ترجمة الحوسين شايب
إيران هي الدولة الإسلامية المعاصرة الأولى التي أطاحت فيها ثورة شعبية بالإستبداد. هذه الأخيرة استقطبت أنظار العالم بأسره، أكثر مما فعلته الثورات العربية، فعلى عكسها، أعدّ علماء الشيعة البديل لنظام الشاه.
آية الله الخميني الذي قاد الثورة من الخارج، هو أيضًا مؤلف كتاب “الحكومة الإسلامية”، والذي شرح فيه نظريته عن “ولاية الفقيه”، أي حكم البلاد من طرف إمام لديه كل السلطات وهو القائد الأعلى للجيش والأجهزة الأمنية. في هذا النظام، يكون رئيس الجمهورية كأنّه رئيس الوزراء، حتى لو تم انتخابه بالاقتراع العام، في حين يُنتخب المرشد الأعلى مدى الحياة من قبل 86 من كبار الشخصيات الدينية مجتمعين في “مجلس الخبراء”. كان هذا النظام الثيوقراطي الذي حلّ محل نظام الشاه الملكي.
في اليوم التالي لعودة الخميني إلى إيران، هبطت طائرتي في طهران لأعيش من خلال رحلة إليها الثورة الإيرانية من الداخل. بالتواصل مع الإيرانيين في الأحياء الشعبية حيث كنت أعيش ومن خلال اللقاءات التي أجريتها مع كبار الشخصيات الدينية وقادة الثورة من جميع الجهات، لمست حماستهم، ثقتهم في أنفسهم ويقينهم بأنهم سوف يدخلون في دورة حضارية جديدة. لكن خوفا لم أعرف مصدره، لم يفارقني أثناء وبعد إقامتي.
لدى عودتي إلى الجزائر نشرت سلسلة من المقالات لسرد ما عشته. في المقال الأوّل تركت العنان لحماسي (“رحلة في الثورة الإيرانية”، المجاهد في 2 جوان 1979)، في حين في الثاني دافعت عنها ضد منتقديها (“الثورة المحاصرة”، 3 جوان)، أمّا في الثالث فقد ألقيت حجابا من الشك (“الإسلام والمسلمون على المحك”، 4 جوان). بدا لي أنه من غير المناسب أن أقول المزيد أو أنشر شكوكي على الملأ لأن هذه الثورة كانت لا تزال في المهد.
يشير العنوان الذي أعطيته للمقال الثالث بوضوح إلى أن الموضوع لم يعد يتعلق بالثورة الإيرانية وحدها بل بوضعها في منظور أوسع، وهو العلاقة التي حافظ عليها المسلمون مع الإسلام عبر التاريخ. . عبرت عن تخوفي من أن يفشل هذا الاختبار الجديد للمسلمين مع الإسلام. كان المقصود من هذه الثورة أن تكون إسلامية، ولكن بدا لي على الفور أنها كانت فارسية أولاً ثم شيعية. اليوم، أدرك جيدا كم كنت ملهما في إختيار هذا العنوان لتقديم شهادة حول الحكمة التي عدت بها.
بعد ثلاث وثلاثين سنة، لم يعد الإسلام هو من يختبر الشيعة، بل اليهودية من تفعل. انعقدت جولة جديدة من المفاوضات حول القضية النووية الإيرانية في 14 أفريل في إسطنبول بين أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة، بالإضافة إلى ألمانيا وإيران.
وقد حكم المشاركون في هذه الجولة بالإجماع على أن المناقشات كانت “بناءة” بينما لم يتم الإعلان عن أي تقدم ملموس، باستثناء تحديد موعد جديد، لم يعلن عنه بعد. لكن ما يثير الدهشة هو كلمات رئيس الوفد الإيراني سعيد جليلي، الذي صرح لوسائل الإعلام قائلا: “اعتبرت مجموعة الخمسة + 1 أن فتوى قائد الثورة حول حظر الأسلحة الذرية ذات أهمية بالغة، وأنّها أساس التعاون من أجل نزع السلاح النووي كليّة”.
