر الخلاف الحادّ في الحين العاجل، وأنْ تظهر ردّة فعلٍ قاسية من الاستعمار من خلال ‏لويس ماسينيون. ولْنُحكِّم المنطق بدءاً من وصول بن نبي إلى فرنسا واندماجه في أوساط طلبة شمال ‏إفريقيا.‏

‏1) أنشأ ماسينيون سنة 1930 يقول: “توجد في باريس مستعمرة جامعية صغيرة تتكون من مسلمين ‏جزائريين تستحق الاهتمام الشديد. بل إنّ بين أيدينا، هنا في باريس، مؤشرات واضحة حول ما ستكون ‏عليه الجزائر المسلمة بعد عشرين سنة. ففرنسا تُحرِّكُ الشأن الجزائري انطلاقا من باريس نفسها” ‏‏(26).‏

‏2) وحسب ما يُستفاد من ماسينيون نفسه، فإنّ كل الجزائريين المتواجدين بفرنسا، بدون استثناء ورغم ‏كثرة عددهم، مُسجّلون في مصالح الأمن، ومُراقبون ومُتابعون من طرف عدة مصالح، وخاصة تلك ‏المصلحة التي يستند إليها هو كي يُعِدّ بطاقات حول انتشارهم في القطر الفرنسي، مع تسجيل القرى ‏والدوائر التي ينتمون إليها. ويقول ماسينيون حول تلك البطاقات: “لقد قمنا بإعدادها بفضل تحقيق ‏شخصي قمنا به في عين المكان بين شهر ديسمبر سنة 1929 وشهر جانفي سنة 1930، وهو التحقيق ‏الذي سمح لنا فيه السيد أدولف جيرولامي ‏Adolphe Gerolami، مدير “مكتب شؤون الأنديجان في ‏شمال إفريقيا” الواقع في 6، شارع لوكونت، الدائرة 17، حيث أقام منتجعات ومِصحّات ومكاتب ‏لمواضع القادمين من شمال إفريقيا، سمح لنا بعدم الاكتفاء بخدمات مصالح تحقيقه ومراقبته، بل وحتى ‏الاعتماد على تجربته الشخصية التي لا نظير لها في هذا الشأن. فكانت المعلومات المُستفادة بهذا ‏الأسلوب تُصنّفُ في إطار الدوائر الإدارية المسماة “بلديات مختلطة”. لكنني اجتهدتُ، كي يكون عملي ‏حاملاً لبصمتي كمختص في الشؤون الإسلامية، في تتبع الأخبار إلى أن أصل إلى الخلايا القاعدية ‏المُكوِّنة للمجتمع القبائليّ، وهي الدواوير التي تجتمع في (صفوف)، وإنها قائمة بهذا الوضع في الهوّة ‏الباريسية… وللتعليق على تلك البطاقات أضفنا لها قائمتين: قائمة البلديات الجزائرية التي قَدِمَ منها ‏المهاجرون القبائل المتواجدون في الناحية الباريسية ـ مع ذكر الفصائل والدواوير ، وقائمة المصانع ‏الباريسية التي تُوظِّفُ عمالاً قبائل” (27). ‏
وتلي ذلك أوصاف مُدهشة وإحصائيات دقيقة حول توظيف الجزائريين في الناحية الباريسية، والكُلّ في ‏أسلوب يشبه أسلوب البرقيات. ومثال ذلك: “السيارات: سيتروين، 7000 (في لافالْوَا، كليشي، سانت ‏أوان، جافال)، قادم من دواوير مختلفة. رونو (بيانكور) 2760 (خاصة من ذراع الميزان). غسّالو ‏السيارات في (شركة سيارات المقعدة) 2500 (قادمون خاصة من فور ناسيونال). المعادن: “الشركة ‏الفرنسية للمعادن والسبائك البيضاء): تعويضهم بالشلوح.‏‎ Chleuhs‏ (صناعة الفولاذ الفرنسية البلجيكية ‏‏510 ( قادمون من كركور، وميشلي). مهن أخرى: (الديك الغولي في الدائرة 13)، مصفاة لوبودي ‏‏(‏‎19ème‏)، (مصانع الغاز) ( ‏‎15ème,19ème,8ème‏).‏

