Home مقالاتماذا لو كانت الجزائر كلها مثل بلاد القبائل ؟

ماذا لو كانت الجزائر كلها مثل بلاد القبائل ؟

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

لم يختلط “العذب الفُرات” بـ “الملح الأُجاج” نهاية هذا الأسبوع في الجزائر، على حدّ تعبير الاستعارة القرآنية الرائعة. فلقد باءت محاولة المياه الملحة اللحاق بالمياه العذبة بالفشل الذريع. لم يتم التمازج بين المياه النقية والمياه القذرة عند وصول جثمان آخر الشخصيات التاريخية إلى مطار الجزائر، ولا في مقر حزب جبهة القوى الاشتراكية، ولا في أيث يحي، وازداد الانفصال بينهما وضوحاً في أيث أحمد. فلقد رفضت عائلة المرحوم مُصافحة الشخصيات الرسمية التي أوفدها رئيس الجمهورية لتحية روح الفقيد الذي سُجِنَ وحُكِم عليه بالإعدام ومُنِع من الظهور منذ الأيام الأولى للاستقلال إلى وفاته بعيداً عن أرض الوطن، ذلك الوطن الذي ساهم هو في تحريره، أمّا هُمْ فقد خرّبوه معنوياًّ وذهنياًّ وسياسياًّ واقتصادياًّ بسبب فقرهم إلى نظرة صائبة حول ما يجب أن تقوم على أساسه الدولة، وبسبب انعدام كفاءتهم في كلّ المجالات.

إنّ ما يجبُ أن نتبيّنه مِنْ خلال إشارات الرفض الكثيرة التي صدرت عن عائلة آيت أحمد هو أنّ النّظام لم يعُدْ يحظى بأيّ قبول لدى الأغلبية الساحقة من الجزائريين. ولم تأبهْ هذه العائلة بكلّ “الوسائل” التي وضعها النظام تحت تصرّفها، مِنْ طائرة رئاسية وسيارة رسميّة، بل ومنعتهم حتى من الاقتراب من قبر المرحوم. أمّا الوزير الأول سلاّل ورئيسا غرفتي البرلمان فقد اضطُراّ للعودة أدراجهم قبل الوصول إلى المقبرة التي ووري فيها آيت أحمد التراب، وذلك تحت ضغط الجماهير الغفيرة. وبعد كلّ هذا هل بقي لهم مجال لتسيير شؤون البلاد أو إصدار قوانين، أو التصريح بأنّ الشعب لا يزال معهم؟ الغريب أنهم يستطيعون ذلك كعادتهم!وعلى أية حالٍ، وهذا ما لا يمكن لأحَدٍ نفْيُهُ، فإنّ بلاد القبائل عوّدتنا على إعطائنا من حين إلى آخر أمثلة رائعة ودروساً جديرة بالتّأمّلالعميق.

إنّ محاولة استغلال الواجهة الدينية ومراسيم الدّفن من طرف جُحاوات النظام ليتسلّلوا بين المُشيّعين وعلى وجوههم علامات حزن كاذبة لكي يُنْسونا ما عاناه آخر الخاضعين وأول المُتذمّرين من قهر ومحاولة إهانة طيلة عشريات من الزمن، كل ذلك لمْ يُجْدِ نفْعاً. ولمْ تحْمِهم الأجواء المهيبة المحيطة بمراسيم الدفن، والمتوارثة منذ الأزل، لم تحمهم من عبارات التذمّر مثل “النظام المجرم”(Pouvoir assassin)، والتي يُستقبلون بها في بلاد القبائل كلّما حلّوا بها سواء أكان ذلك في الجزائر العاصمة أم في الخارج. 

ويُمكن اعتبار مثل هذه المناسبات فرصة مُواتية لقياس أهمية استغلال الأنظمة غير الشرعية للعامل الديني. فالفضل في بقاء الأنظمة الاستبدادية في البلدان العربية الإسلامية يعود إلى ما يغرسونه من ثقافة دينية سطحية وما يبثّونه من عصبيات قبَليّة. فـ “المُصالحة” وسِلْمُ المقابر والمُسامحة والنسيان الذي يضع المُجرم والضحيّة على قدم المُساواة، كلّ ذلك ما هو إلاّ بعضٌ من أكاذيبهم لأجل البقاء في السلطة بعد أنْ كانوا هُمْ بالذات سبب المأساة، وهُمْ بالذات الأطراف التي تسببت في مجازرنا الفظيعة. 