ما يجب علينا فهمه إذن، أنّ إيران جاءت إلى هذه الجولة بفتوى، وأن أرضية السياسة الدولية في اسطنبول كانت عبارة فتوى، فلم يكن البرنامج الإيراني هو محور الاجتماع بل “نزع السلاح النووي كليّة “. أمّا الفتوى فقد نصت على أن الأسلحة النووية “حرام” أمّا النووية المدنية فهي”حلال”. ألم يكن ينقص القوى العالمية سوى هذا “التمييز المقدس” لإقناع إيران بالتخلي عن ترساناتها، في حين فشلت معاهدات نزع السلاح الثنائية (SALTوSTARTوSORT) والمتعددة الأطراف (NPTوCTBT)، بعد نصف قرن من المفاوضات لحماية الكوكب من الخطر النووي؟
لا يبدو أن إيران، التي تلقت ست قرارات لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقلق كثيرًا، في حين أنها تقترب أكثر من الخيار العسكري، إذا لم تؤدي جولة ماي، إلى التخلي عن تخصيب اليورانيوم بالنسبة التي تسمح باستخدامه لأغراض عسكرية. لأنه حتى وإن كانت مجموعة الخمسة+ 1 هم الذين يتفاوضون، إلّا أنهم يفعلون ذلك في الحقيقة، نيابة عن إسرائيل وبدرجة أقل عن دول الخليج التي تعتبر نفسها مهددة أيضا، بالإضافة إلى النزاع حول الجزر الثلاث في مضيق هرمز التي احتلها الإيرانيون بالقوة في عام 1971 والتي تدعي الإمارات العربية المتحدة أنها لها.
من المشكوك فيه أن ينضم اليهود المقَوْلبين في تنظيم ديني خاص بهم إلى رأي فتوى إسلامية، أو أنّ يعطي الوهابيون والسنة أي فضل لفتوى شيعية. يجب أن أقول، أن الإسرائيليين، وخاصة الإسرائليين، لديهم هم أيضا مقاربة دينية إزاء الخطر الذي تمثله إيران المسلحة نووياً لهم.
إنها ثقافة ثيوقراطية بشكل أساسي، هي من تحكم سياستها، على الأقل منذ ظهور العقيدة الصهيونية مع نشر تيودور هرتزل عام 1896 “الدولة اليهودية”. لأنه قبل عقدين من الزمن، كان رئيس الوزراء الإنجليزي بنيامين دزرائيلي، يهتف أمام البرلمان البريطاني ويلوح بالقرآن: “طالما يوجد هذا الكتاب، فلن يكون هناك سلام في العالم!”. في هذه الثقافة تهديد إسرائيل يكفي لنشر الموت والدمار على نطاق واسع. كلّ من يتجاهل هذا البعد العقلي والفكري يدين نفسه بعدم فهم أي شيء بشأن السياسة الإسرائيلية تجاه العرب والفلسطينيين منذ عام 1948، والفرس الشيعة اليوم.
أثناء مقابلة بين أوباما والوزير الأول الإسرائيلي بن يامين نتانياهوسنة 2012، أهدى هذا الأخير للرئيس الأمريكي قبل أن يفترقا هدية غير منتظرة ولكنها معبرة، إنها جزء من الكتاب المقدس، وهو كتاب أستير “Livre d’Esther ” على اسم امرأة يهودية من قبيلة بن يامين، والتي كانت في القرن الخامس قبل الميلاد زوجة لملك الفرس “أوسيريس”.” Assuérus الذي لم يكن على علم بديانتها، والتي تمكنت من إنقاذ اليهود من هلاك مؤكد، وأثناء تسليمه للكتاب قال نتانياهو لأوباما “هو الآخر (أي ملك الفرس) كان يريد إبادتنا.”وكأنه يتحدث عن إرهابي محل بحث منذ….25 قرنا.
لا ندري من هو المقصود بالذات، لأن وحسب كتاب أستير نفسه، هو الوزير الأول هامان (Haman) الذي أعدم إثر تخطيطه لهذه الفكرة، وليس الملك، وهذا بعدما كشفت أستير أمره إلى الملك أوسيريس، وتحت تأثير أستير أصدر الملك قانونا ينص على: ” السماح لليهود مهما كانت المدينة التي يقطنون فيها، بالتجمع والدفاع عن أنفسهم، وهذا بإبادة وقتل كل الجماعات المسلحة من أي شعب أو في مقاطعة، والتي يمكنها الإعتداء عليهم بما في ذلك أطفالهم الصغار، نساؤهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم.”