ثُمّ تأتي التعليقات: “60‏‎%‎‏ عمال في مصانع الغاز (وهم الصفوة)، ورشات الفحم، النفايات الحضرية، ‏مرآءب. البقية تنقسم إلى عمال موانىء، وعمال الميترو، 15‏‎%‎‏ من المتخصصين (مخزنيون). فإما أن ‏يكون الرفيق هو الذي جذبه أو صاحب المطعم والفندق الذي يعيش فيه، وهو الذي يوجه القادم الجديد. ‏الزي الأوروبي (كاسكيت) والتغذية (النبيذ) في انتشار سريع. وقد لوحظت سنة 1928 توجهات ‏شيوعية عند العمال القادمين من دوار بوني ودوار موقة ( أقبو) في الدائرة 13، وكذلك في جانفليه ‏Gennevilliers‏ سنة 1924 أهل السيباو الأعلى يقطنون عند أصحاب المطاعم والمراقد من بني ‏منطقتهم، أمّا أهل فور ناسيونال فهم يرفضون ذلك: فالعلاقة بين هاتين المجموعتين ليست طيبة. فأهل ‏السيباو يدينون بالولاء للزوايا. والزاوية الرحمانية زاوية مُسالمة. أما الزاوية العمارية (قالمة: 3 شُعَب) ‏والزاوية العلوية (مستغانم) فهما أكثر تحريكاً للنفوس (إنشاء رابطة لِلمُمْسِكين عن شرب الخمر)… ‏‏120.000 قبائلي جزائري في فرنسا بكاملها، تمّ إبعادهم بالتدريج من طرف مجموعات أخرى: الشلوح ‏المغاربة (9000) وعرب بوسعادة والمسيلة وبسكرة والأغواط (8000)، وهم أكثر جدّية وأكثر نشاطاً ‏في العمل. من بين الـ 120.000 يوجد 60.000 منهم على الأقل في باريس (32.000 فقط مُسجلون ‏بالبطاقات)… 20 فقط منهم أتوا بزوجاتهم القبائليات، و700 منهم تزوجوا بفرنسيات زواجاً قانونياًّ، ‏و5000 يعيشون مع فرنسيات بدون زواج”. ‏

‏3) وقد يسأل سائل: ماذا عن الصعوبات التي واجهها بن نبي في إيجاد عمل؟ إنّ ماسينيون، كما اتضح ‏لنا أعلاه، كانت بين يديه قائمة كلّ المصانع حسب الشُّعب (صناعة السيارات، المعادن، مصانع الغاز، ‏ورشات الفحم، الميترو، المخزنيون، عمال الموانىء…إلخ) والتي تُشغّلُ اليد العاملة الجزائرية. وليس ‏القبائل وحدهم هم المُسجلون ومُعرّفون، بل كافة الجزائريين (فهو يتحدث عن 32000 بطاقة ‏‎!‎‏). ‏وبإمكاننا أن نستنتج من تلك الوثيقة نفسها أنّ شارع شابوليي (الذي اشتغل فيه بن نبي بإعطاء دروس ‏في محو الأمّيّة سنة 1938) لم يكن لِيُفْلِتَ من رقابة ماسينيون الذي يُسجل بهذا الخصوص قائلاً ‏‎:‎‏ ‏‏”عرب من مغنية ومن ندرومة في مرسيليا، خلف البريد المركزي، وخاصة في الرقم 7، شارع ‏شابوليي”.‏

وفي أواخر أيام حياته كان ماسينيون يُريدُ أنْ يُظهِرَ قطيعته مع”‏‎ ‎مهامّه القديمة”. فهو يُصرح في “حوار ‏حول العرب” جَمَعَهُ سنة 1960 مع ج.م. موميناك وجاك بيرك قائلاً: “لقد أوقفوا الإعانات المالية التي ‏كانت تُصرفُ لي سابقاً لأنني لم أعُدْ أقدِّمُ لهم بطاقات سيكولوجية للجهات المختصة حول الناس الذين ‏أتتبع أحوالهم” (28). ‏
‏4) ولماذا فشل بن نبي في الحصول على رخص الدخول إلى البلدان العربية التي طلبها؟ إنّ ماسينيون ‏يكشف عن أنه كان يتمتع بسلطات في هذا المجال. فهو الذي اعترف قائلاً: “أصيبت العلاقات الثقافية ‏الفرنسية المصرية بضربة لأننا التزمنا بالسماح لأستاذين مصريين بالتدريس في الجزائر ولأننا ‏اضطُرِرْنا إلى رفض منحهما رخصة الدخول…” (29). فقد كانت أبواب الحكومات العربية والإسلامية ‏كلها مفتوحة أمام ماسينيون، وهو يعرف كل ممثليها الديبلوماسيين في باريس. فكان إذاً بإمكانه أنْ يُعطي ‏‏”التعليمات”.‏

‏5) وماذا عن التلاعب بدواليب الحياة السياسية بالجزائر، وبنشاط الزوايا والشعوذة؟ هذا ما كتبه ‏ماسينيون حول كلّ ذلك باستخفاف لا نظير له: “من أجل التحكم في نتائج الانتخابات في الجزائر نلجأ ‏إلى الاستعانة بتأثير الطّرُقية الإسلامية في جماهير الناخبين الأميين. وسياسة الفساد هذه أمْرٌ شائع، وهي ‏في حالة التمادي في استخدامها تفضح بعض “النجوم السياسيين” ذوي القيمة العالية. وعند ذلك تظهر ‏الإدارة بوجه مهتم وحَنون، ولسان حالها يقول: هناك وسيلة تُمكّن المسلمين مِن محو ذنوبهم، وهي الحج ‏إلى مكة. فسندفع لهم ثمن السفر كي يؤدوا فريضة الحج، وسيعودون طاهرين وبضمير أبيض مثل الثلج. ‏وإذْ ذاك يصبح بإمكانهم أن يعودوا لخدمتنا. ونكون قد حققنا فائدة مزدوجة”. ويُواصِل ماسينيون مُعترفاً ‏بتورّطه في ذلك النظام: “لكنّ أحدَ آخِرِ المُستفيدين من هذا النظام المُحكَم أفسده مؤخّراً وأرغمنا، وهو ‏عائد من مكة، على دفع تكاليف تمدرس أحد أبنائه في الأزهر (لكي يُزكِّي نفسه) لدى أتباع الإسلام ‏المُناوىء للاستعمار. لقد دفعنا الثمن غالياً مع هذا الرجل لكي نصل إلى الاحتقار المُتبادل والنهائي” ‏‏(30).‏

