Home فكر مالك بن نبيلماذا مارست “الرقابة” على بن نبي

لماذا مارست “الرقابة” على بن نبي

by admin


بقلم نور الدين بوكروح

ترجمة نورة بوزيدة

عاتبني بعض قراء كتاباتي حول فكر مالك بن نبي بأنني “مارست الرقابة” عليه عندما نشرت ‏لأول مرة النسخة الفرنسية من كتابه “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”، وكان ذلك سنة ‏‏1991. وفي ذلك الكتاب أدلى برأي متسرع في حق عبان رمضان، بناء على تخمين وتفكير، ‏وليس على وقائع ثابتة. ‏

ليس هؤلاء القراء هم من اكتشفوا هذه “الرقابة”، بل أنا من أعلن عنها بكل مسؤولية لتحمل ‏تبعاتها وقد فسرت موقفي ذاك سنة 2015 في مقال نشرته صحيفة “لوسوار دالجيري” ‏ونشرته بدوري في صفحتي على الفيسبوك بتاريخ 8 أوت الحالي تحت عنوان “شهادة من ‏أجل مليون من الشهداء”. ‏

نعم، لقد حذفت ذلك لحماية مالك بن نبي وورثته عن قناعة شخصية تعود إلى سنة 1972، لأنه كان من ‏الممكن أن يقوم بعض أفراد عائلة الشهيد أو سلطة عامة بإيداع شكوى بسبب القذف، بالنسبة للأوائل، ‏والمساس بأحد رموز الثورة للثانية، وطلب سحب الكتاب من السوق ونيل ذلك عن طريق ‏العدالة. ‏

لكن قبل إعادة قراءة ما كتبته لشرح قراري سنة 2015، أود إضافة بعض العناصر الجديدة: ‏

‏1-‏ أنا لم أمارس “الرقابة” على بن نبي – وأنا أفنيت حياتي من أجله وقمت بعمل تفسير ‏حياته وأفكاره لم يقم به أحد إلى حد الآن- لكي أحد من حريته في التفكير أو التعبير، ‏لكن لأجنبه هجمات وأحكام متتالية ضد ذاكرته هو وضد ورثته لأنه حقا لا يحق ‏لمؤرخ أن يتهم شخصية تاريخية بالخيانة دون التأكد من ذلك وإثبات هذا الفعل الخطير ‏والمهين بالأدلة. وهو الشيء الذي قام به أحد أعضاء عائلة عبان رمضان الذي نشر ‏قبل سنوات كتابا يتهم بدوره مالك بن نبي بأفعال لا تقل خطورة عما اتهم به عبان ‏رمضان، وهو أيضا لم يقدم دليلا وحيدا ليثبت صحتها وهي بالفعل لا أساس لها.

‏2-‏ أنا لم “أمارس الرقابة” فيما يخص عبان رمضان فقط بل أيضا فيما يخص مفدي ‏زكريا والعربي التبسي، وقد أثار ذلك غضب بنت هذا الأخير التي تهجمت على مالك ‏بن نبي في حصة تلفزيونية وجاءتني (قبل 15 سنة) للتعبير عن امتعاضها وهدأت ‏غضبها بصعوبة كبيرة.‏

‏3-‏ لقد تسلمت من طرف عائلة بن نبي المخطط الذي يحتوي على هذه الآراء التي حملها ‏بن نبي عن مفدي زكريا والعربي التبسي وفرحات عباس وآخرين سنة 1991 لنشره ‏في سياق نشر “مشكلة الأفكار”. وبالفعل كان مسودة وليس مخططا نهائيا قابلا للنشر ‏ويحمل عنوان “العفن”. قلت للعائلة أنه لا يمكن نشره كما هو وبعد أن صورت منه ‏نسخة، أعدته للعائلة وكلفت أحد معارفي المقربين بالاحتفاظ بالنسخة، وهو عبد ‏الرحمان بن عمارة، وهو الذي قام بنشره كما هو، دون علمي ودون علم العائلة ولا ‏تسريح منها. وقد قامت العائلة بمتابعة الناشر قضائيا لكن الكتاب نشر وتسبب فيما ‏تسبب.‏