ويسترسل كتاب أستير: ” كثير من أعضاء الفئات الأخرى من سكان البلد إدّعوا بأنهم يهود لشدة خوفهم منهم، وجاء دور اليهود للسيطرة على كل الذين يبغضونهم، كانوا يتجمعون في مدنهم، وكل مقاطعات الملك أسيريس، وهذا للتعاون فيما بينهم ضد كل الذين يريدون إيذائهم. ولم يتجرأ أحد على مقاومتهم وهذا لخوف الفئات الأخرى منهم. زيادة على ذلك فإن زعماء المقاطعات بما فيهم المزربان (كلمة فارسية تعني حاكم الإقليم وتقابلها بالفرنسية كلمة: satrapes(الحكام والموظفون كانوا ينتصرون لليهود…، وهؤلاء ضربوا أعناق الكل وأبادوهم، وكانوا يتصرفون كما يريدون مع الذين يبغضونهم….”
كلّ هذا كان ردا انتقاميا لتهديد لم يعرف طريقه إلى التنفيذ، تماما مثل حال الملف النووي الإيراني. لا يمكن أنّ نمنع أنفسنا، أثناء قراءة هذه السطور، على التفكير في الفلسطينيين من جهة، ومن جهة أخرى في القوى الغربية التي تدعم إسرائيل على الرغم من انتهاكاتها العديدة لحقوق الإنسان والقانون الدولي منذ عام 1948.
المؤرخون لم يجدوا أي رواية لهذا السرد الموصوف “بالقصة التاريخية” مع التاريخ المحقق للإمبراطورية الفارسية. لكن ليس هذا هو الأهم، المهم هو أن الإسرائيليون يؤمنون بهذه “الحادثة” ويطبقونها كفرض ديني. لا يجب النظر إلى هدية نتنياهو على أنها دعابة أو إثارة لكن هي مجرد دليل على عقيدة إيمانية، وهي أن إسرائيل لا تنصت إلا إلى صوت تاريخها ولا تؤمن إلا بكتبها المقدسة سواء كانت مثبتة علميا وتاريخيا أم لا، والامتثال للقوانين الإنسانية وإلى القانون الدولي يأتي في المرتبة الثانية، بشرط أن تخدم مصلحتهم.
قصة أستير كانت أيضا بالإضافة إلى كونها الحدث الجديد، والخبر الساخن الذي جاء نتنياهو للخوض فيه مع الرئيس الأمريكي. وقبل أن يغادر البيت الأبيض صرح أمام وسائل الإعلام بأن “إسرائيل متحكمة في مصيرها.”
بعدها تنقل إلى اجتماع مع اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، منظمة (AIPAC) الشهيرة والقوية التي قال أمامها ” لقد منحنا الوقت للدبلوماسية وللعقوبات، لا نستطيع الانتظار أكثر…لن أدع أبدا شعبي يعيش تحت تهديد الإبادة”.
وتحدث في هذه المناسبة مثل مردوخي، الرجل الذي بواسطة دهائه وضع استير في مجلس حريم أوسيريس، وأمنيته أن تصبح ملكة الفرس، المشروع الذي تحقق. ففي نهاية القصة، يعلمنا كتاب أستير بأن “اليهودي مردوخي كان الرجل الثاني للملك أوزيريس، ولعب دورا مهما لصالح اليهود، وقد كان محترما من جملة إخوانه، كان يبحث عن سعادة شعبه وساهم عبر آرائه في رفاهية بني جلدته.”
صرحت قولدا ماير (Golda Meyer) التي شغلت منصب الوزير الأول الإسرائيلي السابق، في سيرتها الذاتية عبر كتابها ” حياتي”، ذكرى لحادثة ظلت راسخة في ذهنها إثر محاضرة دولية حول اللاجئين اليهود في إيفيان ليبان (Evian-les Bains) بفرنسا، حيث كانت متواجدة خلال سنوات الثلاثينات، قالت و هي ناقمة على تصرفات ممثلي الدول الغربية الذين تداولوا على المنصة ليعبروا عن تعاطفهم مع اليهود بدون مساعدتهم فعليا: ” بالنسبة لسؤال نكون أو لا نكون، فإن كل أمة يجب أن تأتي ببادرتها، اليهود لن يستطيعوا ولا يجب عليهم انتظار أي كان لبقائهم على قيد الحياة”.