‏6) لقد حرص ماسينيون طيلة حياته على البحث عن حالات المسلمين المرتدّين أو المُتحوِّلين إلى ‏المسيحية، مثل: الحلاّج، الوزاني، نارون، وآخرون لا نعرفهم. وهو لم يهتمّ بموضوع آخر اهتمامه ‏بذلك. فها هو يتحدث في أحد نصوصه عن “ارتداد مؤقتٍ للشيخ صنعان من القوقاز، وهو الذي تحوّل ‏إلى المسيحية من أجل التمكّن من العيش مع محبوبته بياتريس ‏Béatrice‏”، كما يتحدث عن “هرمين ‏Hermine‏ أميرة أنطاكية، التي انضمّتْ إلى المسيح بسبب حُبِّها لـ تنكريد ‏Tancrède‏ والذي كان ‏يحتضر بسبب جروحه” (31). ويروي في نص تحت عنوان “أولوية الحلّ الثقافي” قصة نقلها عن ‏شاب فرنسي في السادسة عشرة من عمره قرأ القرآن وأراد أن يُسافر إلى الجزائر من أجل الدخول في ‏الإسلام والعيش في كنفه “لكي يجتثّ جرائم الاستعمار الفرنسي”. ويُعلّق ماسينيون قائلاً: “بعد التحقيق ‏في هذه القضية اتّضح لي أنه لم يتّصِلْ بأيّ مُسلِمٍ، وبعد تمكينه من سماع أسطوانات بالعربية (ومن بينها ‏الحزب الأول من القرآن وكذا صوت المؤذن) أقْلَعَ عن التفكير في موعد سفره (الذي لا يزال يُخامر ‏ذهنه إلى حد الآن). وعلى أية حال فلم يحدث ما كان يُخشى بدءاً، إذ لم نلحظ أية مُحاولة لاقتناصه مِن ‏قِبل المُسلمين”. ‏

‏7) كانت لدى ماسينيون رؤية شاملة وذات مدى بعيد حول العالم الإسلامي. فهو الذي أعدّ “دليل العالم ‏الإسلامي”، ونشّطَ “مجلّة العالم الإسلاميّ” التي تُسجّل فيها كل المعلومات الخاصة به. فهو يقول استناداً ‏إلى كتاب لـ لو شاتولي ‏Le Châtelier‏ وآخر لـ إيسايح بومان ‏Isaiah Bowman‏: “تمكّن بومان ‏بإعداده لقائمة تتكون من 22 مورداً طبيعياًّ أساسياًّ وضرورياًّ لاشتغال الحضارة الحديثة مادياًّ، مِن ‏الوقوف على حقيقة أنّ المسلمين عاجزون عن تحريك أيّ شيء في أيّ مجالٍ دون موافقة القوى ‏الأوروبية… فهل سيبقى هذا الوضع على الدوام؟ إن لوشاتوليي قد لاحظ انطلاقة الشركات الرأسمالية ‏الإسلامية في جافا، وتأسيس شركة الشاي والسُّكَّر، ومصانع الفولاذ والنسيج في الهند… فستستكمل ‏البلدان الإسلامية تنظيمها الصناعي المحَلِّي بالتدريج، ولو أنّ كلّ قادتهم كانوا بشجاعة مصطفى كمال ‏الذي رفض بإصرارٍ يفوق إصرار موسوليني، الاعتراف للرابطة الدولية للبنوك الأنجلو أمريكية أيّ ‏حقٍّ في رهنِ تصنيع بلده، فسيكون بإمكاننا القول إنّ التفوّق الأوروبي الحالي سيكون في خطر” (32). ‏

وإذا كان ماسينيون مُتخوِّفاً من سياسة مصطفى كمال الاقتصادية، فإنه يُثني عليه بخصوص سياسته ‏الثقافية التي تتلخص في استبعاد العربية والإسلام من تركيا، وذلك بتبني الحرف اللاتيني في اللغة ‏التركية. وكان يأمُلُ أنْ تتبع مصر تركيا في هذا المجال. ويقول في ذلك: “بالنظر إلى كونها مركزاً ‏عالمياًّ للكتاب العربي، فإنّ مصر بإمكانها أن تكون نقطة إشعاعٍ قد تنطلق منها حركة إصلاح للأبجدية ‏لتنتشر في العالم العربي كلّه” (33).‏

