بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة ساعي عايدة
نشر السيد ناصر بوضياف تعليقًا قصيرًا صباح اليوم على صفحتي في الفايسبوك بشأن النقاش الدائر حاليا حول موضوع الحذف الذي قمت به سنة 1991، و الذي كان عن تأكيد بن نبي على الدور الذي لعبه كل من جورج حبش وعبان رمضان في الثورتين الفلسطينية والجزائرية: دور خونة و عملاء يستخدمهم العدو ضد إخوانهم وقضاياهم.
وقد ظهر هذا الحكم في كتابه “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي” الذي بدأ كتابته في القاهرة سنة 1960 ونُشر في حياته باللغة العربية في دمشق سنة 1970.
سلمت لي عائلة بن نبي النسخة الفرنسية بعد وفاته لنشرها في بلادنا. لكني كنت على علم مسبق بحكمه هذا منذ سنة 1970، لأن بن نبي كرره عدة مرات في دروسه التي كنت أحضرها مابين سنة 1970 و 1973. و لم أستوعب ذلك الحكم.
هذا هو التعليق المختصر لناصر بوضياف: “صباح الخير، مهما كانت طبيعة الرقابة فهي ليست جيدة …لأنها تقلص المعرفة”.
بسبب من هو، ولتعاطفي مع ما يفعله منذ اغتيال والده الرئيس الراحل محمد بوضياف، أي محاربة الرقابة على الحقيقة بلا كلل. لم أخلط بين ناصر بوضياف و حزمة الذباب الإلكتروني الذين يعتقدون أنهم قبضوا علي متلبسا بجرم “الرقابة” ، وأود أن أدعوه إلى تدقيق تفكيره في الموضوع بناءا على ما يلي.
إنّ كلمة “رقابة” السيئة لها دلالة سلبية، لأنها تعتبر فعل شر، و هي تشير إلى فكرة إخفاء الحقيقة لتحقيق مصلحة ما. تمارس “الرقابة” بين أطراف متباينة أو متعارضة، يستخدمها صاحب القوة والسلطة بجبن لفرض رأيه، وروايته للأمور ومصالحه على خصومه وعلى الآخرين. إنها جريمة، “حقرة”.
فكيف يكون بن نبي خصمي و قد أفنيت حياتي في جعله معروفًا، في فك شيفرة فكره، في نشر أعماله وجعله عميد الفكر الجزائري الناشئ؟ ما هي مصلحتي في “الرقابة” عليه؟ ما هي “الحقيقة” التي كنت أخفيها؟ ما الذي اعتقدت أنني تجاهلته؟ ما هي “المعرفة” التي قلصتها يا سي ناصر؟
لا ينطبق أي من تعريفات “الرقابة” على ما قمت به حين حذفت من كتاب كان عليّ أن أنشره تحت مسؤوليتي الأخلاقية والمدنية ، على حكم لم يكن عبارة عن معلومة و بدرجة أقل عبارة عن حقيقة.
في رأيي، لم أقلل من فكره، لم أخفي حقيقة، لقد حددت مدى الضرر الذي كان يمكن أن يعكسه خطأه في الحكم على فكره، ذاكرته، ورثته، على عائلات هذه الشخصيات و على وطننا.
من أجله، من أجل الثورة الجزائرية، وللأجيال الجديدة، أردت أن أساهم في القضاء على الآثار المضرة لاتهام وتشهير وقذف وإشاعة، وبشكل أكثر تحديدا، لإجراءات قانونية ضد الكتاب و الذي قد يؤدي إلى حظره نهائيًا بموجب القانون.
لم أتصرف تجاه بن نبي كعابد أعمى، لكن كجزائري فخور باكتشاف هذا الرجل وعمله الذي عمدت على التعريف به و شرحه بموضوعية وروح نقدية عند الضرورة.
من يتابع باهتمام ودقة هذه الأيام سلسلة المقالات التي كرستها لحياته على موقع أمة.كوم، ولفكره على صفحتي على الفايسبوك، قد يصادف بعض النقاط التي صححت فيها ما يقوله بدقة. للدفاع عن فكره وليس “فرض الرقابة عليه”.
السماح بحدوث خطأ في الكتابة، في تاريخ حدث، في اسم مؤلف، في عنوان كتاب أو خطأ في الحكم مثل اتهام شخصيات عظيمة بدون دليل، لا يعد “رقابة” “بل إصلاحا، حماية ، إنصافا ، وفعل الخير …
من يستطيع أن يتولى هذه المهمة النبيلة؟ ذباب الكتروني عابر؟ متعصب يرى بن نبي كما يتصوره هو ويريد اختزاله إلى حد تافه؟
لم يكن بن نبي نبيا، وقد أخطأ مرات عديدة في أحكامه على الرجال.
على كل، فقد حدث للنبي محمد (ص) نفسه أن أخطأ في أحكامه على أقرب الناس إليه. كمثال السيدة عائشة الشهير، فقد أعطته درسًا جميلًا في هذا الأمر بدعم من خمسة عشر آية قرآنية. و كانت مناسبة أيضًا، وضع القرآن الكريم بعدها عقوبة القذف والشهادة دون إثبات بمائة جلدة.
يمكن لعائلات الشخصيات المتهمين بالخيانة دون إثبات، أن يستغلوا ذلك لمحاسبة مؤلف كتاب “مذكرات شاهد القرن”. يخبر الشاهد ما رآه وليس ما يفكر فيه عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الأمور الحساسة والخطيرة.
جسد بن نبي بالنسبة لي الفكر الجزائري، و لقد كرست نفسي لخدمته و إعطائه القيمة التي يستحق بشكل عام من أجل إخراج بلدنا من الجهل والانقسامات الأيديولوجية والعرقية والقبلية.
إن الإحتفاظ بأخطاء الحكم التي ارتكبها هذا الرجل العظيم والذي عانى ضغوطًا من كل الأنواع طيلة حياته ، تضر بفكره وشخصه وبالثورة الجزائرية وأبطالها.
أولئك الذين يتهمونني بـ “الرقابة” لا علاقة لهم به و لا بفكره، هم لم يقدموا شيئًا لكليهما، إنهم يريدون فقط استغلال أخطاء الحكم هذه لإثارة الكراهية بين مناطق من الجزائر وبين جزائريين. هؤلاء لا يستحقون إجابة بل الازدراء الصامت.
لو لم أعلن شخصيا عن هذا الأمر لما أثاره أحد.
عبان رمضان، جورج حباش ، عميروش ، مفدي زكريا ، العربي التبسي وغيرهم، لم يكونوا خونة بل أبطالا.و تلك هي قناعتي في 1970، وما تزال حتى هذه اللحظة وستظل كذلك حتى يثبت التاريخ خلاف ذلك.
هذا لم يمنعني من أن أفعل له ما فعلته من أجل مالك بن نبي و سأواصل.
11 أوت 2020