“يا فتّاح يا رزّاق!”، إنها صبيحة أول يومٍ من سنة 2016، وها هي الجزائر الرسمية ـ التي تمّ اختطافها من طرف جماعة من جماعات الصراع سنة 1962 ـ ها هي تلك الجزائر الرسمية وجهاً لوجهٍ مع الجزائر الشعبية التي حُرمت من استقلالها، وهي بداية يمكن أن تكون نذير شؤمٍ بالنسبة للسلطة القائمة في الجزائر. وبما أنّ أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية التي صنعت تاريخ الجزائر الحديث، بعضهم سقط تحت رصاص العدوّ وبعضهم تمّ اغتياله على أيدي رفقاء السلاح المزعومين، فإنه لم يبق إلاّ الذين وقفوا في الصفوف الخلفية، وهم أصحاب الملامح المشكوك فيها وأصحاب المسيرة النضالية الغامضة، لكي يتحكموا في مصير البلاد ويقضوا عليها قضاءً مُبْرماً بسبب جهلهم وصغر شأنهم ونرجسيتهم ونزعتهم الشيطانية. 

لقد مضى آيت أحمد، وهو “آخر الرجال التاريخيين” سواء أكان يحب هذا اللقب أم لم يكن يُحبّه، مضى وهو مُغتاظ على هذه الجماعة التي كانت في الصفوف الخلفية التي لم تُكْرمه بحبّة تمر واحدة وهو حيّ، وعند وفاته حاولت أن تُحيطه بمراسيم دفنٍ خاصة، غير أنه رفض كلّ “تشريفات ما بعد الممات” المُزيّفة والتي يُدفع ثمنها من أموال الشعب. لقد رفض آيت أحمد أن يُبيّضهم ويُطهِّرهم من جرائمهم المُرتكبة منذ عهد الثورة، وممّا اقترفوه في حقّ الجزائر التي أثقلوا كاهلها بالقضاء على قيمها وأحلامها، وبدّدوا ثرواتها، وثبّطوا عزائم شبابها، وكبّلوا نخبتها بالقيود، وشوّهوا صورتها في العالم. 

إنّ جيل آيت أحمد هو الذي حرّر الجزائر، أمّا جيل الصفوف الخلفية فقد أسْلموها للّصوص الذين نهبوا ملايير الدولارات تحت حماية أكبر “المسؤولين” لكي يضمنوا لأنفسهم الامتيازات ويفرضوا آراءهم. لكن آيت أحمد قد أهانهم على مدى ثمانية أيام كانوا خلالها محطّ أصابع الاتّهام، ثُمّ دلّهم على مكان مزبلة التاريخ كي يتبوّؤوا أماكنهم فيها تحت أعين الأجيال الجديدة المزدرية لهم.

وقد جرت العادة أنّ يبذل المُحتالون ما بوسعهم ليتشبّهوا بالأبطال بمناسبة وفاة أحد هؤلاء الأبطال، وهُمْ لا يفعلون ذلك ندماً على ما اقترفوه، بل يفعلونه لكي يختلسوا، مثل اللّصوص، ما أمكن مِنْ عظمة أولئك الأبطال وشرعيتهم ونقائهم… صحيحٌ أن المُحتالين حققوا بعض النجاح في الماضي، لكنهم في بلاد القبائل لم يجنوا إلاّ الاحتقار والشتائم. 

لقد أفلت آيت أحمد من قُبلة يهوذا (Judas)، وغادرنا وهو  يُحذّرنا من دموع التماسيح، وسابق الأحداث مُندّداً بالتعازي المنافقة التي يُرادُ بها إصلاح ما ألحقوه به من أضرار. كان مُصِراًّ على أنْ يلزم كلّ واحدٍ رُكنَه، لأنه لم يكن شريكاً معهم في أيّ شيءٍ. وهكذا فشل سُراَّق الدجاجات ولصوص الشهرة، رغم حيلهم الشيطانية، في محاولاتهم الحصول على ملمتر واحدٍ من صورته البهيّة، ولا على ذرّة من الاحترام الشعبي الذي يحظى به، وهُم الذين لم يُقدّموا شيئاً للثورة ولا لبلادهم، بينما أخذوا كلّ شيء وسلبوا الوطن كل شيء وأسلموه للإفلاس الاقتصاديّ والحرب الأهلية. فمَنْ منهُما الميّتُ في عقول الجزائريين؟ آيت أحمد أم النظام؟  

إنّ المُعادلة الرّياضية الجزائرية كانت دوماً تنطوي على طرفيْن مجهوليْن، وهُما الشعب والسّلطة. وأبسط وسيلة لحلّ مُعادلة من الدرجة الثانية هي إسناد قيمة لأحد الطّرفين من أجل تحديد قيمة الطرف الثاني، وبذلك يكون الحلّ. فإذا كان حاصِلُ القيمتين أربعين مليوناً مثلاً، وأنّ هذا الرقم هو قيمة أحد الطرفين بمفرده، وليكُن هو السلطة مثلاً، فإنّ قيمة الشعب تكون بالضرورة صفراً. 