ولم يكن التعب يعرف إلى نفسه سبيلاً، وهو لا يترك أي شأنٍ للحظ، بل يلتزم بالدقة والفاعلية إلى درجة ‏الهوَس، وعينه على العالم الإسلامي على الدوام. وقد سجل هذه الملاحظة سنة 1939: “إنّ المجموعة ‏الهندية هي أهمّ المجموعات الإسلامية من حيث العدد ومن حيث القدرات المالية في العالم، وهي تُعتبر ‏أقلية قوية جداًّ لأنها تُمثل خُمس مجموع سكان الهند… وتأتي المجموعة الماليزية في المقام الثاني، وهي ‏تحظى بأغلبية ساحقة في أندونيسيا (أكثر من 92‏‎%‎‏). وباستطاعة هذه المجموعة إذاً أنْ تتزايد أكثر من ‏المجموعة الهندية. وهي آخذةٌ في استعمال اللغة الماليزية بشكل مُتزايد، وهي لغة تُكتب بالحرف العربيّ، ‏مع أنّ الحكومة الهولندية تجتهد في نشر الحرف اللاتيني. الحُكّام في هذه المجموعة يأتون من ‏أرسطوقراطية السادة الذين يعودون إلى أصولٍ عربية، لكنهم يتحولون إلى ماليزيين، وهم أكثر استعداداً ‏لاتباع مقترحات البلشفيين من مُسلمي الهند. وتأتي المجموعة الإسلامية العربية في المقام الثالث من ‏ناحية العدد، وهي اليوم مُشتتة لا تجمعها سياسة موحدة كفيلة بإتاحة التطور الجماعي…” (34).‏

ويتبيّن لنا مما سبق أنّ ماسينيون كان يعرف حمودة بن ساعي والدكتور خالدي حقّ المعرفة، وقد ذكرهما ‏في كتاباته، لكنه لم يذكر بن نبي ‏‎!‎‏ فهل هذا أمرٌ عادي؟ إنّ المُدْهِشَ، بعد قراءتنا للنصوص السابقة، ليس ‏وجود “الصراع الفكري” أو جهاز المخابرات ‏psychological-service، بل المُدهش هو تمكّن رجُلٍ ‏لا يملك أية إمكانيات، ولا يحظى بأيِّ دعمٍ سياسيٍّ ـ وهذه هي حالة بن نبي ـ من اختراق لعبهم وكشفه ‏بمحضِ قدراته الذهنية والفكرية. ولا شكّ أنّ أيّ رجُلٍ عاش الظروف التي مرت على بن نبي ومورستْ ‏عليه الضغوط التي اكتوى بنارها، لن يكون باستطاعته السلامة من الصدمات، بل من الانهيار العصبي. ‏وذلك هو الهدف الذي كان ماسينيون يسعى إلى تحقيقه. لكننا لو تفحصنا أعمال بن نبي لوجدْنا فيها من ‏الهدوء والمنطق ما يجعلنا نستبعد أن يكون صاحبها قد تعرّض لأيّ غمٍّ. فمجرّد أن تسبح في تيار مُعاكس ‏للأفكار السائدة والذهنيات الغالبة في وسطك يُعتبر مصدراً للقلق والاكتئاب. وهناك عدة مفكرين عاشوا ‏حياةً صعبة من الناحية المعنوية والمادية: فالكواكبي عاش معظم حياته في إطار غير شرعي، ومات ‏مسموماً، أمّا ماركس فكان يمكن أن يموت جوعاً أو يهلك بعد المرض لولا أنّ أنجلز كان يساعده. ونيتشه ‏أنهى أيامه مُتشرِّداً، وابن خلدون سُمِّمَ طيلة عامين، وأفلاطون عاش ردحاً من الزمن كعبدٍ، وسقراط حُكِمَ ‏عليه بتناول السُّم، وكونفوشيوس مات قانطاً من الحياة… وكم هُمْ أولئك المفكرون الذين تعرّضوا ‏للسخرية والتهكّم وسوء المعاملة والسجن أو حتى القتل؟

إنّ هؤلاء الرجال المُتميِّزين الذين أعطوا دفعاً للفلسفة أو المعرفة أو الحرية، كلّهم عاشوا حياةً ضنكاً ‏وذاقوا مرارة الخذلان والعقوق. وكان لا بُدّ أن يعيشوا المُعاناة بمجرد كونهم سابقين لزمانهم ولأهل ‏زمانهم مِن جماهير أو نخبة متحجرة في النماذج البالية ومِن سلطة حاكمة. فماذا نقول عن أولئك الذين ‏عاشوا تحت نير الاحتلال، أو أولئك الذين اتُّهِموا بحبهم للجنس الجرماني، أو بسلبيتهم، أو بعدائهم ‏لليهود، أو حتى بمرض الشعور بالمؤامرة؟