هذه المرأة التي شغلت منصب الوزير الأول في مرحلة حرب أكتوبر 1973، كانت قاب قوسين أو أدنى من استعمال السلاح النووي ضد مصر وسوريا، لقد لزم تدخل الرئيس الأمريكي نيكسون (Nixon) بكل قوته لعدولها عن ذلك، وبدلا من ذلك مدها بجسر جوي لتموينها بالسلاح والذخيرة المرخصة دوليا التي كانت تطلبها، وإمدادها كذلك بالصور الحية للأقمار الصناعية لساحة المعركة.
إنها نفس العقيدة التي طبقها مناحم بانجان (Menahem Begin)في سنة 1981 عندما أمر بتدمير المفاعل النووي العراقي المسمى أوسيراك (Osirak) وهي نفس العقيدة التي تحرك اليوم شمعون بيراز، بن يامين نتنياهو وأيهود باراك.
وهذه العقيدة ليست إلا ترجمة للثقافة الدينية التي تحكم الفلسفة السياسية و الإستيراتيجية الدائمة لحياة إسرائيل. لم تقصي الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الخيار العسكري، كان لهم دور في كبح جماح الحرب لدى إسرائيل بحجة أن العقوبات تكفي لإضعاف النظام الإيراني، والذي سوف يجبر على التخلي عن طموحاته. وإذا لم يتأتى ذلك، يمكنهم مهاجمة إيران وقد استنفذت قواها، وأصبحت منعزلة عن العالم، كما حدث للعراق سنة 2003.
لقد تم اجتناب الحرب أو تأجيلها في الوقت الحالي، لكنها حتمية، إلاّ في حال تراجع مفاجئ من قبل النظام الإيراني حول برنامجه، الأمر الذي من شأنه أن يفسد مصداقيته لأنه حشد رأيه في هذه المسألة.
إذا قررت الحكومة الإسرائيلية المضي إلى الحرب مخالفة في ذلك رأي الغرب، فهذا الأخير هو من يضطر إلى أن يحذو حذوها.
كتب مالك بن نبي أشهر كتبه “وجهة العالم الإسلامي”سنة 1949، وتم تسليمه إلى دار النشر سوي (Seuil) التي أرجأت نشره إلى عام 1954. لكن ما لا نعرفه هو أنه أتبعها بمخطوطة تحت عنوان “المشكلة اليهودية” والذي بقي في قائمة أعماله غير منشورة. في هذه المخطوطة، كتب المفكر الجزائري هذه السطور التي اقتبستها من فصول مختلفة لأوصلها إلى القارئ حتى يتأمّلها: ” إن العالم الحالي سينتهي، وسيأتي بعده عالم جديد، دون أن يكون للمسلم دورا فيه، ولا مدركا للعوامل والقوى التي تتدخل في مستقبله. هذا العالم يريد تحويل كل البلدان الإسلامية إلى ساحة معركة حتى لا يتحقق أي عمل صالح، وأيضا لتدمير كل ما وجد كل إلى الآن بحيث يصبح استعماره في المستقبل ممكنا… ولهذا يجب أن يستحوذ العالم الإسلامي على التكنولوجيا النووية، ويسخر الطاقة الذرية…”. كان هذا في ديسمبر1951 أمّا اليوم فقد فات الآوان.
إسرائيل بدأت في السيطرة على الطاقة الذرية في سنوات الستينيات، وإيران بدأت بالاهتمام بالأمر في سنوات السبعينيات. الأولى بدأت في إنتاج وبسرية تامة المئات من القنابل الذرية، لكن الثانية أنتجت في صخب غير مسبوق بالليل والنهار أمام العالم، وتحت نظر مصالح مخابرات العالم بأسره، وتحت وطأة فضول كل سذج المعمورة، 3% أو 20 % من تخصيب اليورانيوم.
