ترجمة نورة بــوزيدة
سأخصص مقالات هذه السلسلة للاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال. هل صحيح أن الجزائر لا تبلغ من العمر سوى خمسين سنة؟ بالطبع لا. فتاريخ الجزائر يعود إلى آلاف السنين و إلا فكل الجزائريين الذين ولدوا قبل الاستقلال سيكونون أكثر عمرا من بلادهم، وهذا هراء ولا معنى له.إلا أن كل من جاءوا إلى الدنيا في 1962 وما فوق يشعرون بأنهم شيوخ هرموا وأنهم قضوا حياتهم فوق الأرض من غير فائدة، بينما من كانوا يحكمون فيهم عند ميلادهم ما زالوا يحكمون فيهم إلى اليوم وكأن الزمن غير دوار بالنسبة لهم، بل ويعود إلى الوراء ويصغرون بدل أن يشيخوا، ويصحوا بدل أن يهرموا.
في سنة 1962، كان ديغول يرأس فرنسا، إلا أنه تخلى عن الحكم مستقيلا منذ 43سنة، والرئيس الحالي لفرنسا في عقده الخمسين كما كان أيضا من سبقه إلى الحكم. أما في الجزائر، يبدو الحال وكأن الأرض الأم لم تنجب سوى جيلا واحدا لأنه وبمجرد أن تمخضت به، سارع ذلك الجيل إلى تعقيم أمه الجزائر لكيلايزاحمه أحد في الميراث.
الفرح والحزن حالتان لايشعر بهما المرء في نفس الوقت ولا تتداخلان مبدئيا. يسبق الواحد الأخر أو يليه، لكنه من النادر جدا أن نشعر بهما في نفس اللحظة، فليس فيه ثمة حفل حزين أو مأتم فرح، ولكل طقوسه ومناسباته وأسبابه، ولا يرضى الحزن أن يخلط معه الفرح والعكس صحيح. فالظاهرة الوحيدة التي تجمع بينهما هي الدموع حيث يمكن البكاء حزنا أو فرحا، لكن ليس لها نفس الطعم.
فلما إذا اخترت هذا العنوان؟ لأنه ويا للأسف شعور ينتاب غالبية الجزائريين وهم ينتظرون هذه المناسبة العظيمة. شعور؟ بل لا شعور، لا مبالاة وعدم اهتمام بما هو أكبر فرحة عاشوها كشعب، وكأنهم مجبرون على الخضوع لأحد الطقوس البالية التي نسوا مناسبتها الأولى.
ها نحن على بضعة أسابيع من هذا الموعد التاريخي، إلا أن الجو لا يوحي بالبهجة. لا عند الشعب ولا عند السلطة. لكن، ومع ذلك سيجب تنظيم احتفاءات وحفلات ولو لحفظ ماء الوجه أمام باقي العالم. سنعلق الأعلام الجديدة في كل مكان وواجهة، وستقدم برامج خاصة في التلفزيونات وستنظم مهرجانات فولكلورية في البلد. غير أن المواطنين لن يخرجوا أفواجا للرقص فرحا في الشوارع. يمكن تنظيم الاحتفال صوريا، لكن لا يمكن الأمر بالفرحة القلبية عنوة.
فالفرحة لا علاقة لها بالبروتوكول ولا بإضاءة الميادين والمعالم والألعاب النارية. فالفرحة تنبع من قلب الإنسان وتملأ ذاته فتنير وجهه. لا يمكن أن نأمر بالشعور بالفرحة الحقيقية إداريا ولا يمكن شراؤها أو استيرادها.
لا تحتاج الفرحة إلى وسائل كبيرة لكي تتجلى. وسيلتها الوحيدة هي قلب الإنسان ووجهه الذي يستنير وينشرح، فيعانق الناس بعضهم بعضا ويرقصون ويضحكون. إنها تعبير تلقائي لا إكراه فيه، وميل طبيعي للآخرين لا زيف فيه ولا تكلف. الفرحة ليست أن نلصق “ضحكة صفراء” باردة ومناسباتية على وجوه شاحبة عبوسة. فنحن هنا أمام نفاق وتمثيل وتصنع لا يمكنهم إخفاء الحزن الدفين والانتكاس النفسي.