وقد تساءل الدكتور ألان كريستلاو ‏Allan Christelow‏ عن سوء العلاقة بين بن نبي وحمودة بن ‏ساعي من جهة وماسينيون من جهة ثانية، وأنشأ يقول: “لقد تدهورت علاقتهما به إلى حدّ الانكسار، ذلك ‏أن ماسينيون، حتى ولو كان يشعر بحب الإسلام، فهو مرتبط ارتباطاً شديداً بمواقف فرنسا الرسمية، ‏ويُطالب بالجزائر كجزء لا يتجزّأ من فرنسا. وكانت القطيعة بين ماسينيون وتلميذه حمودة بن ساعي ‏أكثر ضرراً، لكنها كانت مؤلمةً لهما معاً. وبعد أنْ بدأت علامات الانهيار البدني والوجداني تظهر على ‏بن ساعي جاء دور بن نبي ليُواصل رسالته الفلسفية. ولقد أثبت بن نبي أنه ذو شخصية قوية وعزم ‏ثابت ونظرة استشرافية خارقة لأنه استطاع أنْ يبرز ويخترق الآفاق رغم العنف الذي ميّز سنوات ‏الحركة الوطنية والثورة والاستقلال. ومع أنه ألّف كُتيّباً (35) يُحذّر فيه الطلبة المسلمين من تأثير ‏المستشرقين، فإنه لم يُوظِّف كفاءته في التهجم على ماسينيون، لأنه حتى ولو كان مُعارضاً له لدفاعه عن ‏الوجود الفرنسي في الجزائر، فلقد بقي مُتأثِّراً بأفكاره. فكلاهما مثلاً كان من كبار المُعجبين بالمهاتما ‏غاندي” (36). ‏

وإذا كانت الملاحظة الأخيرة التي أبداها كريستلاو صحيحة، فإنه لا يوجد أيّ دليل على “تأثير” ‏ماسينيون في بن نبي من خلال أعماله. فما هي الأفكار التي أخذها عنه، خاصة وأننا نعرف أن ‏ماسينيون كان “خبيراً” – حسب ما يعتبر نفسه بنفسه – أكثر من كونه “مُفكِّراً”. صحيحٌ أنّ بن نبي ذكر ‏ماسينيون في أعماله، لكن ذلك لم يكن إلاّ في سياق الأحداث السياسية الجارية، ولم يذكره في السياقات ‏الفكرية إلاّ نادراً. فماسينيون كان ركيزة لما يُسمّى بـ”العلوم الاستعمارية” التي ساهم في تأسيسها، ويبقى ‏في جميع الحالات مُبشّراً بالمعنى المباشر وغير المباشر للكلمة (37).‏
وبقدر ما كان ظِلُّ ماسينيون مُخَيِّماً على سيرة بن نبي الذاتية في المرحلة الممتدة بين 1931 و 1955، ‏كان اختفاؤه شبه كُلّي فيما بعد ذلك. فلمْ يرِدْ اسمُهُ في آثار بن نبي إلاّ في مناسبتين: الأولى بتاريخ 20 ‏ديسمبر 1962، وهي ملاحظة واردة في دفاتره (38) بهذه الصيغة: “ورد خبر في التلفزيون حول ‏اجتماع لمجمع اللغة العربية تخليداً لذكرى ماسينيون الذي مات، حسب ما يبدو، خلال شهر نوفمبر ‏المنصرم. وهكذا علمتُ بموت هذا الرجل الذي كان بلا شفقة مع عائلتي بسبب حقده عليَّ”. والثانية ‏كانت في مقالٍ كَتَبَهُ سنة 1968 تحت عنوان “دلالة إضراب الجامعة”) (39). ‏