رغم أن مرجعيتهم دينية كذلك، يبدوا أن الحاخام وآية الله ليست لديهم نفس الفاعلية. هل يعرف علماء الشيعة أو السنة كتاب أستير؟ إنني لا أظن ذلك لأنه لم يكن ليحدث للمسلمين ما حدث لهم منذ قرن وسيبقى واقعا مستقبلا. لم يكونوا قادرين منذ حقبة المعتزلة سوى في ابتكار القنابل البشرية، والمجازر الانتحارية. وعلماؤهم ليسوا خبراء إلا في معرفة الماضي والبحث عن الشيطان في كل التفاصيل.
لن تربح إيران هذه الحرب في حالة حدوثها، بالرغم من حقها في الإعتراض المشروع على قانون دولي ذو هندسة متغيرة، إلّا أنّها لا تملك الإمكانيات. كان يجب على إيران اكتساب “حاخامات” في مكان علمائها “المتمتعون بالعصمة” وإذا أعلنت الحرب فإن الغرب كان سينقض عليها كرجل واحد.لذلك يجب أن نستعد للهزيمة بدلاً من أن نأمل في “رؤية ما سنراه” كما وعدونا في 1967 و1973و1991 و2003.
عشية هذا الصراع الأخير (2003)، كان من الواضح أن الاقتصاد العراقي كان منهارا، وأن شعبه مختنق، وأن أطفالهم يموتون بسبب نقص الحليب والأدوية بسبب الحصار، ولكن هذه الحقائق لم تمنع الخبراء العسكريين المتقاعدين من الحضور ليشرحوا على شاشات التلفزيون العربي “استراتيجية الدفاع” في العراق واحتمال وقوع خسائر “معتبرة” للتحالف الدولي. نتائج كانت منتظرة من حراسة رئاسية ذو تدريب عال، ودبابات مدفونة تحت الرمال، وصواريخ سكود قادرة على حرق إسرائيل، وأسلحة كيميائية، وقنبلة خارقة كان يمتلكها العراق فقط، وبغيرها من الأعاجيب. في النهاية، كان هناك أقل من 5000 ضحية من جميع دول التحالف مجتمعة في عشرين سنة، مقابل أكثر من مليون ضحية عراقية سقطوا بطريقة أو بأخرى.
هل ينبغي أن ننسب هذه المرة “الخسائر الفادحة” التي ستلحق بالعدو، لتصديق أحمدي نجاد؟ نحن نرغب في ذلك، لكننا لا نرى كيف يمكن أن يكون، فخصوم إيران يمتلكون أنظمة للهجوم والدفاع في غاية التطور بالنسبة لما تمتلكه.إنهم ينتجونها بأنفسهم وحسب إرادتهم، ولديهم خلفهم من يسندهم و يعززوا قدرتهم الحربية، اقتصاد لا ينضب. وكما هو حال حربي الخليج إنهم يعرفون إلى من يبعثون الفاتورة حين انتهاء تنفيذ المهمة.أما التهديد الصاروخي الذي أثاره الباسداران، فهو لا يخيف الإسرائيليين، حيث يكرر وزير الدفاع المدني على مسامع مواطنيه: “إسرائيل لديها القدرة على اعتراض الصواريخ من حيثما أتوا “.
كيف يستعد البلدان لما قد يسميه البعض الحرب العالمية الثالثة المحتملة؟ لقد بدأت هذه الحرب بالفعل.في الحقيقة إن هذه الحرب قد تمت بشكل عمليات سرية قامت بها مصالح المخابرات لتلك الدول ضد مصالحهم المتبادلة، حدث سنة 2008 هجوم ضد النظام المعلوماتي للمنشآت النووية الإيرانية، وبواسطة فيروس مدمر مصمم من طرف الخبراء الإسرائيليين، و بمساعدة بعض الأمريكيين ويسمى هذا الفيروس ب”ستكسنات” (Stuxnet) كان له دور في اضطراب نظام الآلات الطاردة (centrifugeuses) في معمل تخصيب اليورانيوم في ناتانز. وقد أثار تعطيل الآلاف منها، ويقال إن هذا الفيروس ذو درجة عالية من التصميم يخفي عناصر أخرى مبرمجة من أجل التفعيل مرة أخرى.
وقد حدثت لذلك الكثير من الاغتيالات لعلماء إيرانيين، وكذلك إنفجار عند إطلاق صاروخ بعيد المدى المسمى شهابفي قاعدة عسكرية قرب طهران، والذي تسبب في وفاة عشرات العسكريين وعلى رأسهم الجنرال المكلف بنظام الصواريخ. وقد تمت إعادة برمجة الصاروخ من طرف الموساد.