في هذه الظروف التي نعيشها، يسهل أكثر أن ننظم مآتم، فكل شيء جاهز للأمر:الوجوه مقفرة وحزينة كل يوم بمجرد خروجنا من منازلنا. يكفي للجزائري أن يلتقي بجزائري آخر في وسائل النقل الجماعية أو حتى وهو في سياراته الخاصة، لكي تختفي من وجهه علامات الراحة التي عبأها في بيته وينتابه شعور بالحزن، ويغتم قلبه خوفا من حدث عبثي يقتل فيه الفرحة والغبطة. وإن كان غالب الجزائريين يشعرون بالحزن عند اقتراب عيد الاستقلال و”عيد الشباب”، فليس لأنهم لا يحبون استقلالهم وشبابهم، لكنهم لا يجدون محتوى ولا فحوى لهذين العيدين.
عندما يعود الجزائريون إلى تاريخهم، لا يشعرون بشوق للاستعمار، لكن بخيبة وحزن مما حدث بعد أن تخلصوا منه، وبأنهم منعوا من الثمار الحقيقية لثورتهم واستقلالهم. فأين “الدولة الديمقراطية والشعبية” المنصوص عليها في تصريح أول نوفمبر 1954؟ أين الحرية والكرامة والمساواة والعدل الاجتماعي والديمقراطية التي لا يتوانى أبدا حكامنا عن دكها في خطاباتهم؟ أين الوحدة الوطنية والوطن مقسم والحرب على الإرهاب متواصلة منذ عشرين سنة؟
وأكثر ما يحبط معنوياتهم هو التفكير في المستقبل: فما مصير وطنهم بعد خمسين سنة أخرى عندما سينفذ البترول؟ بعد أن قضوا نصف الخمسين سنة الأولى في جمع “شروط الأزمة” ونصفها الآخر في عيش مآسيها وآلامها.
إن الفرحة الحقيقية هي فقط تلك التي عاشها الشعب الجزائري في أول أيام الاستقلال، والتي خلدتها عدسات الصحافة العالمية وبعض الأفلام مثل “معركة الجزائر”. لكنها فرحة لم تدم سوى أيام بسبب نشوب معارك بين “الإخوة” من أجل الاستحواذ على السلطة. منذ ذلك الحين لم نشهد فرحة مثلها.
وعندما خرجت الجماهير في الشوارع عدة عقود من بعد لم يكن ذلك من أجل التعبير عن زهوتهم وبهجتهم بل عن شعورهم بالضياع والانسداد، فكسروا ما استطاعوا. بدأ الأمر منذ ربع قرن سنة 1988، ولم يتوقف إلى اليوم. لم نشهد منذ 1990استعراضا لفرق الكومندوس في نهج الجيش الشعبي الوطني والتي كانت تبعث فينا الافتخار والإعجاب. إنهم الآن يحاربون “بقايا الإرهاب” ويبحثون عن آخر”المغرر بهم” في الجبال أو هم مجندون على طول حدودنا لحماية البلاد من “بقايا” الجماعات الإسلامية التي دخلت تحت لواء تنظيم “آكمي” المسيطر على البلدان المجاورة.
وعلى غرار عيد الاستقلال، لم نعد نحتفل بأي عيد منذ زمن. لم تبقى سوى الأعياد الدينية التي يستقبلها الجزائريون بنوع من الفرحة، وإن كانت فاترة حتى هي، خاصة وأن السياسة تدخلت فيها هي الأخرى وعكرت صفاءها وبهجتها. لكنها أعياد لا تعني الجزائريين فقط ولا علاقة مباشرة لها بتاريخهم الخاص. نشاهد فيها أكثر الرموز الدينية الخارجية لكن المجتمع يفتقد للرموز الداخلية التي يحث عليها الدين من خير وصدق ونزاهة وإيثار وحب الوطن. وتراجعت الأخوة والتسامح وحب الوطن.
والتفسير لذلك هو أن الإسلاموية التي استحوذت على عقول الكثيرين وقلوبهم لا تدفعهم ولا تحثهم على حب الآخر بل على رفضه بمجرد أن يبدو مختلفا، ولا تحمل “أدبيات” الإسلاموية احترام الآخر ولا حب الوطن والغيرة عليه، بل كل فعل موجه لله ليس حبا في الله المجرد والصافي من كل حساب مع الخالق، بل مقابل “حسنات” في كل خطوة. إن الإسلاموية وفرحة العيش لا يلتقيان وكل فعل تتجلى فيه فرحة أو زهوة هو “عيب” ولا يجوز.