وقد نظم “معهد العالم العربي” ‏Institut du monde arabe‏ بباريس سنة 2003 ندوة دولية لتكريم ‏ثماني شخصيات فكرية فرنسية وجزائرية، واختيرت تلك الشخصيات بالنظر إلى إسهامها خلال القرن ‏المنصرم في التقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي. وكانت الوجوه الممثلة للجزائر هي: عبد الحميد ‏بن باديس، مالك بن نبي، محمد بن شنب(1869-1929)، ومهدي بوعبد اللي (1907-1992). أمّا من ‏الجانب الفرنسي فقد اختير كلٌّ من لويس ماسينيون، جاك بيرك، الكاردينال دوفال (1903-1996)، ‏وجيرمان تيون. وهكذا اقترن اسم بن نبي باسم ماسينيون في مناسبة تكريمية واحدة بادرتْ بها ذاكرةُ ‏العرفان في الضفتين. ‏
‎ ‎‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1-‏ كتب عنه ماسينيون في أواخر أيامه قائلاً: “أنا مَدينٌ له بالعودة إلى الطريق المستقيم. فلقد كان يدعو لي في صلاته ‏عندما كنتُ من الضالين…”‏‎ (cf. « Le témoignage de Huysmans et l’affaire Van Haecke », ‎‎1957, Opéra Minora T.3).‎
‏2-‏ سجل ماسينيون ملاحظة بهذا الخصوص قائلاً: “إذا كان قد قبِلَ بوجود مخزن أسلحة في برجه، وهو المُلتزم راغباً ‏بعدم قبول أي سلاح في مقرّه، فهو يعطي بذلك لأعدائه رخصة كاملة لهدر دمه”‏‎ cf. « Toute une vie avec ‎un frère parti au désert Foucauld »)‎‏. ويقول في أحد نصوصه الأخيرة التي خصصها له: “باللجوء إلى ‏البربر الذين لم يتم تعريبهم تعريبا تاماّ، كُنّا نؤمن بإمكانية النجاح بهذه السياسة (البربرية) لإلحاق هزيمة بالإسلام ‏عن طريق الالتفاف حوله. كان يتلقى التكوين (الاستعماري) السائد في تلك الحقبة. أنا شخصياًّ، وقد كُنتُ شديد ‏الاقتناع بفكرة الاستعمار آنذاك، كتبْتُ له رسالة عبّرتُ فيها عن أملي في أنْ تُغزى المغرب بالقوة مستقبلاً، فأجابني ‏ليُعبّر عن قبوله بالفكرة(1906)… كان دوفوكو ذا تكوين عسكري كضابط مُتخصص بالمكاتب العربية وشؤون ‏الأنديجان. وكان مثل المهندس العسكري الذي يدرس المُنشآت الدفاعية والهجومية عند العدو، ويُخطط لكيفية نسفها… ‏فكيف قبِلَ هذا الناسك ذو الميول التأملية بتضييع وقت طويل وثمين مع هؤلاء الضباط بمساعدتهم على تأمين ‏‏(احتلال استعماري)؟ والحقيقة أنّ ذلك كان هو الحل الاجتماعي الوحيد والكفيل بفرض النظام والسلم في الصحراء، ‏وذلك بالحرص على أن “تكون القوة عادلة”… ولقد التزم كتابياًّ بألاّ يوجد في خلْوتِهِ أيّ سلاح. كما حوّل بُرجه في ‏تامنراست، أواخر سنة 1916 إلى ترسانة للأسلحة تنفيذاً لطلب الجنرال لابيرين”. ‏‎(cf. « Foucauld au ‎désert devant le Dieu d’Abraham, Agar et Ismael » (1960), « Opéra Minora », ‎
T3‎‏) كان فوكو ولابيرين زميلين في دفعة التخرّج. وتجدر الإشارة أخيراً إلى أنّ الأب دوفوكو تمّ تقديسه على يد ‏الكنيسة في نوفمبر سنة 2005.‏
‏3-‏ مقتطفات من النصوص تحت عنوان (‏Parole donnée ‎‏) بقلم ماسينيون، نُشرت سنة 1962 في دار النشر ‏Ed. ‎Julliard، وهي ثمرة مبادرة قام بها فانسان مونتاي ‏Vincent Monteil‏. وفانسان مونتاي يتحدث في المقدمة ‏التي خصصها له عن: ” وفائي لعهد الصداقة بأن أسكت عن مثل تلك المُكاشفات التي صرّح لي بها ماسينيون، ‏سواء أكان ذلك فيما يتعلق به هو، أَمْ فيما يتعلق بأولئك الذين شاركوا طيلة حياته في “عقدة القلق” الخاصة بوجهته ‏الشخصية الداخلية”.‏
‏4-‏ ارجع الى ” حياة كاملة مع فوكو ” المرجع السابق ‏
‏5-‏ ‏”فوكو في الصحراء امام اله ابرهيم، هاجر و اسماعيل” المرجع المذكور سابق‏
‏6-‏ مما يمكن أن نقرأه من كتاباته: “خمسون سنة مرّت عليّ منذ أنْ قادتني علاقتي كتلميذ بأستاذه إلى المجيء إلى لايد ‏Leyde‏ في هولندا كي أستشير س. سنوك ‏C. Snouck‏ ، وهو من أكبر المختصين في الإسلام، والذي أدين له ‏بنصائح غالية حول التصوف الإسلاميّ… فالنصائح التي أخذتها منه هي نصائح “مدير شبه رسمي” حول “سياسة ‏هولندا الإسلامية” في أندونيسيا، كي أنقل اقتراحاته الحكيمة إلى مسؤولي سياستنا الإسلامية في شمال إفريقيا…” ‏‎(cf. « Parole donnée » : préface aux lettres javanaises de RadenAdjenKartini). ‎‏ ‏