وكذلك الاغتيالات عبر السيارات المفخخة والتي حدثت منذ بضع سنوات في تايلاندا وجورجيا والهند ضد دبلوماسيين إسرائيليين حصيلتها جرحى لكن لا سقوط لضحايا.في الحالة الأولى ليست لدينا الأدلة بأن هذا العمل الإجرامي والاغتيالات كانت وراءه إسرائيل، لأن عملائها لم يتركوا أي أثر، لكن في الحالة الثانية فإن الإيرانيون قبض عليهم مباشرة.
لا نستطيع سوى أن نرى بأن حرب الظل لم تكن لصالح مصالح المخابرات الإيرانية، فإن كانت إيران قوية بالأقوال فإنّ إسرائيل قوية بالأفعال.لا يكفي أن إسرائيل لا تعلن عن نواياها لكن في حالة ضرب مصالح إيران فإنها تنفي كما هو الحال حينما دمرت المنشآت النووية السورية سنة 2007. أفعال وتصرفات إسرائيل مباشرة كما هي عادتها وقادتها لا يصرحون بمشاريعهم للعلن في يوم السبت كما يفعل القادة الإيرانيون خلال صلاة الجمعة.
كان هدف إسرائيل من ضرب إيران واضحا، لكن لم نفهم هدف إيران من التهديدات المتلاحقة التي وجهتها لإسرائيل. الفوائد التي قد تجنيها إسرائيل من تلك الحرب جليّة وهي تدمير القدرات النووية الإيرانية و تقويض قوتها على الصعيد الإقليمي كمنافس لها، لكننا لا نرى ما ستجنيه إيران.لن تفوز حتى بتعاطف الدول الإسلامية التي ستدعو إلى وقف إطلاق النار وإدانة “العدوان” واجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي قبل العودة إلى الصمت.
إذا كانت تعتمد على عاطفة الشارع العربي ستحصل عليها، ولكن بعد ضربها. العرب والبربر ليسوا معتادين على حداد الموتى قبل موتهم. سيكون حجم الغضب الشعبي حسب الخسائر التي ستلحق بها، وسيتم حرق بعض الأعلام الإسرائيلية أو الأمريكية هنا وهناك، وسوف يدعو العلماء السنة بنفاق إلى التضامن الشيعة، ولكن ليس هذا ما سيعيد إلى إيران ما ستفقده.
جارتها الحدودية أذربيجان، التي يشكل الشيعة 70٪ من سكانها، تحتفظ بأفضل العلاقات مع إسرائيل، والرئيس شمعون بيريس الذي ذهب إلى هناك في زيارة رسمية مؤخرًا، يتمنى الاعتماد على المساعدات التي قد يحصل عليها من هذا البلد لانسحاب محتمل للطائرات الهجومية إلى أراضيها.
أما عن الرأي العام الدولي فإنه سيرى مرة أخرى أنّ البلدان الإسلامية مثيرة للشغب، ومهزومة إثر أول مناوشة مع من هو (أصغر) منها، وهذا يذكرنا بأسطورة الضفدعة التي أرادت أن تكون أكبر من الثور.
على أي حال، فإن هزيمة إيران المخطط لها في حالة إعلان الأعمال العدائية ستكون أيضًا هزيمة للعالم الإسلامي، حتى لو لم توافق أي دولة إسلامية على سياستها. هذه هي الكارثة. عندما يفشل المسلمون في مسعاهم، ترد هزيمتهم على الإسلام وبقية المسلمين، مما يزيد من حجم الإسلاموفوبيا عند بقية البشرية. من ناحية أخرى، ستعطي هذه الهزيمة مزيدا من الشرعية للإسلاموية التي ستستغل شعور الاستياء القديم ضد إسرائيل والغرب. وحول هذا الموضوع لن يختلف معها أيّ عربي أو مسلم.
“لوسوار دالجيري” بتاريخ 22 أفريل 2012
جريدة “الشروق اليومي” 17 أكتوبر 2016
جريدة “الحوار” 12 جانفي 2017
موقع “الجزائر اليوم” 19 أفريل 2017