‏4-‏ كل ما نشرته وكتبته حول حياة وفكر مالك بن نبي إنما برضا عائلته وموافقتها: أرملته ‏و ابنه وابنتيه وقد شرفتني بوضع إرثه الفكري بين يدي دون غيري واستعملته تحت ‏إشرافها و…”رقابتها”. ‏

التوضيح الذي يعود الى سنة 2015‏

منذ بضع سنوات وفي كتابٍ حول عبان رمضان ورد اسم مالك بن نبي، ويتعلّق الأمر بمناوشة لا علاقة ‏له بها، وحتى صورته التي أُدْرِجتْ في الصورة المطبوعة على الكتاب لا مبرر لوجودها حيث يظهر فيها صورة كل من بن بلة و علي كافي. فإذا كان هذان ‏الرجلان منافسين حقيقيين لعبان ومُعارضين له، فإنّ بن نبي لم يحدث له أن التقى به، ولم ينافسه في أي ‏شأنٍ يخص تسيير ثورة التحرير، ولم يهتم به إلاَّ عَرَضاً في أطروحة حول المسارات الثورية في ‏التاريخ.‏

ينبغي تفادي تعظيم رجل على حساب الإساءة لرجل آخر، وأنا لا أريد أن أقع في الخطإ الذي أندد به. ‏الأمر هنا يتعلق بوجهين كبيرين من وجوه جزائر القرن العشرين، أحدهما في مجال الفكر العالمي ‏والآخر في العمل الثوريّ. وبغضِّ النظر عن هذا فإنّ بن نبي ليس بحاجة لأحد كي يصير عظيماً، ‏فأعماله كافية لتعظيمه.

كنتُ على علم بآراء مالك بن نبي في الثورة الجزائرية وقادتها منذ بداية السبعينيات لأنه كان يتحدث ‏عن ذلك أحيانا في الندوات التي كان يعقدها في بيته. كنتُ في العشرين من عمري آنذاك، وكنتُ شديد ‏التأثر بما اطّلعتُ عليه، شأني في ذلك شأن أجيال ما بعد الثورة التي كانت متذمِّرةً ومتألمة مما تسمعه ‏طيلة العام حول الثورة الجزائرية التي أصابها ما أصابها من وصمات تُهَمِ الخيانة من جميع الأطراف، ‏والاغتيالات التي حدثت بدافع الاستيلاء على السلطة. ‏

فَمَعَ أنَّ مؤلفات مالك بن نبي كثيرة جداًّ، لا نجد فيها غير فقرة واحدة من أربعة إلى خمسة أسطر تتضمن ‏حديثاً عن عبان رمضان (ومعه جورج حبش)، وقد أوردها الكاتب في إطار التمثيل لفكرة حول ‏المساريْن الثورييْن، الجزائري والفلسطيني.‏

والفقرة واردة في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” الذي صدر لأول مرة بالعربية في القاهرة ‏سنة 1971. وقد صدر بالفرنسية لأول مرة سنة 1991 بمبادرة مِنِّي وبمقدمة من تأليفي. وهذه النسخة ‏الفرنسية لا تتضمَّن الفقرة الخاصة بعبان رمضان وجورج حبش لأنني تحملت مسؤولية حذفها. لماذا ؟ ‏لأنني كنت أُقدِّرُ أنَّ قادةً في مرتبة عبان وحبش لا يليق الحُكم عليهما بالصورة المقتضبة التي جاءت في ‏الفقرة المذكورة، ولأنني ارتأيْتُ أنَّ هذا الحذف لن يُلْحق أيَّ ضرر بفكر مالك بن نبي. ‏

إنّ ما يكون بن نبي قد قاله في مذكراته أو مؤلفاته غير المنشورة عن عبان رمضان أو العربي تبسي أو ‏فرحات عباس أو مفدي زكرياء أو لامين دباغين وآخرين، لا يمثل شيئا أمام قيمة أعماله وأبعادها.‏

‏ وسواء أكان مُحِقاًّ أمْ مُخطئا، وسواء أكانت أحكامه على الرجال مؤسسة أو غير مؤسسة، مؤكّدة أو ‏مفندة، فتلك مسألة أخرى. والتاريخ هو الذي سيحكم عليهم جميعاً عبر الشهادات وأبحاث المؤرخين ‏والأرشيفات التي ستُفتح للباحثين طال الزمان أم قصُر.