‏7-‏ في إطار إبعاد سكان شمال إفريقيا عن الإسلام وفرض النزعة البربرية عندهم، أصدرت السلطات الاستعمارية ‏بتاريخ 16 مارس 1930 الظهير البربري الذي بمقتضاه تُنشأ محاكم عُرفية خاصة بالسكان البربريين بغرض ‏تقليص سلطات السلطان. فاتّحدت النُّخب المغربية ضدّ تلك المُحاولة لتفريق صفوف الشعب المغربي. وتلك كانت ‏نقطة انطلاق الحركة الوطنية التي تكللت جهودها بجلاء الفرنسيين.‏
‏8-‏ ارجع الى ” وعدٌ مقطوع: المثال الفريد لحياة غاندي”‏
‏9-‏ يبدو أنّ ماسينيون كان قد حذّر مُسبقاً مما سيحدث بالفعل بعد عشر سنوات، إذ يقول: “بإمكاننا أن نستعدّ لترحيل ‏مليون من بني جلدتنا لاحقاً وفي ظروف شديدة الشبه بتلك الظروف التي خرجت منها قوافل الفارّين من دمشق سنة ‏‏1945” ‏Cf. « Opéra Minora » T.1‎‏.‏
‏10-‏ ارجع الى ” وعدٌ مقطوع: ابتهال من اجل سلم هادئ بين المسيحين و المسلمين”‏
‏11-‏ لمّا سُئِل عن أسباب دخوله إلى الإسلام من طرف صاحب كتاب ” معتنقو الاسلام الجدد” (‏Les nouveaux ‎convertis ‎‏)، أجاب فانسان مونتاي قائلاً: “أخشى ألاّ يكون بإمكاني أن أتكلم بحرية في الظروف التي نعيشها… ‏ففي التعبير عن آرائنا خطر مُحدق…”.‏
‏12-‏ ‏”الملف السري عن اسرائيل: الارهاب” منشورات اوتيي ‏‎ Ed. Authier‏ ، باريس 1978‏
‏13-‏ على عكس فانسان مونتاي، فروجي غارودي لم ينزوِ في حياته. كان كثير النشاط والتأليف والنضال من أجل ‏أفكاره، إذ كتب منذ إسلامه عدداً كبيراً من الكتب حول مختلف المواضيع، ولم يخش أن يُهاجم التابوهات التي تُكبّل ‏حرية الفكر في فرنسا. وقد أدى كل ذلك إلى مُحاكمته بعد صدور كتاب”الأوهام المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” ‏mythes fondateurs de la politique israélienne ‎‏ ). وقد حظي في تلك القضية بدعم الأب بيار ‏Abbé ‎Pierre‏ الذي يُعَدُّ أكثر الشخصيات تمتّعاً باحترام وحبّ الرأي العام في فرنسا، وكان من نتيجة موقفه أنْ نال توبيخ ‏الأسقفية الفرنسية سنة 1996، كما هاجمته بعض الصحف والمجلاّت. وقد قدّم روجي غارودي تفاصيل تلك ‏القضية في كتاب مشترك مع جاك فيرجيس تحت عنوان: مُحاكمة الحرية (‏Le procès de la liberté ‎‏). (‏Ed. ‎Houma, Alger 1998‎‏ ).‏
‏14-‏ ارجع الى ” الوضعية الاجتماعية في الجزائر” (1951) في ” اوبيرا مينورا” المجلد3‏
‏15-‏ المرجع السابق
‏16-‏ ‏” كيف نبقى في الطريق” المذكور آنفا‏
‏17-‏ ارجع الى ” الغرب في مواجهة الشرق: افضلية الحل الثقافي” 1952 اوبيرا مينورا المجلد الاول
‏18-‏ في قُصاصة تضمنت سيرته الذاتية يذكر حمودة بن ساعي إقامته في مستشفى لاشاريتي ‏la Charité‏ شهر ماي ‏‏1935، ويسجل ما يأتي: “بعد العملية الجراحية التي أجرِيَتْ لي جاء العالِمُ الأستاذ إلى المستشفى. لكنه لمّا علم ‏بخروجي منه بعث ببطاقة رسالية مؤثرة إلى صديقي مارسلان بل ‏Marcellin Bell‏. وقد حافظتُ على تلك ‏الرسالة المكتوبة بخط يده”. ويُضيف قائلاً في فقرات لاحقة: “لقد أرسل لي الشيخ ابن باديس رسالة بخط يده، ‏ودعاني فيها إلى الانضمام إلى جمعية العلماء. فأجبته بأنه لا يمكن لي ذلك، لكنني أبقى وفياًّ وفاءً ثابتاً للمسعى الذي ‏من أجله أُنشِئتْ. وكانت عندي مسوِّغات كافية لموقفي ذلك”.‏
‏19-‏ ارجع الى ” فوكو في الصحراء” المذكور سابقا
‏20-‏ ارجع الى ” الغرب في مواجهة الشرق” المذكور سابقا
‏21-‏ ذلك بالضبط ما يقصده بن نبي بـ “الصراع الفكري”‏
‏22-‏ وكذلك فيما يخُصُّ هذا المقتطف من “وجهة العالم الاسلامي”: “لو ظهر عقلٌ نيِّرٌ لحاولوا تحطيمه بكل الوسائل، ‏وإنْ استعصى عليهم تحطيمه لجؤوا إلى تدمير عائلته لشلّ حركته”.‏
‏23-‏ ارجع الى جريدة ” لوموند” عدد 12 جويلية 1930‏
‏24-‏ ارجع الى جريدة ” لوبوبيلار” ‏‎« Le populaire » ‎‏ عدد 05 مارس 1935 المذكور في ” فكر مناهض ‏للاستعمار” المذكورة انفا
‏25-‏ ارجع الى ك.كولو و ج.ر. هنري ” الحركة الوطنية الجزائرية: نصوص 1912-1954″ المذكور سابقا‏
‏26-‏ ارجع الى ” النتائج الاجتماعية لسياسة الانديجان في الجزائر” (1930) “اوبيرا مينورا” المجلد3‏