إن الخامس من جويلية 1962 هو نتاج أول نوفمبر 1954. نحتفل بالأول ونستذكر الثاني. في سنة 1984، احتفلنا بثلاثينيات اندلاع الثورة وكان عمر الجزائر 22 سنة بدل الخمسين. كانت الجزائر في عز شبابها وتملك كل قواها، وتعيش ظاهريا في وحدة وأمان. وعندما اقترب موعد ذكرى هذا التاريخ المجيد، وكما أنا فاعل اليوم أيضا باقتراب الذكرى الخمسين للاستقلال، كتبت في أسبوعية(Algérie-Actualité) سلسلة مقالات تعاكس التيار المتفائل وتزعزع الارتياح العام لمستقبل الجزائر “المزدهر”. فكتبت مقال”الجريمة والعقاب” (18أكتوبر 1984) قلت فيه”:
” العديد من حكامنا بلغوا منذ عقود عتبة عدم كفاءتهم، وبرهنوا عليها ذهابا وإيابا، لكنهم ما زالوا هنا، وقد بلغت بهم الشيخوخة حدا كبيرا، غير واعون بتناقضهم مع الزمن والواقع المعاش. واستوجب الأمر أن نقلع بعضهم بالكلاَب من عروشهم كما نفعل مع المسامير. وكانوا ممن يمكننا تشبيههم بأتيلا الرهيب الذي لا ينبت زرع أبدا في أرض مر منها وأحرقها عن آخرها، وأما هم فيمكنهم إحباط معنويات الناس ومنعهم من الحلم حتى فوق القمر لو استطاعوا ذلك، فلا يعرفوا من التسيير سوى الأبواب المغلقة والبقشيش والمحاباة والترخيصات الاستثنائية للبعض دون البعض الآخر. فلا غرابة إذن أن نرى الناس يدخلون من النوافذ ويصعدون فوق الحيطان والسقوف ويخترقون القانون لإيجاد حلول لمشاكلهم اليومية والمعيشية. فمن يسأل عن كل هذه الجرائم؟ ومن يدان ويدفع الثمن؟ المصيبة التي لا يفهمها هؤلاء وكأنها معادلة اينشتاينية أنه لكل غلطة محاسبة. وفي حالتنا نحن، فإن التاريخ هو من سيحاسبنا ويعاقبنا، إلا أنه ربما لسنا نحن من سندفع ثمن غلطاتنا، بل أبرياء لم يأتوا للدنيا بعد. ألم ندفع نحن ثمن غلطات الأجيال التي سبقتنا بقرون؟ ألم يستوجب الأمر أكثر من قرن من الثورات والدماء وسبع سنين من حرب ضروس كلفتنا عشر سكاننا لكي نغسل درن الاستعمار الذي خضعنا له؟ نحن على أيام فقط من الاحتفال برجوعنا إلى التاريخ الحي الذي نصنعه بأيدينا، ومن المفروض أن نفكر بشجاعة وحماسة في مستقبل بلادنا حتى نجنبه مأساة أخرى مثل الاستعمار والتخلف” (انتهى). وبعد ثماني سنوات هوت بلادنا في تراجيديا أخرى هي “المأساة الوطنية”، لكن هذه لم أكن أتوقعها حقيقة.
في الأول نوفمبر من نفس السنة، عاودت الكرة بمقال آخر تحت عنوان “الشعوب والتاريخ” متسائلا: “ماذا سيكون حالنا بعد ثلاثين سنة؟” وها هي الثلاثون سنة قد مرت. كتبت ما يلي:
“الشعب الجزائري، كما هو مصقول نفسيا اليوم، هو شعب طموح، يصبو إلى العلا وإلى تحقيق العظائم ويريد الخروج من “البريكولاج”. إنه شعب يشعر برغبة الصعود إلى مستوى أمم الألفية الثالثة ولا يرضى بالتخلف في ذيلها، إنه شعب يريد الخروج نهائيا من التبعية الاقتصادية والفقر والتخلف والاستعمار والتقهقر والفشل العام. ويجب على حكامه أن ينفخوا فيه روحا جديدة مفعمة بالحياة والطموح لأن الشعوب التي يطول نفسها وتذهب بعيدا وتدوم في التاريخ وتنجز وتشيد هي تلك التي تملك وجهة وهدفا تاريخيا ولا تضع لنفسها حواجز نفسية ومادية ولا يحيدها شيء عن طريقها ويكون شعارها: “لنكن واقعيين، ولنطلب المستحيل…” إن مثل هذه الشعوب تفرق بين الأهداف التاريخية وأهداف المخططات التنموية اليومية. فالأهداف الأولى تتمثل في تشييد مدن في الهضاب العليا وإخصاب الصحراء وتنمية الجنوب كما فعل الأمريكان مع غربهم قبل قرنين، أما الثانية فهي أن يدشن وزير الجمهورية مدرسة ابتدائية أو يكثر من أسواق الفلاح ويفتتح مخازنها أمام الملأ وعدسات التلفزيون…. إن الشعوب لا تموت طبيعيا، بل تنتحر…. كيف سيكون حالنا بعد ثلاثين سنة، أي في سنة 2014 من الألفية الثالثة“.