وهذا هو واقع الحال في الجزائر لأنّ البلاد متعلّقة تعلّقاً كُلِّيا بالسلطة، وما يزيدُ الطين بلّةً هو أنَّ هذه السلطة تتجسّد في رجلٍ مريض يستحوذ على كل السلطات رغم حالته ودون مراعاة لأدنى منطق سليم، وهو يحصر دور المؤسسات الأخرى في المُحاباة والارتعاش من رؤية أبسط نظرة منه أو أبسط حركة من يده المُرتعشة. تلك هي المُعادلة الرياضية الجزائرية: رجل واحد في كفة ميزان وفي الكفة الثانية أربعون مليوناً من الجزائريين.فهل هو أعظم منهم إنسانيةً ؟ أمْ أنّهُمْ أقلّ منه هو وحده، حتى نستعمل التعبير الدارج في عُرْفِنا اللغويّ.

وهل بإمكاننا القول إنّ أوباما يُساوي في الميزان هذا العدد من الأمريكيين؟ لا يُعقل أنْ يخطُر ببال أحدٍ، حتى ولو كان أوباما نفسه، أنه يساوي أكثر من واحد، أي أكثر من نفسه وأكثر من شخصه المتواضع. ليس بإمكان أوباما أنْ يمسّ بدستور بلاده بينما بوتفليقة فعل ذلك الدستورلأكثر من مرة، وذلك كي يتمكن من ترتيب أمورهالبسيطة. 

فها هو ذا يضع مصير الدستور “الجديد” بين يدي لجنة مُصغرة، ومعه مصيرنا جميعاً، مُحتقراً شعبه إلى أبعد الحدود. مُستقبلنا مطويّ كما يُطوى العَلَم، وهو موضوع بين يدي الذئاب والجهلة والانتهازيين الذين اختيروا بشرعية تامّة لكي يرثوا الجزائر التي حرّرها رجال من طراز آيت أحمد. وماذا سنجني من مراجعة الدستور غير مزيد من إخضاع الشرعية لمزيد من الحبك الذي سيُفضي إلى البقاء في السلطة على حساب مصلحة كلّ الجزائريين.

أليس في هذا الوطن غير هذا الرجل ليقوده، وهو الذي لم يخاطب بني وطنه منذ عدّة سنوات رغم أن المادة 70 من الدستور تفرض عليه ذلك؟ ولنعد إلى البداية ونتساءل: لماذا هذا الرجل وليس آيت أحمد مثلاً، سنة 1999 و2004، و2009، و2014؟ ونحن نُراهن على أنه سيكون هو الرئيس سنة 2019. فهل كان أعلى رتبةً في الجهاد من آيت أحمد؟ أكان أكثر ثقافة وتكويناً؟ وهل هو أحسن منه مظهراً؟ أليس هو ذلك الشاب المجهول المدعو بوتفليقة، والذي كلّفه بومدين بتبليغ اقتراحه إلى آيت أحمد، في 

إطار الدسائس التي جرت حتى قبل الاستقلال، ليكون أول رئيس للدولة تحت إشراف جيش الحدود، وهو الاقتراح الذي رفضه آيت أحمد وبوضياف بعده؟

إنّ الجزائريين يستلهمون الأساطير لأنهم بعيدون عن المنهج العقلي ولأنهم لا يُفكّرون. وشؤونهم كلّها رهينة عواطفهم ووجدانهم، وهُمْ دائبون على الإيمان بالأعاجيب والتعاويذ والشؤم والمهدي المنتظر، كما كان الإنسان في القرون الوسطى. وتلك هي الذهنية التي يُعشِّشُ فيها الجُحاوات والمُتحايلون والخداعون والمستبدّون. وهل هناك بلد ٌ واحد في العالم يُعيّنُ فيه الرّئيس اعتمادا على مقياس واحد هو كونه “مجاهداً”؟ وهل نحن بحاجة إلى مجاهد والجزائر مستقلّة وتنعم بالسّلم منذ 54 سنة؟ وهل هو المجاهد الوحيد في بلادنا؟ هل يفوق فضله على الثورة فضل آيت أحمد أو الرائد بورقعة أو أي مجاهد آخر أو  مجاهدة يحظى بالإجماع؟