‏27-‏ ارجع الى ” خرائط توزع القبائل في المنطقة الباريسية” (1930) “اوبيرا مينورا” المجلد3‏
‏28-‏ ما عسى أن تكون مهمة جهاز المخابرات ‏psychological-service‏ ‏‎ ‎‏ غير الانكباب على “تحاليل نفسية” وضبط ‏‏”بطاقيات نفسية”؟ وعبارة “الجهات المختصة “‏qui de droit ‎‏)، ألا تدُلّ تحديداً على تلك المصلحة التي يتحدث ‏عنها بن نبي؟ وفي الوقت الذي كان فيه ماسينيون يبوح بهذه “المُكاشفات” أصدربن نبي كتاب “الصراع الفكري” ‏في القاهرة، وفيه يقول: “إن الاستعمار يستخدم بطاقة نفسية للعالم الإسلاميّ. وهي بطاقة تدخل عليها يومياًّ تعديلات ‏مناسبة حسب المُتغيرات، ويقوم بذلك مختصون مُكلفون بحراسة ومراقبة الأفكار. والاستعمار يضع مُخططاته ‏ويُصدر تعليماته على ضوء معرفة مُعمّقة بنفسية الناس في البلدان المُستعمَرة”.‏
‏29-‏ ‏”افضلية الحل الثقافي” اوبيرا مينورا المجلد 1‏
‏30-‏ المرجع السابق
‏31-‏ ‏” حول لوحة بوسان” (1947) في “اوبيرا مينورا” المجلد1‏
‏32-‏ ‏” الوضع الحالي للإسلام”(1929) “اوبيرا مينورا” المجلد 1‏
‏33-‏ المرجع السابق
‏34-‏ ‏”حال الاسلام” (1939)‏
‏35-‏ المقصود هو “أعمال المستشرقين وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث”.‏
‏36-‏ ارجع الى “”مُسلِم ذو نزعة إنسانية من القرن 20، مالك بن نبي” المذكور سابقا
‏37-‏ بإمكاننا إحصاء عدد المرات التي رجع فيها بن نبي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ماسينيون في مقالاته فيما يأتي:‏
ـ ذكره باسمه (وبصيغة إطراء) في مقال تحت عنوان “اللغة العربية في المجلس الوطني” ‏La langue arabe à ‎l’Assemblée nationale ‎‏)، نُشِر في جريدة ‏La République Algérienne‏ بتاريخ 06 جوان 1948، كما ذكره في ‏مقالين تحت عنوان “كُلّ حوار يخُصّ ضميريْن” ‏Un dialogue implique deux consciences ‎‏) في جريدة ‏La ‎République Algérienne‏ بتاريخ 10 جويلية 1953، و في “أُمسية حضارة إنسانية “ـ 3 ‏La République ‎Algérienne‏) بتاريخ 1 جوان 1951. ‏
ـ لمّح إليه (بصيغة ذمّ) في مقال تحت عنوان “غوغاء استعمارية” ‏Charivari colonial ‎‏) صحيفة ‏Le Jeune ‎Musulman ‎‏ بتاريخ 26 فيفري 1954، وفي مقال عنوانه “جريمة غير ر عادية” ‏Un crime anormal ‎‏) جريدة ‏La ‎République Algérienne‏ في 30 أكتوبر 1953، وذكره ثانية (بصيغة مدح ) في مقال عنوانه “في أُمسية حضارة ‏إنسانية ـ 2 ) جريدة ‏La République Algérienne، تاريخ 13 أفريل 1951.‏
ـ لمّح إليه في كتابيه “الظاهرة القرآنية” و “وجهة العالم الاسلامي”‏
ـ وفي مجال الفكر، اعترف بن نبي بأنّ ماسينيون كان على حقٍّ في تمييزه بين (التجديد) و(التجدُّد).‏
ـ يمكن أن نقف على بعض التشابه بين فقراتٍ من كتاب “وجهة العالم الاسلامي” في فصل “الاتصال الأول بين أوروبا ‏والإسلام”، وبين نصّ لماسينيون يعود إلى سنة 1947، وعنوانه “تأويل الحضارة العربية في الثقافة الفرنسية” ‏Interprétation de la civilisation arabe dans la culture française‏)، من كتاب ‏‎« Opéra Minora », T.1‎‏ ‏حول الأصول الريفية للحضارة الفرنسية والأصول البدوية للحضارة العربية، والتي نتج عنها “النمط الآري” و “النمط ‏السامي”، وهو التصنيف الذي لجأ إليه بن نبي تحت تسميات أخرى في نظريته حول الأفكار وتناوب الثقافات.‏
ـ كان ماسينيون قد تحدث عن “خط استواء مكة “‏Méridien de la Mecque ‎‏) قبل بن نبي… كما يمكن أن نقف على ‏بعض التقارب بين عبارة “محور طنجة ـ جاكرتا” عند بن نبي، وبين هذه الجملة لماسينيون: “كلّ المسلمين ملتزمون من جافا ‏إلى المغرب.”.‏
وفيما عدا هذا الاستعمال المشترك لبعض الأدوات، لا يوجد أي دليل يشهد على وجود “تأثير” ماسينيون في تشكُّل فكر بن ‏نبي.‏
‏38-‏ إنّ الجزء الخاص بالسيرة الذاتية غير المنشورة لبن نبي يتكون من “العفن”(‏Pourritures‏)، ومِن مجموعة فيها ‏‏19 دفتراً سنتعرّض لها بتفصيل فيما سيأتي.‏
‏39-‏ ‏”الثورة الافريقية” عدد 06 مارس 1968‏

You may also like

Leave a Comment