ورجعت لأكتب في الموضوع بضعة أسابيع بعد ذلك لأطرح سؤالا اعتبر مساسا خطيرا للكبرياء الوطني: “هل لدينا مستقبل؟”. وها نحن اليوم في قلب ذلك “المستقبل” قد أصبح حاضرنا وواقعنا المعاش. كنت أقول: “لقد انتهى شهر نوفمبر، الذي أردناه هذه السنة احتفالا إلى درجة التقديس بالأموات الذين ضحوا بحياتهم ثمنا للحرية والاستقلال. إلا أنه ذهب وترك الأحياء يخمنون في حياة صعبة وكأنها امتحان ضد الزمن الهدام أورثوهم إياها وكأنها تحدي. شهداء الوطن قاموا بواجبهم وماتوا شهداء والعالم كله شاهد عليهم. والأحياء مدينون لهم بكل شيء، وبخاصة ذلك الافتخار بكونهم جزائريين رافعين رؤوسهم بين الشعوب، والبترول الذي استرجعوه من مستعمرهم القديم والذي بفضله نسوا الجوع والحرمان. نعم لقد مر شهر نوفمبر، لكن هل ستذهب أيضا رمزيته من أذهان الجزائريين وضمائرهم؟ هل سيودعون شهدائهم الأبرار ويعودون إلى حساباتهم الشخصية، أو بالعكس سيشعرون بثقل دينهم ويعملون بجد ويجسدون روحهم الوطنية في إنجازات ملموسة بينة ومشهودة؟“…
وإن كان نوفمبر فرصة للتمعن في ماضينا وتذكر أمجاده، لما لا يكون أيضا فرصة للتفكير في مستقبل هذا البلد وتحضير ما يجب تحضيره على مدى 30 سنة المقبلة، وإعداد ما يجب لسنة 2014؟ ماذا سنترك بعد ثلاثين سنة؟ وكيف سيكون حالنا في بداية الألفية الثالثة؟ وهل لدينا مستقبل؟ قد يصدم بعضنا بهذا السؤال أو حتى ينفعل ويغضب. لكنه مجرد تساؤل وليس شتم وسب. إنه سؤال تطرحه على أنفسها أمم أقوى منا وأعرق في التاريخ وأثرى منا. لكنها لا تتأخر في طرحه، وأمام الملأ، بمجرد أن تواجه تحديا أو ظاهرة اقتصادية ترى فيها خطرا على كيانها ومستقبلها مثل البطالة أو سوء ترتيب اقتصادها أو صعوبة في مسايرة التقدم التكنولوجي الكبير والذي جعل حتى التاريخ يسير على وتيرة متسارعة أو ظهور بلدان جديدة تطمح هي الأخرى في التطور والتقدم وتنافسها على طاولة الحضارة والرقي“.