فمجال الفكر شيءٌ، وصراع الكاتب مع محيطه الاجتماعي والسياسي شيء آخر. وقد كانت لبن نبي ‏بالتأكيد مصادمات مع زعماء الحركة الوطنية، وبعد ذلك مع قادة الثورة، لكن تلك الخلافات لا تزيد في ‏فكره وأعماله، ولا تنقص منها شيئا. وتلك الخلافات ليست هي العنصر الخالد في مالك بن نبي، وليست ‏هي التي طارت بها شهرتُه في العالم. وشهرته ليست بفضل آرائه حول الثورة الجزائرية، والمئات من ‏المؤلفات التي خُصِّصَتْ وستُخصص له ليست بالنظر إلى إسهامه في الثورة.‏

لقد تعرَّض العربي تبسي للسجن ومات شهيداً، كما كانت للبشير الإبراهيمي إقامة في زنزانات الاستعمار ‏وفُرِضَتْ عليه الإقامة الجبرية وتعرَّض للنفي، وعبان رمضان لاذ بالفرار من الجزائر كي ينجو من ‏العدو، لكنه قٌتِلَ خنْقاً بأيدي إخوانه. وفرحات عباس سُجِنَ مراراً في العهد الاستعماري، وبعد الاستقلال ‏أُسْكِتَ صوتُه… كلّ هذه الوجوه قدّمت خدمات لوطنها حسب زاوية نظرها إلى الأمور، بالإمكانيات ‏المُتاحة لها، وبالصفات التي تميَّزَتْ بها، وكذلك بالعيوب والنقائص التي كانت فيها. ومالك بن نبي لم ‏يكن إلاَّ بشراً، وبالتالي فلا يمكن أن يسلم من كل العيوب، لكنَّ استقامته وعبقريته أكبر بكثير من عيوبه. ‏

إنَّ مالك بن نبي لم يحمل السلاح ولم يطلق رصاصة واحدة في وجه العدوّ، ومثله في ذلك عبان رمضان ‏والأغلبية الساحقة من الذين قادوا الثورة وقادوا البلاد منذ الاستقلال. كان سلاح بن نبي هو قلمه الذي ‏حمله طيلة حياته تمجيداً للفكر الجزائريِّ الذي يُعدُّ مفكرنا أحسن ممثل له عبر العالم. تلك حقيقة ساطعة ‏سواء أكُنّا نعرفها أو نجهلها، نُقِرُّ بها أو ننكرها. إنني أعني الفكر بالتحديد، وليس الأدب.‏

‏ لقد تحقق الاستقلال بعد سبع سنوات من الحرب، لكن حربا أخرى اندلعت ثلاثين سنة بعد ذلك بين ‏الجزائريين أنفسهم، ودامت مدة أطول من التي عاشتها ثورة التحرير.‏
ويعني ذلك أنّ ما انبرى له مالك بن نبي لا يقلّ أهمّية عن العمل الثوريّ الهادف إلى تحرير البلاد. وإذا ‏كان خوض معركة بالسلاح من أجل تحرير البلاد وإقامة “دولة إسلامية” أمرا يجد مَنْ يضطلع به بالعدد ‏الكافي، فإنّ قرونا، بل ألْفيات من عمر الزمان قد تمُرُّ دون أن يُنْجِبَ شعبٌ ما مفكِّراً واحداً.‏

10 أوت 2020

You may also like

Leave a Comment