إننا مجرّد شخصيات إضافية في فيلم من أفلام الرعب التي تحكي كيف أن وطناً بأكمله قبِلَ بأن يتلاعب بحياته رجلٌ فرد. ولقد مرّت على الجزائر سنتان وهي تؤدّي لعبة ذلك البهلواني الذي يغامر بنفسه ويمشي على خيط رهيف تحت فراغ سحيق. ولو كانت منه حركة واحدة زائدة لحدثت السقطة القاتلة. ويُدعى هذا البهلواني في الفرنسية بـ (fildéfériste) وهي الكلمة التي بينها وبين كلمة (flniste) تشابه. فهل اختارت الجزائر أن تُمارس هذه الرياضة المتطرّفة أم أنّها مُضطرة إلى ذلك اضطراراً؟

وما الذي يمكن أن يبرّر مثل هذه الوضعية العجيبة؟ لا أجد تفسيراً آخر لهذا غير ما دأبْتُ على ترديده منذ عشرات السّنين، والأحداث التي تعاقبتْ عبر عدة عشريات بخطورة متزايدة ما فتئت تُصدّق رؤيتي. رجلٌ واحد يُحكِمُ قبضة يده الوحيدة على مصير أمّة شابة ومتعطّشة إلى التطوّر والحداثة. إنّ بلداً فاقداً للبصيرة إلى هذا الحد لا شكّ أنه سيلقى مصيرا مؤلماً. لم يبق إلاّ تفسير واحد لهذه الدرجة من انعدام الوعي لدى الأمّة، وهو أنها ليست أمّةً أصلاً! 

وفعلاً، فإنه لا وجود لأمة جديرة بهذا الاسم في العالم وصل بها الأمر إلى حالتنا. إننا نتمتع بكل العناصر المادية المميّزة للأمم، وهي: “التراب، والمجموعة البشرية”، لكننا متجردون من المحتوى المعنويّ، والواقع الذهني والاجتماعي. ذلك هو بيت القصيد في مشكلة الجزائر، وتلك هي الحقيقة الخفية في أعمق أعماق الحقيقة: إننا ساقطون من شجرة بدون مميزات مشتركة، وإننا نعيش دون الإحساس بأننا نمثل جماعة وطنية يجمع بيننا نمط واحد للتفكير ونظرة واحدة إلى المستقبل، إننا شتات مجموع مثل العربات المجرورة، أو كمية من “بني آدم” يعيشون متجاورين، بل متنافرين، لا ملتحمين، وكلٌّ منّا مُقتنع تماماً بأنهُ ناجٍ برأسه حتى ولو انهار الوطن.

ولكي تحظى الجزائر بحُكامٍ جديرين بهذا الاسم يجب عليها أن تصير أمّة جديرة بهذا الاسم. فما هي سبل ووسائل العمل المتاحة لأولئك الذين يأملون في تأسيس وطنٍ حقيقيّ، جزائر أخرى؟ وسيكون لنا موعد مع الانتخابات التشريعية سنة 2017، وموعد آخر مع الانتخابات الرئاسية سنة 2019. وإنّ هذين الموعدين لا يزالان بعيديْن عنّا بما يكفي لنسترجع الوعي، ولتظهر في الميدان مواقف وأفعال تختلف في طبيعتها عمّا نعيشه من روتين قاتل، روتين لم يبق لنا أدنى شك في عدم فاعليته.

إنّ الحلّ لا يتمثل في “التحوّل الديمقراطيّ”، لأنّ هذا التّحوّل لن يحدث أبداً، وهو حلّ خاطىء ناجم عن تحليل غير واقعيّ ودالّ على الجهل بخبايا “النظام” وعلى سذاجة من يُروّج له. فماذا تُمثل هذه الأحزاب المُشكّلة للـ CNLTD حتى تتفاوض معها السلطة حول هذا التّحوّل؟ إنّ المُعارضة الرسمية لا تملك بين يديها أي شيء، وكلّ قواها مُجتمعة لا تمثل شيئا هاماًّ رغم ما يُبديه أصحابها من تبجّح. ولا يتمثل الحلّ كذلك في إقامة هيئة لمراقبة الانتخابات. نحن بحاجة إلى مقاربة أخرى، وإلى استراتيجية جديدة كلّ الجدّة كتلك التي رسمتُ خطوطها في مقالات سابقة. فلو كانت الجزائر كلّها مثل بلاد القبائل كم كان سيستمر هذاالنظام؟ 

لوسواردالجيري 04 جانفي 2016

موقع الجزائر اليوم 01 فيفري 2019

You may also like

Leave a Comment