أما اليوم، وقد مرت تلك العقود الثلاثة التي كنت أتحدث عنها، ما هي الأجوبة التي يمكننا إعطاءها؟ هل نشعر بأننا تقدمنا أم تأخرنا؟ ألا تجعلنا “المأساة الوطنية” والتي لم نخرج منها بعد نفكر بأننا حقيقة حاولنا الانتحار؟
ألا يظن أغلب الجزائريين بأن سنوات الثمانينات كانت أفضل مما نحن عليه اليوم؟ وبأننا كنا نعيش في سلام وأمن بدل الحرب والإرهاب، وبأننا لم نكن نرى أمام أعيننا بسطا معيبا ومشينا لثروات اكتسبت بالحرام والرشوة والجهوية؟ ألا يفكر الجزائريون أن “قدرنا” و”شأننا” كانا أعلى بين الأمم في ذلك الزمن، أي قبل ثلاثين سنة؟
من قبل، كانت الدولة تختفي وراء نقص الإمكانيات لتبرير عجزها على حل مشاكل البلاد: لا تكفي الإمكانيات لإسعاد كل واحد منا. واليوم، تملك الدولة إمكانيات لم تكن تحلم بها ولا تسعها خزائنها لكن ما زال الجزائريون يشكون من نقص العمل والسكن والعدل و”القيمة”. ففهمنا أن دولتنا، سواء لديها أموال أم لا، فهي غير قادرة على خلق ديناميكية اقتصادية وحياة فكرية تخلق بدورها محيطا يشجع على غرس روح التعليم والتمدن لدى المواطن، ولا ديناميكية سياسية تبعث الثقة بين المواطن ومؤسساته وتحضر المستقبل بفتح الباب أمام الأجيال الصاعدة. فلما هذا العقم والتعقيم؟
كنت في زيارة في المكسيك قبل عشر سنوات بمعية سعادة السفير المحترم السيد طفار. وصادفت زيارتي احتفال هذا البلد بعيده الوطني، فاصطحبني السفير إلى ساحة عملاقة يجتمع فيها المكسيكيون للاحتفاء بأهم أعيادهم. ووجدت هناك عشرات الآلاف منهم، قادمين من كل جهات البلاد ومن كل الطبقات الإجتماعية، محملين بالأعلام والفرحة تشع من تقاسيم أوجههم. واجتمعت عدة فرق موسيقية تطرب الحاضرين ليس بألحان عسكرية بل بمعزوفات رقيقة وجميلة تطرب الروح وتسمو بها. وفي تلك اللحظة، وأمام مشهد الحب الطبيعي والصافي الذي يكنه المكسيكيون لبلادهم، أحسست بحزن عميق يغمرني ولم أتمكن من كبت دموعي فحاولت أن أخفيها عن سفيرنا لأنني لم أكن قادرا على تفسير دموعي. لكنني كنت أعرف أنها سالت عندما تفكرت حال بلدي المسكين الذي كنت بعيدا عنه في تلك اللحظة…
علينا اليوم أن نفتح باب الفكر والتفكير الجاد، بدون تلكك أو تهرب من الحقيقة والواقع، والنظر بأعين جديدة وبدون مجاملة إلى مسارنا التاريخي والغور في أعماقه وأعماقنا، وتحليل تقاليدنا وذهنياتنا لكي نفهم سلوكنا ونعرف أسباب مآسينا في الماضي والحاضر.
يبدأ كل تفكير بالتساؤل: لماذا رضخنا في كل مرة لكل من هم باستعمارنا؟ لماذا يغلب علينا الانشقاق، حتى أننا نفضل تحكيم الغريب ونفضله على بني جلدتنا؟ لماذا يبدأ تاريخنا المشترك فقط في أول نوفمبر 1954؟ ولما نحن غير قادرين على إرساء دولة دائمة ومجتمع متناسق واقتصاد نشيط؟ إنها كلها أسئلة لم يشأ من حكمونا أن نجيب عليها وبدل الأجوبة الصريحة التي تستوجب بدورها مباشرة البناء والعرق من أجل تحقيقها، فضلوا تجميل اللوحة وتنميقها والكذب علينا. إلا أن تاريخا آخر، 1988، جاء كحملة تنظيف نزع الماكياج وأبرز الحقيقة وباتت الأجيال تطالب بالأجوبة لكيلا تظل الطريق هي الأخرى.
وفي هذه السلسلة التي نقترحها عليكم، سنحاول أن نضع قراءة جادة لتاريخنا وإضاءته. فالتاريخ علم سرد الأحداث، أما فلسفة التاريخ، فهي البحث عن معناها وإيجاد تفسير لحدوثها. ربما سيجد القراء في التفسيرات التي سأقدمها خدشا لكبريائهم وقسوة في الحكم على أنفسنا إلا أنها تصب في البحث عن الحقيقة أو على الأقل ما يبدو لنا الأصوب في تفسير مشاكلنا القديمة والراهنة والأفكار التي نجملها وما صقل عقلياتنا ونفسيتنا وسلوكنا عبر القرون والأحداث، والتي ولدت الواقع الذي نغرق فيه اليوم.
جريدة ” لوسوار دالجيري” 20 ماي 2012
موقع “الجزائر اليوم“14 جويلية 2016
جريدة “الحوار“ الجزائرية 02 أفريل 2017
