بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح
يقال إن الوزير الأول السابق أويحيى يوجد بين الحياة والموت.
طيلة عقود من الزمان وهو ينتظر بفارغ الصبر لحظة ” اللّقاء مع قَدَره”، وهو ما كان يعني أن يصبح رئيسًا للجمهورية. كان يفضّل هذه العبارة كونها تؤدي وظيفةً مزدوجة: فهي تضفي غطاءً من الحشمة على طموحاته، وتشكل في نفس الوقت عرضاً للخدمة موجّه “للنظام”: فوضع شخصه هو على رأس الجزائر بمثابة ضمان لبقاء النظام فترةً طويلةُ مستنداً على جيل ما بعد الاستقلال.
لا القَدَرُ ولا الشعب الجزائري كانا بأي حال من الأحوال معنيّين بطموحه وعرض خدماته. فقد كان يؤمن بكلّ ما أوتي من قوة أنهما مجرد خيال، وأن الواقع السياسي الوحيد في الجزائر هو ما يُسمّى “النظام” مثلما يُسمّى إله المسلمين “الله”.
في نهاية النهاية، لم يطأ الدرجات التي توصل إلى راس الجزائر، بل وجد نفسه تحت الأقدام المنتقمة لمشاة الحراك إثرَ تدافع لا مثيلَ له. من الذي كان على خطأ؟ هو أم القَدَر؟ رأيي أنه هو المخطأ، فالقدر لم يتعوّد أن يوزّع وعودَ التّوظيف أو يعلن للملأ عمّا يخفيه من مشاريع. هو يقرّر فقط، مثل الله ومثل ”النظام”.
على أية حال ومن وجهة نظري الخاصة، فإن الحراك هو الذي كان السبب في موته الأول: الموت الأخلاقي والنفسي والسياسي. وفي الوقت الذي أكتب خلاله هذه السطور يقال أنه يوجد بين الحياة و موته الثاني: الموت الجسدي الذي لا ينجو منه أيّ كائن حي.
الطب يعتقد بأن السرطان هو ما يلتهمه ببطء اليوم، لكن ماذا كان المعني سيجيب لو طُرحَ السؤال عليه؟ ربما لا يزال ذلك ممكنا.
أراهن أنه كان سيبتسم عند اتهام الحراك بالتسبب في وفاته الأولى، ففكرة أن الشعب يمكن له أن يسقط النظام لم تخطر على باله أبداً. كان كذلك ليصحح التفسير الطبي بتوضيحه أن السرطان، على حدّ شعوره، لن يكون هو السبب في التعجيل بموته الثاني. لا سيما بعد المشهد القاسي الذي تعرض له أثناء دفن شقيقه الذي سقط وهو يدافع عنه أمام المحاكم.
لا يوجد أقرب من أويحيى لمعرفة حقيقة نفسه: آلام الموت بدأت تلتهم باطنه منذ الليلة الأولى في سجن الحراش، وجاءت كنتيجة مباشرة لقرار قايد صالح بالتضحية به رغم كونه اصطف على الفور إلى جانبه، من خلال مطالبته هو أيضا برحيل بوتفليقة. لقد تصرف مثلما كان يتصرف دائمًا: كالخادم المثاليّ لـ ”الدولة”، و “عسّاس الدالية” الوفيّ والأزلي الذي يعتقد اعتقادًا لا يتزعزع أنّ لا دولة ولا شعب ولا عدالة سامية تعلو على “النظام”. ثم كان ليهمس في أنين أخير: “النظام قتلني”.
قبل أقل من ثلاث سنوات، تحدث أويحيى من منبر المجلس الشعبي الوطني عن أنّ موتي يعتبر إمكانيةً موجودةً بين يدي “النظام” الذي كان هو يدافع عنه، بينما كنت أنا في قلب مواجهة مع الفريق قايد صالح الذي كان يدعم العهدة الخامسة. دعوت يومها كتابيًا وعلناً إلى “ثورة مواطنة” لمنع تلك العهدة وتغيير مسار التاريخ الجزائري. كان ذلك في سبتمبر 2017، والحراك اندلع في فبراير 2019.
لم أكتب هذا المقال لأستمتع بما يحدث له لكني لا أعرف بالضبط ما أتمناه له: أن يتعافي من مرض السرطان ليستمرّ في المعاناة من ويلات وفاته الأولى، أو أن يتحرّر من الاثنتين ليركّز آخر أفكاره على ”الغيب” الإلهي وليس على خبث “النظام” وغدره.
في آخر الأمر، كان قدره – الذي حذرته عدة مرات كتابيا بأنه مخطئ بشأنه – هو أن يعيش مرة واحدة ويموت مرتين، دون أن يفهم أنه من غير الممكن أن يتطلّع المرء لأن يكون له قَدَرٌ عندما يفتخر بكونه ”رجل المهام القذرة” للنظام (هو يتبنى هذا التعبير).
كان نصيبه أن يعيش حياةً على خلاف تقلباتها، لكنه كان مخطئا في الاعتقاد بأنّ بإمكانه أن يطمح إلى ”قَدَر”. فالقدر لا يولد في أوحال الجهل والرشوة وذهنية جحا.
مثل كل الذين، في الجزائر، تسللوا منذ استقلالها ووصلوا حتى منصب رئيس الجمهورية دون أن يعرفوا معنى أن يكون للإنسان قَدَرٌ أو يكون لهم ذلك. عرفنا المغامر والمستبدّ والأبله وجحا، لكننا لم نلتقي بعدُ برجل “القَدَر” أو صاحب الرؤية أو المسير البارع.
من هنا يأتي الغموض الذي يثقل كاهل مصير الجزائر البائس والمعقّد.
صفحة فايسبوك ن.ب(الترجمة): 15 جويلية 2020
